مقدمة
منذ إنشاء المجمع الكيميائي عام 1972، أصبحت قابس واحدةً من بؤر الصراع البيئي في تونس. فرسّخ التدهور التدريجي للواحات، وتلوث الهواء والبحر، وانتشار أمراض الجهاز التنفسي وحالات السرطان شعوراً لدى جزء من السكان بأنهم يعيشون في إقليم "مضحّى به" باسم نموذج تنموي فُرض من أعلى. وتغذي هذه الحالة شعوراً بالظلم البيئي وهشاشة اجتماعية، تتقاطع فيها القضايا الصحية والاقتصادية والإقليمية والرمزية.
تندرج حوادث الاختناق الجماعي التي وقعت في خريف 2025، التي طالت التلاميذ خصوصاً، ضمن سياق هذه الأزمة طويلة الأمد، لكنها تتخذ شكل لحظة قطيعة: حدث يظهر ما كان محسوسًا بالفعل، ويحول خطرًا مزمنًا إلى موضوع نزاع عام. في هذه اللحظة بالذات، تنطلق حملة "أوقفوا التلوث – قابس" ، في تقاطع بين تعبئة المواطنين وإنتاج خطاب مضاد وتشكيك في النموذج الكيماوي - الصناعي السائد.
يهدف هذا البحث التحليلي والنقدي إلى دراسة تأثير هذه الحملة في الصراع البيئي المحلي والثقافة الاحتجاجية التونسية. ويهدف إلى تحليل أشكال العمل والأطر والفاعلين وأنماط السياسة التي تُفعّلها، في سياق وطني يتسم بإغلاق المجال السياسي وإعادة تشكيل أساليب الاحتجاج.
يمكن صياغة أسئلة البحث على النحو الآتي:
- كيف تحول حملة "أوقفوا التلوث – قابس" حادثة تلوث حادة إلى صراع اجتماعي-بيئي منظم؟
- ما هي أطر المشكلة، وما هي الأطراف المتعارضة، وما هي آفاق الحلول التي تتبنّاها، وما هي أساليب العمل التي تستخدمها؟
- كيف تعيد هذه الحملة تعريف أشكال التسييس في تونس بعد 2011، من خلال الطعن في نموذج التنمية أكثر من الطعن في الحكومة، وجعل المطالبة بهواء نقي وحياة خالية من السرطان لغة سياسية جديدة؟
المنهجية
يعتمد هذا المقال على مواد علمية وإعلامية وناشطية. فمن جهة، يستند إلى الأدبيات القائمة حول الأزمة البيئية في قابس من أجل تحديد موقع "حدث" عام 2025 في سياقه التجريبي والتاريخي. ومن جهةٍ أخرى، ترتكز التحليلات النوعية للمحتوى على مجموعة رقمية تتكون، أولاً، من 59 منشوراً/صورة مأخوذة من لقطات شاشة لصفحة Facebook Stop Pollution–Gabès (فترة أيلول/سبتمبر-تشرين الثاني/نوفمبر 2025، مجموعة جزئية)، وثانياً، من 22 منشوراً مأخوذاً من لقطات من حساب لينكدإن LinkedIn لأحد قادة الحركة. وتُستكمل هذه المجموعة بمجموعة فرعية من المواقف المؤسسية والإعلامية (خطب، بيانات، نداءات نقابية، صحافة). رُمّزت هذه المجموعة استنادًا إلى مساهمات علم اجتماع الحركات الاجتماعية (التأطير التشخيصي/الاستشرافي، سياسات الصراع، مظاهر القوة والتضامن WUNC displays، سجلات العمل)، وإلى علم الاجتماع السياسي لحملات الحركات الاجتماعية، بهدف إعادة تركيب تسلسل التعبئة، وتحديد الفاعلين والأطر المهيمنة، وفهم كيف تحولت سلسلة من حوادث الاختناق إلى صراع اجتماعي-بيئي منظم.
قبل الحدث: ما تقوله الأبحاث عن الوضع البيئي في قابس
قبل وقتٍ طويل من حملات التعبئة التي انطلقت عام 2025، كانت الأدبيات العلمية قد أثبتت بوضوح خطورة الأزمة البيئية في قابس وطابعها المزمن. يُظهر سعيد ولحمر أن إنشاء المجمع الكيميائي حوّل تدريجياً الواحة وساحلها إلى منطقة صناعية تعاني من تلوث جوي شديد، ما أدى إلى ارتفاع موثق في أمراض الجهاز التنفسي والأمراض الجلدية، فضلاً عن انخفاض ملحوظ في الزراعة الواحية والصيد البحري والسياحة. على الصعيد البحري، يثبت رباوي وآخرون ، استنادًا إلى تحليل أربع فصائل من الرخويات جُمعت من خليج قابس، وجود معدلات مرتفعة من تراكم المعادن الثقيلة (لا سيما الكادميوم والرصاص والزئبق)، مرتبطة بإلقاء الفوسفوجيبس في البحر، ومقترنة بتدهور مروج نبات بوسيدونيا أوشيانيكا البحرية، وهي نظام بيئي بحري رئيسي؛ تقدر هذه النفايات بنحو 10 ملايين طن من الفوسفوجيبس تُصرّف سنوياً في خليج قابس، ما يعطي فكرة عن حجم التلوث المزمن الذي يشكل بنية النظام البيئي والصراع الاجتماعي-البيئي المحلي. وبالتوازي، يكشف عطوي وأغوبي أن 41 في المئة من طبقة المياه الجوفية في جنوب قابس معرضة لخطر التلوث بدرجة عالية إلى عالية جدًا، بسبب تداخل الضغط الصناعي والاستغلال المفرط للمياه الجوفية وغياب الحماية الهيدروجيولوجية.
