الذكاء الاصطناعي والرقمنة والحماية الاجتماعية في المنطقة العربية: حوار حول التنمية البشرية مع بولس مقدسي

(c) CHIEW - شترستوك

بولس مقدسي، أستاذ في قسم الاقتصاد بجامعة أوتاوا، يركّز منذ فترة طويلة في مسيرته الأكاديمية والبحثية على قضايا الفقر وعدم المساواة والتنمية البشرية. ورغم أنه ليس متخصصًا في مجال التكنولوجيا، إلا أنه فكّر بعمق في كيفية تفاعل الذكاء الاصطناعي والرقمنة مع أسواق العمل والحريات وأنظمة الحماية الاجتماعية. في هذه المقابلة، يشاركنا وجهة نظره حول الفرص والمخاطر التي تشكلها هذه التّحولات على المنطقة العربية، وكيف يمكن لأنظمة الحماية الاجتماعية أن تتكيّف لضمان تنمية بشرية شاملة.

لماذا نُقارب الذكاء الاصطناعي والرقمنة من منظور التنمية البشرية؟

في حين أنه من المهم تقييم تأثير السياسات على مؤشرات مثل الفقر وعدم المساواة، من المهم بنفس القدر التفكير بما يتجاوز مخطّطات السياسات أو وصفات الخبراء، وتوفير مساحة للتفكير والتساؤل، بناءً على أبحاثنا وقراءاتنا والتحليل التلوي للتنمية البشرية باعتبارها الهدف المركزي الذي يجب أن يوجّه السياسة العامة، خاصّة في أوقات التغيير السريع. إنّ مثل هذه التأملات حول كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي والرّقمنة على التنمية البشرية وسوق العمل والحريات الأساسيّة، مع التّركيز بشكل خاص على الآثار المترتبة على أنظمة الحماية الاجتماعية، لا سيّما في المنطقة العربية، هي أساسية لفهم حقيقي لجذور التحولات الحاليّة والدّيناميات التي تنطوي عليها.

ما هو دور الحماية الاجتماعية في عصر الذكاء الاصطناعي والرقمنة؟

توجد سياسات الحماية الاجتماعية لحماية المواطنين والمقيمين من الصدمات التي تؤثّر على نتائج التنمية البشرية، أي الصدمات التي تهدّد قدرتهم على الازدهار وعيش الحياة التي لديهم أسباب وجيهة لتقديرها. يمكن أن تأتي هذه الصدمات من المرض أو فقدان الوظيفة أو الاضطّرابات السّياسية أو التحّولات التكنولوجية الكبرى. إنّ الذكاء الاصطناعي والرقمنة، في حين أنهما يعزّزان القدرات الإنتاجية، هما أيضاً مصدر اضطراب عميق. إذا كنا جادين في مسألة التنمية البشرية، التي لا تُفهم على أنها نمو الناتج المحلي الإجمالي بل توسيع حق الناس في عيش الحياة التي لديهم أسباب وجيهة لتقديرها، فيجب أن نفكّر مليًّا في كيفية تفاعل الثورة التكنولوجية مع هذا الهدف.

كيف سيُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل أسواق العمل، وماذا يعني "التدمير الإبداعي"، كما تسمّيه، بالنّسبة للناس؟

الذكاء الاصطناعي ليس مجرد ابتكار آخر. إنه جزء من تحوّل تكنولوجي أوسع، مشابه للثورات الصناعية السّابقة، ومِن المُرجّح أن يُعيد تشكيل أسواق العمل والمجتمعات بشكلٍ جذريّ. لقد علمتنا نماذج شومبيتر للنمو الاقتصادي1نماذج شومبيتر للنمو الاقتصادي هي أطر عمل اقتصادية كلية تشرح كيف تؤثر التغيرات التكنولوجية الكبرى على الاقتصادات. تبدأ العملية بإدخال تقنيات جديدة. وهذا يجعل بعض التقنيات القديمة والمهارات العمالية عديمة الفائدة، وهي مرحلة التدمير. بمرور الوقت، يسمح اعتماد التقنيات الجديدة للاقتصاد بالوصول إلى مستويات أعلى من الإنتاج، وهي فائدة عملية الإنشاء. ومع ذلك، لا تتطرق هذه النماذج إلى كيفية توزيع تكاليف وفوائد هذه العملية، لأنها تعتمد على وكلاء تمثيليين وبالتالي تتجاهل التباين في ملكية رأس المال ومهارات سوق العمل. منذ فترة طويلة أن الابتكار هو عملية "تدمير خلّاق". تَظهر تقنيات جديدة، ممّا يجعل بعض عمليات الإنتاج وبعض المهارات العمالية مُتقادمة وغير ملائمة لمتطلبات السوق. وبالتالي، يتم إعادة توزيع الموارد. تتحسّن بذلك القدرة الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد، ولكن ليس دون خسائر على طول الطريق. تميل هذه النماذج إلى تقديم هذه الديناميكية على أنها نظيفة وحتمية، ومطهرّة تقريبًا وتصوّرها على أنها تعديل ضروري على طريق النمو الأعلى.

