مقدمة
"الأرض لمن يزرعها". هذا الشعار الشعبي، الذي رفعه مناهضو الاستعمار والإمبريالية حول العالم، كما تبنّته حركات الفلاحين مثل "La Via Campesina" و"حركة العمال عديمي الأرض" في البرازيل، يلخص المطلب العالمي بإجراء إصلاحات زراعية تضع الفلاحين في صميم النظم الغذائية. غير أن النقاشات العالمية حول إنتاج الغذاء والتنمية الريفية اضطرت إلى مواجهة مسألة حيازة الأراضي بما تحمله من حساسية، فيما لا تزال الأراضي في لبنان "الفيل في الغرفة" داخل نقاشات السياسة الزراعية الوطنية.
وتمسّ مسألة توزيع الأراضي وإتاحة الوصول إليها في لبنان بأسس الاقتصاد السياسي للبلاد، القائم على استخراج الريع والزبائنية واستحواذ النخب. فأتاح تشابك أنظمة ملكية الأراضي المختلفة للنخب السياسية والاقتصادية تحويل الأراضي باستمرار إلى أصول خاصة للمضاربة، ما أدى إلى تآكل القيمة الاجتماعية للأراضي تدريجياً وتحويلها إلى سلعة ومصدر للنفوذ السياسي. وحال استمرار النفوذ القائم على الأراضي ومقاومة النخب دون أي إصلاح هيكلي فعلي عبر التاريخ. وبالتوازي، فإن الدولة اللبنانية، بتفضيلها التدخلات التقنية التي يقودها المانحون في السياسات الزراعية والغذائية التي تتجنب القضية الأساسية المتمثلة في عدم المساواة في الوصول إلى الأراضي، تعمل كضامن لبنى الطبقات القائمة.
يجادل هذا المقال بأن إصلاح الوصول إلى الأراضي في لبنان يشكّل الشرط البنيوي الأساسي لبناء نظام زراعي عادل ومستدام، متجذر في الزراعة الإيكولوجية. كما يقترح سياسات وإجراءات إصلاحية محددة لتحقيق هذا الهدف. في المشهد السياسي الحالي، لا يزال الإصلاح الزراعي التوزيعي – أي نقل حقوق الحيازة إلى مستفيدين جدد لتأمين وصول أكثر عدالة – بعيد المنال. ومع ذلك، تبرز بدائل عملية لتحسين وصول المجتمعات الهشة إلى الأراضي وحماية الأراضي الزراعية المهددة، تشمل تعزيز استخدام الأراضي الأميرية المشتركة، وحماية المناطق الزراعية من المضاربة، وتفعيل الأراضي غير المستغلة.
جذور اللامساواة في ملكية الأراضي في لبنان
من نظام الأراضي العثماني إلى عهد الانتداب الفرنسي، مروراً بالاستقلال وصولاً إلى الحرب الأهلية، اتسم تاريخ لبنان بتعاقب أنماط مختلفة من تنظيم الأراضي أسهمت بعمق في تشكيل علاقات القوة والسيطرة على الأراضي. فخلال "حركة التنظيمات العثمانية" (1839-1876)، أُدخل قانون الأراضي لعام 1858 بهدف مركزة وتنظيم الضرائب العقارية. وقسّم القانون الأراضي إلى خمس فئات: الأميري، وهي أراضٍ مملوكة للدولة تُمنح حقوق الانتفاع بها للأفراد؛ المُلك، وهي الملكية الخاصة؛ الوقف، وهي أراضٍ ممنوحة للمؤسسات الدينية؛ والموات، وهي أراضٍ غير مزروعة أو نائية؛ والمتروك، وهي أراضٍ مخصصة للاستخدام الجماعي مثل الطرقات والغابات والمراعي. سمحت هذه الإصلاحات للنخب المحلية باستغلال النظام عبر تسجيل الأراضي بأسمائها، وفي كثير من الأحيان من دون ترسيم حدود واضحة، ما أدى إلى تراكم مساحات واسعة من الأراضي في أيدي الأعيان.. وخلال فترة "التنظيمات"، ارتفع عدد سندات الملكية الخاصة والمساحات التي تغطيها بشكلٍ حاد، ما حوّل معظم أراضي جبل لبنان إلى ملكيات خاصة أي "ملك". اختلف هذا الترتيب عما كان سائداً في مناطق مجاورة مثل بعلبك وعكار، اللتين أُلحقتا بلبنان الكبير عام 1920، إذ كانت أراضي "الأميري" و"المتروك" تُزرع ضمن نظام المشاع الذي يُدار بشكل جماعي. وبالتالي، اتّسم نظام إدارة الأراضي في لبنان منذ نشأته بالتنوع وعدم التجانس، متأثراً بالإرث الإداري لمناطقه المختلفة.
