بذور سوريا وسياسة الرعاية: منظور نسوي مادي

حديقة الورود لفِدّة التي عادت إلى سوريا وتحقق حلمها بامتلاك مزرعتها الخاصة وتدريب نساء أخريات على إنتاج المستخلصات العشبية الطبيعية. © انصار جاسم

تجري الصحافية النسوية رولا أسد مقابلة مع أنصار جاسم، الباحثة في العلوم السياسية والناشطة في مجال السيادة الغذائية، حول تأثير الحرب والنزوح والسيطرة المركزية على النظام الزراعي في سوريا، فضلاً عن أهمية مبادرات حفظ البذور على مستوى القاعدة الشعبية للحفاظ على الثقافة وتعزيز المقاومة. على مدى سنوات، دعمت جاسم وربطت المبادرات الزراعية الشعبية في جميع أنحاء المنطقة من خلال شبكات تجمع المزارعين والمنظمين المجتمعيين الملتزمين بتقرير المصير الجماعي وحفظ البذور المحلية والزراعة الإيكولوجية والنظم الغذائية التي يقودها المزارعون أنفسهم. في هذه المقابلة، التي تضع النساء في موقع حارسات البذور والمعرفة، تطرح جاسم إعادة تصور نسوي للنظم الغذائية القائمة على الرعاية والملكية الجماعية والمسؤولية البيئية. أجريت المقابلة في 25 تموز/يوليو 2025. 

رولا أسد (ر.أ.): لتمهيد النقاش، أود أن أبدأ باقتباس لافت من فاندانا شيفا، التي يشار إليها غالبًا باسم "غاندي الحبوب":

السيادة الغذائية هي السيادة على حياتك، سبل عيشك وصحتك. نحن مترابطون؛ لذلك، فإن السيادة الغذائية هي عملية إيكولوجية من الخلق المشترك مع أشكال الحياة الأخرى. وهي تبدأ بالسيادة على البذور: حفظ البذور الحية واستخدامها. وتشمل العناية بالأرض والتربة. لا يمكننا التمتع بالسيادة الغذائية إذا لم نغذِّ الكائنات الحية في التربة. تستند السيادة الغذائية إلى الزراعة العضوية وتتجنب المواد الكيميائية والسموم. كما تشمل السيادة الغذائية سيادة المعرفة والسيادة الاقتصادية والسيادة السياسية.1BBC, “Vandana Shiva on Why the Food We Eat Matters”, 28 January 2021, available at https://www.bbc.com/travel/article/20210127-vandana-shiva-on-why-the-food-we-eat-matters

كيف يتقاطع هذا التعريف مع فهمك للسيادة الغذائية، وما هي التعقيدات التي تعتقدين أنه قد يغفلها؟

أنصار جاسم (أ.ج.): مفهوم فاندانا شيفا للسيادة الغذائية هو مفهوم شاعري وقوي في آن واحد. فهي تربطه بالحياة وسبل العيش والصحة، وتسلط الضوء على البذور والتربة باعتبارهما ساحتي صراع بيئي وسياسي أساسيتين. إن تركيزها على البذور الحية والتربة العضوية يتحدى المنطق الاستخراجي للزراعة الصناعية ويضع الرعاية في المقدمة.

مع تقديري العميق لإطار شيفا، أقترح توسيعه من خلال منظور نسوي مادي: فالرعاية ليست مسألة أخلاقية فحسب، بل هي أيضاً مرتبطة بشكلٍ وثيق بالملكية والاستغلال والعمل، الذي تؤديه غالباً النساء في المجتمعات الريفية. إن الحديث عن "العناية بالتربة" يمكن أن يحجب قضايا نزع الملكية وعدم المساواة؛ لذلك، يسعى المنظور النسوي المادي إلى تفكيك علاقات القوة الكامنة خلف ذلك.

في سوريا والعراق، لا تنفصل سيادة الغذاء والبذور عن اقتصاديات الحرب والسيطرة الاستبدادية ومنع النساء من حقوق ملكية الأراضي. البذور جزء لا يتجزأ من أنظمة الملكية والبنى التحتية القانونية التي تتيح السيطرة والمقاومة على حد سواء.

يُنظر غالباً إلى السيادة الغذائية من منظور قومي، ما يعني السيطرة والأمن المتمركزين حول الدولة. غير أن المقاربات الوطنية تُغفل غالبًا البعد الطبقي والجندري، فضلاً عن أشكال التضامن المحلي والشبكات غير الرسمية التي تُبقي النظم الغذائية قائمة في أوقات الأزمات. في المقابل، يؤكد المنظور النسوي المادي إعادة توزيع السلطة على الحياة والعمل والأرض، ويدعو إلى الاستقلالية الشعبية العابرة للحدود. تتطلب السيادة الغذائية الحقيقية تجاوز القومية وإعادة صياغتها بوصفها نضالاً من أجل العدالة الإنجابية والرعاية البيئية والاستقلالية الطبقية.