تُخفي هذه الرواية الكيلّة الاقتصادية المعقّمة التجربة الملموسة لهذا "التدمير" على الصعيد الفردي. عندما تختفي مهن بأكملها، وعندما تفقد المهارات التي كانت ذات قيمة في السابق أهميتها في السوق، يواجه الناس انهيارًا في حياتهم المهنية ويفقدون سبل عيشهم. هذه صدمات للتنمية البشرية. يجب أن تهدف أنظمة الحماية الاجتماعية إلى حماية الأفراد منها، ليس فقط من خلال الدعم المؤقت للدخل، ولكن من خلال مسارات جوهرية لإعادة الاندماج في سوق العمل المُتغيّر. بالإضافة إلى الجانب المتعلّق بالعدالة الاجتماعية لحماية الأفراد، يمكن لنظام مُحكم التصميم يوفّر فرص إعادة التدريب والتأهيل أو رفع المهارات أن يسهم في تعزيز النمو الاقتصادي، من خلال تقليص التكلفة الاجتماعية للتغيرات الهيكلية، وبالتالي الحدّ من مقاومة التغير التكنولوجي.

كيف يمكن أن يؤديّ الذكاء الاصطناعي والّرقمنة إلى تعميق عدم المساواة وتركيز السلطة؟

يثير استبدال العمالة بالآلات والخوارزميات مخاوف متزايدة بشأن تفاقم عدم المساواة في الدخل. في اقتصاد السوق، يقوم نصيب الفرد في من الدخل القومي على ما يملكه من عوامل إنتاج، بما في ذلك عمالته. غير أن شريحة واسعة من الناس لا تملك سوى عمالتها كوسيلة إنتاج. ومع تراجع الطلب على العمل نتيجة انتشار تقنيّات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيّات الرّقمية، تصبح فوائد النمو مركّزة بشكل متزايد في أيدي أولئك الذين يمتلكون الآلات والرموز والبيانات. في هذا السياق، قد يفقد ملايين العمال مصدر دخلهم في حين تحتكر فئة محدودة مكاسب هذا التحوّل التكنولوجي. ويؤدي ذلك إلى تعميق الفجوة في توزيع الدخل، وهو تحدٍّ يستوجب المعالجة لتفادي تركّز النفوذ السياسي وما قد ينجم عنه من اضطرابات اجتماعية. لهذا السبب، لا يمثّل الذكاء الاصطناعي تحديًا اقتصاديًا فحسب، بل سياسيًا أيضًا.

ما هي الوظائف الأكثر عرضة للأتمتة – ماذا تكشف تجربة التعليم؟

إن هذا الأثر المُحتمل على سوق العمل يدفعنا إلى التأمّل في من يمكن أن يكون الأكثر تأثراً بهذه الثورة التكنولوجية. فقد غيّرت أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل جذري طريقة تعاملنا مع التعليم والتقييم، خاصة في المقرّرات الدّراسية الكمية. لقد أصبحت الواجبات المنزلية التقليدية في مرحلة الإجازة الجامعية عديمة الجدوى. فعند اختبار  هذه الواجبات باستخدام الذكاء الاصطناعي، تنتج هذه التكنولوجيا باستمرار إجابات شبه مثالية تؤهّل للحصول على أعلى الدرجات. وهذا يعني أنّ جميع الطلّاب باتوا يمتلكون قدرة إنتاج عمل يبدو أنه يستحق علامة A+، بغض النظر عن فهمه الفعلي للمواد الدراسية. وبذلك، تم إفراغ التقييمات المنزلية في مرحلة الإجازة الجامعية من قدرتها على التمييز بين مستويات الطلاب.

