مقدمة
في عام 2011، انطلق العالم العربي في سلسلة من الانتفاضات الشعبية التي نادت برفض الاستبداد وتزايد اللامساواة والبطالة. وانضمت الملايين من الناس في جميع أنحاء المنطقة إلى الاحتجاجات لكسر حلقة الخوف التي خلقتها الدول البوليسية-النيوليبرالية التي كانت تسيطر بقوة على حياتهم اليومية. في حالة لبنان، كانت للاحتجاجات زاوية مختلفة نوعاً ما: النضال من أجل إسقاط النظام الطائفي. غالباً ما تتطرّق المواد المنشورة عن الحركات الاجتماعية في لبنان ما بعد 2011 إلى "معضلة السياسات الطائفية"(ماير، 2015)، و"غياب التنظيم السياسي" (حلاوي وسلوخ، 2020)، والاعتماد على "المجتمع المدني" (فيرتس وآخرون، 2021) باعتبارها من الأزمات التي تعيق خلق القوة من الأسفل. على الرغم من أهمية هذه التحاليل، تبقى هناك فجوة عامة في الأدب فيما يتعلق بالتركيز على خيارات سلوكية وخطابية معينة، مما يدفعنا إلى هذه الدراسة إلى محاولة إزالة الغموض عن المعارضة غير الطائفية في البلاد. هناك حاجة إلى تحليل متعمق للخيارات اليومية التي تتخذها مجموعات وتنظيمات محددة منخرطة في الممارسة السياسية من الأسفل، بدلاً من استخدام الأطر التحليلية التي ترتكز على البنى التي توجه هذه القرارات. فأي تحليل لصعود هذه الحركات الاعتراضية لا يتمحور حول العلاقات الاجتماعية البديلة لحياة المنظمين الأفراد يقلل بشكل غير مباشر من الدوافع والسرديات الأساسية التي تغذي انخراطهم وتأثيرها.
فمنذ عام 2011، قام الناشطون غير الطائفيين، الذين أتصورهم هنا كــ"عاملين سياسيين"، ببناء ائتلافات، وإطلاق حملات، وتنظيم مظاهرات، وخوض الانتخابات، وبناء مجموعات سياسية وحركات وفصائل وأحزاب تحاول الحفاظ على مكانتها السياسية وتمكينها في مناخ اجتماعي ومؤسساتي غير مستقر. إن القمع، والهجرة، والأزمات الاقتصادية، وجائحة كوفيد-19، وعدم تناسق الموارد… هي بعض التحديات البنيوية التي أعاقت قدرة هذه الحركات على تغيير علاقات القوة في سياقاتها المختلفة.
وعلى الرغم من هذه العوائق، فإن إرادة هذه الجهات الفاعلة والفرص السياسية المتاحة لها في اللحظات الرئيسية المشجعة على التمرد الشعبي قد أفرزت تطورات خطابية حاسمة، بلغت ذروتها مع حركة "طلعت ريحتكم" في عام 2015 وانتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر في عام 2019. وتبرز هذه التطورات من خلال الخيارات والاصطفافات التي انتهجتها الحركات خلال الانتخابات البرلمانية لعام 2022، والتي أثارت في حد ذاتها نقاشات مهمة حول قضايا التنظيم والعلاقة الديناميكية بين الحركات ومؤسسات الدولة فيما يتعلق بالتمثيل والسياسات.
وتُعنى هذه الورقة البحثية في المقام الأول بالبحث عن الفعالية والحركة، كما تتجلى في المفاهيم المختلفة "للقيادة" في هذه السياقات. كيف يتجلى الفعل في الحركات المعاصرة التي تقدم بدائل للمفاهيم الاجتماعية المهيمنة؟ كيف نحلل "القيادة" في مجموعة متنوعة من الحركات الأفقية في جميع أنحاء العالم، والتي ظهر العديد منها بعد عام 2011 (حقبة الربيع العربي والحركة المناهضة للنيوليبرالية في شمال أمريكا) ؟ لقد شغل تأثير الحركات الاجتماعية وممارستها في تحقيق تحول اجتماعي أوسع عدد كبير من الباحثين لعقود، مما أدى إلى طرح أسئلة حاسمة تتعلق بدور بنى الفرص والخيارات الاستراتيجية وآليات الاستقطاب والظروف البنيوية التي تتمحور حول دور الدولة والاقتصاد السياسي (غور، 2015؛ تارو، 2022؛ ماير وستاغنبورغ، 1996؛ مكارثي وزالد، 1977؛ سكوكبول، 1979). ومع ذلك، واجهت دراسات الحركات الاجتماعية عدد من أوجه القصور منهجية عديدة، إلى جانب صعوباتٍ في الاعتراف بالسياق والتطور البيوغرافي للعاملين السياسيين. في هذا الصدد، كانت "القيادة" مفهوماً يعزز جدلاً ونقاشاً علمياً حول عملية أخذ المبادرة في الحركات الاجتماعية، لا سيما وأن الأبحاث التي تنتقد الطبيعة البنيوية لــ"نظرية العملية السياسية" تشدّد على الأهمية التحليلية للعمل السياسي عند تقييم نمو الحركات ونتائجها؛ وربطها بالعواطف والمؤسسات التنظيمية (جاسبر، 2011؛ بلوم، 2015؛ موريس، 1986) كتوسيع موريس لمفهوم البنى التنظيمية والطاقات والموارد للجماهيرية المرتبطة بالقواعد الاجتماعية. ويبقى السؤال المطروح: كيف يمكننا أن نفهم بشكل أفضل التحول الديناميكي لهذه المؤسسات والموارد البشرية الكامنة وراءها؟ كيف نقدم فهماً عملياً متعمقاً لكيفية بناء هذه المؤسسات وتفعيلها واستدامتها وتعبئتها عبر الشبكات والفضاءات؟