خلال فترة الانتداب الفرنسي (1920-1943)، استمرت الإصلاحات مع إنشاء مديرية أعمال المساحة والتنظيم العقاري Régie de Travaux du Cadastre et d’Aménagement Foncière عام 1920، بهدف تحديث إدارة الأراضي وضمان توزيع أفضل وأكثر عدالة، إضافة إلى جباية ضريبية أكثر كفاءة على الملكيات. وفي المناطق الملحقة حديثًا بلبنان الكبير، حوّلت سياسة إعادة توزيع الأراضي، أراضي "المشاع" إلى ملكيات خاصة. كما أن قانون الملكية العقارية لعام 1930، وهو مزيج بين النظامين العثماني والفرنسي للأراضي، ساهم في زيادة طمس الحدود بين أراضي الدولة والملكيات الخاصة، ما أتاح مزيداً من استحواذ النخب وتفتيت حوكمة الأراضي العامة. وبدعمٍ من النخب المحلية، سهلت هذه الإجراءات استيلاء قلة من المتنفذين على الأراضي على حساب الملكية الجماعية وحقوق الانتفاع والاستخدام. وفي هذا المسار، لم يكن السجل العقاري مجرد أداة تقنية لإدارة الأراضي، بل كان أداة رئيسية في ترسيخ السلطة القائمة على الأرض وإنتاج اللامساواة الضريبية. وبحلول عام 1925، حدث تركيز ملحوظ لملكية الأراضي في البقاع، إذ كانت نحو 78 في المئة من الأراضي بيد عدد محدود من العائلات. وينطبق الأمر نفسه على بلدة سيناي في جنوب لبنان، التي سُجلت عام 1939 كملكية حصرية لمالك واحد: شخصية سياسية نافذة من مدينة صيدا، يجلس أحد أحفادها الآن في البرلمان اللبناني. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن أكثر من نصف الأراضي مُسحت وأُضيفت إلى السجل العقاري، لكن تُركت ثغرات عديدة في القانون العثماني من دون معالجة، ما ترك غموضًا مستمرًا لصالح استحواذ النخب على الأراضي.
بعد حصول لبنان على استقلاله عام 1943، ورث إطارًا قانونيًا مليئًا بالثغرات والمراسيم التقديرية التي أتاحت تحويل الأراضي العامة إلى ملكيات خاصة، ما قوّض مبدأ الأرض بوصفها منفعةً عامة. وبدلاً من إصلاح منظومة إدارة الأراضي الفرنسية - العثمانية، كرّست السلطات اللبنانية سياسات سمحت للنخب بتوسيع سيطرتها على الأراضي. وأدى غياب مسح عقاري شامل، إلى جانب اعتماد الأرشيفات التاريخية كإثبات للملكية، إلى تشجيع التعدي التدريجي على الأراضي العامة والمشاع. هذا المسار، الذي أحسنت النخب استغلاله بمهارة، سرّع وتيرة الاستحواذ على الأراضي لأغراض المضاربة على حساب أنماط الاستخدام الجماعي التقليدية.