غير أنّ الواجبات المنزلية في مرحلة الدراسات العليا تروي قصة مختلفة. فالواجبات التي يتم إنتاجها باستخدام الذكاء الاصطناعي تكشف بوضوح عن محدودية الطلاب. وعندما يعتمد طلاب الدراسات العليا بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي، يبدو عملهم وكأنه صادر عن أشخاص لم يستوعبوا تمامًا التعقيدات والأبعاد المختلفة للموضوع. وهنا تظهر مباشرةً الفجوة بين الكفاءة السطحية والفهم الحقيقي. وتعكس تجربة التدريس إلى حد كبير واقع المجتمعات الحالية، حيث لا يقتصر الأمر على العمال ذوي المهارات المنخفضة الذين هم عرضة لفقدان وظائفهم وتشريدهم بسبب الأتمتة، بل يشمل أيضًا العديد من العمال ذوي المهارات العالية، ضمن حدود ومعايير معينة، ممن يحتاجون إلى دعم لتطوير مهاراتهم أو إعادة تدريبهم، وهو دعم غالباً ما لا يقدم لهم.

ما الذي يميز المهام التي يمكن للذكاء الاصطناعي أتمتتها عن تلك التي تتطلب حكماً وتقديرًا بشرياً؟

بالنظر إلى التدريس مرة أخرى، للحصول على إجابة أسهل، يمكننا القول أن أحد الاختلافات المهمة يكمن في الواجبات المنزلية نفسها. على مستوى البكالوريوس، تميل الواجبات التي نقدمها إلى أن تتضمن مشاكل محدّدة وواضحة مع تعليمات واضحة حول ما يجب حسابه وتقديره. هذه البنية تجعلها عرضةً بشكل خاص للأتمتة. أما بالنسبة للواجبات على مستوى الدراسات العليا، فهي تتطلب في كثير من الأحيان من الطلاب تحديد المشكلة بأنفسهم، واختيار الأساليب المناسبة، وتبرير اختياراتهم. وهذا يتطلب الحكم والتفسير والتفكير النقدي. تُظهر هذه المهام حدود قدرات الذكاء الاصطناعي، إذ تتطلّب إبداعاً أكبر وفهماً معمّقاً لا يمكن الاستعاضة عنه إلا بالعقل البشري.

ما هي الآثار المترتبة على توظيف الشباب في المنطقة العربية؟

تُشير جميع المعطيات إلى أن الوظائف الأكثر عرضة للأتمتة هي على الأرجح تلك التي تعتمد على المهام المعرفية الروتينية، وهي غالبًا ما تكون من اختصاص العمال من ذوي المستويات التعليمية المتوسطة. ومن وجهة نظري، فإن الذكاء الاصطناعي يلعب في العديد من المجالات دور المساعد الذي يمتلك مهارات جيدة في البرمجة والقدرات الكمية. يمكن أن تؤثر هذه الحقيقة على مستقبل العمل لملايين الشباب في المنطقة العربية، الذين يكافح الكثير منهم بالفعل للعثور على وظيفة ذات مغزى. ورغم أن الابتكار التكنولوجي كان دائماً يتسبب في تدمير بعض الوظائف وخلق أخرى، إلّا أن هذه العملية نادراً ما تكون سهلة، كما أن فوائدها لا تتوزع بشكلٍ تلقائي. يتعيّن على مؤسساتنا التعليمية إعداد الطلاب ليس فقط لما يبدو عليه سوق العمل اليوم، بل لما قد يصبح عليه غداً. يجب أن تركّز برامج التعليم والتدريب على تطوير المهارات التي تكمّل الذكاء الاصطناعي بدلاً من تلك التي يمكن أن يحلّ محلها، مع التركيز على التفكير الإبداعي ومهارات حل المشكلات المعقدة.

ما هي التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على التنمية البشرية والحريات، إلى جانب تأثيره على الدخل؟