يحلل خليفي، عبر استبيان شمل 500 شخص ومقابلات معمقة، التصورات الاجتماعية للمخاطر المرتبطة بالتلوث الجوي في قابس في إطار نظرية مجتمع المخاطر (بيك). وتُبرز الدراسة وجود وعي صحي وبيئي قوي، وشعور بالظلم البيئي، واستجابات ملتبسة تجمع بين الاستسلام والمقاومة الرمزية وتطلعات إلى العدالة البيئية. وتشير النتائج الكمية إلى تباينات مكانية ملحوظة: ففي بوشمة، أبلغ 27,3 في المئة من المستجوبين عن حالات ربو (مقابل 10,5 في المئة في الزارات). وخلال ذروة ثاني أوكسيد الكبريت SO₂ في 6 أيار/مايو 2017 (التي سجلتها محطة متنقلة تابعة للوكالة الوطنية لحماية المحيط في شنتش، على بعد 4 كم من بوشمة)، أفاد 50 في المئة من الأشخاص المُستطلعين في المنطقة المعرضة لحدوث تهيجات في الجهاز التنفسي، وصرّح 40 في المئة من المجموعة نفسها بالتعرض لاضطرابات تنفسية أو نوبات اختناق (من بينهم خمسة تلاميذ)، بينما ذكر 8,3 في المئة منهم الحاجة إلى تدخل طبي (17 حالة استشفاء). ويخلص المؤلف إلى ضرورة اعتماد حوكمة بيئية تشاركية، وتخطيط عمراني يراعي المخاطر، وإدماج المعرفة غير المتخصصة، أي المستمدة من التجربة اليومية للسكان المعرضين (تصورات الروائح، نوبات الاختناق، وإيقاعات التلوث، مسارات التجنب، والآثار الصحية)، من أجل الحد من اللامساواة الاجتماعية - المكانية في التعرض للمخاطر.
من جهة أخرى، في تحليلها للحركات البيئية بعد عام 2011، تُظهر روبير أن السلطات العامة في قابس رفضت لفترة طويلة الاعتراف بحجم الأضرار الصناعية المرتبطة بأنشطة معالجة الفوسفات، التي ينفذها بشكلٍ رئيسي المجمع الكيميائي التونسي (GCT). وتشير إلى أنه خلال الفترة المدروسة حال غياب الدراسات الوبائية المنهجية وقواعد البيانات الصحية الموحدة إقليمياً دون قياس عام وتراكمي وقابل للمقارنة لمدى انتشار الأمراض المنسوبة إلى النفايات الصناعية في قابس. غير أنه منذ 2023-2024، بدأت الأبحاث الطبية في توثيق، استنادًا إلى بيانات المستشفيات، الارتباطات بين التعرض لبعض الملوثات الجوية ومؤشرات الجهاز التنفسي. لا تزال هذه الأبحاث جزئية ومركزة على المستشفيات ومحدودة زمنياً، ولا تشكل (في هذه المرحلة) قاعدة وبائية إقليمية مستمرة تشمل جميع السكان، وتسمح بمقارنات متينة عبر الزمن وبين المناطق. في مواجهة التحركات المحلية والاعتصامات وإعاقة الإنتاج والإضرابات، اعتمد المجمع الكيميائي التونسي (GCT)، بدعم من المانحين الدوليين، سياسة تسمى بـ"التحديث البيئي"، تجمع بين التواصل مع الجمهور واللقاءات مع المجتمع المدني ومشاريع بيئية قُدّمت بوصفها تصالحية. ومع ذلك، توضح روبير أن هذه التدابير كانت محدودة الأثر، ولم تعالج الأسباب الهيكلية للتلوث. بالتوازي، تلجأ الدولة والشركات إلى تدابير تعويضية، لا سيما عبر شركات البيئة والزراعة والبستنة (SEPJ)، التي توفر فرص عمل أو مساعدات مادية لإزالة العقبات، على حساب زيادة اعتماد الاقتصاد المحلي على المجمع الصناعي. أخيرًا، تندرج مشاريع نقل وحدات معالجة الفوسفات إلى مناطق هامشية (منها منزل الحبيب) ضمن توجّه أوسع يتمثل في سحب المنشآت الملوثة من المراكز الحضرية وإعادة توطينها في مناطق هامشية. ويمكن عندئذٍ قراءة عمليات النقل هذه، في تحليل روبير، بوصفها "حلولاً مكانية" بالمعنى الذي يقصده ديفيد هارفي : ترتيبات مكانية هشّة تهدف إلى التغلب موقتًا على التناقضات التي تكشفها الصراعات البيئية، لكنها تتم على حساب تلويث أقاليم جديدة، يُحتمل أن تولّد، بدورها، موجات احتجاج جديدة.
وهكذا، قبل اندلاع الاحتجاجات بوقت طويل، تتفق هذه الدراسات على أن الأزمة البيئية في قابس بنيوية، موثقة ومزمنة، وتؤثر على الكائنات الحية وصحة الإنسان والموارد الطبيعية، في سياق تبقى فيه الحلول التقنية المحددة ضعيفة التنفيذ أو غير مطبقة أصلاً.
الحدث المُحفز: لحظة الانقسام
تجمع عدة مئات من الأشخاص يوم الجمعة 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 للاحتجاج على مصنع معالجة الفوسفات في قابس. وجاءت هذه التعبئة في أعقاب أزمة صحية واسعة النطاق: منذ 9 أيلول/سبتمبر 2025، أُدخل أكثر من 180 شخصًا إلى المستشفيات بسبب أعراض تسمم بالغاز، من بينهم عشرات التلاميذ. ويتهم المتظاهرون المصنع بتصريف نفاياته في البحر وفي الهواء الطلق. "الشعب يريد تفكيك المجمع الكيميائي"، "نريد أن نعيش"، "قابس ضحية للتلوث وظلم الحكومة"، هتف المتظاهرون الذين تجمعوا استجابةً لدعوة منظمة "أوقفوا التلوث" Stop Pollution. ومن بين هذه الحوادث، أُدخل في 9 أيلول/سبتمبر نحو عشرين شخصًا إلى المستشفى بسبب مشاكل تنفسية مرتبطة بالانبعاثات الصادرة عن المصنع نفسه. في أعقاب التظاهرات الأولى وتصاعد الغضب السريع في خريف 2025، ترافقت الأحداث في قابس مع تشديد القمع، ما يؤكد الانتقال من "حادثة" صحية إلى صراع عام منظم. فأفادت الصحافة عن تدخلات أمنية وموجات اعتقالات استهدفت المتظاهرين، من بينهم قصّر، وعن مقاربة سياسية وأمنية للحراك، في الوقت الذي اتسعت فيه حدة التعبئة (إضراب عام، دعم نقابي، تكاثر النداءات) وأصبحت انتقادات النموذج الصناعي- الكيميائي أكثر صراحة. هذا الترابط بين تزايد انتشار القضية وتزايد الضغط الحكومي، يعزز قراءة خريف 2025 باعتباره لحظة قطيعة: فحادثة الاختناق لم تنتج غضباً فحسب، بل أعادت تشكيل ميزان القوى، وبلورت المعسكرات، ووضعت حركة أوقفوا التلوث-قابس Stop Pollution-Gabès في دينامية مستدامة من الاحتجاج الاجتماعي-البيئي. وبالأحرى، من منظور سوسيولوجي، يمكن فهم هذه الحادثة على أنها نقطة تحول، بالمعنى الذي يفهمه بيدار وغروسيتي: «لحظة قطيعة تعيد تشكيل تفسيرات الواقع، وتوزع الإمكانيات المتاحة، وتفتح مسارات جديدة للعمل الجماعي، دون أن تكون آثارها آلية أو قابلة للتنبؤ بالكامل».