وخضعت بنية الاقتصاد السياسي في لبنان بعد الاستقلال بالكامل لمصالح نخبة اقتصادية تبنّت ليبرالية اقتصادية غير مُقيّدة، وسعت إلى تطوير قطاع اقتصادي ثالثي خدماتي منفتح على الخارج، قائم على دور بيروت كوسيط بين الغرب وأسواق النفط الناشئة في شبه الجزيرة العربية والعراق. وعلى مستوى السياسات الزراعية، سمح هذا النهج للبنان بأن يصبح مصدراً للفواكه والدواجن إلى أسواق الخليج نظراً لعجزها الزراعي النسبي وارتفاع قدرتها الشرائية. غير أن هذه السياسة التصديرية تعني أيضاً إهمال العمال الزراعيين والقطاعات الزراعية نفسها. فبين عامي 1950 و1974، تراجعت مساهمة القطاع الزراعي من 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي و55 في المئة من اليد العاملة إلى 9 في المئة و 22 في المئة على التوالي. في المقابل، ارتفعت مساهمة قطاع الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي من 66 في المئة إلى 73 في المئة، وفي التوظيف من 34 في المئة إلى 61 في المئة٪ خلال الفترة نفسها.
بعد الحرب الأهلية (1975-1990)، أصبحت النزعة التمويلية للأراضي سمة حاسمة في الاستراتيجية الاقتصادية للبنان. فبدعمٍ من تحويلات المغتربين المالية ورؤوس الأموال من دول الخليج العربي، أصبحت الأراضي والعقارات أداة الاستثمار الرئيسية، ما رفع قيمتها بشكلٍ حاد. ومع إضعاف الدولة بفعل الصراعات الداخلية واستحواذ النخب تراجعت الحوكمة العامة لصالح نظام تهيمن عليه المصالح الخاصة. وأنتج هذا النظام لامساواة مكانية واختفاء متسارعاً للأراضي الزراعية وتدهوراً في السلع العامة، مختزلاً الأراضي إلى مجرد أصل مضاربة يخدم تراكم رأس المال لدى أقلية.
آثار اللامساواة في ملكية الأراضي على العمل والإنتاج الزراعي
على غرار سوريا ومصر بعد الاستقلال، ورث لبنان وضعاً اتّسم بحدّة اللامساواة في ملكية الأراضي، فكانت سلطة النخب السياسية مرتكزةً إلى حدٍ بعيد على نفوذها القائم على ملكية الأراضي. وفي حين جرى الحدّ جزئياً من هذا الخلل في سوريا ومصر من خلال حكوماتٍ انتهجت سياسات زراعية قومية طموحة، بقي نفوذ كبار ملاك الأراضي عقبة أمام التنمية الزراعية في لبنان. أدى الإصلاح الزراعي في سوريا في مطلع ستينيات القرن الماضي مثلاً إلى نزع ملكية نحو 80 في المئة من الأراضي التي كان يملكها كبار الملاك في منطقة القصير الحدودية. ومنحت هذه الإصلاحات حقوق استثمار متساوية وإمكانية الوصول بالمشاركة إلى الخدمات الزراعية للمزارعين السوريين واللبنانيين المقيمين على جانبي الحدود.
في لبنان، عمّق ظهور المزارع الرأسمالية الكبرى وتوسّعها منذ الخمسينيات اللامساواة في ملكية الأراضي، كما إلى تحول في العمل الزراعي وتراجع نظام المزارعة بالمشاركة أيضاً، الذي انخفضت نسبته من 25 في المئة من القوى العاملة الزراعية عام 1950 إلى 5 في المئة فقط عام 1970. وبحثًا عن إنتاجية أعلى، طرد ملاك الأراضي العديد من المزارعين بالمشاركة، الذين اضطروا إلى الهجرة نحو بيروت بحثًا عن عمل. وأسهم هذا التهجير القسري الذي طال نحو 20 في المئة من سكان الريف في ستينيات القرن العشرين، في نشوء طبقة بروليتارية حضرية هشّة محرومة من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية الأساسية. في المقابل، اتجه آخرون إلى العمل الزراعي المأجور في ظروف قاسية وبأجور متدنية بسبب وفرة العمالة الرخيصة، لا سيما من اللاجئين الفلسطينيين والعمال السوريين. ففي عام 1970، كان في لبنان نحو 30 ألف عامل زراعي لبناني، مقابل 15 ألف عامل زراعي سوري وفلسطيني.