(ر.أ.): بناءً على ما ذكرته عن أهمية السلطة والاستقلالية والفاعلية المحلية في النظم الغذائية، هل يمكنكِ التوسع أكثر في توضيح الفرق بين السيادة الغذائية والأمن الغذائي؟

(أ.ج.): أميز بين المقاربتين عبر اختلاف الأسئلة التي تطرحانها. فيسأل الأمن الغذائي: هل يوجد غذاء؟ بينما تسأل السيادة الغذائية: من يقرر؟ من يملك؟ من يستفيد؟

يركز الأمن الغذائي على ضمان توفر كمية كافية من الغذاء، بغض النظر عن مصدره أو كيفية إنتاجه أو من يتحكم فيه. ويُؤطّر غالبًا من منظور تكنوقراطي أو إنساني، مع التركيز على حساب السعرات الحرارية وتوزيع المساعدات وتأمين الوصول إليها، من دون مساءلة هياكل السلطة الأساسية.

على النقيض من ذلك، تتعلق السيادة الغذائية بمن يتحكم في النظم الغذائية، ومن ضمنها الأراضي والبذور والعمالة والمعرفة. وهي تركز على تقرير المصير والملكية الجماعية وحق المجتمعات في تحديد ممارساتها الزراعية بنفسها. وتُعلي شأن الصحة لا السعرات الحرارية فحسب، وتُشدد على الأغذية الملائمة ثقافياً وعلى الكرامة. وهي أيضاً إطار تحليلي متجذر في الإيكولوجيا السياسية يساعدنا على فهم كيفية تشكُّل النظم الغذائية من خلال علاقات القوة. من هذا المنظور، لا تكتفي السيادة الغذائية بالمطالبة بالتغيير، بل توفر الأدوات اللازمة لتحليل كيفية إنتاج البنى التحتية الزراعية – مثل أنظمة حيازة الأراضي وقوانين البذور وأنظمة الري والائتمان والأسواق – تاريخياً ومدى التنازع السياسي عليها. تعزز هذه الوظيفة التحليلية النضال السياسي: فهي توضح أين يكون التدخل ضرورياً وما نوع التحول المطلوب للانتقال من التبعية إلى الاستقلالية الجماعية.

في سوريا، يوضح نظام المساعدات الغذائية الإنساني – القائم على سلال غذائية موحدة - حدود مقاربة الأمن الغذائي. فسلال الغذاء تفصل الطعام عن العمل الذي ينتجه، والأرض التي يزرع عليها، والعمل الجنساني المرتبط بالزراعة والتصنيع والرعاية. إنها تختزل الغذاء في سعرات حرارية بينما تمحو العلاقات الاجتماعية التي تُبقي الحياة قائمة. وبذلك، تخاطر بتحويل المجتمعات من منتجة للقيمة إلى متلقية للمساعدات. كما أن كثيراً من هذه السلال كان يُورّد من دولٍ مجاورة بدلاً من المنتجين السوريين، حتى في الحالات التي كان فيها الشراء المحلي ممكناً. وقد عكس ذلك منطق المانحين والمصالح الاقتصادية الإقليمية أكثر من احتياجات الاقتصادات الزراعية المحلية. وبدلاً من دعم صغار المزارعين، جرى غالباً تجاوزهم، وأعيد تنظيم توفير الغذاء حول سلاسل توريد خارجية. وبالتالي، أعادت مقاربة الأمن الغذائي في سوريا تشكيل الاقتصادات الغذائية المحلية، وأضعفت المنتجين الصغار، وهمّشت قضايا الأراضي والعمل، ورسّخت التبعية لسلاسل إمداد تُدار من الخارج.

من خلال التركيز على الكرامة، تتحدى مقاربة السيادة الغذائية فكرة أن توزيع السلال على أعدادٍ كبيرة من السكان يشكل وصولاً كافياً إلى الغذاء. في السنوات الأولى من الانتفاضة السورية، ارتبط توفير الغذاء بشكلٍ وثيق بالمطلب الثوري بالكرامة. بالنسبة إلى المنظمات المحلية مثل بهار في عفرين، حيث لجأ آلاف الأشخاص، كان الاعتماد على أطر مساعدات يحددها المانحون يتعارض مع روح تقرير المصير. فجاء ردهم عام 2014 متواضعًا في حجمه، ولكنه ذو دلالة سياسية: فقد بدأوا الزراعة داخل المخيمات. كان المشروع محدود النطاق، لكن فعل الزراعة نفسه كان مهمًا؛ فمثّل رفضًا للبقاء مجرد متلقين للإدارة الإنسانية. واعتبر المانحون غالبًا هذه المبادرات "غير مستدامة"، بينما عُدّت السلال الغذائية القاعدة الطبيعية.

المساعدات الغذائية ليست محايدة أبداً. فهي تعيد تنظيم علاقات العمل والملكية والتبعية. والسؤال ليس فقط ما إذا كان الناس يأكلون، بل ما إذا كانوا يحتفظون بالقدرة على إعادة إنتاج الحياة وفق شروطهم الخاصة.