عندما تفتح ردود فعل الرئيس صندوق باندورا
ألقى الرئيس أول خطاب له في 30 أيلول/سبتمبر 2025، بعد حادثة الاختناق، واتخذ نبرة إنذار تشبه إدانة الإبادة البيئية: وصف الرئيس الوضع بـ"الجريمة" وتحدث عن "اغتيال حقيقي للبيئة"، في إشارة إلى فكرة أن المنطقة تعرضت لعنف طويل الأمد بفعل نموذج صناعي فُرض منذ عقود. وبعد ثلاثة أسابيع، ألقى الخطاب الثاني (21 تشرين الأول/أكتوبر 2025)، وأدرج تغيراً واضحاً في التأطير: لم تعد الأزمة تُعرض على أنها نتاج خيار اقتصادي هيكلي، بل كنتيجة لأفعال "فاسدين" يجب عزلهم و"فضحهم". وجاء هذا الخطاب الثاني في أعقاب الإضراب العام الإقليمي الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT) وتظاهرة القوة التي نظمها المحتجون في شوارع قابس، ما منح الخطاب وظيفة استعادة السيطرة على التأطير الرسمي للأزمة. هذا التحول مهم: فالخطاب الأول يعترف بوجود ظلم جماعي وهيكلي، بينما أعاد الخطاب الثاني تسييس الوضع من منظور أخلاقي، عبر مواجهة "الشعب الشريف" مع فاعلين متهمين باستغلال المعاناة البيئية. ويتيح هذا التحول للنظام إقرار الغضب، مع تحييد قدرته على الاحتجاج، من خلال إعادة الغضب من المجال السياسي-البيئي إلى سرد أخلاقي حول التطهير، ما يُجنّب التشكيك في النموذج الصناعي نفسه. وبعد هذا التغيير، لم يعد الأمر مجرد "تحول" داخلي ضمن الإطار نفسه، بل أصبح انحرافاً واضحًا يعيد تشكيل القراءة السياسية للأزمة . فالاعتراف بالظلم التاريخي، الذي بدأ في 30 أيلول/سبتمبر، يفسح المجال للشك في التحركات، في الوقت نفسه الذي أظهرت فيه قدرتها على الشلل الجماعي (إضراب عام، استعراض للقوة في الأماكن العامة). ولإعادة التأهيل الأخلاقي وظيفة إضافية: فهي تسمح بإدانة آثار التلوث من دون فتح النقاش، فعلياً حول البنية الاقتصادية التي تنتجها. بعبارة أخرى، يمكن أن تتعايش إدانة الكارثة مع إعادة إطلاق جدول وطني لإحياء قطاع الفوسفات وتحقيق زيادة كبيرة في الإنتاج بحلول عام 2030؛ هذا التزامن بين خطاب يهدف إلى حماية الحياة وأفق قائم على النمو الاستخراجي يُعمق حدة الصراع، لأنه يجعل الفجوة بين خطاب الرئيس والمسار المادي للدولة في الخيارات الصناعية واضحًا للمحتجين الفاعلين.
والأهم من ذلك، يعمل الخطاب الثاني كعلبة باندورا حقيقية في العلاقة بين الحركة الاحتجاجية والرئاسة. فحتى ذلك الحين، كان لا يزال بإمكان بعض الفاعلين في قابس توقّع رد فعل إيجابي من الرئيس قيس سعيد، الذي كان يُنظر إليه، قبل انتخابه، باعتباره الشخص الذي ندد بالظلم البيئي الذي تعاني منه المنطقة. وتندرج هذه التوقعات بتدخل رئاسي ضمن سياق سياسي أوسع، إذ تُعرض صورة رئيس الدولة على أنها سلطة تحكيمية أعلى من الإدارات، وكـ"مصلح" للأضرار التي تسببت بها النخب والأجهزة. في هذا السياق، يميل جزء من الغضب الاجتماعي إلى التعبير عن نفسه ليس كمطالبة سياسية قابلة للتفاوض، بل كطلب موجه إلى الرئيس لـ"اتخاذ قرار"، و"استعادة العدالة" و "وضع حد للانتهاكات"، ما يغذي في الوقت نفسه سياسة الانتظار وتخصيص الحلول. ولهذا السبب بالتحديد، كان التحول في حالة قابس مكلفًا رمزياً للغاية: فعندما تتوقف الرئاسة عن الظهور كملجأ ممكن وتبدأ في تشويه الاحتجاج، يُعاد تشكيل موضوع الصراع ويقترب الهدف من مركز السلطة. عبر اختياره تجريم التعبئة ضمناً، والحديث عن التلاعب، ومثيري الشغب، و"الفاسدين" الذين يتسترون وراء الغضب الشعبي، يخرق الرئيس هذا العقد الرمزي. فالشخص الذي كان يقدم نفسه على أنه تجسيد لـ"إرادة الشعب" يبدو الآن، في نظر العديد من السكان، ممثلاً لدولة تواصل خنق منطقة بأكملها باسم الربحية الصناعية. وفي الأيام التالية، لم يبقَ هذا التأطير الأخلاقي مجرد خطاب بلاغي بالترافق مع تشديد واضح في الإدارة الأمنية للتسلسل الاحتجاجي. فلم تقتصر تحركات تشرين الأول/أكتوبر على مسيرات "إعلانية" بل لوحظت أيضاً محاولات للوصول إلى موقع المجمع الكيميائي، واحتلالات قصيرة، وتصاعد المواجهة حول منطقة صناعية محمية، ما ساهم في إعادة تصنيف الاحتجاج على أنه "اضطراب" يجب احتواؤه. في هذا السياق، لا تعتبر الاعتقالات والملاحقات القضائية التي أوردتها عدة وسائل إعلام تفاصيل هامشية: فهي تجسد الانتقال من إطار رئاسي ينزع الشرعية عن الغضب ("المُستغَل") إلى سياسة ردع ملموسة، تعيد تعريف المتظاهرين ليس كضحايا لإبادة بيئية، بل كعناصر تشكل تهديداً للنظام العام. ويساهم هذا التحول في زيادة تسييس الحراك ضد الرئيس نفسه : فمن شخصية يمكن أن تكون حليفة، أصبح تدريجياً تجسيداً للطرف المعادي الذي يحمي المجمع الكيميائي ويواصل،، عبر خياراته وكلماته، المنطق الذي يقتل قابس ببطء.
