ملخص
يواجه قطاع الطاقة في اليمن حاليًا أزمة حادة. بالنسبة إلى ملايين اليمنيين، يعد الحصول على كهرباء موثوقة تحديًا يوميًا، تتخلله انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي، ومحدودية إمدادات الوقود، وتدهور البنية التحتية، ما يُفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد. يؤكد هذا الموجز السياساتي أهمية التحول العادل والمراعي لظروف الصراعات في مجال الطاقة في اليمن، ومعالجة التحديات المترابطة المتمثلة في النزاع المستمر، وعدم الاستقرار الاقتصادي، وفقر الطاقة؛ ويشدد على الحاجة الملحة إلى تحول في مجال الطاقة يعزز الوصول إلى خدماتها، ويشجع على إزالة الكربون، ويدعم جهود بناء السلام والتعافي الاجتماعي والاقتصادي.
يوضح هذا الموجز المشهد الراهن للطاقة في اليمن، ويُبرز الثغرات الجوهرية في السياسات، ويسلط الضوء على الفرص المتاحة على المستويين الحكومي والمجتمعي لتعزيز تنمية الطاقة المستدامة. يقر الموجز بوجود تحديات كبيرة تواجه هذا القطاع، ومن ضمنها تجزئته وضعف قدراته المؤسسية، ومحدودية موارده التي تفاقمت بفعل غياب هياكل حوكمة منسقة منذ اندلاع الحرب، وتعدّد مراكز السلطة، بما فيها الحكومة المعترف بها دوليًا، وجماعة الحوثيين (أنصار الله)، وجماعات مسلحة أخرى.
على الرغم من هذه التحديات، يستكشف الموجز الفرص الرئيسية لاتخاذ إجراءات تحويلية، خصوصًا على مستوى المجتمعات والسلطات المحليتين. تُظهر التجربة في اليمن أن التدخلات في المناطق الريفية تواجه تحديات تقنية وسياسية ومالية أقل مقارنةً بالمدن، حيث تقع المناطق الريفية بعيدًا عن مراكز السلطة والنفوذ وتضم غالبية سكان البلاد، وتنفصل إلى حدٍ كبير عن شبكات الطاقة العامة، كما أنها تؤمّن بيئة أكثر ملاءمة لتنفيذ مشاريع الطاقة التجريبية من المراكز الحضرية، ما يوفر أمثلة ناجحة تسهم في بناء زخم لإصلاحات أوسع نطاقًا.
لتوجيه تحوّل قطاع الطاقة في اليمن، ينبغي وضع إطار شامل قائم على الأدلة، يعطي الأولوية للوصول العادل إلى الطاقة، وتعزيز القدرات المؤسسية، وتحفيز التعافي الاقتصادي، على أن تحلل هذه الجوانب جميعها من منظور يراعي ديناميات النزاعات؛ كما يتعين على هذا التحليل أن يضمن مشاركة فعلية للفئات المهمشة، لا سيما النساء والشباب، في كلٍ من عمليات صنع السياسات وتنفيذها.
يتطلب تحقيق هذه الأهداف أيضًا تنسيقًا وثيقًا بين مختلف الجهات الفاعلة؛ يجب أن تراجع الحكومة الدعم المالي تدريجيًا بما يراعي الظروف الاجتماعية، مع توفير الحوافز لمشاريع الطاقة اللامركزية التي تقودها المجتمعات المحلية؛ كما ينبغي أن يعتمد الشركاء الدوليون والإقليميون آليات تمويل مرنة تراعي ظروف النزاعات، وتعزيز استخدام الطاقة كأداة لبناء السلام، من خلال دعم التعاون عبر خطوط الانقسام النزاعي؛ في الوقت نفسه، يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تلعب دورًا حيويًا عبر تسهيل مشاركة المجتمعات المحلية، وزيادة الوعي العام بقضايا الطاقة، والمناخ والعدالة، مع التركيز بشدة على احتياجات وأصوات سكان الريف؛ أخيرًا، يتعين أن يشارك القطاع الخاص بفاعلية في وضع المعايير التقنية ومواءمة نماذج الأعمال مع النهج الحساسة للنزاعات التي تعزز الوصول العادل إلى المجتمعات المحرومة والنائية.