(ر.أ.): هل يمكن أن تساهم الزراعة المنزلية في تحقيق السيادة الغذائية؟ إذا كان الأمر كذلك، فبأي طرق؟ وهل توجد مقاربات بديلة أخرى تدعم السعي إلى تحقيق السيادة الغذائية؟

(أ.ج.): نعم، يمكن أن تساهم الزراعة المنزلية بشكلٍ ملموس في السيادة الغذائية، ليس بالضرورة لأنها تُطعم أسراً بأكملها، بل لأنها تزرع إحساسًا بالفاعلية والاستقلالية والارتباط في عالم يفصل الناس بشكلٍ منهجي عن مصادر غذائهم. خلال الحرب، دعمت شبكاتنا كل من أراد أن يزرع شيئاً، حيثما أمكن؛ وكان لهذا الفعل بعدٌ رمزي وعملي في آنٍ واحد. في الأنظمة الرأسمالية التي تفصل الناس عن إنتاج الغذاء، يمكن أن تساعد حتى الأعمال الزراعية الصغيرة في كسر العزلة وإعادة بناء العلاقات مع المنتجين، واستعادة الغذاء كسلعة اجتماعية وسياسية لا مجرد سلعة تجارية.

في سياقات النزوح – حيث يجد المزارعون أنفسهم فجأة في مخيمات لجوء ويعتمدون على سلال الغذاء – يصبح هذا الاغتراب أكثر حدةً. لم تُنهِ مبادرات مثل "عيون سوريّة" Syrian Eyes في لبنان، التي دعمت النازحين في زراعة الغذاء داخل المخيمات، التبعية الكاملة. لكنها فتحت آفاقاً جديدة – لحظات من الكرامة والقدرة والمقاومة لتقلبات أنظمة المساعدات، التي قد تقدم الدعم في يوم ما وتلغيه في اليوم التالي برسالةٍ نصية. وهذا بالفعل شكل من أشكال السيادة الغذائية: ليس اكتفاءً ذاتياً بالكامل، بل رفض لأن يكون الإنسان مجرّداً من القدرة بالكامل. لذلك تبقى الزراعة المنزلية قيّمة أينما توفرت إمكاناتها.

ولا تعني السيادة الغذائية أن يزرع كل شخص غذاءه. بل تنطوي على تعطيل عمليات التسليع وإعادة تصور الغذاء كممارسة علائقية قائمة على الرعاية والتضامن. وتشمل البدائل بناء علاقات مباشرة بين المستهلكين والمنتجين، وبالتالي تجاوز الأسواق الاستغلالية. وبوصفها ممارسة نسوية، تعترف السيادة الغذائية بالعمل الرعائي والعمل الإنجابي والديناميكيات الجنسانية في إنتاج الغذاء. وهي تتحدى تهميش وإخفاء من يزرعون ويطبخون ويقدمون الرعاية، وتضعهم في موقع فاعلين سياسيين في النضال من أجل الاستقلالية والعدالة.

(ر.أ.): بالنظر إلى عملك الذي تناول كيف استخدم النظام السوري السابق تكتيكات الحصار والتجويع للسيطرة على السكان، فضلاً عن الاستهداف المتعمد للأراضي الزراعية، هل تعتقد أن مرافق تخزين البذور استُهدفت أو دُمّرت عمداً كجزء من هذه الاستراتيجية الأوسع؟

(أ.ج.): عندما يفر المزارعون من النزاع، لا يستطيعون غالباً أخذ بذورهم معهم. تُترك العديد من البذور في الحقول أو تُفقد تمامًا في فوضى النزوح. أتذكر حالة معينة من شبكتنا: تمكنا من استعادة صنف قديم ونادر من بذور القمح (سنون الجمل) وأعدناه إلى جنوب إدلب. لأسابيع، كنا متحمسين وتحدثنا عن ذلك باستمرار. لكن، بمجرد زراعة القمح، بدأ الهجوم على جنوب إدلب. عندما اضطر الناس إلى الفرار، لم يتمكنوا من أخذ أي شيء، وفُقدت مجدداً البذور، التي كانت راسخة في التربة.

تشير هذه القصة إلى مشكلة هيكلية أوسع في سوريا: لطالما كان تخزين البذور مركزياً للغاية وخاضعاً لسيطرة الدولة. عندما تتعرض هذه البنية للضغط، سواء بسبب الحرب أو العقوبات أو الانهيار الإداري، يصبح الوصول إليها مستحيلاً بالنسبة إلى الجميع تقريباً. يجب أن نفكر في سيادة البذور ليس فقط من زاوية حفظ التنوع البيولوجي، بل أيضاً من ناحية اللامركزية والاستقلالية والمرونة. فلو وُجدت بنوك بذور محلية تديرها المجتمعات المحلية، لما كانت هذه الهشاشة بهذه الحدة. فالأنظمة المركزية حين تنهار، تنهار بقسوة.