الحملة، والحركة الاحتجاجية، والحركة الاجتماعية: خصوصية قابس
يُعرَّف الحراك الاجتماعي بوصفه شكلاً من أشكال العمل الجماعي المنظم، يهدف إلى تغيير أو الدفاع عن نظام اجتماعي قائم. وترى دوناتيلا ديلا بورتا أنه شبكة من الفاعلين والمنظمات غير الرسمية، تربطهم قيم مشتركة وهوية جماعية وممارسات تضامنية.
في ضوء النظريات السوسيولوجية للحركات الاجتماعية، تتميز الحملة البيئية في قابس بجميع خصائص الحركة الاجتماعية المنظمة. فهي تعتمد على شبكة من الفاعلين المتنوعين والمرتبطين بهوية جماعية بيئية، بدءًا من مختلف أشكال العمل الجماعي، لا سيما حركة "أوقفوا التلوث - قابس"، مرورًا بالنقابات المحلية، ووصولًا إلى المواطنين العاديين. تعبر هذه الحركة أيضًا عن "عمل جماعي متعمد" : فيحدد السكان خصمًا (المجمع الكيميائي، السياسة الصناعية للدولة)، ويحددون مطالبهم الشاملة (الحق في الحياة، الصحة، البيئة، والمدينة)، ويستخدمون مجموعة من أساليب العمل الجماعي (مسيرات، اعتصامات، عرائض، حملات رقمية) بما يتماشى مع تقاليد الحملات كما صاغها تيلي وتارو.
من منظور تورين، فإن حراك قابس ليس مجرد رد فعل محلي: إنه عمل جماعي يهدف إلى إحداث تغيير هيكلي. وهي تسعى إلى إعادة تشكيل أولويات الدولة، بالانتقال من منطق الربحية الصناعية إلى منطق حماية الحياة، وفرض علاقة جديدة بين المجتمع والبيئة والسلطة، في سياق يتسم بنموذج استخراجي موجه للخارج، تطغى فيه الأولويات الاقتصادية الوطنية والدولية على صحة السكان المحليين. وبالتالي، يندرج الحراك البيئي في قابس ضمن ما يصفه تورين بـ"مساءلة السلطة"، لأنها تطعن في الهيمنة التكنوقراطية واحتكار الدولة لتعريف "التنمية".
وتتوافق هذه الدينامية مع المفهوم التجريبي الاستقرائي للحملات والحركات الاجتماعية المستمد من الحالة التونسية وتوسع نطاقه. فتستند حركة قابس إلى تشخيص مشترك (إطار): الاعتراف الجماعي بوجود مشكلة (التلوث الهيكلي)، وتحديد المسؤول (الدولة، والصناعة الكيميائية)، وصياغة الحلول (تحويل النموذج الصناعي، العدالة البيئية). وكما في المسار الثوري الذي امتد من 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 إلى 14 كانون الثاني/يناير 2011، نلاحظ توحيداً للمعنى عبر شعارات وسرديات مشتركة، وتعبئة لفئات وطبقات اجتماعية متعددة، وأفقاً استراتيجياً يتجاوز مجرد الاحتجاج ليهدف إلى تغيير نمط الحياة والتنمية.
أخيرًا، ووفقًا لمفهوم الميتابوليتيك (الميتاسياسة)، لا تقتصر حركة قابس على مخاطبة الدولة أو مساءلتها بل تقترح مشروعًا بديلًا للمجتمع، قائمًا على حماية الصحة والكرامة البيئية والعدالة الإقليمية.
وهكذا، تبدو التعبئة البيئية في قابس لا بوصفها حركة اجتماعية مكتملة فحسب، بل أيضاً كمنعطف في الثقافة الاحتجاجية التونسية، إذ أصبحت المطالب البيئية لغة سياسية جديدة.
حملة "أوقفوا التلوث في قابس" كحملة اجتماعية
تُعدّ حملة "أوقفوا التلوث في قابس" مبادرة مواطنية إقليمية انطلقت رسمياً في 5 حزيران/يونيو 2012، بمناسبة اليوم العالمي للبيئة. يمثل هذا التاريخ تبلور اسم الحركة وظهورها العلني الأول بشكلٍ منظم، في سياق ما بعد الثورة، إذ اعتقد جزء من سكانها أن سقوط النظام الاستبدادي سيضع حداً للاعتداءات البيئية المرتبطة بالمجمع الكيميائي. غير أن واقع التلوث المستمر سرعان ما أفرز شعوراً بخيبة الأمل، تحول إلى عمل جماعي حول شعار بسيط وموحد: "نحب نعيش N7eb N3ich" (أريد أن أعيش).
