ما بعد الحرب: إعادة النظر في الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط

(c) Shutterstock/Ivan Marc

يمر الشرق الأوسط بمرحلة ينهار فيها النظام الأمني القديم، والبديل لم يظهر بعد. في السنوات الأخيرة، سعت الدول العربية إلى البقاء من خلال صفقات منفصلة؛ فاعتمد بعضها على الحماية الأمريكية، وقام بعضها الآخر بتطبيع علاقاته مع إسرائيل، وتردد عدد منها بين واشنطن وإيران، وسعت أخرى، كسوريا في عهد الأسد، إلى تحالفات مع روسيا. لكن هذا المزيج من الاعتماد الخارجي والتحالفات التنافسية والدبلوماسية الإقليمية المجزأة فشل في تحقيق الأمن أو الاستقرار. بل ترك المنطقة أكثر عسكرة، وأكثر تفككًا اقتصاديًا، وأضعف أمام ضغوطات الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية. في عام 2024، بلغت النفقات العسكرية في الشرق الأوسط ما يقدر بـ 243 مليار دولار، بزيادة قدرها 15% في عام واحد، وإنْ ظلت المنطقة من بين الأقل تكاملًا اقتصاديًا والأكثر تضررًا من النزوح في العالم.

لذلك، تبرز الحاجة إلى نظام إقليمي جديد: ليس تحالفًا هجوميًا، ولا إحياءً للعروبة الخطابية التي خذلت شعوب المنطقة، بل عقيدة أمنية إقليمية عملية مبنية على الدفاع عن السيادة الوطنية والسلامة الإقليمية والرفاهية الاقتصادية. وعقيدة كهذه لا بد أن تضعها الدول العربية الأكثر تأثرًا بالفوضى الحالية – دول مجلس التعاون الخليجي وسوريا ولبنان والأردن ومصر – بالتنسيق مع تركيا. ويمكن ضم دول عربية أخرى، كالعراق وليبيا واليمن والسودان، تدريجيًا إذا كان ذلك سيساعدها على التوصل إلى تسوية سياسية دائمة وفعالة. تركيا ليست دولة عربية، لكنها الآن ضالعة بعمق في الأمن والاقتصاد في سوريا والعراق وشرق المتوسط والتوازن الإقليمي الأوسع نطاقًا بدرجة لا يمكن معها تجاهلها في أي هيكل جديد. لن يكون الغرض من هذا الحلف شن هجمات، بل احتواؤها: معارضة العدوانية العسكرية الإسرائيلية وإفلاتها من العقاب، ووقف استراتيجيات التدخل الخارجي الإيراني، والحد من التنافسات داخل المنطقة، ودعم نتيجة عادلة للفلسطينيين، ومنح المنطقة فاعلية جماعية أكبر في عالم يزداد تشكّلُه عن طريق المنافسة بين الولايات المتحدة والصين والاتجاه الأوسع نحو التعددية القطبية.

بيد أن على أي نظام إقليمي جديد أن يواجه أيضًا مشكلة أعمق لا يمكن معالجتها بالدبلوماسية بين الدول وحدها: أزمة الشرعية التي تواجه العديد من الدول العربية في المنطقة. فالاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يرتكز على مجرد تحالفات جديدة بين الحكومات أو تحسين الردع ضد إسرائيل وإيران، بل يتطلب أيضًا المزيد من التمثيل الشرعي، وتجديد العقود الاجتماعية، وأشكالًا من الحكم قادرة على توفير الكرامة والحماية والأمن الاقتصادي للمواطنين. وبالتالي، النظام الإقليمي الدفاعي هنا ليس غاية في حد ذاته، بل شرطًا ضروريًا لتمكين المجتمعات من رسم مساراتها الخاصة. وبهذا المعنى، سيساعد اتفاق إقليمي جديد على إتاحة المجال للدول لاستعادة فاعليتها، لكنه لن يدوم إلا إذا ترافقت إعادة التوازن الخارجية مع أنظمة سياسية داخلية أكثر مصداقية.