أما بالنسبة إلى المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA)، فلعب دورًا عالميًا مهمًا في الحفاظ على البذور من خلال نقلها إلى لبنان والمغرب ودول أخرى، لكنه لم يكن أبدًا موردًا متاحًا للمزارعين الأفراد داخل سوريا. وهنا يبرز سؤال جوهري: ما قيمة البذور إذا حُفظت في مخازن بعيدة أو استُخدمت فقط في مرافق بحثية، من دون أن تعود إلى أيدي من يزرعونها؟ فالبذور لا تعيش حياةً كاملة إلا عندما يزرعها المزارعون ويتبادلونها ويكيّفونها مع بيئاتهم، لا حين تُزرع لأغراض البحث فحسب.

ما نعرفه على وجه اليقين، وما هو موثق جيدًا، هو أن منشآت الحبوب كانت تُصادر بشكلٍ متكرر كغنائم حرب كلما تبدل ميزان السيطرة الميدانية. وقد حدث ذلك في جميع مناطق سوريا. هكذا، اندمجت أنظمة الغذاء، ومن ضمنها الحبوب والدقيق وربما مخزونات البذور المجاورة، في الاقتصاد السياسي للحرب.

(ر.أ.): كيف تمكن المزارعون، وخصوصاً النساء، من الحصول على البذور وتأمينها طيلة سنوات الحرب؟

(أ.ج.): أحد الأمثلة الملموسة والملهمة يأتي من فايقة، وهي امرأة تنحدر من قرية قرب سراقب في إدلب، سوريا. وهي تدير اليوم مكتبة البذور في "بذورنا جذورنا" في لبنان. من خلالها، تعرّفت إلى جمال البذور ليس فقط في تنوع أشكالها وألوانها، لكن أيضًا في الإمكانات التي تحملها والعالم الذي تحتويه. هذه هي سياسة الرعاية التي تحدد عمل مكتبة البذور.

إن ما يجعل دور فايقة مهمًا للغاية هو أنها لاجئة، ومع ذلك تتحمل المسؤولية الأساسية عن تنظيم وحماية مورد حي مشترك: مجموعة بذور تحافظ على الذاكرة والزراعة المستقبلية. في سياق الحرب والنزوح، حين فُقد الكثير أو اقتُلع من جذوره، يشكل هذا العمل شكلاً من أشكال المقاومة وإعادة الإعمار.

في ظل غياب الدعم الحكومي أو الأسواق المستقرة خلال الحرب، كانت غالباً نساء مثل فايقة يتولين حفظ استمرارية الزراعة – بهدوء وعناية وبحسٍ سياسي.

خلال زيارة حديثة إلى قرى في أنحاء سوريا، تحدثنا مع مزارعين شباب يعملون الآن بشكل أساسي في الزراعة الصناعية. أخبرنا الكثيرون منهم عن أجدادهم – وغالباً جداتهم – الذين كانوا يزرعون البذور عبر الأجيال. لكن بعد وفاتهم، اندثرت هذه الممارسة معهم. ويؤكد ذلك أهمية نقل المعرفة بين الأجيال، ويُظهر أن حفظ البذور ليس مجرد ممارسة تقنية، بل هو أيضاً رابطة اجتماعية وعائلية عميقة الجذور.

في بلدة درايكيش، حالفنا الحظ بلقاء امرأة مسنة، غير متزوجة، لكنها تعتني بأطفال عائلتها الممتدة. حولت منزلها إلى أرشيف حي للرعاية والزراعة: حديقة أمامية مزروعة بالخضروات وحديقة خلفية تزخر بالزهور. كانت الحديقة الخلفية مفتوحة للجيران ومزروعة داخل أجهزة تلفاز قديمة وشاشات كمبيوتر – في استعادةٍ مرحة لحياةٍ ثانية لتلك الأشياء. على الرغم من أنها لم تكن تعتمد في كل ما تزرع على بذورها الخاصة، إلا أنها اعتمدت كلياً على زراعتها لكسب رزقها وإطعام أسرتها. وهذا أيضاً شكل من أشكال سياسة الرعاية القائمة على العمل الإنجابي ودعم المجتمع. عندما زرناها، شاركناها بذوراً من مكتبة بذور فايقة، ما أمّن صلة جديدة بين المعرفة المهجرة والممارسة المحلية، وبين نساءٍ يزرعن في ظروفٍ متباينة، لكنهن يسترشدن بمنطق مشترك من الرعاية والكرم.

(ر.أ.): هل يمكنك أن توضحي لماذا تشيرين إليها بوصفها مكتبة البذور بدلاً من بنك البذور؟

(أ.ج.): اللغة التي نستخدمها مقصودة؛ فهي تعكس الرغبة في الابتعاد عن العلاقات التجارية المسلّعة، والاتجاه بدلاً من ذلك نحو ترسيخ مبادئ المعاملة بالمثل والمشاركة والرعاية المجتمعية. لا يتعلق الأمر بتخزين البذور كأصول؛ بل يتعلق بتداول الحياة نفسها والحفاظ على البذور حية من خلال الاستخدام والرعاية والثقة.