في بداياتها، تشكلت حركة "أوقفوا التلوث – قابس" كحملة أفقية وغير حزبية، يقودها نشطاء شباب محليون، ينتمون أساسًا إلى جمعيات ودوائر الدفاع عن حقوق الإنسان في قابس. وكان الخيار التنظيمي واضحًا منذ البداية: تعريف المنظمة بوصفها تجمعاً مواطنياً لا ائتلافاً لجمعيات ولا بنية رسمية ، من أجل الحفاظ على أقصى قدر من الانفتاح والمرونة في العمل، والقدرة على جمع أطياف اجتماعية وأيديولوجية متنوعة. ويهدف هذا التوجه إلى تجنب أي استغلال للقضية البيئية من قبل الجماعات الحزبية أو المؤسسات، مع الحفاظ على القدرة لممارسة الضغط الجماعي على صناع القرار العام.
تتميز النواة المؤسسة للحركة بتعايش مسارات نضالية متباينة، لعبت دوراً هيكلياً في ترسيخها. فمن جهة، ساهم نشطاء بيئيون غير مسيسين، مثل نادر شكاية، المنخرطين محليًا في جمعيات حماية السواحل والبيئة، في إضفاء شرعية أخلاقية قوية على الحملة وترسيخها ميدانياً. ومن جهةٍ أخرى، أسهم فاعلون يتمتعون بخبرة سياسية ورأس مال نشط أكثر تنظيماً، مثل خير الدين دباية، الذي كان منخرطاً في السابق في أشكال من العمل السياسي والنشاط الحزبي، في صياغة خطاب متماسك، وإتقان أساليب التنديد العلني، وقدرة الحركة على الاستمرار على المدى الطويل. يشكل هذا المزيج بين الالتزام البيئي غير الحزبي والمهارة السياسية أحد الدوافع الأساسية لمرونة حركة أوقفوا التلوث-قابس Stop Pollution–Gabès.
منذ سنواتها الأولى، اعتمدت مجموعة متنوعة من الأنشطة: مسيرات مدنية، اعتصامات، منتديات عامة، اعتراضات رمزية على الدولة المركزية، وحملات توعية محلية. تم تحقيق إنجاز هام في أيار/مايو 2013، مع تنظيم اعتصام في تونس العاصمة، أمام المسرح البلدي، بهدف واضح هو نقل قضية قابس إلى الساحة العامة الوطنية وكسر العزلة الإقليمية للقضية. في العام نفسه، جمعت مسيرة 5 حزيران/يونيو في قابس عدة آلاف من المشاركين، ما أكد توسيع القاعدة الاجتماعية للحركة.
وعلى مر السنوات، ترسّخت مسيرة 5 حزيران/يونيو السنوية طقسًا أساسيًا في الحملة، فأصبحت لحظة للظهور الجماعي وإعادة تأكيد المطالب، وتجديد الروابط بين السكان والنشطاء والمتعاطفين. اعتبارًا من عام 2015، وسعت حركة أوقفوا التلوث-قابس Stop Pollution–Gabès نطاق عملها لتشمل أشكالًا من التعبير الثقافي (فعاليات فنية، عروض رمزية، نقاشات عامة)، من أجل الوصول إلى جمهور أوسع وتعزيز البعد الاجتماعي والهوياتي للتعبئة البيئية. وفي مواجهة حوادث الاختناق، فرضت الحركة نفسها في غضون أسابيع قليلة كأحد أهم الأمثلة على ما يسميه تشارلز تيلي وسيدني تارو "حملة حركة اجتماعية". وبعيدًا عن كونها مجرد رد فعل عاطفي على سلسلة من حالات الاختناق التي تعرض لها التلاميذ أو على حادثة تلوث صناعي، تشكلت هذه الحركة حول تشخيص مشترك للوضع، ومجموعة واسعة من الإجراءات (مسيرات، تجمعات في الشوارع، اعتصامات، دعوات إلى إضراب عام إقليمي، إنتاج مستمر للبيانات والمرئيات الخاصة بالحراك، تداول شعارات ووسوم موحدة، ومناشدة السلطات علناً على أساس القرارات والمعايير وعناصر الخبرة المضادة)، وتحالفات متعددة القطاعات وإطار استراتيجي للقضية، ما يجعلها لاعباً جماعياً مستداماً ومتسقاً في سياسة الصراع التونسي. ووفقًا لمنطق تيلي وتارو، تُعرّف الحملة بأنها سلسلة من المطالبات العامة المنسقة والمتكررة التي تستهدف واحدًا أو أكثر من أصحاب السلطة ؛ وهذا بالضبط ما حدث في قابس اعتبارًا من أيلول/سبتمبر 2025.
حوّلت حركة أوقفوا التلوث-قابس أولاً حدثاً صادماً: "اختناق عشرات التلاميذ والسكان" إلى قضية عامة، من خلال عملية تأطير (framing) تجاوزت التفسير التقني أو العرضي لتسرّب الغاز. فحدد التشخيص الذي اقترحته الحملة على الفور مصدر المشكلة: الوحدات الملوثة في المجمع الكيميائي، وفشل الدولة في مراقبة المنشآت، ومنطق "التنمية التضحية" الذي فُرض على المنطقة منذ عقود. ومن خلال الربط بين المسؤوليات والضحايا والأسباب الهيكلية، نقل النشطاء تفسير الحادثة إلى صراع بيئي وصحي وسياسي بين السكان المحليين والآلة الصناعية والسلطة المركزية. على النقيض من ذلك، أثارت "أحداث محفزة" أخرى في تونس غضباً عاماً شديداً من دون أن تتحول بالضرورة إلى قضية مستدامة، بسبب غياب حملة منظمة بالفعل. ففي حالة مزونة (محافظة سيدي بوزيد) في نيسان/أبريل 2025، بعد وفاة ثلاثة تلاميذ إثر انهيار جدار في مدرسة، اندلعت تظاهرات ومساءلات علنية للمسؤولين، من ضمنها على المستوى المركزي. لكن، بخلاف قابس، حيث تتمتع حملة مثل "أوقفوا التلوث" بذاكرة نشطة ولغة مشتركة وبرنامج منسق، فإن هذا النوع من الأحداث قد يفقد قدرته على التحول إلى صراع عام طويل الأمد وتراكمي ومجهز.