يقودني هذا السؤال إلى قلق آخر أعمق قد لا تلتقه المقاربات التقليدية في تعريف التنمية البشرية وقياسها. فبينما كان التركيز التقليدي على الدخل والصحة والتعليم مفيدًا ولا يزال مهمًا، إلّا أنه يظلّ غير كافٍ. فإذا أردنا التعامل بجديّة مع مقاربة القدرات التي طرحها أمارتيا سين،2يقول أمارتيا سين إن التنمية وتقييم المساواة أو عدم المساواة يجب أن يتم في مجال القدرات. على المستوى الفردي، تُعرَّف القدرات بأنها مجموعة من الوظائف الاجتماعية الممكنة التي يمكن للشخص الاختيار من بينها. يتم تمكين هذه الوظائف من خلال موارد مثل الدخل والصحة والتعليم. كما تلعب الاستقلالية والتمكين دورًا حاسمًا، حيث إنهما يشكلان نطاق الوظائف التي يمكن تحقيقها حتى عندما يكون الأفراد على نفس المستويات من الدخل والصحة والتعليم. فعلينا أن نفهم أن التنمية لا تقوم على تراكم الموارد بقدر ما تقوم على توسيع الحريات الحقيقية للناس، أي قدرتهم على عيش حياة لديهم أسباب وجيهة لتقديرها.

فالموارد مثل الدخل والصحة والتعليم لا تكتسب أهميتها إلا بقدر ما يملك الأفراد من استقلالية وتمكين لتحويلها إلى نتائج قيّمة. إن حرية الاختيار، والطموح، والتعبير، والمشاركة ليست ترفًا، بل عناصر جوهرية في صلب التنمية البشرية. وأي تقييد لهذه الحريات، سواء من خلال الفقر أو الأعراف الاجتماعية أو القمع السياسي أو التلاعب الرقمي، يقوّض القدرة على توسيع القدرات البشرية.

ما هي المخاطر التي تشكلها المنصات الرقمية على الاستقلالية وحرية التعبير والخطاب العام؟

للأسف، يثير الذكاء الاصطناعي والرقمنة تحديات جديدة وخطيرة في هذا الصدد. فقد أتاحا بروز اقتصاد رقمي تهيمن عليه قلّة من الفاعلين العالميين الأقوياء الذين يسيطرون على منصات التواصل الاجتماعي. يمكن لمالكي هذه المنصات دمج تفضيلاتهم السياسية في الخوارزميات التي تتحكم بتدفّق المعلومات. في السياق العربي، أظهرت الحرب الأخيرة في غزة بوضوح كيف يمكن لشركات التكنولوجيا العملاقة قمع بعض السرديات بشكل فعال، إما عن طريق حظر المستخدمين أو جعل محتواهم غير مرئي عملياً. في هذا السياق، تشكّل الانحيازات الثقافية لمالكي رأس المال الرقمي ما يراه الناس ويؤمنون به ويناقشونه، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات كبيرة على الخطاب العام والمشاركة الديمقراطية.

لماذا تتفاقم هذه التحديات في المنطقة العربية؟

تتّخذ المشكلة بُعداً أكثر حدّة بشكل خاص في المنطقة العربية، حيث يعيش العديد من المواطنين أصلاً في بيئات إعلامية تخضع لرقابة شديدة. ويؤدي "تعارض" هذه البيئات مع الرؤية السائدة في وادي السيليكون إلى مفاقمة هذا الضعف الهيكلي. فعندما تقوم المنصات الرقمية العالمية بتصفية وتشويه الأصوات القادمة من الدول العربية، سواء عن قصد أو عن طريق اللامبالاة، فإنها تقلّص المساحة المتاحة للجدل والمساءلة والنقد. يمثّل هذا التآكل في الصوت والقدرة على الفعل مشكلة كبيرة في التنمية البشرية.

ما الذي تغيّر في موضوع المراقبة، ولماذا يُعدّ ذلك مهمّاً؟

إنّ المخاوف بشأن المراقبة والرقابة ليست ظاهرة جديدة. ففي أيام دراستي، قبل عدة عقود، كان بعض رفاقي مقتنعين وقلقين من أن الشرطة الوطنية تضعنا تحت الرقابة. كنت أضحك وأقول: "بالتأكيد، ربما يريدون التجسس علينا، لكنهم يعانون من قيود في الميزانية مثل أي وكالة حكومية. هل تعتقدون حقًا أنكم بهذه الأهمية؟" كانت هذه طريقة لمضايقة جنون الارتياب لديهم بينما أسخر من إحساسنا بأهميتنا.

اليوم، لم تعد تلك النكتة مضحكة. فقد شهدت اقتصاديات المراقبة تحولًّا جذريًا. مع كمية المعلومات التي يشاركها الناس الآن طواعية على الشبكات الاجتماعية وقوة الذكاء الاصطناعي في معالجة البيانات ومقارنتها، أصبح من الممكن، بل ومن الرخيص أيضًا، لأصحاب العمل والحكومات والجهات الفاعلة الخاصّة مراقبة أعداد كبيرة من السكان. نحن ندخل عصرًا تصبح فيه المراقبة محيطة وتلقائية. وهذا التحول يغيّر ميزان القوى بين الأفراد والمؤسسات بطرق لم نبدأ بعدُ في فهمها بالكامل.