وتقوم الحجة المؤيدة لإعادة التفكير هذه على 3 قضايا. أولًا، لقد ثبت للدول العربية فشل النظام الإقليمي الحالي. وكان هذا الفشل واضحًا بالفعل في حالة الدول المجاورة لإسرائيل، لكن من الواضح الآن أن دول مجلس التعاون الخليجي لن تنجو منه هي الأخرى. ثانيًا، يمكن التوصل إلى حلف إقليمي أكثر تماسكًا إذا قام على الردع وعدم الاعتداء والتعاون الاقتصادي بدلًا من سياسات الكتل الأيديولوجية. ثالثًا، سيكون الطريق إلى هكذا حلف صعبًا، لكن تكاليف الحفاظ على الوضع الراهن أصبحت الآن أعلى من مخاطر محاولة تغييره.

أولًا: فشل النظام الإقليمي الحالي

كان للنظام الإقليمي الذي تبلور خلال العقد الماضي 3 ركائز أساسية. كانت الركيزة الأولى نظامًا تهيمن عليه الولايات المتحدة وإسرائيل، يُمنح فيه التفوق الاستراتيجي لإسرائيل، وتُنظم الدبلوماسية الإقليمية حول تلبية مصالحها وطموحاتها العدوانية. وكانت الاتفاقيات الإبراهيمية أوضح تعبير عن هذا النهج. فقد انطلقت من مقدمة مفادها أن التطبيع والتجارة والتكنولوجيا والتعاون الاستخباراتي يمكن لها الإسهام في استقرار المنطقة مع تجاهل القضية الفلسطينية. وكانت الإمارات العربية المتحدة في طليعة المروجين العرب لهذا النموذج، إذ قدمت الاتفاقيات على أنها إطار كفيل بإحداث تغيير جذري لتوسيع التجارة والتبادل التجاري. وربما ذروة هذا النهج كانت خطاب بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2023، حيث رفع خريطة «الشرق الأوسط الجديد» بلا فلسطين مع استبعاد لبنان وسوريا وعمان واليمن والعراق.

لم يفشل هذا النظام في تحقيق السلام فحسب، بل جرَّأ إسرائيل على السعي لفرض الحقائق بالقوة الغاشمة وغير المشروعة، مع عواقب وخيمة على جميع جيرانها المباشرين. فالإبادة الجماعية في غزة، وتسريع توسيع المستوطنات وسياسات الضم في الضفة الغربية، لم تهدد وجود الفلسطينيين كشعب فحسب، بل هددت أيضًا المصلحة الحيوية للأردن في الحفاظ على الأساس الإقليمي لدولة فلسطينية، وعرضت الأمن القومي المصري للخطر من خلال السعي إلى طرد سكان غزة إلى سيناء قسرًا وإلى الأبد. وقد دفع لبنان مرة أخرى ثمن الهجمات المتكررة على أراضيه، حيث ارتكبت إسرائيل أكثر من 10 آلاف انتهاك جوي وبري لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان المبرم في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 في جو من الإفلات التام من العقاب. وفي الوقت نفسه، تعرضت سوريا لمزيد من الغزو الإسرائيلي لأراضيها ولضربات جوية متكررة، بما في ذلك تدمير أصول أساسية للجيش، وهجمات على دمشق، وتحذيرات صريحة بعدم السماح للقوات السورية بالانتشار جنوب العاصمة من دون موافقة إسرائيلية.

لقد بُني هذا «الشرق الأوسط الجديد» في الواقع على جغرافيا الإقصاء. كان التصور الاقتصادي وراءه ممرات تربط الخليج وإسرائيل وأوروبا، بكون المستفيد الأساسي منه تل أبيب ودبي، في حين عُومل جزء كبير من بلاد الشام كالمشكلة الأمنية الواجب تجاوزها والسيطرة عليها وقصفها جوًا، بدلًا من إعادة بنائها. أما الدول التي يُطلق عليها اسم «الدول المهمشة» – فلسطين ولبنان وسوريا وإلى حد ما الأردن –، فلطالما كان هذا نموذجًا فاشلًا على الدوام.

كانت الركيزة الثانية للنظام الحالي المنافسة داخل المنطقة. شهدت فترة ما بعد الربيع العربي تنافسًا بين المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر من جهة، وتركيا وقطر من جهة أخرى، عبر عدد من ساحات الصراع بالوكالة، أسفرت عن مقاطعة قطر من جيرانها لمدة 3 سنوات. ولا تزال اليمن وليبيا والسودان تعاني من هذه المنافسة والتفكك الإقليمي.