تسعى هذه الورقة إلى الانخراط في نقاش حول مفهوم "القيادة" في الحركة الاجتماعية المناهضة للطائفية في لبنان والخيارات الاستراتيجية للعاملين السياسيين. وتقدم توسيعاً مفاهيمياً لمفهوم "العامل السياسي" استناداً إلى مراجعة تفسير غرامشي للقيادة السياسية في سياق أزمات النظامية. يستند البحث إلى أربع مناقشات جماعية مركزة أجريت في عام 2023 مع منظمين لبنانيين. وقد حددت أربع محاور واسعة تتمحور حول الخيارات الاستراتيجية للعاملين السياسيين: القيادة والإدارة التنظيمية، ونظريات التغيير بين البعدين الخطابي والشعبي، والتصورات الراديكالية والتكيف المحلي، والسياسات الانتخابية (فائدتها وأوجه قصورها).. وشملت المناقشات في المقام الأول الجهات الفاعلة التي لعبت دوراً تنسيقياً مباشراً قبل وأثناء المحطات الشعبية الأساسية منذ 2011: مسيرات "حركة إسقاط النظام الطائفي" في عام 2011، وحركة "طلعت ريحتكم" في عام 2015، وانتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر في عام 2019، والانتخابات البرلمانية في عام 2022. وتركز أسئلة النقاش والبيانات الإرشادية على السياق الأوسع الذي تندرج فيه هذه الاحتجاجات، والاستجابة الفورية للمنظمين على الأرض، والعمل التمهيدي الذي قامت به المنظمات قبل كل محطة، والمواضيع الخطابية التي طرحها الفاعلون أثناء اعتراضهم على بعض المفاهيم المهيمنة السائدة.
ومن خلال عرض السيرة الذاتية لمسارات العاملين الأفراد، والتي أزعم أنها توفر قوة تجريبية وراء فهم تحولات أساسية للقيادة والمبادرة السياسية في لبنان، تحدد هذه الورقة المحاور الأساسية (التنظيمية والخطابية) التي تقود النقاش بين العاملين السياسيين، وتسلط الضوء بدورها على الدروس المستفادة من قبل أولئك الذين شاركوا في هذا التمرين التجريبي. وتشمل هذه المحاور (على سبيل المثال لا الحصر): الانخراط النقدي في الاستحقاقات الانتخابية، وتوزيع الأدوار بين العمل الإعلامي والعمل القاعدي الاعتبارات المتضاربة بين الطموح الراديكالي والدوائر المحلية المحافظة، والحوار حول القيادة وسط التنظيمات الأفقية.
الإطار النظري: العامل السياسي
من أجل تحديد الإطار المفاهيمي "للعاملين السياسيين"، أبني على تقليدين مختلفين في الأدب المتعلق بالحركات الاجتماعية: دراسة غرامشي (1973) لدور المثقفين، وتطور بامية (2012) لمصطلح "المثقف العضوي". يطرح غرامشي نقداً جوهرياً لظاهرة المثقفين التقليديين - الذين "يجسدون طبقة اجتماعية خاصة بهم" - ويتوسع في دور المثقف العضوي الذي يقدم الأطر النظرية والأيديولوجيا والسردية والقيادة الأخلاقية لطبقة اجتماعية محددة. ويحاول غرامشي في الكثير من أعماله الإجابة عن أسئلة رئيسية تتعلق بالخيارات التنظيمية والخطابية والاستراتيجية للشيوعيين في حقبة حساسة وتحولية، ومنها التغيرات الاقتصادية الرئيسية فيما يتعلق بتحول البنى الرأسمالية في أوائل القرن العشرين؛ وصعود الفاشية في أوروبا. في سياق هذه التحولات، يقدّم غرامشي نقداً للماركسية الأرثوذكسية، ويضع الثقافة والأيديولوجيا في مركزها كمكونات أساسية لأي مشروع سياسي، متجاوزاً بذلك الرد الاقتصادي الكلاسيكي على الرأسمالية. بدلاً من مجرد التركيز على التناقضات الطبقية الاجتماعية الحتمية، يطرح الحاجة إلى أن يقدم المثقفون العضويون مشروعاً مضاداً للهيمنة في سعيهم إلى تحويل الحس العام الأوسع للقوى الاجتماعية (غرامشي، 1973). في أدبيات الحركات الاجتماعية المعاصرة، غالباً ما يُفهم هذا المكوّن من العمل الفكري على أنه "تأطير" (framing). القيمة المضافة المثيرة للاهتمام في إطار غرامشي هي أن العمل الفكري يُنظر إليه كممارسة يمارسها كل من يمتلك الإرادة السياسية، وليس أقلية متخصصة.