(ر.أ.): كيف أثرت الوقائع المعقدة والقاسية للحرب، ومن ضمنها استخدام الحصار كسلاح وكأداة للعقاب الجماعي، على أنماط تخزين البذور وإنتاجها محلياً في مختلف مناطق البلاد؟

(أ.ج.): إجابتي جزئية بالضرورة لأنني لم أكن مزارعة على الأرض، وما زلت أتعلم الكثير عن كيفية مقاومة المزارعين. لكن انطلاقاً مما شهدناه وعايشناه، هناك بعدان سياسيان واقتصاديان مهمان بشكلٍ خاص عند التفكير في إنتاج البذور في سوريا في زمن الحرب: مركزية الدولة واعتماد السوق على البذور الهجينة.

حتى قبل بدء حصار الغوطة الشرقية عام 2013، كان المزارعون يكافحون للحصول على ما يسمى بالأصناف المحسّنة، وهي البذور الهجينة المورّدة من سوق دمشق. ومع دخول الحصار حيّز التنفيذ، أصبحت هذه البذور غير متاحة تماماً. في تلك المرحلة، جرى تهريب بعض البذور المُلقّحة طبيعياً والقابلة للتكاثر، وبدأت المجتمعات المحلية في تطوير أنظمة غير رسمية لحفظ البذور وتبادلها وتكاثرها. ومع ذلك، فإن هذا الاستقلال الهشّ غالبًا ما يُقوّض.

في العديد من المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، أعيد بناء هياكل الإدارة الزراعية في استمرارية مباشرة مع مؤسسات عهد النظام. وشملت المنتجات الموزعة بذوراً هجينة ومبيدات وأسمدة كيماوية مورّدة من شركات متعددة الجنسيات مثل سينجينتا ودوبونت وباير وسومي أغرو وباسف. هذه ليست تدخلات محايدة؛ فهي تُدخل حزمًا تكنولوجية شاملة في سياقات شديدة الهشاشة، وتُقيّد المزارعين بأنظمة تبعية وتُضعف محاولات إعادة بناء الاستقلال الزراعي – الإيكولوجي.

وهذا يعكس ما أسمته ناعومي كلاين منطق "عقيدة الصدمة": فتستغلّ لحظات الأزمات لإدخال منتجات وعلاقات سوقية مستحدثة، في حين لا تملك المجتمعات المحلية سوى القليل من القدرة على رفض ذلك. في مثل هذه الظروف، لا يُدعم علم البذور المحلي، بل يُزاح وتتجذّر تبعيات جديدة قائمة على المدخلات. لا يُشجّع المزارعون على تطوير حلولهم الخاصة لمكافحة الآفات باستخدام الموارد المحلية، ولا على إعادة بناء ممارسات إعادة إنتاج البذور التي كانت تضمن السيادة طويلة الأمد.

اعتبر المانحون الغربيون غالباً أن إعادة إنتاج البذور ممارسة غير مستدامة في البلدان المنكوبة بالحروب، ما عزز أنظمة المساعدات التي تكرس السيطرة والتبعية. لقد رأينا كيف أن خطط إعادة الإعمار في سوريا، كما في العراق وفلسطين، تحافظ عادةً على ديناميات السوق الموجّهة. وبالتالي، فإن الحرب والحصار يعطلان أنظمة البذور ليس فقط من خلال التدمير والتشريد، بل أيضاً عبر فرض هياكل هرمية قائمة على السوق في الوقت الذي تكون فيه الحاجة إلى الاستقلالية المحلية ملحة.

(ر.أ.): كيف تصفين الوضع الراهن لممارسات تخزين البذور وحفظها في سوريا؟

(أ.ج.): يختلف الوضع بشكل كبير من منطقةٍ إلى أخرى. ففي مناطق مثل إدلب وحلب الريفية وأجزاء من شمال شرق سوريا، اضطر المزارعون إلى تطوير أنظمة بذور بديلة خاصة بهم على مدى السنوات الماضية، خصوصاً في ظل غياب البنية التحتية الحكومية. وشمل ذلك شبكات غير رسمية لحفظ البذور وتبادلها وإجراء تجارب محلية، مدعومة في بعض الأحيان بمبادرات شعبية أو شبكات تضامن.

لكن الوضع يختلف بشكلٍ ملحوظ في مناطق مثل داريا، التي تعرضت لحصار متكرر ودمار واسع النطاق قبل أن تعود إلى سيطرة الحكومة. ومن خلال أحاديثنا مع مزارعين هناك، وصف كثيرون أنفسهم بأنهم في حالة انتظار وترقب، آملين أن تستأنف الحكومة توزيع المدخلات الزراعية بعد سقوط النظام.

وتختلف هذه العقلية عن عقلية المزارعين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، الذين اضطروا إلى أن يكونوا أكثر اعتماداً على أنفسهم، وفي كثير من الحالات، طوروا قدرة أعمق على إدارة البذور بشكلٍ مستقل.