أما الركيزة الثالثة، فكانت سعي إيران نفسها إلى بسط نفوذها الإقليمي، المتأسس لا من خلال تحالفات رسمية بين الدول، بل من خلال جهات مسلحة غير حكومية. بل إن المسؤولين الإيرانيين تفاخروا في عام 2015 بأن «ثلاث عواصم عربية – بغداد ودمشق وبيروت – قد وقعت في قبضة إيران»، مع اقتراب صنعاء من الدخول في فلكها. وفي حين أن اعتماد إيران على الجهات الفاعلة غير الحكومية لتوسيع نفوذها جاء بكلفة منخفضة نسبيًا لطهران، فقد أضعف الدول العربية المتأثرة، وأدخلها في دوامات من انعدام الأمن وضعف الحكم لا تزال تعيقها. لم يقتصر دور حزب الله والحوثيين والفصائل العراقية الموالية لإيران على توسيع نفوذ إيران في بلدانهم فحسب، بل عملوا أيضًا كأدوات يمكن لإيران من خلالها بسط نفوذها إقليميًا وتهديد نقاط الضعف في النظام الإقليمي والدولي: طرق الطاقة وممرات الشحن ونقاط الضعف في البنية التحتية لاقتصادات الخليج.

إن فشل هذا النظام الإقليمي صارخ. إذ لم يسبق للشرق الأوسط أن أنفق هذا القدر على الدفاع، بيد أنه من النادر أن شعر بهذا القدر من انعدام الأمن والهشاشة. تُظهر أحدث أرقام معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) ارتفاعًا إقليميًا كبيرًا في الإنفاق العسكري في عام 2024، بما في ذلك زيادات حادة من جانب إسرائيل وتركيا، فضلًا عن استمرار الإنفاق المرتفع من جانب دول الخليج. وفي الوقت نفسه، لا تزال المنطقة تعاني من نقص شديد في التكامل الاقتصادي، إذ تُظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن التجارة داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تمثل سوى 17.8% من إجمالي التجارة في عام 2021، على الرغم من القرب الجغرافي واللغة المشتركة في معظم أنحاء المنطقة. وقد شددت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا مؤخرًا على أن نقاط الضعف الهيكلية المعلقة لا تزال تجعل الاقتصادات العربية عرضة للصدمات الخارجية، في حين أن سلاسل التوريد غير الملائمة والتنسيق الإقليمي الضعيف يكشفان عن هشاشة أنماط التجارة والأمن الغذائي الحالية. ولكن الأهم من ذلك أن البؤس والمعاناة الإنسانية بلغا مستويات قياسية في المنطقة، فقد أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنه بحلول منتصف عام 2025، كان هناك أكثر من 17.8 مليون شخص لا يزالون نازحين قسرًا أو عديمي الجنسية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

فشل النظام الحالي ليس فشلًا جيوسياسيًا فحسب، بل فشل داخلي أيضًا. في معظم أنحاء المنطقة، دفعت ضعف الشرعية الأنظمة إلى السعي للحصول على دعم من قوى خارجية، ليس لمجرد الدفاع عن الدولة من التهديدات الخارجية، بل لحماية نفسها من شعوبها. فقد اعتمد بقاء نظام الأسد اعتمادًا كبيرًا على التدخل الروسي والإيراني ضد انتفاضة شعبية، واعتمدت مصر في عهد مبارك لعقود على الدعم الأمريكي كمصدر لاستقرار النظام وسط تزايد السخط الداخلي. في هذا السياق، كان الاعتماد الخارجي أحد أعراض الهشاشة الداخلية وضعف الشرعية المحلية، كما كان نتيجة لهما. وبناءً على ذلك، فإن أي محاولة لإقامة نظام إقليمي جديد يعمل على استقرار الحدود، ويترك الدول فارغة من الداخل وقمعية ومثيرة للريبة وغير قادرة على توفير نتائج اجتماعية عادلة، سيظل هشًا في صلبه؛ وبالتالي سوف تصبح نقطة الضعف هذه بوابة لتدخل خارجي متجدد.