هذا الإطار، بعيداً عن كونه مجرداً، أتاح توسيع القاعدة الاجتماعية للحراك بشكل كبير. في غضون أيام قليلة، لوحظ تصاعد عددي لافت: آلاف السكان في الشوارع، ومجموعات متعددة، وأحياء وفئات اجتماعية ممثلة، وعائلات بأكملها، وشباب، وعمال، ومعلمون، ومحامون، ومجموعات "ألتراس" (مشجعو الفرق الرياضية المحلية) وجمعيات مدنية. كما ظهر داخل هذا المسار: نموذج "الخبير المواطن" (لا سيما صابر عمار، المهندس والناشط)، القادر على ترجمة العناصر التقنية إلى لغة تعبوية، وإنتاج خبرة مضادة متاحة للجميع، وربط القضية المحلية بقضايا أوسع نطاقًا عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
في سياق منطق مظاهر القوة والتضامن "WUNC displays" (Worthiness: الكرامة والمصداقية، Unity: الوحدة، Numbers: العدد، Commitment: الالتزام) الذي حلله تيلي وتارو، أظهرت حركة أوقفوا التلوث Stop Pollution ما يأتي:
- –احترام القضية (حق أساسي: الحق في التنفس)،
- –الوحدة (إطار جماعي: "أهالي قابس"، "قابس تتحد")
- العدد (تظاهرات حاشدة، عبر الطبقات والأجيال)،
- الالتزام (تعبئة المجتمعات المحلية، مجموعة متنوعة من الإجراءات، الاستمرارية عبر الزمن).
ما يعزز الطابع الحركي للحملة بدلاً من مجرد احتجاج عابر هو تعدد الإجراءات المنسقة: بيانات يومية، مسيرات، اعتصامات، دعوات للتجمع، إنتاج رسوم بيانية، وثائق تذكر بقرار الحكومة الصادر في 29 حزيران/يونيو 2017 (الذي أعلن تفكيك مجمع قابس الكيميائي واستبداله بمشروع بديل، ولم يُنفّذ)، إدانة التناقضات الوزارية، دعوات إلى إضراب عام، نشر تنبيهات في الوقت الفعلي عند حدوث حالات اختناق جديدة. وتلعب الاتصالات الرقمية دوراً محورياً: فهي توحد اللغة البصرية، وتحدد الشعارات، وتفرض "ذاكرة الصراع" عبر التسلسل الزمني للأحداث وتداول صور الحشود. أما الجمالية البصرية: أقنعة الغاز، شعارات "تنفس ولا موت" أو "نحب نعيش"، الصور الحمراء، كلها تشكل مساحة رمزية تجمع المشاركين حول رموز مشتركة.
عندما تصادق النقابة المركزية على القضية: دور الاتحاد العام التونسي للشغل في قابس
| يمكن قراءة مساهمة الاتحاد العام التونسي للشغل في قابس بوضوح شديد من خلال شبكة مظاهر القوة والتضامن WUNC displays التي اقترحها تيلي وتارو (الجدارة، الوحدة، العدد، الالتزام). يدعم الاتحاد الإقليمي حملة "أوقفوا التلوث"، لا سيما خلال الإضراب العام الذي نُظم في 21 تشرين الأول/أكتوبر 2025 والذي شل المدينة وجمع حشوداً كبيرة للمطالبة بإغلاق المنشآت الملوثة، ما يوفر للحركة بنية تحتية للتعبئة جاهزة: أقسام مهنية، شبكات شركات، لجان محلية. من منظور الجدارة والكرامة والمصداقية، يضيف الاتحاد رأسماله التاريخي من الشرعية (إرث الحركة الوطنية، دوره في 14 كانون الثاني/يناير، القدرة على الظهور كمتحدث باسم "الشعب العامل")، ما يضفي مصداقية على المطالب البيئية في نظر سكان اعتادوا لفترة طويلة على مطالب أكثر تقليدية (العمالة والأجور). من منظور الوحدة والعدد: يستطيع الاتحاد تحويل الغضب المحلي إلى توقف شبه كامل عن العمل والنشاط التجاري، ما يمنح الاحتجاج رؤية واسعة النطاق لا يمكن أن تحظى بها مجموعات المواطنين المعزولة. أخيرًا، من منظور الالتزام: يشير وجود النقابات إلى أن القضية البيئية ليست مجرد "نوبة غضب" بل هي جزء من صراع مستمر، مرتبط بقضايا الصحة في العمل والعدالة الاجتماعية ونموذج التنمية - وهو ما يحلله بيبيتشيلي على نطاق أوسع باعتباره ظهور "مقاومة بيئية" في تونس.
من الناحية السياسية، هذا التحالف متناقض ومثير للاهتمام: تعلن حركة "أوقفوا التلوث" أنها غير سياسية بالمعنى الحزبي (لا إشارة إلى الأحزاب، ولا تحدٍّ صريح للنظام أو للمسألة الديمقراطية)، لكنها بدعم من الاتحاد تُسيّس بالمعنى العميق في علم الاجتماع السياسي: مساءلة سياسية عامة (النموذج الكيميائي-الصناعي)، تعيين المسؤولين، إنتاج خبرة مضادة، واستخدام الإضراب العام كوسيلة للاحتجاج. لم يعد الهدف مجرد المطالبة بالعمل في المجمع الكيميائي أكبر مُشغّل في المنطقة، بل أصبح الاعتراض على نوع التنمية الذي يجسده؛ وبهذا المعنى، فإن مساهمة الاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT) تحول حراك قابس إلى صراع بيئي واجتماعي واقتصادي في آن واحد، فتتحول حماية "الحق في بيئة صحية" إلى لغة جديدة للعدالة الاجتماعية. |
هكذا، تندرج هذه التنظيمات للعمل الجماعي بوضوح ضمن دينامية الحملات الجديدة للحركات الاجتماعية في تونس. بخلاف الاحتجاجات التي ركزت تاريخياً على العمل أو التوظيف أو التهميش الاجتماعي والاقتصادي، تكسر حركة "أوقفوا التلوث" المنطق التقليدي للتبادل بين التنمية الصناعية والأمن الاقتصادي. وهي تؤكد صراحةً أفقاً تكون فيه الحياة أسمى من العمل، وتصبح فيه الكرامة البيئية حقاً أساسياً، ويُرفض نموذج التنمية القائم على الكيمياء الثقيلة والتلوث. لم تعد المطالبة تتعلق بالوصول إلى العمل، بل برفض عمل ونمو يقتلان الناس. هذه القطيعة حاسمة: فتحول الاحتجاج البيئي في قابس إلى حركة اجتماعية-بيئية بديلة، تحمل مشروعًا مجتمعيًا قائمًا على العدالة البيئية والصحة العامة والسيادة البيئية.