في هذا السياق الاجتماعي والاقتصادي المتوتر، شهدت المناطق الريفية سلسلةً من التحركات ضد هشاشة ظروف العمل وبُنى الإيجار الجائرة. فمنذ عام 1968، تمرّد المزارعون بالمشاركة المعدمون في سهل عكار ضد الملاك الغائبين وعمليات طردهم. وفي عام 1970، تحرّك المزارعون المستأجرون لأراضي الأديرة المارونية في منطقتي تنورين وميفوق للمطالبة بحصص أكثر عدالةً من المحاصيل وبتوزيع أراضٍ أكثر إنصافًا. في عام 1973، تحدى مزارعو التبغ في الجنوب سياسات الترخيص والتسعير الاستغلالية، مطالبين بأسعار أفضل وحقوق أكثر. تضافرت هذه التحركات لتشكل الاتحاد الوطني للعمال الزراعيين، الذي جمع مؤتمره عام 1973، 163 قرية. وناضل الاتحاد ضد ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية وضد الممارسات التعسفية للوسطاء. والأهم من ذلك، طالب المزارعون أيضاً بقانون إيجار أكثر عدالةً يسهل وصولهم إلى الأراضي، وبشمولهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. اندرجت هذه الحركات الفلاحية في إطار مطالب أوسع بالتغيير الاجتماعي والاقتصادي التي ترددت أصداؤها في البلاد مطلع سبعينيات القرن الماضي. لكن النظام السياسي، المشلول والمُثقل بالتناقضات والصراعات الداخلية، أثبت عجزه عن تنفيذ الإصلاحات اللازمة لمواجهة الأزمة.
اليوم، لا تزال الأرض قضية مركزية تتقاطع فيها السلطة والسيطرة على الموارد والعدالة الاجتماعية، كاشفةً الانقسامات بين نخب مالكي الأراضي والسكان الريفيين المهمشين. وفي مواجهة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة التي تفاقمت بفعل الأزمة الاقتصادية والمالية لعام 2019، يضطر صغار المالكين غالباً إلى اتخاذ قرارات قصيرة الأمد، على حساب الاستدامة طويلة الأمد. وتدفع سياسات إدارة الأراضي غير الفعالة والمتقادمة، المزارعين إما إلى التكيف مع توجهات السوق لضمان سبل عيشهم، أو الاستثمار في العقارات، ما يؤدي إلى تحول جذري في المشهد الريفي اللبناني. علاوة على ذلك، يعكس امتناع الحكومات المتعاقبة عن إضفاء طابعٍ رسمي على عقود الإيجار الزراعي لفترات تتجاوز موسماً زراعياً واحداً – ما كان من شأنه أن يمنح الفلاحين الأمن والاستقرار اللازمين للتخطيط الاقتصادي والزراعي طويل الأمد – استمرار أزمة الأراضي في بلدٍ لا تزال فيه الملكيات واسعة النطاق هي السائدة. ووفقاً لآخر تعداد زراعي أجري عام 2010، يزرع 70 في المئة من المزارعين أقل من هكتار واحد، فيما تغطي 4 في المئة من المزارع أكثر من 6 هكتارات. وتتكون السلسلة القيمية الزراعية من مزارع صناعية - زراعية كبيرة موجهة للتصدير من جهة، ومزارع صغيرة تعاني من ضعف رأس المال من جهةٍ أخرى. وتنعكس هذه الديناميكية في التوزيع غير المتكافئ لحيازة الأراضي: إذ يملك 10 في المئة من المالكين 60.6 في المئة من الأراضي الزراعية، فيما يملك 1 في المئة من ملاك الأراضي 26.5 في المئة. وتُزرع عادةً المزارع الكبيرة المملوكة لمالكين غائبين بمحاصيل فاكهة موجّهة للتصدير (خصوصاً الحمضيات أو الأفوكادو) وبمحاصيل مكثفة مثل البطاطس. ويمكن تتبّع أكبر المزارع الخاصة في لبنان إلى سياسيين نافذين من مختلف الطوائف والانتماءات السياسية.