من المهم التأكيد أن حفظ البذور لا يحدث بمعزلٍ عن سياقه. فالبذور متجذرة في أنظمة أوسع من المعرفة الزراعية البيئية. وكما أن البذور الهجينة جزء من أنظمة زراعية تعتمد على مدخلات عالية وكيميائية، فإن البذور الملقحة طبيعياً والأصناف البديلة القديمة تنتمي إلى ممارسات زراعية منخفضة المدخلات، كثيفة المعرفة وجماعية الطابع غالباً.

ومع ذلك، هناك اهتمام متزايد بالبذور في جميع أنحاء سوريا، لا سيما بعد إضعاف أو انهيار سلطة الدولة المركزية. ويرجع هذا الاهتمام جزئياً إلى الرغبة في استعادة التراث الثقافي والزراعي المفقود وترميم ما دُمّر عمداً، بما في ذلك الأشجار والمحاصيل والمناظر الطبيعية. كما أرى في هذا الوعي المتنامي بالبذور ديناميكية أعمق: ما يمكن أن نسميه "بذرة الاستقلال".

(ر.أ.): كيف تُعدّ استعادة البذور المتوارثة فعلاً من أعمال الحفاظ على الثقافة والمقاومة في آنٍ واحد؟

(أ.ج.): في الزراعة وممارسات الرعاية والتكاثر والتكيف، نواجه أحيانًا أشكالًا من المقاومة والخيال غير مرئية ضمن المجال السياسي الرسمي في سوريا اليوم. تحمل البذور عمل ومعرفة أجيال من المزارعين، ولا سيما النساء، اللواتي اخترنها وكيّفنها لتنمو في ظروفٍ بيئية محددة. البذور المتوارثة هي أرشيف للرعاية: فقد صمدت أمام الجفاف والأمراض وتغير المناخ. هي "تعرف" كيف تنجو. أما البذور الهجينة فهي مصممة لتحقيق الاستقرار والتوحيد في ظل ظروف مدخلات مثالية؛ ولا تحمل ذاكرة التكيف.

وهذا أمر مهم للغاية في سوريا، حيث لم تدمر الحرب البنية التحتية فحسب، بل استهدفت أيضًا النظم البيئية. لم تُقطع الأشجار فحسب، بل اقتُلعت من جذورها، كما حصل في كل من إدلب وعفرين. لم تكن الحياة الزراعية أضرارًا جانبية؛ بل كانت مستهدفة عمداً.

اليوم، يمكن فهم الاتجاه المتزايد بين السوريين لاستعادة البذور واستعادة التنوع البيولوجي والعمل مع الأرض على أنه شكل من أشكال الشفاء وإعادة الإعمار على مستوى القاعدة الشعبية. من منظور نسوي مادي، يعد هذا أيضًا شكلاً من أشكال سياسة الرعاية: التزام بصنع الحياة والبقاء الجماعي وسط الخسارة. هي ليست مقاومة مجردة؛ بل مقاومة متجذرة في البذور والتربة.

(ر.أ.): بالنظر إلى الظروف المتغيرة والتحديات المستمرة والانتقال السياسي في سوريا، كيف يتخذ المزارعون قراراتهم اليوم عند الاختيار بين البذور الهجينة والأصناف المتوارثة؟

(أ.ج.): لم يتغير الوضع بشكل جذري منذ سقوط النظام السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024. لا يزال سوق البذور الحالي في حالة ضعيفة، ولا تعمل الدولة بشكلٍ فعال في هذا القطاع. لم يكن هناك يوماً سوق رسمي للبذور المُلقّحة طبيعياً أو المتوارثة. ما نعرفه هو أن منظمات مثل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) واصلت توزيع البذور الهجينة من الجيل الأول F1 في بعض المناطق، لا سيما في الشمال الشرقي، كجزء من مشاريع الدعم الزراعي.

لكن الحصول على الأصناف غير الهجينة يعتمد حصرياً تقريبًا على شبكات النشطاء. ولا يزال العديد من المزارعين يعتمدون بشكلٍ كبير على أنفسهم. عند الحديث معهم، يتضح أن الآراء منقسمة بشأن أشكال الزراعة القابلة للتطبيق أو المرغوبة اليوم.

من ناحية، يؤثر الجفاف والظروف الجوية القاسية على الجميع تقريباً هذا العام. ومن ناحية أخرى، لا يزال بعض المزارعين، لا سيما أولئك الذين يعيشون على طول الساحل بالقرب من طرطوس، على اتصال بالأسواق الوطنية والدولية. بالنسبة إليهم، الإنتاجية والربح هما العاملان الأساسيان: فهم يزرعون ما يُباع. ومن المهم الاعتراف بذلك؛ يجب تجنّب التمثيلات الرومانسية للزراعة. بالنسبة إلى الكثيرين، لا يتعلق اختيار البذور بالتقاليد أو البيئة فحسب، بل أيضاً بسبل العيش والبقاء على قيد الحياة.