كيف تؤدي المراقبة الشاملة إلى تآكل الإبداع والاستقلالية والتنمية؟

تشكّل المراقبة المنتشرة تهديدات جوهرية لحرية الإنسان، وفي نهاية المطاف لأبعاد أخرى من أبعاد التنمية البشرية. عندما يدرك الناس أن أفكارهم تخضع للمراقبة، يبدؤون في ممارسة الرقابة الذاتية، ويخففون من حدّة تعبيراتهم، ويتجنّبون بعض العلاقات، وينسحبون من الأنشطة التي قد تثير الانتباه. هذه الرقابة الذاتية تقوّض تدريجياً استقلالية الفرد نفسه وتقوّض الروح التي تدفع الإبداع والنمو. لهذه الأسباب جميعاً، يجب حماية الحرية الفردية من أي تآكل محتمل من خلال أطر تنظيمية قوية على المستويين الوطني والدولي.

كيف ينبغي لأنظمة الحماية الاجتماعية أن تتكيّف مع هذه التحوّلات، وما هي الأدلة والبيانات التي نحتاجها؟

يقودنا هذا السؤال إلى الدور المركزي لسياسات الحماية الاجتماعية في مواجهة العديد من التداعيات المذكورة أعلاه. إن حماية سبل عيش الناس ورفاههم، باعتبارها حقٌّ أساسي من حقوق الإنسان، بغض النظر عن أي هوية أو عوامل أخرى، تُسهم في تقليل الأثر الاقتصادي أو تحوّلات سوق العمل، أو على الأقل تأخيرها، مما يتيح للناس مزيداً من الوقت للتكيف والتأقلم. كما أن التمتّع بأمن الدخل والوصول غير المشروط إلى الخدمات الاجتماعية يجعل الناس أقل عرضة للتأثيرات الاجتماعية والسياسية للرقمنة، بما في ذلك المراقبة والرقابة، لأنهم يشعرون بقدرٍ من الأمان أو التمكين الاقتصادي.

وإذا كان هدفنا تطوير أنظمة حماية اجتماعية قادرة على التكيّف مع واقع التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، فينبغي أن تستند هذه السياسات إلى الأدلة. فلا بدّ من مراقبتها وتقييمها وتعديلها على أساس النتائج الفعلية لا الافتراضات. غير أنّنا في المنطقة العربية، غالبًا ما نفتقر إلى البيانات اللّازمة للقيام بذلك بشكل صحيح. استطلاعات الرأي الأسرية نادرة جدًا، وعندما تُجرى، فإنها لا تُنفّذ بوتيرة منتظمة تسمح برصد تغييرات ذات مغزى.

لماذا تُعدّ البيانات المنتظمة والمتاحة أمراً أساسياً لصياغة سياسات عادلة؟

يمثّل غيابها فرصة ضائعة. فأي محاولة جادّة لبناء أنظمة حماية اجتماعية مرنة، وعادلة، واستشرافية يجب أن تتضمن التزامًا بجمع بيانات أفضل على نحو منتظم، ليس فقط عن الدخل ووضع سوق العمل، ولكن أيضًا عن التعليم والصحة والحرية والتمكين. وتُعدّ بيانات المسوحات الأسرية أساسية لأنها تتيح لنا تقييم المتوسط العام في كل بُعد من أبعاد التنمية البشرية، وكذلك مستوى أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية داخل تلك الأبعاد. فأي قياس جاد للتنمية البشرية ينبغي أن يأخذ في الاعتبار ليس فقط متوسط الإنجازات، بل أيضاً توزيع تلك الإنجازات عبر مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي رصد التأثير غير المتكافئ على الفئات الأكثر هشاشة.