مقدمة
حدد اتفاق باريس الذي تبنّته الدول المشاركة عام 2015، هدفًا رئيسيًا يتمثل في الحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي. أيدت العديد من الدول، ومن ضمنها اليمن، هذا الاتفاق، والتزمت بالمساهمات المحددة وطنيًا الرامية إلى خفض انبعاثات الكربون على المستوى العالمي. لم يُدرج مفهوم "الانتقال العادل" بشكلٍ صريح في الإعلان الختامي إلا خلال مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP27) لعام 2022، الذي عقد في شرم الشيخ، مصر، حين تم تأكيد الحاجة إلى تحقيق التوازن بين العمل المناخي والعدالة الاجتماعية والاقتصادية. في مؤتمر COP28 الذي أعقبه، واستضافته الإمارات العربية المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 2023، تحول التركيز نحو الحاجة الملحة إلى اتخاذ إجراءات مناخية. شدد الإعلان الختامي للمؤتمر على أهمية التحول عن الوقود الأحفوري وضمان انتقال عادل ومنظم ومنصف نحو أنظمة الطاقة المستدامة.
تُعرِّف الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ مفهوم الانتقال العادل على أنه "مجموعة من المبادئ والعمليات والممارسات التي تهدف إلى ضمان عدم تهميش أي شخص، أو عامل أو مكان أو قطاع أو بلد أو منطقة خلال الانتقال من اقتصاد مرتفع انبعاثات الكربون إلى اقتصاد منخفض الكربون"، وتواجه البلدان حول العالم تحديًا مزدوجًا يتمثل في تحقيق انتقال طاقي يوازن بين مكافحة تغير المناخ والتنمية الاقتصادية.
يتطلب تحقيق انتقال بيئي عادل في المجتمعات المتأثرة بالنزاعات أو الهشة، مثل اليمن، اعتماد نُهج توازن بين الاحتياجات العاجلة والعدالة والاستدامة على المدى الطويل. تشمل المبادئ التوجيهية الرئيسية: الحوكمة الشاملة والتشاركية التي تضمن مشاركة جميع أصحاب المصلحة، خصوصًا الفئات المهمشة والمتضررة من النزاعات، في عمليات صنع القرار؛ والتوزيع العادل للفوائد وأعباء التحول البيئي؛ وتعبئة الموارد المراعية للنزاعات، مثل إعادة توجيه التمويل الدولي والمناخي نحو القطاعات الخضراء مع معالجة التفاوتات النظامية؛ وتطوير أنظمة الطاقة المتجددة اللامركزية؛ والسياسات القابلة للتكيف والمراعية للديناميات المحلية. يُعدّ تعزيز المؤسسات والأطر القانونية، ومعالجة الأضرار الناجمة عن الحروب السابقة وسوء الإدارة، وتمكين المجتمعات المحلية، مبادئَ أساسيةً يجب أن توجه صانعي السياسات والممارسين نحو تحقيق تحولات بيئية عادلة ومستقرة، حتى في أكثر السياقات العالمية تعقيدًا.
في هذا السياق، يشكّل هذا الموجز السياساتي خطوة أولى نحو تطوير إطار شامل للتحول الطاقي في اليمن. يهدف النهج المقترح، القائم على الإنصاف واللامركزية والتكامل متعدد القطاعات واتخاذ القرارات التشاركية، إلى معالجة الثغرات السياساتية الحرجة، وإرساء الأسس النظرية والتحليلية لجهود تعاونية أوسع نطاقًا، تسهم في دعم إطار لتحول طاقي عادل ومراعٍ لخصوصيات النزاعات يمكن تطبيقه على المستويين السياسي والمجتمعي.
يعتمد هذا الموجز على نهج بحثي نوعي متعدد الأساليب، ويستند في تحليله إلى البيانات الأولية التي جُمعت عبر مقابلات مع مقدمي معلومات رئيسيين، ونقاشات جماعية مركزة، ونتائج منتدى اليمن الدولي الثالث. يتضمن الموجز أيضا مجموعة من المصادر الثانوية، تشمل وثائق رسمية وسياساتية، ومجموعات بيانات النزاعات، والمؤشرات الاقتصادية، وإحصاءات قطاع الطاقة. بالإضافة إلى ذلك، استعرض الباحثون أطر الحوكمة الحالية، مستندين إلى بيانات من مصادر متعددة، مثل برنامج الاستعداد والدعم التحضيري التابع لصندوق المناخ الأخضر، وتقارير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، ووزارة الكهرباء والطاقة، والأمم المتحدة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.