أخبرنا المزارعون أيضاً أن طريقة الزراعة التي اتبعوها في السنوات الأخيرة، أدت إلى استنزاف تربتهم وجعلتها عقيمة. لم تعد أراضيهم خصبة من دون مدخلات خارجية كبيرة. وهذا يُظهر عدم استدامة النموذج الحالي ويوضح أن "العمل كالمعتاد" لم يعد خياراً متاحاً.

(ر.أ.): كيف يستجيب المزارعون السوريون لتحديات استنزاف التربة ومحدودية الوصول إلى أنواع بذور مقاومة، وما هو الدور الذي تلعبه الشبكات الشعبية في تعزيز البدائل للزراعة التقليدية؟

(أ.ج.): هناك مجموعة متزايدة من المزارعين الذين يدركون أن التغيير ضروري، وأصبحوا أكثر انفتاحًا على استكشاف بدائل للزراعة التقليدية. أثبتت البذور المتوارثة والملقحة طبيعياً، على الرغم من صعوبة الحصول عليها، مرونة أكبر في مواجهة الظروف المناخية القاسية. ومع ذلك، لا تتوفر هذه البذور من خلال القنوات الحكومية أو الرسمية، بل فقط من خلال الأنظمة الشعبية والأنظمة التي ينظمها النشطاء.

حتى هذا الموسم، رأينا المزارعين يبدأون في التنظيم وإعادة إنتاج البذور ومشاركتها عبر شبكات غير رسمية. هذا النوع من العمل الأفقي في مجال البذور يخلق خيارات جديدة مع مرور الوقت. ومع كل موسم، يزداد مخزون البذور المحلية المتاح، وتتعزز إمكانية المزارعين من تجاوز الاعتماد على النماذج الصناعية عالية المدخلات.

(ر.أ.): عندما نتطلع إلى المستقبل ونفكر في سبل المضي قدماً، لا سيما في سياق إعادة الإعمار، ما هي أكثر السبل وعداً لإعادة بناء قطاع البذور المتوارثة في سوريا؟

 

(أ.ج.): في العديد من محادثاتي مع المزارعين في الأشهر الأخيرة، لا سيما أولئك الذين عاشوا في مناطق تحت سيطرة النظام ولم يعانوا من الحصار أو التدمير المتعمد لأراضيهم، لاحظت استجابة متكررة. عندما أثرت مسألة آثار الحرب والأزمة على الزراعة، كانوا يقولون: "أنتِ تتحدثين عن الأزمة في مناطق كانت تسيطر عليها المعارضة، لكن الآن لم تعد هناك أزمة".

في هذا السياق، لا تُعدّ البذور المتوارثة مجرد إشارة حنين إلى الماضي؛ فهي تمثل شكلاً من أشكال الاستقلالية الإنتاجية. واختار المزارعون هذه البذور وكيّفوها عبر أجيال لتنجو في ظروف متنوعة وصعبة في كثيرٍ من الأحيان. ويتحدى استخدامها المنطق الاستخراجي للزراعة عالية المدخلات، ويوفر بديلاً مادياً لدورات التبعية والاستنزاف.

تضيف حقيقة تغير المناخ بعداً آخر. سوريا، مثل العديد من الأماكن، تعاني بالفعل من ظروف مناخية أكثر قسوة، وجفاف، واضطراب بيئي. في هذا السياق، البذور المتوارثة، بتنوعها الجيني وقدرتها التاريخية على التكيف، أكثر من مجرد إرث ثقافي، بل أداة أساسية للحفاظ على الزراعة في ظل التغيرات المناخية.

ومع ذلك، لكي يستعيد المزارعون قدرتهم على استخدام هذه البذور وإعادة إنتاجها وتبادلها، من الضروري توفير حماية هيكلية. أعتقد أن هناك حاجة إلى إطارٍ قانوني يحمي البذور المتوارثة صراحةً، ويضمن للمزارعين الحق في إعادة استخدامها وإعادة إنتاجها، ويدافع عن سيادة البذور ضد أي احتكار مستقبلي.

لقد شهدنا خطورة المسار المعاكس: في العراق، جعل أمر السلطة المؤقتة للائتلاف رقم 81 بعد عام 2003 من غير القانوني للمزارعين إعادة استخدام البذور المحمية ببراءة اختراع. لم يُصمم القانون لحماية المزارعين أو التنوع البيولوجي، بل لحماية منتجات الشركات الدولية من المزارعين. يجب ألا تتكرر مثل هذه الأنظمة القانونية، التي تهتم فقط بمصالح رأس المال الدولي، في سوريا.

يعتقد كثيرون منا أن إعادة بناء نظام البذور المحلي هو جزء من إعادة بناء أوسع نطاقاً من القاعدة إلى الأعلى: إعادة تصور سياسية وبيئية واجتماعية لكيفية تنظيم الغذاء والأرض والعمل. البذور ليست مجرد مدخلات؛ بل هي نقطة البداية لأي مستقبل زراعي عادل وذي سيادة. إعادة بناء نظام البذور هو أحد عناصر تحول أكبر يشمل العدالة في توزيع الأراضي، والرعاية البيئية، وإعادة تقييم العمل الإنجابي.

