مقدمة
في كفركلا يضع النحالون أقفار النحل قرب الشريط الحدودي مستفيدين من وجود مناطق مزروعة باللوزيات ضمن الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث يرعى النحل، كما يرعى من أنواع عديدة من الأشجار الموجودة في كفركلا من أشجار الكينا والزيتون والجوز والحمضيات والزعتر والشوكيات، ما يجعل منتوج العسل من أجود الأنواع. وفي البحيرات أو البرك الموجودة في سهل الخيام الخصب المجاور لكفركلا، تنتقل طيور الإوز حاملةً معها بيوض السمك من بحيرة طبريا، فتنمو هذه الأسماك في بحيرات المرج وتتحوّل البحيرات إلى مقصد للصيد لأهالي المناطق المجاورة. فالنحل والطيور تتنقل غير آبهةٍ بالحدود والجدران الفاصلة. الطبيعة لا تعرف الحدود ولا تعترف بها. وهو ما قد ينعكس في الحالات الطبيعية على الإنسان. بين سكان كفركلا وسكان الذوق الفوقاني والتحتاني وحولا والمطلة في فلسطين تاريخٌ طويل من التبادل التجاري وزراعة الحقول المتداخلة، فقد كانت كفركلا أحد معابر الجنوب إلى سهول فلسطين من خلال معبري الجمارك والأمن العام، كما لسكان كفركلا أراضٍ داخل فلسطين المحتلة ما زالوا يحافظون على صكوك ملكيتها. لكن الحدود كما نعرفها اليوم ليست إلّا نتاج حقبة استعمارية سعت لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية، ورسمت خطوطًا عشوائية على الخرائط، وسيطرت على أراضٍ ليست لها وأدّت إلى عزل أجزاء من الأراضي والشعوب عن بعضها البعض. وهو ما يأخذنا إلى إشكالية القرى الحدودية والقرى الجنوبية بشكلٍ عام، وما يُعرف بجبل عامل الذي يحدّه نهر الأولي وجزين شمالًا، وفلسطين جنوبًا والذي تجمعه علاقات تجارية تاريخية مع أهالي فلسطين. هذه المناطق ما زالت تعاني من تبعات إرث الحدود الاستعمارية مجاورةً كينًا صهيونيًا محتلًّا.
في مراجعةٍ سريعة لبعض محاضر مجلس النواب، نلحظ بعض المناقشات حول الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الحدودية. في عام 1949، وضمن كلمة النائب عادل عسيران، أحاط المجلس علمًا بوجود مأساة مفادها أنه "بعد ما جلا اليهود عن هذه القرى [الحدودية] التي شرد أهلها وجد خندق في قرية حولا وضع فيه أكثرية أهالي هذه القرية أحياء ثم أطلق عليهم اليهود النار فقتلوهم جميعًا"، وأضاف "إن وضعية أهالي حولا دقيقة لأنهم لم يتمكنوا من زرع أراضيهم هذه السنة، والكثير منهم كانوا يعتاشون من زراعة أراضٍ واقعة في فلسطين". في السنة نفسها، هاجم إسرائيليون رعاة قرب كفركلا وسرقوا البقر والحمير والبغال. وفي عام 1952، قدّم أهلي رميش عريضة للاحتجاج على أفراد البوليس الإسرائيلي لاغتصابهم من منطقة مرج العفوش الطروش والأغنام. في العام 1953، قدّم أحد أهالي بنت جبيل برقية للاحتجاج على نهب الإسرائيليين لمواشيهم بعد دخولهم الأراضي اللبنانية. أمّا في عام 1961، فقد أكّد النائب خالد شهاب ضمن كلمته "وجود سبعة آلاف لبناني منكوبين بأموالهم في إسرائيل يملكون ما لا يقل عن مئة مليون ليرة استرلينية، أملاكًا اغتصبتها إسرائيل". وفي العام 1968، قدّم أهالي ميس الجبل برقية يستنكرون فيها الاعتداء الإسرائيلي على بلدتهم، ويطالبون بتحصين القرى وتعزيزها بالملاجيء وتأمين المستشفيات، كما قُدّمت 10 برقيات من مناطق وهيئات مختلفة للاحتجاج على الاعتداء الإسرائيلي على قرية حولا ولطلب تسليح سكان الحدود وتنفيذ مشروع التجنيد الإجباري.