حتى دول مجلس التعاون الخليجي التي طالما اعتقدت أنها قادرة على التحوط وتنويع مصادرها وشراء الأمن، تواجه الآن حدود النظام القديم. فقد شكّل الهجوم الصاروخي الإسرائيلي على الدوحة في أيلول/سبتمبر 2025 نقطة تحول بالفعل، إذ انتهك الهجوم التفاهمات الراسخة بشأن الأمن الإقليمي والمظلة الأمريكية، وأبرز حقيقة أن التهديدات التي تواجه الخليج لا تنبع من إيران فحسب، بل من إسرائيل أيضًا. ويحمل القرار اللاحق الذي اتخذته الولايات المتحدة وإسرائيل بمهاجمة إيران، على الرغم من تحفظات دول الخليج، والدعم المحدود الذي تلقته هذه الدول من الولايات المتحدة حين بدأت إيران بمهاجمتها، درسًا قاسيًا مؤداه أن تحالفات دول الخليج مع الولايات المتحدة وإسرائيل لا تقضي على الضعف الاستراتيجي. بل إنها قد تولد، في الواقع، أشكالًا جديدة من الضعف.

ثانيًا: الركائز المحتملة لحلف إقليمي جديد

لا بد أن ينطلق النظام الإقليمي الجديد من مقدمة واقعية: تواجه المنطقة تهديدات من كل من إسرائيل وإيران، لكن هذه التهديدات ليست متطابقة، وبالتالي لا يمكن معالجتها بأدوات متطابقة. فالمشروع الإسرائيلي اليوم مشروع للهيمنة العسكرية والتوسع الإقليمي والاعتداء ومحاولة لإعادة ترتيب المنطقة بالقوة، ولا سيما من خلال الإجهاز على المطالبات الفلسطينية بإقامة دولة وربما ضم أجزاء من لبنان وسوريا. أما النهج الإيراني، فنهج قوة التخريب غير المتكافئ، والحرب بالوكالة، وتصدير الضغوط الداخلية والاستراتيجية. ولذلك يجب أن يكون الاتفاق الإقليمي الجديد دفاعيًا، ومحددًا حسب السياق، وشديدة الدقة في مقارباته.

ولا بد أن تكون ركيزته الأولى المعارضة الجماعية للعدوان الإسرائيلي. يعني هذا تجاوز مجرد إصدار الإدانات إلى إعادة بناء موقف إقليمي حول مبدأ كانت الدول العربية نفسها قد عبرت عنه بوضوح في السابق، لكنه تعرض للتمييع منذ ذلك الحين بفعل الاتفاقيات الإبراهيمية: مبادرة السلام العربية لعام 2002. فقد عرضت تلك المبادرة على إسرائيل التطبيع الكامل مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، والتسوية العادلة لمسألة اللاجئين الفلسطينيين، وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. وتظل هذه المبادرة أفضل أساس متاح. والهدف ليس تكرار صيغة عام 2002 كطقس شكلي فحسب، بل استعادة المنطق القائل بأن التطبيع يجب أن يتبع التسوية العادلة، لا أن يحل محلها، لا سيما أن مبدأ الأرض مقابل السلام هذا أصبح أكثر إلحاحًا مع توسيع إسرائيل لطموحاتها الإقليمية لتشمل سوريا ولبنان. ويعني هذا بذل جهد جماعي أقوى من قبل الدول العربية لدعم المبادرة السعودية-الأوروبية الجارية بشأن فلسطين (التي أسست التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين)، وكذلك دعم لبنان وسوريا في جهودهما لصد الغزو الإسرائيلي لأراضيهما، بما في ذلك اقتراح ترتيبات أمنية لضمان وقف إطلاق نار دائم ومستدام يشمل وقف الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة لسيادة هذين البلدين.