وللبناء على غرامشي، أقترح أن تسليط الضوء على دور المثقفين العضويين من حيث أنشطتهم وإنتاجهم وقدرتهم على تشكيل أو تغيير المنطق العام يتطلب مرونة تعريفية فيما يتعلق بالعلاقة بين المثقف والطبقة الاجتماعية. يقدم باميه (2012) تعديلاً لمفهوم المثقف العضوي سعياً لفهم العلاقة المذكورة أعلاه بمعنى أكثر مرونة، إلى جانب تقديم تعريف أوسع "للطبقة الاجتماعية"، حيث ليس بالضرورة تثبيت المثقف ضمن الفئة الاجتماعية الاقتصادية الخاصة التي يمثلها. ببساطة أعطي الأولوية لوظيفة المثقف العضوي، وليس لهويته الطبقية. وتتألف هذه الوظيفة من: إصدار قراءات وتحليلات تاريخية شائعة لحالة اجتماعية سياسية معينة؛ وصياغة نظرية للتغيير ووصفات سياسية ذات أبعاد محلية وعالمية؛ والانخراط في حوارات جماعية وعامة تدفع بهذه التحليلات والنظريات للتموضع في حقل خطابي أوسع. أيضًا، مع الأخذ بعين الاعتبار مناهضة غرامشي لاقتصاديوية الماركسية الأرثوذكسية، أبدأ بافتراض أن الأفراد الملتزمين بكونهم عاملين سياسيين خطابيين هم فاعلين لديهم مجموعة كبيرة من الدوافع، بما في ذلك الاعتبارات الثقافية والتنظيمية والمجتمعية
ومن ثم، في حين أن الأدب المعاصر حول المثقفين العضويين قد عرّفتهم على أساس دورهم "الفكري"، يؤكد غرامشي (1973، ص 132) على مفهوم أوسع للمثقفين العضويين الذين يتغلغلون في الفضاء السياسي في وظائف متنوعة - هؤلاء المثقفون يمارسون عملاً تنظيمياً توجيهياً، مما يطمس الخطوط الفاصلة بين مشاركتهم ومشاركة المنظمين الآخرين. ويتأكد ذلك أيضًا برفضه حصر دور المثقفين العضويين في دور "الخطباء" النخب، أي يقف في وجه المفهوم التكنوقراطي لتقسيم الأدوار بين الكوادر - "فالموهبة السياسية" من الآن فصاعداً ليست بالضرورة محصورة في نوع محدد من العمل، بل يتم التعامل معها بطريقة شاملة أكثر.
من هذا المنطلق، يستعير مفهوم العاملين السياسيين العديد من الخصائص من هذا التكيّف المفاهيمي للمثقفين العضويين الذين يرفضون التموضع المقيّد للمثقفين التقليديين. ومفهوم العاملين السياسيين يستند إلى مفهوم المثقفين العضويين ليشمل تطبيقاً أكثر اتساعاً للعمل: عمل الإقناع، والتفاوض، والاستقطاب، والعمل العاطفي. (موريس وستاغنبورغ، 2004، ص 171؛ غرامشي، 1973، ص 132). إن قيادتهم ليست بالضرورة علنية أو رسمية، كما أن أداء دورهم لا يستلزم منصباً رفيعاً للغاية داخل المنظمة التي ينتمون إليها - بل يستلزم ببساطة "عملهم". وفي حين يميل هؤلاء العاملون إلى الاشتراك في نموذج نظري معين لعملهم، أو "نظرية التغيير"، إلا أن نتاج عملهم لا يتطابق عادةً مع توقعاتهم. وتشمل المنتجات المتوقعة على سبيل المثال لا الحصر: تعميم الخطاب؛ والتقدم الانتخابي؛ والتراكم الاحتجاجي؛ وتوسيع نطاق الحركة؛ وتوسيع نفوذهم الفردي وحصتهم من الفضاء السياسي، بغض النظر عن أي مسعى أيديولوجي أو جماعي مُعلن. إن فهم دور العمل السياسي ونتائجه من منظور غرامشي يتجاوز التفسيرات التقليدية للفاعلين من أجل التشديد على الأولوية الخطابية؛ وهي سمة ملازمة للعامل السياسي عبر التاريخ، وقد تطور دورها في العصر الرقمي اليوم. تطور هذا الدور أيضاً بسبب أزمة القيادة والضعف الموضوعي للبنية التحتية الاجتماعية المحيطة بهؤلاء العاملين، كما يتضح في السياق اللبناني. من الأهمية بمكان التأكيد على الطبيعة الجدلية للعامل السياسي؛ فهو ليس مجرد فاعلٍ ينتج، بل هو نفسه يُنتج باستمرار من خلال تطور البنى "الحركية" التي تتموضع في سياق اجتماعي وسياسي محدد.