في المقابل، تشغل نصف المزارع في لبنان أقل من 10 في المئة من الأراضي المزروعة في البلاد. وتُزرع هذه الأراضي غالباً بالطرق التقليدية، مع وصول محدود إلى القروض الزراعية أو أشكال الإقراض غير الرسمية. ويتأثر الإنتاج الزراعي بتقلبات الأسعار، وهوامش الوسطاء، وارتفاع كلفة الإنتاج، وضعف رأس المال، وغياب التعاونيات الفعالة.
علاوة على ذلك، لا يزال معظم العمل الزراعي غير نظامي وهشّاً، وخارج إطار قانون العمل، إذ لا تتجاوز نسبة العاملين المُصرّح عنهم رسمياً سوى 8 في المئة. ونتيجة لذلك، لا يستفيد المزارعون والعمال الزراعيون المأجورون من أي تغطية صحية عامة أو أنظمة تقاعد. كما يُقدّر البنك الدولي أن 58 في المئة من الأسر الزراعية تعيش تحت خط الفقر بعد أزمة عام 2019 الاقتصادية. وشكّل تدفق العمالة السورية منذ عام 1990، مع نهاية الحرب الأهلية، ثم وصول اللاجئين السوريين الفارين من الحرب في بلادهم منذ عام 2011، ضغوطاً إضافية على سوق العمل الزراعي، ما فتح الباب أمام مزيد من الاستغلال والهشاشة. في عام 2016، كان القطاع يوظف نحو 200 ألف عامل سوري، دائمين وموسميين، مثّلوا 80 في المئة من العمال الزراعيين المأجورين.
معوّقات الإصلاح الزراعي
في ظلّ عقود طويلة من اللامساواة في الوصول إلى الأراضي وما نتج عنها من ظروف عمل زراعية هشّة، يصبح من المشروع التساؤل عن سبب عدم تنفيذ أي حلول مستدامة أو إصلاحات هيكلية في مجال حيازة الأراضي أو القطاع الزراعي حتى الآن. وعلى الرغم من بعض المحاولات، لا سيما خلال عهد فؤاد شهاب في خمسينيات القرن العشرين، فإن التهديد الذي شكلته مشاريع التنمية والتحديث التي قادتها الدولة للمصالح الاقتصادية والزبائنية للنخب السياسية والاقتصادية جعل تنفيذها بالغ الصعوبة.
وكما تشير منى حرب، فإن التخطيط المُدُني وتخطيط استخدامات الأراضي، اللذين كان يُنظر إليهما في السابق كأدوات للصالح العام، أُفرغا من مضمونهما وأعيد توظيفهما لإعادة إنتاج اقتصاد سياسي طائفي وأوليغارشي، تُقدّس فيه الملكية الخاصة، ويُختزل فيه التنظيم المجالي إلى مصطلحات تقنية تقتصر على التقسيم إلى مناطق وحقوق الاستملاك، بعد نزع أي غاية اجتماعية عنها. واستُغلت مؤسسات مثل المديرية العامة للتنظيم المدني وأطر استراتيجية مثل "المخطط التوجيهي الشامل لترتيب الأراضي اللبنانية" لتحقيق مكاسب طائفية ومضاربات عقارية، أو تركت دون تنفيذ كلياً، ما عزز ثقافة سياسية تَعتبِر الأرض أساساً سلعةً ووسيلة لاستخراج الإيجارات لاً مورداً جماعياً.