ولا بد أن تكون الركيزة الثانية اعتماد عقيدة إقليمية للتعامل مع إيران التي أصيبت بجراح لكن من المرجح أن تظل عدوانية. وهنا، يختلف التحدي. إذ يبدو النظام الإيراني، بصرف النظر عن مآل الصراع الحالي، في طريقه إلى النجاة من الهجمات الحالية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنه سيخرج على الأرجح محاطًا بالعقوبات وغير آمن داخليًا. وهذا يخلق حافزًا قويًا لطهران لتصدير الضغط، بدلًا من استيعابه داخليًا. قال المرشد الأعلى الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، إن مضيق هرمز يجب أن يظل مغلقًا كأداة للضغط، ودعا إلى إغلاق القواعد الأمريكية في المنطقة، محذرًا من أنها ستكون هدفًا للهجمات. تدرك دول الخليج ودول عربية أخرى كالعراق ولبنان واليمن أنها تظل نقاط الضغط التي يمكن لإيران من خلالها تهديد النظام الإقليمي والدولي الأوسع.

على أي حال، لا يجب أن يكون الرد بالعداء المفتوح تجاه إيران، كما أدركت دول الخليج بحكمة حتى الآن. فالاستراتيجية الأفضل تتمثّل في السعي إلى إبرام اتفاق رسمي لعدم التعدي مع إيران، يركز على عدم التدخل وخفض التصعيد البحري وحماية البنية التحتية الأساسية (لا سيما الطاقة والنقل وتحلية المياه)، والتخلي عن الهجمات بالوكالة من قبل الجهات الفاعلة غير الحكومية. لن يقضي هذا الإطار على الصراع ولن يعالج مسألة وجود القواعد الأمريكية في العديد من الدول العربية، لكنه سيخلق قناة أفضل لخفض التصعيد عند ظهور مصادر جديدة للتوتر.

يجب أن تكون الركيزة الثالثة البدء في تطوير القدرة على التفاوض ككتلة إقليمية، من أجل تعزيز الموقف التفاوضي للمنطقة في عالم تتنافس فيه القوى العظمى. فالنظام الذي أعقب الحرب الباردة آخذ في التلاشي، ولم تعد الولايات المتحدة ضامنة للاستقرار، وتعمل القوى الصاعدة في جميع المجالات على توسيع هامش مناورتها في فترة الفراغ السياسي الحالية. وقد بدأت بالفعل الدول العربية، أو على الأقل مَن يملك منها مؤسسات حكومية قوية، تُكيّف سلوكها، فهي تحاول التوفيق بين واشنطن وبكين، وتطوير علاقات اقتصادية قوية مع الهند مع الحفاظ على علاقات استراتيجية مع باكستان، وإدارة العلاقات مع روسيا بناءً على كل حالة على حدة، وتنويع الشراكات الدفاعية والتكنولوجية. لكن التوفيق بغياب تنسيق جماعي ينطوي على مخاطر إعادة إنتاج التشرذم أو على الأقل إضعاف الموقف التفاوضي للدول العربية. لذلك، يجب أن يتضمن أي حلف جديد مشاورات استراتيجية منتظمة حول التحالفات خارج المنطقة، ومنابر لمناقشة التعاون بشأن التحديات الاستراتيجية التي تواجه المنطقة. لا يتعلق الأمر بالاختيار بين الولايات المتحدة والصين، بل بضمان ألا تُجبر المنطقة على اتباع أولويات القوى الخارجية.

كما سيحتاج أي حلف قابل للتطبيق إلى بُعد اقتصادي وبيئي حقيقي. فلا بد أن يتضمن أجندة إقليمية بشأن الترابط في مجال الطاقة وتمويل إعادة الإعمار في بلاد الشام والتكامل التجاري بين الخليج والأردن وسوريا ولبنان ومصر وتركيا. ويجب التعامل مع القضايا البيئية، بما فيها أمن المياه والسيادة الغذائية، معاملة القضايا الاستراتيجية والوجودية الجوهرية. لم يعد اعتماد الخليج على تحلية المياه خطرًا افتراضيًا؛ بل أصبح نقطة ضعف استراتيجية في الخطوط الأمامية.