ويشكّل العامل السياسي إطاراً نظرياً مناسباً في السياق اللبناني في المقام الأول لأن هذا السياق يعاني من "فقرٍ مؤسساتي": فالأشكال الجماعية للقيادة التعددية المحكومة بآلياتٍ مجتمعيةٍ غير شخصيةٍ وديمقراطيةٍ تُقمع بشكلٍ فعالٍ لصالح المظهر الفردي للمبادرة والسيطرة السياسية (فايس، 2009). وفي ظلّ نظام اقتصادي نيوليبرالي قائم على الريع يتمحور بشكل أساسي حول قطاعات غير منتجة ومؤسسات احتكارية وشبكات زبائنية - وهي زبائنية برعاية زعماء الطوائف أنفسهم(بومان، 2012)، فُهمت القيادة في البلاد بشكل أساسي على أنها علاقة اجتماعية - اقتصادية وعشائرية وهوياتية - سلطوية بين عدد من الزعماء وقواعدهم الطائفية. وفي الوقت الذي أصبحت فيه الجماعات والتنظيمات المعارضة أكثر وضوحاً ومأسسةً، برزت "القيادات الصغيرة" من خلال امتلاكهم القدرة على التحدث أمام الرأي العام وتنظيم بنى اعتراضية متواضعة . ومع ذلك، وعلى عكس وظيفة القادة الطائفيين الذين يمتلكون الموارد المادية والقدرة على استخدام القوة، لم يكن هؤلاء "السياسيون الجدد" قادرين على فرض قرار "بمجرد الإدلاء بصوت داخل لجنة منتخبة". ونظراً لضعف السياسة المؤسساتية في البلاد - أي ممارسة السياسة القائمة على آليات مستدامة تتعايش بين الأشكال البيروقراطية غير الشخصية للقيادة الهرمية المنتخبة والقواعد والمعايير الأخلاقية والأيديولوجية الصلبة - أصبحت الإدارة السياسية داخل حركة المعارضة قائمة على مبادرة وتوجيهات العاملين السياسيين الذين يعتمدون عموماً على عمل دائرتهم الصغيرة المحدودة للدفع بمشاريعهم السياسية إلى الأمام (صفي الدين، 2023). ويتفاقم هذا الأمر أيضاً بسبب الافتقار إلى الموارد اللازمة لخلق عمل مستدام في السعي إلى إصلاح هذه المؤسسات وتثبيتها، أي في حالة لبنان، العامل السياسي هو نتاج لأزمة القيادة المؤسساتية هذه، ونفترض وجود نمط مماثل في البلدان المجاورة، لا سيما وأن الأنظمة في هذه المناطق لم تستثمر في إنشاء هذه المؤسسات المجتمعية ذاتها.
على الرغم من مجود استثنائات، إلا أنه لا يخفى على أحد أن معظم التنظيمات السياسية في هذا لبنان تعتمد على العمل والقيادة والحسابات الاستراتيجية لعدد معين من الفاعلين. بالإضافة إلى ذلك، فإن المناخ السياسي في لبنان معادي بشكل عام للجهات غير الطائفية التي تحاول إنتاج علاقات اجتماعية-سياسية بديلة. فالأحزاب السياسية العابرة للطوائف نادرة، والهيمنة التنظيمية الطاغية بعد الحرب حتى سنة 2011 تدور حول المنظمات غير الحكومية (ناجل وستيهيلي، 2015). ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن العمل التشاركي والتبادلي الخلاق من قبل العاملين السياسيين لا يلغي مسائل مهمة وشائكة كالسلطة وعملية صنع القرار والتوجيه العملي على الأرض. على الرغم من محدوديته المنهجية المستخدمة هنا، يبقى "العمل السياسي" النمط التحليلي الأساسي الذي يمكننا من خلاله رصد ثمار الحركات ومساهماتها بشكل أفضل من خلال الانخراط في حوارات مباشرة مع المشاركين والمنظمين، والقادة.
الخلفية ورسم الخرائط
لبنان بلدٌ يحكمه نظامٌ طائفي: نمط حكمٍ قائم على تقاسم السلطة بين مصالح الزعماء الطائفيين-الدينيين الذين يستجيبون لفئات اجتماعية مختلفة (فايس، 2009). وإذ يرافقها نظام اقتصادي نيوليبرالي ريعي يتمحور بشكل أساسي حول قطاعات غير منتجة وشركات احتكارية وشبكات برعاية الزعماء الطائفيين أنفسهم (بومان، 2012)، فإن القيادة في البلاد تُفهم بالتالي على أنها علاقة اجتماعية - اقتصادية وعشائرية وهوياتية - سلطوية بين عدد من الزعماء وناخبيهم الطائفيين. ومع ذلك، سلطت الدراسات الراهنة الضوء على دور الفصائل اليسارية والديمقراطية والليبرالية العابرة للطوائف في البلد (هاوجبول، 2013؛ حلاوي وسلوخ، 2020).