من "مانيش مسامح" إلى "أوقفوا التلوث - قابس": حملتان، أفقان سياسيان
| في كثير من النواحي، تختلف حملة أوقفوا التلوث-قابس "Stop Pollution-Gabès" اختلافًا جذريًا عن حملة مثل منيش مسامح "Manich Msameh". فانتمت الأخيرة إلى حملة لحركة اجتماعية دفاعية، نموذجية للتعبئة "التفاعلية" وفقاً لمفهوم تيلي وتارو: فظهرت لمنع عودة قوية للنظام السابق عبر قانون مصالحة اقتصادية يصب في مصلحة النخب الفاسدة. كان هدفها محددًا ومحدودًا ومرتبطاً أساساً بحالة طارئة: تعطيل مشروع سياسي محدد من دون اقتراح نموذج بديل للحكم. وكانت سياستها واضحة وكلاسيكية: وجود نشطاء وجمعيات وأحيانًا أحزاب، ومواجهة مباشرة مع المؤسسات، ومعارضة صريحة للرئاسة والحكومة، ولكن من دون أفق برامجي أوسع.
على النقيض من ذلك، لا تتمحور حركة أوقفوا التلوث Stop Pollution-Gabès حول معارضة سياسية معلنة أو مواجهة مؤسسية حزبية. بل تُظهر الحركة شكلاً من أشكال إلغاء السياسة الاستراتيجي (لا أحزاب، لا شعارات حول تغيير النظام، لا مطالب متعلقة بالعمل في حين أن المجمع الكيميائي هو أكبر جهة توظيف محلية). ومع ذلك، فإن هذا "التجريد من الطابع السياسي" يخدم في الواقع إعادة التسييس بطريقة أخرى: ليس للنظام، بل لخيارات التنمية، ليس الديمقراطية المؤسسية، بل للحق في الحياة والصحة وبيئة غير سامة. فيما كانت حملة مانيش مسامح تسعى إلى منع العودة إلى الماضي، فإن أوقفوا التلوث Stop Pollution – Gabès تحمل مشروع تحول جذري، وأفقاً بديلاً للنموذج الاجتماعي -الاقتصادي: الخروج من الإنتاجية الملوثة كأفق للمستقبل. على الرغم من أن أوقفوا التلوث Stop Pollution أقل تسييساً في شكلها، إلا أنها في الواقع أكثر تسييساً في جوهرها: فهي لا تكتفي بمعارضة قانون أو حكومة، بل تعارض نظام إنتاج الحياة الاجتماعية بأكمله، النظام الذي يضحي بالسكان باسم الربحية الصناعية. |
في نهاية هذه العملية، ما كان يمكن أن يبقى حراكًا عاطفيًا ولحظيًا، ترسخ في شكل حملة استراتيجية تهدف إلى إحداث تغييرات هيكلية: تفكيك الوحدات الملوثة، وإجراء تحقيقات مستقلة، وتحميل المسؤولية السياسية، والحق في الصحة، وقبل كل شيء ظهور نموذج اجتماعي- اقتصادي بديل متوافق مع الحياة. من خلال عملها، تجسّد حملة أوقفوا التلوث Stop Pollution تماماً ما يصفه تيلي وتارو بسياسة الصراع: مواجهة منظمة بين مواطنين منظمين وبين الفاعلين المؤسسيين حول تحديد ما يُعتبر المصلحة العامة الشرعية. في هذا المسار، لا تطالب مدينة قابس فقط بالحق في التنفس بل تقترح رؤية مختلفة للتنمية، لا تستند إلى الصناعة السامة بل إلى بيئة اجتماعية ترفض التضحية بالسكان باسم النمو.
الخلاصة:
تُظهر الأحداث التي اندلعت في قابس في خريف 2025 أنه لم يعد ممكناً فهم التحركات المحلية فقط من خلال أنماط "الاحتجاج الاجتماعي" القديمة المرتبطة بالبطالة أو ارتفاع كلفة المعيشة. فمن خلال تحويل حادثة تلوث حادة، وإصابة تلاميذ بالاختناق، وتسرب الغاز، والذعر الصحي، إلى حملة حركة اجتماعية منظمة، تظهر حملة "أوقفوا التلوث - قابس" إعادة تشكيل عميقة للثقافة الاحتجاجية التونسية. لم تنشأ الحملة من فراغ، ولا على أساس العاطفة وحدها: فهي تندرج في تاريخ طويل من الظلم البيئي الموثق بالبحوث، وفي عقود من التضحيات المفروضة باسم التصنيع، وفي شعور دائم بالتهميش الإقليمي. ومن هنا فإن حدث 2025 يمكن أن يشكّل نقطة تحوّل وليس مجرد حادثة عابرة.
أظهرت التحليلات أن أوقفوا التلوث Stop Pollution-Gabès تستوفي معايير حملة الحركة الاجتماعية وفق مفهوم تيلي وتارو: تسلسل من المطالب العامة المستمرة، تأطير متماسك للمشكلة، وتحديد الخصوم، تنويع أساليب العمل، تحالفات متعددة القطاعات، واستمرارية على المدى الطويل. ويعتبر عمل التأطير مركزياً: تشخيص نموذج التنمية السام، تحديد المسؤولين (المجمع الكيميائي، خيارات الدولة، إنكار المؤسسات)، وصياغة أفق بديل قائم على الحق في الحياة والصحة وبيئة غير قاتلة. تسمح هذه العملية بالانتقال من غضب محلي إلى قضية مشتركة، عابرة للطبقات والأجيال، تحدد شعاراتها وصورها ووسومها قواعدها ("نريد أن نعيش"، "قابس تختنق"، "تفكيك الوحدات"). وبعيدًا عن كونها "غير سياسية"، فإن هذه الحملة تعيد السياسة بطريقة مختلفة: ليس عبر اتخاذ موقف على المحور الكلاسيكي بين النظام والمعارضة، لكن عبر مواجهة جوهر السياسات العامة للتنمية.
