مقدمة
يواجه العراق أزمة بيئية-تاريخية نشطة، تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى تحدٍ وجودي، و"مشكلة اجتماعية" محل تنازع مستمر. ويجري هذا التَّنازع في الغالب بشكلٍ سلميّ، وأحيانًا بعنفٍ، بين البيئات المحلية المتضررة التي تعبّر عن مظلوميّتها عبر المطالبة والمدافعة والمناصرة والاحتجاج، من جهة، والسّياسات والإجراءات السلطوية الآخذة في الاتساع، من جهةٍ أخرى. إذ تندفع هذه السياسات نحو تحجيم مظلومية السكان وقمع مطالباتهم وتحييدها؛ بهدف منع تحولها إلى "حراك اجتماعي" مؤثر يمكن أنّ يحفّز المزيد من السخط الشّعبي، بما قد يهدّد استقرار النظام السّياسيّ وبقائه.
يستدعي المدخل الأساس لفهم طبيعة التّنازع وكيفية إدارته توصيفًا عامًا للأزمة وتأثيراتها على المتضررين، بوصفهم أصحاب المصلحة الرئيسيين الذين يمتلكون شرعية المطالبة والمناصرة والاحتجاج
(claims-makers). إذْ يُفترض أن تصمّم السّياسات العامة البيئية استنادًا إلى مطالباتهم من أجل إنصاف مظلوميتهم، بدلًا من صياغة سرديات مهيمنة تهمل الأزمة وحجم المعاناة، وتضع صراعهم الشّرعي في منطقة تنازع مع الدولة وهياكل الحكم. تعمل السرديّات السلطويّة على تصوير حراك المتضررين، كمجموعات "شريرة" تسعى إلى هدم السّلم الأهلي والنّيل من الاستقرار الوطني، في حين يتبين من تحليل الوقائع المرتبطة بأشكال الأزمة المختلفة، أن الدّولة أو الحكومة أو بُنى النظام السلطوية غالبًا ما تعترف بهذه المطالب بوصفها "تهديدات أمنية"، وهو تصنيفٌ يقودها إلى تفعيل تدخلات قسرية ضد المتضررين، بدلا من التعامل مع مطالبهم على أنّها تعبير عن تدهور جودة الخدمات والحياة والمعيشة. بعبارة أخرى يُعد اعترافاً مشروطاً بمنطق الاحتواء (confinement) يهدف إلى تبرير دينامية القمع، أكثر من كونه مدخلًا لصياغة معالجات ناجعة. تتفاعل البُنى السلطوية في الغالب الأعمّ بسلبية مع المشكلات الناتجة عن الاختلال البيئي، بل وقد تلجأ أحيانًا إلى اقتراح حلولٍ ترقيعيةٍ بغرض "التّهدئة"، لكنها تحيط استجابتها دائمًا بإجراءات استيعابية تستدعي المزيد من "الخنق والتضييق".
تقترح هذه الورقة قراءة تفاعلية ومداولة تحليلية في إطار سوسيولوجيا المشكلات الاجتماعية لمشكلة التّنازع على تأطير "السرديات البيئية" بين المجتمعات المحلية المتضررة والبُنى السّلطوية المتعددة في العراق، سواءً كانت الحكومة المركزية أو الحكومات المحلية، أو جماعات المصالح داخل النظام المرتبطة بفاعلين إقليميين، أو شركات الصناعة النفطية التي تتسبب أنشطتها في تفاقم الأزمة البيئية. تبدو المشكلة البيئية والتنازع على السرديات وتأطيرها، نسيجاً شديد التداخل والتعقيد، نظراً للعوامل المتزامنة الاخرى، التي تمنح "النزاع" ابعاداً أكبر من مجرد "أزمة مظلومية اجتماعية" محلية تستدعي مساحات تفاوض مع السُلطات، أو تُلقي اللَّوم على ممارسات فاعلين إقليميين مثل دولتي المنبع ايران وتركيا. وبناءً على ذلك فإنّ الورقة تقترح تعريفًا معياريًا للمشكلة بوصفه مدخلا لسرد الوقائع الدالة على التأطير السلطوي والاستجابات المحلية المضادة له. وستقوم الدراسة بذلك عبر إلقاء الضوء على ثلاث تمظهرات رئيسة:
- أوّلا: أشكال التنازع بين الحيّز العام والبنى السلطوية.
- ثانيًا: تبادل أدوار الاتهام والمسؤولية، من الإطار المركزي العام إلى مساحات هامشية أكثر محلية.
- ثالثًا تحليل قدرات المجتمع المحلي على إنتاج تمثلات متمايزة للتعبئة البيئية لمواجهة ممارسات التقييد السلطوية.
وبناءً على ذلك، يمثل سَرْد الوقائع وتحليلها، هو الدَّالة والأداةَ الاساسية لفهم التأطير المنهجي لهذه الورقة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.