وسط الانتفاضات العربية في العام 2011 والموجة الجديدة من المسيرات والمظاهرات المناهضة للنظام، بدأ الناشطون الجدد والقدامى بحراك مفتوح قائم على عناوين "مناهضة للسلطة". وفي مراحل لاحقة، برزت محطات مهمة مثل احتجاجات النفايات عام 2015 (مظاهرات شعبية رداً على تراكم النفايات في الشوارع وسوء إدارتها)، وحملة " بيروت مدينتي" في انتخابات بلدية بيروت، وانتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر الشعبية لعام 2019، أنتجت جميعها مجموعة "جديدة" من القادة غير الرسميين الذين تنقلوا ما بين مواقع التواصل الاجتماعي، والوحدات التنظيمية الصغيرة، وطاولات تنسيق مفتوحة نسبياً (ديتس، 2022; جحا، 2019؛ كرم وماجد، 2022).
في ما يلي قائمة بالمنظمات التي تمكنت من اختيار مشاركين للانضمام إلى مجموعات النقاش الأربع، والذين اعتبرتهم أمثلة عن العاملين السياسيين الذين نسعى إلى دراستها:
عامية 17 تشرين: تأسست في عام 2019 كمنصة لنشر الدعوات الاحتجاجية ولقطات المظاهرات على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم تحولت لاحقاً إلى مجموعة سياسية ذات توجهات يسارية تتألف من أعضاء سابقين في حركة اليسار الديمقراطي. ومن أبرز شخصياتها علي مراد، الذي خاض الانتخابات البرلمانية لعام 2022 في دائرة الجنوب الثالثة (الكاك، 2019).
الحزب الشيوعي اللبناني: تأسس الحزب في العام 1924 تحت اسم حزب الشعب اللبناني، ولاحقاً تحت اسم الحزب الشيوعي السوري اللبناني، ثم تحت اسم الحزب الشيوعي اللبناني في منتصف الستينيات. ولدى الحزب تاريخ طويل يتقاطع مع الديناميكيات المعقدة للحرب الأهلية في البلد، إلى جانب النضال التحرري ضد الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنه تحول لاحقاً في سياق مراحل متنوعة: (1) الاستقطاب الحاد الذي شهدته البلاد حول فصائل حزب الله بعد الانسحاب السوري من لبنان عام 2005؛ (2) دور الحزب في مجموعة متنوعة من الاحتجاجات الشعبية ضد النظام الطائفي بعد عام 2011؛ (3) الدور الانتخابي الكبير للحزب في الجنوب خلال الانتخابات النيابية في عامي 2018 و2022. ومن أبرز شخصياته حنا غريب (مونوز، 2019؛ الكاك، 2019).
تيار التغيير في الجنوب: تأسس عام 2022 بعد الانتخابات النيابية كتحالف بين شخصيات مختلفة ومرشحين سابقين في دائرة الجنوب الثالثة. أبرز شخصياته هو علي مراد، العضو القيادي في "حركة "عامية 17 تشرين، 2022" ("ائتلاف تيار التغيير في الجنوب")
طلعت ريحتكم: تأسست في عام 2015 كحملة احتجاج في الشارع تعالج أزمة إدارة النفايات، وأصبح اسم المجموعة الشعار الرئيسي لموجة المظاهرات المناهضة للسلطة التي ظهرت في ذلك العام. واستخدمت المجموعة، التي ارتكزت على وسائل الإعلام الرقمية والتوجه التنظيمي القائم على الشارع، خطاباً شعبوياً شرساً يركز على نقد الزعماء الطائفيين والحط من قدرهم. وكان من أبرز وجوهها وديع الأسمر وأسعد ذبيان (خنيصر، 2019).
نقابة الإعلام البديل: تأسست في عام 2019 كجمعية بديلة للصحفيين القادمين من مجالات فرعية متنوعة. تهدف النقابة، رغم حداثة نشأتها وقلة مواردها، إلى إنشاء هيكل موازٍ يتحدى الوضع الراهن لنقابة الصحافة اللبنانية ونقابة محرري الصحافة اللتين يُنظر إليهما على أنهما غير فعالتين وغير قادرتين على التحرر من الجمعيات الطائفية وحماية حقوق الصحفيين والعاملين في الصحافة. الوجه الأكثر وضوحاً هو إلسي مفرج (مهنا وصفي الدين، 2021).
جمعية المودعين في لبنان: تأسّست الجمعية بعد انتفاضة 2019، وجمعت المودعين الذين رفضوا السياسات التعسفية التي فرضتها المصارف لحجز مدخراتهم وحساباتهم. وقد اشتهرت الجمعية بتنفيذ مجموعة متنوعة من الأعمال الاحتجاجية التخريبية في المصارف وفي مجموعة متنوعة من المؤسسات المالية والحكومية. كما عملت بشكل وثيق مع أعضاء البرلمان ومجموعات الضغط لاقتراح وصفات معينة للأزمة المالية من وجهة نظر تقدمية. ومن أبرز وجوهها علي نور الدين ونزار غانم (علوان، 2023).