وقد جاء في كلمة النائب علي ماضي في عام 1969 "أن سبع مزارع على الحدود من الأراضي اللبنانية هي اليوم تحت الاحتلال الإسرائيلي وأربعة آلاف من اللبنانيين نازحون لا يستطيعون أن يحصلوا على قوت يومهم من الخبز فقط، وقد نُسفت منازلهم في المزارع. إن هذه الأراضي الشاسعة مُنع أهلها من استغلالها نظرًا لأن في ذلك خطرًا على حياتهم، ونظرًا لأنهم يتعرضون من العدو بالقصف". وفي 30 حزيران/يونيو 1970، تظاهر أهالي القرى الحدودية للمطالبة بزيادة التحصينات وتوفير حماية أفضل من الغارات الإسرائيلية. كما في العام 1974، تناول النائب حميد دكروب في كلمته موضوع "القصف الإسرائيلي المستمر الذي يطال القرى الحدودية من الناقورة حتى العرقوب دون استثناء، ويضرب بشكلٍ أعمى، يضرب المحاصيل الزراعية، والمحصول الزراعي هو بنسبة ضرب المزارع تمامًا إذ إن العدو يستهدف تفريغ المنطقة الجنوبية من لبنان، وذلك بعزل المواطن المزارع عن أرضه".
هذه عينة عن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، المنتظمة، والممنهجة التي تعرّضت لها القرى الحدودية بشكلٍ خاص والقرى الجنوبية بشكلٍ عام منذ النكبة الفلسطينية عام 1948، والتي تلاها غزو واحتلال حتى العام 2000. وبعد مرور أكثر من 25 عامًا على انسحاب القوات الإسرائيلية منها، ما زال المشهد نفسه يتكرر، لا بل زاد وحشيةً. منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان، وتوسّعها في 23 أيلول/سبتمبر 2024، والغزو الإسرائيلي في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2024، وصولًا إلى ما عُرف باتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وحتى يومنا هذا مع الخروقات الإسرائيلية اليومية لهذا الاتفاق، تشهد المناطق الجنوبية اعتداءات وحشية. فقد استهدفت إسرائيل المنازل والبنية التحتية والمرافق العامة والصحية والتعليمية والمعالم التراثية والثقافية والدينية والغابات والأراضي الزراعية، وأحدثت أضرارًا بالغة بالأشجار والمحاصيل والتربة والمياه، فضلًا عن الأضرار بالاقتصاد المحلي. كما دمرت قرى حدودية بشكلٍ شبه كامل. وهو ما يشكل فعليًا إبادةً بيئية وزراعية ومكانية.
من هنا، نتناول في هذه الورقة الإبادة البيئية التي تعرّضت لها القرى الجنوبية في لبنان بهدف تطوير توصيات سياساتية حول كيفية انخراط الدولة اللبنانية، والسلطات المحلية والمجتمعات في جنوب لبنان، ومنظمات المجتمع المدني المعنية في معالجة الأضرار الناتجة عن الإبادة البيئية والزراعية التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان.
نبدأ أوّلًا بإظهار الأضرار البيئية والزراعية على صعيد القرى الجنوبية بالعموم، مع تسليطنا الضوء على القرى الحدودية الأكثر تضررًا التي تعرّضت لأنواع مختلفة من الاعتداءات والدمار نسبةً للمناطق الأخرى، لنرّكز بعدها على بلدة كفركلا الحدودية كنموذج عن هذه البلدات. كما نسعى إلى استخلاص الدروس من التدخلات البيئية التي قامت بها الدولة اللبنانية عقب حرب تموز/يوليو 2006، وتقييم الأطر والسياسات الحالية الخاصة بإعادة الإعمار والتعافي، إلى جانب مبادرات المجتمع المحلي من منظور بيئي، بما يسمح بتحديد مسؤوليات مختلف الجهات المعنية. وفي الختام، نقدّم توصيات سياساتية تتماشى مع الاحتياجات والأولويات البيئية للقرى الجنوبية، بما يدعم العودة الآمنة وعمليات إعادة الإعمار والتعافي البيئي.
وقد اعتمدنا في إنتاجنا لهذه الورقة على رصد الهجمات الإسرائيلية وخروقات وقف إطلاق النار على مختلف الأراضي اللبنانية وتوثيقها من خلال خريطة تفاعلية، وتحليل طبيعة الأماكن المستهدفة، وعلى ورشة عمل تشاركية حول تصورات العودة والتعافي في بلدة كفركلا، وعلى مجموعة من المقابلات مع الجهات الرسمية المعنية، والخبراء والناشطين/ات البيئيين، ومؤسسات وجمعيات ومبادرات تعمل بالشأن الزراعي والبيئي، بالإضافة إلى مراجعة مجموعة واسعة من المراجع ذات الصلة، ومراقبة جهود التعافي بعد الحرب الإسرائيليّة على لبنان على صعيد المسوحات ورفع الأنقاض والتعويضات وتمويل الإعمار والسياسات والمشاريع والمبادرات والنزوح والعودة، بالإضافة إلى جلسة نقاش جماعي تجمع مواطنين/ات ومزارعين/ات متضررين/ات وناشطين/ات ومنظمات مجتمع مدني وباحثين/ات وصناع قرار بهدف تطوير توصيات مشتركة تركز على الأولويات المتعلقة بالعودة، وإعادة الإعمار، ومعالجة الأضرار البيئية.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.