ونتيجة لذلك، تكون الحلول والاستراتيجيات التي تقترحها الدولة اللبنانية موجهة غالباً نحو المانحين، ما يعكس هيمنة الزراعة التجارية ويُخفِق في معالجة القضايا القانونية والسياسية الرئيسية في هذا القطاع. وينبع قانون البذور المقترح مؤخراً من المنطق نفسه: فخلف واجهة تكنوقراطية للتنظيم، يقدم مشروع القانون نظاماً تجارياً يُقوّض أنظمة البذور المحلية، ويُضعف التنوع البيولوجي، ويفتح الباب أمام احتكار التجار وشركات البذور متعددة الجنسيات، ما يوسع فعلياً تسليع الأرض لتطال الأسس الجينية للزراعة نفسها. ) وبالتالي، يصبح تسجيل البذور آلية أخرى لحصر الموارد البيئية المشتركة، ما يُخضع المزارعين للاعتماد، ويُعمّق خصخصة الموارد الأساسية المشتركة تاريخياً. )
ويحدد كنج حمادة أربعة إصلاحات أساسية لتحقيق التنمية الريفية المستدامة من شأنها تحسين وضع المزارعين والعمال الزراعيين على المدى الطويل: تقنين العمل الزراعي، إصلاح نظام حيازة الأراضي، توسيع القانون المُنظِّم للتعاونيات، وتشجيع التنافسية من خلال كسر الاحتكارات. ومع التركيز على فئة حيازة الأراضي والوصول إليها، يقدم القسم التالي إصلاحات عملية لكنها نقدية.
مجالات الإصلاح
أظهرت عدة دراسات الصلات الإيجابية بين الوصول الآمن إلى الأراضي وتوسيع النهج الزراعي البيئي وتحسين الاستدامة البيئية، والحد من الفقر والجوع. والأهم من ذلك، أن تحسين ظروف المنتجين الزراعيين المهمشين يعتمد على إصلاح الأراضي الذي يعيد التوازن بشكل فعال إلى السلطة الاجتماعية والسياسية المرتبطة بملكية الأراضي. في هذا السياق، يمثل الإصلاح الزراعي التوزيعي أداة سياسية مهمة، لأنه يعالج الحاجة المادية إلى الوصول إلى الأراضي واللامساواة البنيوية في الملكية والسلطة التي تقيد القطاع الزراعي. عملياً، يتيح هذا الإصلاح نقل حقوق الملكية من كبار مالكي الأراضي إلى صغار المزارعين لتوفير وصول أكثر عدالةً إلى الأراضي.
ومع ذلك، فإن مثل هذه السياسات تتعارض مع مصالح النخب السياسية التي استمدت سلطتها تاريخياً من امتلاكها مساحات كبيرة من الأراضي. كما أن تنفيذ هذه السياسات سيواجه تحديات تتمثل في حوكمة مجزأة وإطار قانوني يفضل الخصخصة. للتوضيح، يقترح قسم من النخبة الحاكمة، من خلال عدة مشاريع قوانين، خصخصة أصول الدولة، خصوصاً الأراضي الأميرية، كحل محتمل للأزمة الاقتصادية الحالية. تشكل هذه الأراضي 52 في المئة من أراضي الدولة اللبنانية، مع وجود 78 في المئة منها في البقاع، وهي منطقة زراعية حيوية. تمثل الأراضي الأميرية شكلاً من الملكية العامة المتاحة، لا سيما للسكان المهمشين. فالاستخدام الحر لها المتاح لغير المواطنين والقابل للانتقال على أساس متساوٍ، يعزز الإدارة الجماعية للأراضي، ويكسر النموذج السائد للملكية الخاصة. في المقابل، تعكس محاولات الخصخصة نظاماً زبائنياً تُستخدم فيه حقوق الأراضي لأغراض سياسية على حساب الصالح العام والاحتياجات الحقيقية للقطاع. إن خصخصة هذه الأراضي تنطوي على خطر تفاقم أوجه اللامساواة من دون أن تسهم فعلياً في حل الأزمة الاقتصادية أو خفض الدين العام، مع زيادة إضعاف الدولة.