كيف يمكن الجمع بفعالية بين البحوث النوعية والكمية؟

تعد المعلومات المتعلقة بالحرية والتمكين حاسمة لفهم التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي والرقمنة على الحماية الاجتماعية والتنمية البشرية. ومن المرجح أن تأخذ هذه المعلومات شكل متغيرات ترتيبية، مثل الإجابات على أسئلة مقياس ليكرت. ومع ذلك، لا ينبغي تصميم هذه الأسئلة بشكل تعسفي أو استخلاصها من خيال الإحصائيين أو الاقتصاديين الكميين. بل يجب أن تستند إلى بحث نوعي متعمق، بما في ذلك مقابلات مع مصادر معلومات رئيسية ومناقشات جماعية مع جميع الفئات الاجتماعية. وبنفس القدر من الأهمية، يجب أن تتاح بيانات الاستطلاع هذه، بمجرد جمعها، على نطاق واسع للباحثين في العلوم الاجتماعية الكمية، الذين يمكن أن تولد تحليلاتهم رؤى قيّمة لتوجيه صنع سياسات أكثر فعالية وإنصافًا. فقط من خلال هذه المعلومات يمكننا أن نبدأ في فهم ما إذا كانت سياساتنا تعزّز التنمية البشرية أم تقيّدها، ولصالح من.

ما هو المبدأ التوجيهي الذي يجب أن يوجه السياسة الاجتماعية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

هذا السؤال يعيدني إلى نقطة البداية: يجب أن يكون الهدف هو حماية وتعزيز التنمية البشرية للجميع. وهذا يتطلّب منا أن نكون واضحين بشأن ما هو على المحك مع دخولنا في عصر الذكاء الاصطناعي: ليس فقط الوظائف والنمو، بل الكرامة والاستقلالية والحرية وإمكانية عيش حياة ذات معنى.

ما نوع العقلية اللّازمة لوضع السياسات في المرحلة المقبلة؟

لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي والرقمنة بفعالية، نحتاج إلى سياسات اجتماعية مستجيبة وشاملة. لا ينبغي أن تتشكّل السياسات بناءً على العبارات الرنّانة للمنظمات الدولية والوكالات الاستعمارية أو العبارات السائدة، بل أن تقوم على التزام حقيقي وحرية. وهذا يعني أن تقييم السياسات يجب أن يستند إلى التواضع وإلى الاعتراف بحدود معرفتنا، بما يقتضي الانفتاح الدائم على إعادة التقييم المستمر لأداء هذه السياسات.

وفي السياق العربي، لن يقتصر الأمر على إصلاح السياسات والمؤسسات، بل سيتطلّب أيضاً تجديد الاستثمار في المعرفة: في الاستماع إلى الناس، وجمع البيانات بشكل أكثر انتظاماً والتعلّم منها، والاستعداد لطرح السؤال مراراً وتكراراً: هل تسهم جهودنا التنموية فعلاً في توسيع قدرات الإنسان، أم أنها تقتصر على خدمة مصالح النخب السياسية والاقتصادية؟ فالمسألة ليست ما إذا كان بإمكاننا التكيّف مع الذكاء الاصطناعي من خلال سياسات الحماية الاجتماعية، بل ما إذا كان بإمكاننا ضمان أن يخدم كل من الذكاء الاصطناعي والحماية الاجتماعية قضية التنمية البشرية الشاملة.

Endnotes

Endnotes
1 نماذج شومبيتر للنمو الاقتصادي هي أطر عمل اقتصادية كلية تشرح كيف تؤثر التغيرات التكنولوجية الكبرى على الاقتصادات. تبدأ العملية بإدخال تقنيات جديدة. وهذا يجعل بعض التقنيات القديمة والمهارات العمالية عديمة الفائدة، وهي مرحلة التدمير. بمرور الوقت، يسمح اعتماد التقنيات الجديدة للاقتصاد بالوصول إلى مستويات أعلى من الإنتاج، وهي فائدة عملية الإنشاء. ومع ذلك، لا تتطرق هذه النماذج إلى كيفية توزيع تكاليف وفوائد هذه العملية، لأنها تعتمد على وكلاء تمثيليين وبالتالي تتجاهل التباين في ملكية رأس المال ومهارات سوق العمل.
2 يقول أمارتيا سين إن التنمية وتقييم المساواة أو عدم المساواة يجب أن يتم في مجال القدرات. على المستوى الفردي، تُعرَّف القدرات بأنها مجموعة من الوظائف الاجتماعية الممكنة التي يمكن للشخص الاختيار من بينها. يتم تمكين هذه الوظائف من خلال موارد مثل الدخل والصحة والتعليم. كما تلعب الاستقلالية والتمكين دورًا حاسمًا، حيث إنهما يشكلان نطاق الوظائف التي يمكن تحقيقها حتى عندما يكون الأفراد على نفس المستويات من الدخل والصحة والتعليم.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.