في نهاية المطاف، لا يجب التعامل مع هكذا حلف على أنه مسعى عسكري بحت. بل على العكس، ستأتي مصداقيته من الجمع بين المكونات الصلبة والناعمة: حوار عربي-تركي حول الدفاع الجوي والصاروخي؛ مراقبة بحرية مشتركة في الخليج والبحر الأحمر؛ خطوط حمراء منسقة ضد الهجمات على المدنيين والبنية التحتية المدنية؛ مبادرات مشتركة للنازحين؛ صندوق إقليمي جديد للتكيف البيئي؛ الدعم العربي والتركي لتحقيق الاستقرار وإعادة إعمار سوريا ولبنان وغزة؛ وضغط إقليمي متجدد لإنهاء الحروب في اليمن وليبيا والسودان. والغرض من ذلك تضييق المناطق التي يمكن للجهات الخارجية والميليشيات غير الحكومية استغلال التشرذم فيها.

ثالثًا: كيفية الوصول إلى ذلك

هذا هو الجزء الأصعب، لأن مكونات النظام الجديد موجودة بالفعل، لكن الجهات الفاعلة والعادات التي حالت دون إقامته حتى الآن لا تزال قائمة. فالريبة بين السعودية وتركيا لم تختفِ. والتطبيع بين مصر وتركيا لا يزال حديث العهد نسبيًا. والتنافس بين السعودية والإمارات لا يزال حادًا. وسوريا في حالة هشاشة شديدة. ودولة لبنان لا تزال في غاية الضعف. ولا يزال مجلس التعاون الخليجي نفسه يعاني من تنافسات داخلية حدّت من قدرته على التعاون الاستراتيجي. وربما الأهم من ذلك، أن واشنطن وتل أبيب ستنظران على الأرجح إلى أي إطار إقليمي لا يخضع لتفضيلاتهما على أنه تهديد، حتى وإن صيغ هذا الإطار بعبارات دفاعية.

لكن ثمّة أيضًا علامات على النضج. فقد شكلت زيارة أردوغان إلى مصر عام 2024 نهاية عقد من القطيعة المريرة، ووصفها الجانبان صراحةً بنقطة تحول في العلاقات الثنائية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أصدر وزيرا الخارجية التركي والمصري بيانًا مشتركًا يضفي الطابع المؤسسي على التنسيق الاستراتيجي. وبحسب ما ورد، أخبر أردوغان محمد بن سلمان في شباط/فبراير 2026 أن أنقرة ستواصل دعم الاستقرار في سوريا والعمل بالتعاون مع السعودية هناك. وقد أظهر سجل مجلس التعاون الخليجي نفسه منذ إعلان العلا في كانون الثاني/يناير 2021، حين أنهت دول مجلس التعاون الخليجي ومصر الخلاف حول قطر، أنه يمكن احتواء حتى الانقسامات الكبرى سياسيًا حين يدرك القادة أن البديل مكلف للغاية. وأخيرًا، على الرغم من عقود من عدم الثقة، يُظهر لبنان وسوريا بعض المؤشرات المشجعة نحو علاقة أكثر تعاونًا ونضجًا.

والمسار الأكثر واقعية ليس إبرام معاهدة كبرى في البداية، بل السير في عملية تدريجية. يمكن أن تبدأ بمجموعة أساسية من الدول، مع انضمام دول أخرى تدريجيًا حسبما تسمح به أوضاعها. ولا بد أن تكون المرحلة الأولى عملية وليس إعلانية: منتدى أمني إقليمي حول الدفاع الجوي والأمن البحري وحماية البنية التحتية المدنية والحيوية. يجب أن تركز المرحلة الثانية على ملفات طال انتظار التنسيق بشأنها بغية ردع أي عدوان إسرائيلي جديد (سوريا ولبنان وفلسطين) أو كبح المنافسة الإقليمية الضارة (السودان واليمن وليبيا). أما المرحلة الثالثة فلا بد أن تمأسس ركيزة اقتصادية من خلال تمويل إعادة الإعمار وتيسير التجارة وربط البنية التحتية التي تشمل بلاد الشام بدلًا من تجاوزها.

إحدى العقبات الرئيسة سوف تكون الضغط الأجنبي من الولايات المتحدة وإسرائيل. وعقبة أخرى هي الافتقار إلى الثقة السياسية وإغراء كل دولة بمواصلة لعب لعبتها التوازنية الخاصة، كما رأينا في اليمن أو السودان. ولكن توجد أيضًا عقبة أعمق: لا تزال العديد من دول المنطقة هشة، مع شرعية داخلية ضعيفة، ومؤسسات هشة، وعقود اجتماعية متوترة. هذه الهشاشة تُصَعِّب التنسيق الاستراتيجي، لأن الحكومات التي تشعر بعدم الأمان في الداخل تفضل في الغالب الصفقات الخارجية قصيرة الأجل على الأطر الإقليمية طويلة الأجل. لذلك يجب أن يصاحب أي اتفاق جديد جهود لتعزيز شرعية الدولة وإشراك الجميع والاستجابة في الداخل.