بينما تبقى إعادة التوزيع العادل للأراضي السبيل المثالي لمعالجة أوجه اللامساواة البنيوية في الزراعة، فإن الواقع السياسي والاقتصادي في لبنان يجعل مثل هذه الإصلاحات غير مُمكنة، ما يتطلب بدلاً من ذلك استراتيجيات بديلة لتحسين الوصول إلى الأراضي وتحقيق العدالة فيها.
أولاً، يجب على الممارسين والباحثين المشاركين بنشاط في الدعوة إلى التخطيط المُدني، اقتراح تعزيز استخدام الأراضي الأميرية. وينبغي أن يعتمد لبنان سياسة وطنية لحماية وتوسيع الأراضي الأميرية التي تشكل مساحات شاسعة من الممتلكات العامة الحيوية للزراعة وسبل العيش الريفية في جميع أنحاء البلاد. تظهر هذه الأراضي – كما هو الحال في مدينة صور، حيث يُستخدم 62 في المئة من الأراضي الأميرية لدعم أكثر من 150 عائلة لاجئة فلسطينية – كيف يمكن للملكية العامة المقترنة بحقوق انتفاع آمنة أن تدعم الإنتاج الغذائي، وتحمي المجتمعات المحلية من التهجير، وتواجه المضاربة على الأراضي. وبموجب إطار قانوني وإداري مخصص يوضح حوكمتها، يتعين بذل جهد وطني لرسم خرائط الممتلكات الحكومية غير المستغلة بالكامل وحمايتها واستعادتها قدر الإمكان للاستخدام الزراعي والمجتمعي، لتصبح الأراضي الأميرية ركيزةً أساسية لاستراتيجيات الأمن الغذائي والعدالة الاجتماعية في لبنان.
ثانياً، يوصي مخططو المدن والمناصرون بتحسين تخطيط استخدام الأراضي وحمايتها. ويُعدّ أحد العوائق الرئيسية أمام الوصول إلى الأراضي في لبنان هو نقص تدابير فعالة لتخطيط وحماية الأراضي. تفتقر العديد من المناطق الزراعية الخصبة، مثل سهل الزهراني، إلى أي إطار تخطيطي رسمي، ما يجعلها عرضةً خصوصاً لإعادة تصنيفها لمشاريع البناء أو السياحة. ويزداد تفاقم المشكلة بسبب عدم تنفيذ "المخطط التوجيهي الشامل لترتيب الأراضي اللبنانية، وهو المخطط الوطني الذي كان يهدف إلى حماية المناطق ذات الأهمية الزراعية. يجب مراجعة المخطط التوجيهي ليتوافق مع الظروف المعاصرة، مع الاعتراف بأن بعض المناطق الزراعية فُقِدت بشكل نهائي لصالح التحضر، مع ضمان حماية جميع الأراضي الزراعية النشطة المتبقية بوضوح في إطار الاستراتيجيات الوطنية والبلدية. وبالتوازي، تبرز حاجة إلى تطوير خريطة شاملة لاستخدام الأراضي الزراعية لتوفير بيانات موثوقة عن توزيع المحاصيل وإمكانات الأراضي ومتطلبات البنية التحتية. ستُمكّن هذه الأداة من التخطيط المستند إلى الأدلة ومنع إعادة تصنيف الأراضي بشكلٍ تعسفي أو بدوافع سياسية.