تيار المجتمع المدني: وهي منظمة علمانية تأسست عام 1998، وركزت جهودها على التوعية بقضية الطائفية، ولعبت دوراً أساسياً في الاحتجاجات المناهضة للنظام الطائفي عام 2011 ("الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي"). وكان أبرز لاعبيها غريغوار حداد، الأرشمندريت السابق لأبرشية بيروت وجبيل للروم الملكيين الكاثوليك (كشخصية دينية، كان دعمه للعلمانية جديراً بالملاحظة في المجال العام)؛ أكثر المشاركين فيها اليوم فهو باسل عبد الله (بهلوان، 2021).
لانا: حزب علماني اشتراكي ديمقراطي تأسس في عام 2020، وأكد على مفاهيم الممارسة اللاطائفية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية. ينحدر أعضاؤه الأساسيون من تقاليد طلابية يسارية شددت على مفاهيم التحرر الوطني والتصدي للعدوان الإسرائيلي، وطورت تقارباً مع رموز المقاومة، ونأت بنفسها عن دائرة حزب الله (بما في ذلك طرح انتقادات متشددة لمداولات الحزب الداخلية واستخدامه للعنف السياسي). ومن أبرز رموزها النائب حليم قعقور والناشطة دارين دندشلي.
لي حقي: وهي حملة انتخابية شعبية محلية تأسست في جبل لبنان خلال الانتخابات النيابية في العام 2018 وبرزت لاحقاً كقوة سياسية متزايدة التأثير في المنطقة، وتحولت في نهاية المطاف إلى حركة سياسية وطنية ذات وظيفة لامركزية خلال انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر. وفي حين قدمت حركة "لحقّي" خطاباً قائماً بشكل أساسي على العلمانية والديمقراطية والسياسة الشعبية، إلا أنها غالباً ما تجنبت مسألة سياسة السلطة المباشرة بالمعنى الذي يفهمه النظام اللبناني نفسه، وركزت بدلاً من ذلك على بناء بنية تحتية اجتماعية من أعضاء في مختلف المناطق، مع تقديم رؤيتها العامة وخارطة طريق سياسية في مقاربتها للأزمة الاقتصادية.
شبكة مدى: لها هيكلية مشابهة لشبكة "لي حقي"، لكنها بُنيت بشكل واضح من الأسفل إلى الأعلى، لا سيما من النوادي العلمانية التي أنشئت في مختلف الجامعات والمناطق والقطاعات. فبينما تأسس النادي العلماني في الجامعة الأميركية في بيروت عام 2008، تأسس النادي العلماني في جامعة القديس يوسف عام 2011. وفي نهاية المطاف، شارك كلا الناديين في مجموعة متنوعة من المحطات التي تتعلق بمناهضة السلطة في البلاد، بما في ذلك: مظاهرات 2011 التي أعقبت الربيع العربي؛ وحملة "لا للتمديد البرلماني" في عام 2013؛ واحتجاجات "طلعت ريحتكم" في عام 2015 بعد أزمة إدارة النفايات في البلاد؛ وحملة "بيروت مدينتي" في عام 2016. وفي عام 2017، تأسست شبكة مدى بين الناديين لتضم النادي العلماني في جامعة سيدة اللويزة بعد عام واحد. وفي حين ركزت الشبكة على الخطاب الطلابي، إلا أنها أدرجت لاحقاً موقفاً سياسياً واقتصادياً واضحاً يميل صراحةً إلى اليسار ويعارض هيمنة حزب الله في لبنان. وفي أعقاب الانتخابات الجامعية لعام 2020، التي حققت فيها الأندية فوزاً ساحقاً في اثنتين من الجامعات التي تأسست فيها، توسعت الشبكة إلى جامعات ومناطق أخرى، لتدخل في نهاية المطاف في شراكة مع مجموعة متنوعة من القوى (بما في ذلك لي حقي) لتشكيل ثلاث حملات انتخابية شعبية محلية في بيروت والمتن والجنوب خلال الانتخابات النيابية لعام 2022.
مواطنون ومواطنات في دولة: حزب سياسي تقدمي أسسه الاقتصادي والمفكر شربل نحاس في عام 2016. وقد بدأ الحزب كمجموعة صغيرة من المهنيين والتكنوقراط والشباب، وطرح سياسات اقتصادية خاصة لمعالجة الأزمات النظامية التي تواجه البلاد. وركّز الحزب على أهمية تقديم مشروع اقتصادي واضح، وعلى السبل التي يمكن من خلالها تحقيق الاستحواذ على الدولة، وشهد نمواً هائلاً في أوساط الطبقة الوسطى المهنية. كما قدم رؤية منهجية تتمحور حول الانتقال من الدولة الطائفية إلى الدولة المدنية. وقد مهّد تطوره الطريق أمام حملته الانتخابية الخاصة "قادرين" في الانتخابات النيابية، والتي حصدت نحو 30 ألف صوت تفضيلي لقوائمه ومرشحيه.
