مقدمة
إنّ العدالة المجالية (la justice territoriale) كظاهرة هي ذات جذورٍ تاريخية لا يمكن إنكارها، وهو ما جعلها في صلب النقاشات العامة بالمغرب، الأمر الذي تترجمه التوجهات الكبرى وما لحقها من برامج وسياسات اعتمدتها الدولة على مدار سنوات خاصة في العشرية الأخيرة. وبالرغم مما تدّعيه الجهات الرسمية من محاولاتٍ لإيجاد حلول تستهدف الاستجابة للعدالة المجالية القائمة على الإنصاف في توزيع الثروة والفرص التنموية، إلا أن الواقع حالَ دون ذلك وجعلها محلّ مطلبٍ اجتماعي متزايد، يبتغي من خلاله أصحاب المصلحة ردّ الاعتبار للهامش والاستجابة لمظلومية سكانه.
ومن الإشكالات الحقيقية التي تروم واقع السياسات المعلنة من قبل الدولة، هو أنها تُصمَّم مركزياً (la centralisation) وتُطبَّق عمودياً بشكل يغيّب إشراك ذوي المصالح (سياسات مفروضة باسم الجميع دون مشاركتهم) وينفي شرط الخصوصية المجالية الذي يرتّب أولويات واحتياجات كل منطقة على حدة، ويعكس رؤية الدولة للعدالة المجالية كظاهرة مرتبطة بتوجهات الفعل العمومي التنموي. من هنا تتبلور حالةٌ من التنازع والصراع تتباين تجلّياتها بين ما يطفو على السطح وما يبقى خفياً في سياق "الصراع الناعم"، فهناك أصحاب مصالح باعتبارهم سكان المناطق المهمّشة التي تطالب بالعدالة المجالية، وهناك الدولة ممثلة في مؤسساتها الرسمية من مؤسسة ملكية وحكومة وبرلمان.
تقوم هذه الورقة على تحليل العلاقة التفاعلية بين ثلاثة أطراف أساسية من خلال منهج استنباطي (من العام إلى الخاص)، فهناك مؤسسة ملكية لها تأثيرها الذي يتمايل بين وجود رمزي وآخر فعلي يحدّد التوجهات الكبرى للبلاد، وهناك فاعلان حكومي وبرلماني يقومان بصنع القرار من خلال سياسات تتماشى مع مطالب التنمية. من جانب آخر، نجد أصحاب المصلحة المطالبين بالحق في العدالة المجالية، وهم بمثابة جماعات أو قوى ضاغطة تعرّي محدودية السياسات، وربما تتحدى هيمنة الخطابات الرسمية الموجهة إليها، لتحدث التأثير في سلوك الفاعل الرسمي وتوجيهه نحو المسعى المطلبي، مما يضطره في كثير من الحالات إلى ملاءمة القرارات مع المطالب. وهو ما يمكن التطرّق إليه من خلال حالة "حراك الريف" بالحسيمة شمال المغرب، إذ أصبحت العدالة المجالية مطلباً اجتماعياً معلناً بعد ما شهدته المنطقة على وقع انتفاضة شعبية أواخر شهر تشرين الأول/اكتوبر 2016 عقب مقتل بائع السمك محسن فكري.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.