توضح المقارنة مع مانيش مسامح هذه الخصوصية. فبينما كانت الحملة تسعى إلى تحقيق هدف دفاعي ومؤقت، وهو منع قانون المصالحة الذي يُنظر إليه على أنه عودة للنخب الفاسدة، فإن أوقفوا التلوث Stop Pollution–Gabès تحمل مشروعاً لتحويل جذري للنموذج الاجتماعي والاقتصادي. وعلى الرغم من أن الحركة تبدو أقل تسييسًا (عدم وجود أحزاب، شعارات حول تغيير النظام، والمطالبة بـ"اللامبالاة السياسية")، إلا أنها في الواقع أكثر سياسية في مضمونها: فهي لا تعارض فقط نص قانون أو حكومة، بل نظام إنتاج اجتماعي يقبل المرض والموت كآثار جانبية عادية للنمو. لم تعد المطالب تتعلق بـ"المزيد من الوظائف" في مجمع كيميائي أكبر صاحب عمل في المنطقة، بل حول رفض الوظائف والثروة التي تقتل. وبهذا المعنى، تقترح قابس تحولاً بيئياً للاحتجاج.
يبدو أن دور بعض الفاعلين الجماعيين والفرديين، مثل الاتحاد العام التونسي للشغل الإقليمي والشخصيات المدنية، حاسم في هذا التحول. فتمنح الهيئة النقابية الحركة شرعية إضافية وقدرة تنظيمية التنظيم وقوة عددية، مؤكدة أن القضية البيئية تتعلق أيضاً بإطار العدالة الاجتماعية وعالم العمل. من جانبه، يجسد مهندس ناشط مثل عمار صعود قيادة خبيرة تجمع بين الخبرة العلمية المضادة والغضب الأخلاقي والوسائل الرقمية، ويربط المستوى المحلي بسياقات العدالة البيئية عبر الوطنية. مجتمعة، تمدد هذه الموارد الصراع إلى ما بعد لحظة الأزمة، وتترجمه إلى حملة لحركة اجتماعية وتمنحه عمقاً استراتيجياً يتجاوز بكثير مجرد رد الفعل على الحدث.
أخيرًا، يُظهر مسار العلاقة بين أوقفوا التلوث Stop Pollution-Gabès ورئاسة الجمهورية كيف يمكن لصراع اجتماعي-بيئي أن يعيد تشكيل خطوط الشرعية السياسية. بفتحه "صندوق باندورا" بخطاب ثانٍ يجرم ضمناً التعبئة الشعبية، ينفصل الرئيس رمزياً عن جزء من سكان قابس الذين كانوا لا يزالون يرونه حليفًا محتملاً. فمن كان يدعي أنه يحمل إرادة الشعب أصبح، بالنسبة إلى كثيرين، تجسيداً لدولة تواصل خنق المنطقة باسم الربحية الصناعية. ثم انتقلت السياسة من نموذج التنمية إلى شخصية الرئيس نفسه، من دون أن يتحول الحراك إلى معارضة حزبية كلاسيكية. وهذا هو أحد أهم إسهامات هذه الحالة: إظهار كيف أصبحت النزاعات البيئية، في تونس ما بعد 2011، لغة سياسية جديدة قادرة على تغيير الحدود بين الحكام والمحكومين، بين "الشعب" و"النخب"، بين المركز والهامش.
يدعو هذا المقال للنظر إلى قابس ليس باعتبارها "استثناء بيئياً"، بل مختبراً اجتماعياً سياسياً. ويشير إلى أن الصراعات المركزية المستقبلية قد لا تتعلق في المقام الأول بتقاسم السلطة المؤسسية أو بمسألة التوظيف وحدها، بل بالقدرة المادية على العيش والتنفس والبقاء في المكان. بعبارة أخرى، لا يطالب نضال قابس بإغلاق المنشآت الملوثة فحسب، بل إنه يمثل، في الوقت الحاضر، معركة لتحديد معنى "العيش بكرامة" في تونس التي تعاني من أزمة مناخ، ولامساواة إقليمية، واستنفاد نماذج التنمية الموروثة.
أبعد من التحليل الاستعادي، تدعو السلسلة التي بدأتها حملة "أوقفوا التلوث – قابس" إلى توقع مستقبلي حذر لكنه قائم على أسس سوسيولوجية. بفضل هيكلها الأفقي وتجذرها الإقليمي العميق وطبيعة مطالبها، تبدو الحركة حاملة لأفق استراتيجي يصعب تحييده بواسطة أدوات السلطة التقليدية. المطالبة بالحق في التنفس، والعيش من دون مرض أو موت مبكر، لا تشير إلى أي أيديولوجية أو عقيدة دينية، بل هي مطلب حيوي وشامل، عابر للطبقات، يتجاوز الانقسامات السياسية الاعتيادية ويحيد عن الآليات المعتادة لنزع الشرعية. وبفضل أكثر من عقد من الخبرة النضالية والمعرفة المتراكمة وذاكرة الوعود غير المحققة وأساليب التعبئة المُجرّبة، لم تعد حملة "أوقفوا التلوث - قابس" تكتفي بالرد على الأزمات، بل أصبحت تستبق الأحداث وتوثقها وتنظمها وتسجل النزاع على المدى الطويل. في مواجهة نظام سياسي يضاعف من التكتيكات قصيرة الأجل من دون أن يقترح استراتيجية موثوقة للخروج من النموذج الاستخراجي، ترسم الحملة تدريجياً مستقبلاً ممكناً: مستقبل مدينة متحررة من المجمع الكيميائي، ليس كيوتوبيا مجردة، بل كمسار مبني عبر الممارسة الجماعية. وبهذا المعنى، تتقدم قابس ببطء، بصراع، لكن بعزم، نحو إعادة تشكيل مصيرها الحضري والبيئي والاجتماعي، ما يحول العدالة البيئية من مجرد مطلب هامشي ، إلى مبدأ منظم للمستقبل السياسي المحلي.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.