المنهجية
بمساعدة ودعم من مبادرة الإصلاح العربي، وبالتعاون مع عدد من الحركات والمنظمين من مختلف المجموعات والأحزاب السياسية، أجريت أربع مجموعات نقاش مركزة تناولت كل منها نقطة انعطاف محددة في تطور المعارضة في البلاد: 2011، 2015، 2019، 2022. وجسّد المشاركون تقريباً العاملين السياسيين الذين استثمروا طاقاتهم وعملهم في هذه المحطات المختلفة. أستفدت من موقعي الذاتي كشخص عمل عبر المجموعات ومجموعات المجتمع المدني وشبكات التحالفات من أجل الوصول إلى المشاركين في مجموعات النقاش المركزة - وبعبارة أخرى، فإن العديد من المشاركين في الدراسة هم أشخاص عملت معهم عن كثب عبر التحالفات والمنظمات. ومن بين المشاركين يساريون وتقدميون مستقلون وتقدميون، ونشطاء على الأرض، وأعضاء ومنتسبون سابقون في الحزب الشيوعي اللبناني، ولحقيقي، وشبكة مدى، ونقابة الإعلام البديل، ومواطنون ومواطنات في دولة، وتجمع المودعين، ولنا، وعامية 17 تشرين، وتيار التغيير في الجنوب، وتيار المجتمع المدني.
وقد أوضح المشاركون في كل من هذه المناقشات السياق الذي كانوا يعملون فيه، والتراكمات التي سبقت التحركات الشعبية التي جرت، والجهود الأساسية التي انخرطوا فيها خلال هذه الاضطرابات، والدروس المستفادة من هذه العملية. وقد ترافق ذلك مع رؤى استشرافية رئيسية حول مستقبل الحركات والجهود والتكيفات التي يجب على العاملين السياسيين المستثمرين أن يسعوا إليها في مواجهة التحديات المتراكمة. وقد استرشدت أيضاً الأهمية التجريبية المثيرة للاهتمام التي قدمها المشاركون في مجموعات النقاش المركزة بالبحث الذي أجريته عبر الإنترنت والذي وضعت فيه النصوص الأولية ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي والبيانات وتكتيكات التجنيد التي أصدرتها الجهات الفاعلة. وتتعلق الأفكار المبينة في القسم التالي بالفئات المواضيعية المستوحاة من هذه المناقشات، بدلاً من التحليل التجريبي الصارم للمواد التي تم جمعها.
الانتخابات عبر الفضاءات: أداة تعبوية
على الرغم من تعقيدها ومحدوديتها الشديدة في منطقة يهيمن عليها الحكم الأوتوقراطي، تجد السياسة الانتخابية مساحة في لبنان عبر المناطق والقطاعات في خدمة إعادة إنتاج نمط طائفي من السياسات التمثيلية والتبعية الاقتصادية (بيلين، 2012؛ باومان، 2012). على الرغم من القيود الديمقراطية للنموذج الوطني اللبناني من حيث السماح بتمثيل القوى البديلة، إلا أن الدائرة المناهضة للمؤسسة الحاكمة في البلاد، والتي أخذت تأخذ حيزاً متزايداً وتضخم قدراتها منذ العام 2011، استغلت تناقضات النظام الانتخابي لاستغلال فرصها الخاصة.
يحاول هذا القسم أن يوجز النقاش الذي يبرز من خلال تقييم نظري وعملي لجدوى الانتخابات من وجهات نظر المنظمين. وفي حين أن التموضع الذاتي لي كمنظم يأثر بالفعل في هذا التقييم، إلا أنه يستند في المقام الأول إلى محادثات مجموعات التركيز التي جرت مع منظمين سابقين وحاليين.
الخلاصة الأساسية والمدخل النظري
يبدأ هذا القسم بالاعتراف بمحدودية الممارسة الانتخابية، وتحديداً بالنسبة للتمثيل غير الطائفي المناهض للمؤسسة السياسية، في توفير نمو الحركة. وتشمل هذه المحدودية التلاعب في الانتخابات، والانتخابات غير المتناسقة، والمحاصصة الطائفية. ومع ذلك، فقد وفرت العملية الانتخابية في لبنان بعض الفوائد والثمار العملية، مثل تسليط الضوء على الرأي العام، واقتراح تغييرات في السياسات، وتوفير مساحة للخطابات والأفكار الجديدة، وبناء مجتمع تنظيمي من الناشطين القادرين على التنافس في الفضاء الاجتماعي. إن أكثر ما يثير الاهتمام في كيفية استفادة الناشطين المناهضين للمؤسسة الحاكمة من الانتخابات ليس بالضرورة الجدل الاستقطابي بين من يعتبرون الدورة الانتخابية مفيدة لغرض ضمان التمثيل ومن يعتقدون أن الإصلاح من الداخل هو مسعى عديم الفائدة، بل هو جدل عملي أكثر حول الفرص التنظيمية والخطابية الدقيقة التي يوفرها الفضاء الانتخابي رغم محدوديته.
والأهم من ذلك هو أن العملية الانتخابية ليست مجرد فرض هيكلي، بل هي واقع يصنعه العاملون السياسيون الذين شارك العديد منهم في هذه الدراسة كمشاركين في مجموعات النقاشات المركزة. وبعبارة أخرى، فإن العمل العاطفي المطلوب للوساطة بين المرشحين وأعضاء الفرق، والجانب الإداري المتمثل في وضع المعايير وضمان عقد اجتماعات مثمرة، وعملية صنع المعنى الإيديولوجي الملهم التي يقدمها المرشحون والمنظمون والأكاديميون والباحثون والمعلقون الأكثر خبرة، هي جزء لا يتجزأ من عملية بناء فضاء انتخابي لا يشبه قواعد المشاركة التي يفرضها الوضع الطائفي الراهن.