(ر.أ.): لإنهاء حوارنا، بعد أن ناقشنا الدور المهم للعمل الشعبي والبدائل في إعادة بناء مستقبل الزراعة في سوريا، كيف يمكن أن تحدث المقاربة النسوية تحولاً أعمق في السعي نحو السيادة الغذائية؟ ما هي التغييرات الجوهرية المطلوبة في ملكية الأراضي وهياكل العمل والرعاية البيئية، ليس فقط لزيادة مشاركة النساء، بل لإعادة تصور وإعادة تشكيل النظام بأكمله جذرياً لتحقيق العدالة والمرونة الدائمة؟

(أ.ج.): من منظور نسوي مادي، البيئة ليست مجرد خلفية محايدة؛ بل هي أساس العمل الإنجابي، بما يشمل زراعة الغذاء وجمع المياه والعمل الرعائي. تؤدي النساء هذه الأشكال من العمل، لكنها تبقى مهمشة وغير مرئية في البنية الاجتماعية. في القطاع الزراعي على وجه الخصوص، تصنف مساهمات النساء غالباً على أنها "عمل عائلي غير مدفوع الأجر"، على الرغم من أنها تولد قيمة استخدام واضحة وتساهم في كثير من الأحيان في إنتاج السلع. من منظور ماركسي، هذا العمل ضروري اجتماعياً ويولد فائضاً، لكنه لا يُعترف به كعمل مأجور، ما يسمح لرأس المال باستخراج القيمة من دون مقابل. هذا التقييم المنخفض متأصل في طريقة عمل أنظمة التراكم الرأسمالية والأبوية نفسها.

تتحقق السيادة الغذائية من منظور نسوي، أولاً، من خلال استعادة السيطرة على الأرض والبذور والعمل كموارد جماعية وغير مسلّعة. ونرى ذلك يحدث على أرض الواقع: مثل، عودة النازحين إلى أراضيهم، وتولي النساء أدواراً مختلفة عما كنّ يشغَلنه قبل النزوح، واحتلال المجتمعات المحلية للقواعد العسكرية السابقة على طول الساحل لإيواء من فقدوا منازلهم وسبل عيشهم خلال مجازر الساحل الأخيرة عام 2024. هذه ليست مجرد أفعال بقاء؛ بل هي مطالب سياسية بالمساحة والحياة والاستقلالية.

ثانياً، يتحقق ذلك من خلال تقدير العمل الإنجابي وعمل الرعاية باعتباره جوهرياً في أنظمة الغذاء بدل أن يكون هامشياً. وهذا يتطلب الاعتراف بأن الأنظمة الغذائية لا تعتمد فقط على الأسواق والمدخلات، بل أيضاً على الأعمال اليومية للرعاية والزراعة والري والإطعام والحفظ والمشاركة التي تكون غالباً نسوية وغير مدفوعة الأجر.

ثالثاً، يتحقق ذلك عبر تحدي النماذج الزراعية الاستخراجية التي تفصل الإنتاج عن الرفاه الاجتماعي والبيئي. ومن الأمثلة المهمة على ذلك القرى القريبة من منطقة الصفصافة، حيث بدأ المزارعون والنشطاء من المدن المجاورة في الاجتماع لتشكيل مجالس محلية وتنظيم العمل الجماعي. لا تزال هذه المساحات ناشئة، لكنها تمثل بدايات وعي سياسي مشترك، ورفضاً للاستخراجية، وجهداً لإعادة بناء الزراعة حول منطق العلاقات بدلاً من منطق الربح.

أخيرًا، يتحقق عبر بناء علاقات أفقية قائمة على التضامن بين المزارعين والمجتمعات والنظم البيئية، وترتكز على التبادل بدلاً من المنافسة. هذا يحدث بالفعل، حتى لو كان على نطاقٍ صغير. قد يبقى محدودًا، لا سيما في ظل استمرار العنف على نطاق واسع وتجدد النزوح الذي يصعّب زيارة بعضنا البعض والتنظيم. ومع ذلك، فإن استمرار هذه الجهود هو في حد ذاته شكل من أشكال المقاومة: ضد الاستبداد والطائفية، وضد إعادة الإعمار النيوليبرالية، وضد عودة النماذج الاستخراجية المركزية المرتبطة بالنظام السابق.

من هذا المنظور، فإن السيادة الغذائية النسوية ليست حلماً طوباوياً؛ بل هي ممارسة يومية. وهي تنطوي على استعادة الوسائل اللازمة لإعادة إنتاج الحياة وفق شروطنا الخاصة، ورفض فصل الزراعة عن الرعاية أو العمل عن الكرامة.

Endnotes

Endnotes
1 BBC, “Vandana Shiva on Why the Food We Eat Matters”, 28 January 2021, available at https://www.bbc.com/travel/article/20210127-vandana-shiva-on-why-the-food-we-eat-matters

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.