والمأمول أن هذه الحكومات بعد سنوات افترضت فيها أنها تستطيع إدارة انعدام الأمن من خلال العلاقات الثنائية مع واشنطن، أو التطبيع الانتقائي مع إسرائيل، أو التفاهمات الظرفية مع طهران، قد وصلت الآن إلى لحظة إدراك أن حتى أقوى الدول بينها تظل، في اللحظات الحاسمة، شركاء من الدرجة الثانية يمكن للقوى الأكبر التنازل عن أمنها وأولوياتها. إن وجود عقيدة إقليمية أكثر تنسيقًا، تقوم على شرعية داخلية أقوى وتنسيق إقليمي أفضل، لن تقضي على التبعية بين عشية وضحاها، لكنها ستعالج بعض التفاوت الذي تستغله الأطراف الخارجية حاليًا في تشكيل المنطقة.

خاتمة

هذه لحظة من الاضطراب العميق، وتتطلب إعادة تفكير عميقة بالقدر نفسه. لقد تحملت المنطقة تكاليف بشرية واقتصادية وبيئية هائلة على مدى العقدين الماضيين: الغزو الأمريكي للعراق؛ والحرب الطويلة في سوريا؛ وانهيار الدولة في أجزاء من ليبيا واليمن والسودان؛ والإبادة الجماعية في غزة؛ والحروب المتكررة في لبنان؛ والنزوح الجماعي عبر جبهات متعددة، ونوبات متكررة من انعدام الأمن في الخليج والبحر الأحمر. لم يتمكن النظام القديم من احتواء هذه الأزمات. بل في معظم النواحي فاقمها.

لقد حاولت الدول العربية لفترة طويلة جدًا النجاة من خلال الاستعانة بمصادر خارجية لتأمين أمنها: واشنطن، أو تفاهمات ضمنية مع إسرائيل، أو خفض مؤقت للتصعيد وتسويات مع إيران. كان هذا المنطق قد انهار بالفعل لدى العديد من دول المنطقة، لكنه عانى الآن من انهيار كامل. والسؤال الآن: أبإمكان المنطقة صياغة وإنتاج بديل أكثر جدية قبل أن يعيد الآخرون تنظيمها مرة أخرى؟

لكن بالمقابل من الخطأ تصور أن اتفاقًا جديدًا على مستوى الدول يكفي بحد ذاته. فالمنطقة لا تحتاج إلى توازن جديد بين الدول فحسب؛ بل تحتاج أيضًا إلى دول تتمتع بقدر أكبر من الشرعية وإشراك جميع الفئات وقادرة على توفير الأمن والرفاه لشعوبها. وإذا لم تتحقق دول المنطقة هذا، فقد تعيد إنتاج نقاط الضعف القديمة وإنْ توصلت إلى إطار إقليمي أكثر استقلالية. إذًا، لا تكمن قيمة النظام الإقليمي الجديد في أنه قد يجعل المنطقة أكثر أمانًا للدول فحسب، بل في أنه قد يخلق الفضاء السياسي والاستراتيجي لتحسين العلاقات بين الدولة والمجتمع، وإدارة أكثر مصداقية، ومفهوم مناسب للأمن البشري يستجيب للاحتياجات المحلية.

يتضح بشكل متزايد من خلال التفاعلات في الشوارع أو قاعات المؤتمرات انتشار إدراك متزايد – بين النخب والجمهور العام على حد سواء – بأن النظام الحالي لا يحمي المصالح الجوهرية للمنطقة. والتحدي الآن يتمثّل في تحويل هذا الإدراك إلى مشروع: مشروع يدافع عن السيادة، ويقاوم الإكراه الخارجي، ويبدأ في إعادة بناء العلاقة بين الدول والمجتمعات على أرضية أصلب.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.