ثالثًا، وبالاستناد إلى مفهوم الوظيفة الاجتماعية للملكية كما هو مُطبّق في البرازيل، يوصي البعض بتنفيذ لوائح تُفعّل الأراضي الخاملة أو غير المستغلة بالكامل. ومن الأمثلة على ذلك فرض عقوبات مالية على الأراضي الشاغرة، مصحوبةً بحوافز للاستخدام الإنتاجي، لتعزيز إدارة الأراضي بشكل أكثر فعالية ومسؤولية اجتماعياً. وبالمثل، من الضروري أن تسهم أراضي الأـوقاف الدينية في خدمة المجتمع عبر التأجير العادل للاستخدام الزراعي عندما يكون ذلك ممكناً أو من خلال فرض ضرائب عادلة. كما تلعب البلديات دوراً هاماً في تحقيق الدور الاجتماعي للأراضي. يمكن استثمار الأراضي المشتركة داخل البلديات (المتروكة) – التي كانت تضم تاريخياً ساحات للدرس أو مراعي – في مشاريع زراعية مجتمعية، مع إشراف البلديات على إدارتها وإعادة توزيع عائداتها. وعن طريق تعزيز أدوات التخطيط الوطنية والمحلية وربطها باستراتيجية زراعية واضحة، يمكن للبنان الحدّ من ضغوط المضاربة، وحماية أراضيه الأكثر خصوبة، وضمان استمرار المناطق الزراعية في أداء وظائفها الاجتماعية والإنتاجية الأساسية.
الخلاصة
تشكّلت ديناميات الأراضي في لبنان عبر تاريخٍ طويل من الأنظمة القانونية المجزأة وتراكم الثروات بيد النخب، وهي لا تزال تكرس أنماط الإقصاء. إن إصلاح الوصول إلى الأراضي ليس فقط شرطاً هيكلياً لبناء نظام زراعي عادل ومستدام، بل هو أيضاً ضرورة اجتماعية تركز على الاعتراف بحقوق العمال الزراعيين وحمايتها. واقترح هذا المقال ثلاث فئات من الإصلاحات السياسية الحاسمة: تعزيز استخدام الأراضي الأميرية، تحسين تخطيط استخدام الأراضي وحمايتها، وتفعيل الأراضي الخاملة أو غير المستغلة بالكامل عبر تنظيمات جديدة.
في ختام هذا التحليل لإصلاح الأراضي في لبنان، من المهم أيضًا الإشارة إلى المبادرات غير الحكومية التي تخلق مساحات تجريبية توسع آفاق الملكية المشتركة، حتى عندما يبقى وصولها إلى الأراضي مشروطًا وهشاً. وفي مواجهة تهديدات المزيد من حصر الأراضي وحتى البذور، وفي ظلّ التخطيط الحكومي الإقصائي، ظهرت أخيرًا مبادرات في مجال الزراعة الإيكولوجية مثل "بذورنا جذورنا" و"نحيي الأرض" و"حركة الزراعة" التي تركز على الزراعة الإيكولوجية: وهي نهج شامل لاستدامة النظام الغذائي يدمج البحث والتعليم والممارسة عبر الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية للزراعة. من خلال تقدير أشكال المعرفة المتنوعة وإشراك جميع أصحاب المصلحة في أنظمتنا الغذائية، تتحدى الزراعة الإيكولوجية هياكل السلطة في النظام الغذائي الصناعي عبر ممارسات وسياسات بديلة. كما يُضفي الإطلاق الرسمي لـــ"ائتلاف الزراعة الإيكولوجية" في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، طابعاً سياسياً على هذه الجهود من خلال التعبير عن الزراعة الإيكولوجية ليس فقط كبديل تقني، بل كنضال من أجل السيادة الغذائية والسيطرة الديمقراطية على الموارد، وانطلاقاً من الواقع الزراعي.
وبهذا المعنى، تعمل مبادرات الزراعة الإيكولوجية والائتلاف الجديد كجهات إصلاحية لكنها تحويلية: فهي تعارض تسليع الأراضي والبذور، وتستعيد المعرفة الزراعية باعتبارها تراثًا مشتركًا، وترسم ملامح نموذج جديد قائم على المشاع يظهر في ظل اقتصاد سياسي معادٍ. وتكشف ممارساتها أنه بينما تبقى الإصلاحات الهيكلية معطلة، تستمر أشكال بديلة من إدارة الأراضي والسيادة على البذور والزراعة الحضرية والإنتاج الجماعي (collective production) في التحقق داخل الشقوق التي يتركها النظام الحالي للأراضي والغذاء، ما يشير إلى أن الخيال السياسي حول الأراضي لا يزال من الممكن إعادة بنائه من القاعدة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.