القيود القانونية والمؤسسية للفضاء الانتخابي: أمثلة في مختلف المجالات
- الانتخابات البلدية: كانت هذه الانتخابات واحدة من أكثر سبل المشاركة الانتخابية تضارباً في البلاد، حيث ألغيت الانتخابات طوال فترة الحرب الأهلية، لتجري في أواخر التسعينيات بعد حملة وطنية طالبت بإجرائها من قبل سلطات ما بعد الحرب آنذاك. واليوم، في حين أن البلديات تضطلع بوظائف حاسمة وأساسية على المنطقة الجغرافية التي ترأسها، إلا أن الانهيار الاقتصادي الأخير، إلى جانب عقود من الفساد والاختلاس المحلي، حدّت من نطاقها العملي وسلطتها (شعبان وآخرون، 2016).
- الانتخابات الطلابية: تاريخياً، كانت الانتخابات ساحة معركة بين قوى طائفية تقحم اعتباراتها في الحياة الجامعية، إلا أنها شكلت أيضاً مساحة للحركات التقدمية والبديلة التي نمت عضوياً داخل أسوار الجامعة. ومع ذلك، فإن الجامعات التي استضافت هذه الانتخابات محدودة في نطاقها الديموغرافي، باستثناء عشرات الآلاف من الطلاب الذين يتلقون تعليمهم في الجامعة اللبنانية. ويترافق ذلك أيضًا مع القيود الكبيرة التي تفرضها إدارات الجامعات بمنع المجالس الطلابية المنتخبة من التصرف باستقلالية أو الانخراط في الإطار السياسي الوطني (يونكر، 2021).
- الانتخابات البرلمانية: تعد هذه الانتخابات واحدة من أعلى ساحات التنافس السياسي وأكثرها أهمية. ومع ذلك، فإن المحاصصة الطائفية وتقسيمات الدوائر الانتخابية جعلت من التلاعب الانتخابي مشكلة مستمرة. وعلى الرغم من مزايا النسبية في التعديل الأخير للقانون الانتخابي، إلا أن التركيبة القانونية والمؤسسية للعملية الانتخابية لا تزال تشكل عائق أساسي أمام دخول القوى التقدمية والبديلة (ديتس وسكولت أوعيس، 2021).
الانتخابات كساحة معركة خطابية: السياسة الكبرى والمشاعر الاستقطابية والسياسة
للمرة الأولى خلال السنوات الـ15 الماضية، أدرجت السياسة الانتخابية خلال الانتخابات النيابية لعام 2018 قضايا معينة تتعلق بالسياسة الاقتصادية وحقوق المرأة ومقاومة الخطاب الطائفي والحكم الرشيد (الكك، 2019). بعد عام 2013، ومع انتشار النوادي العلمانية في الجامعات، اضطرت الأجنحة الشبابية للفصائل الطائفية إلى دمج السياسة الطلابية في برامجها الانتخابية خلال الانتخابات الطلابية من أجل اللحاق بالخطاب الذي تطرحه المجموعات الطلابية البديلة. ولفترة ليست بالقصيرة، وردًا على الفساد المستشري والأزمة الاقتصادية المتصاعدة، أصبحت السياسة جزءاً لا يتجزأ من الخطاب العام، وتصاعد ذلك أكثر مع بداية انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر. وفي إشارة إلى القصور التنظيمي للحركات البديلة بين عامي 2018 و2022، أشار أحد المشاركين في مجموعة النقاشات المركزة، وهو عضو سابق في حركة "مواطنون ومواطنات في دولة" إلى أن الحركات كانت مستثمرة بالكامل في تبني الموجة الخطابية للرأي العام وإيجاد طرق مبتكرة لتوجيهها.
بدأت السياسات الانتخابية، لا سيما خلال الانتخابات النيابية لعام 2022، تتمحور تدريجياً حول القضايا السياسية الكبيرة، بما في ذلك كيفية محاسبة البنوك، والتحقيق في انفجار مرفأ بيروت، وسلاح حزب الله والاغتيالات السابقة، والعلاقة مع الأنظمة والحكومات المجاورة، والسياسات الجندرية والوصم. وبدلاً من التمحور حول التنافس بين القوى الطائفية التقليدية، سمح النقاش في العام 2022 للمعارضة غير الطائفية بأن تكون جزءاً من النقاش الوطني. ويرجع ذلك إلى أن العاملين في الحقل السياسي تمكنوا من تجاوز خطاب حيادة الحكم الرشيد والانخراط في بعض عناصر السياسة الوطنية التي كانت تاريخياً تهم مختلف الدوائر، طائفية كانت أو غير طائفية. وقد أشار أحد المشاركين في مجموعة التركيز من مجموعة لي حقي على وجه الخصوص إلى الطرق التي كان فيها تحديد خارطة الطريق السياسية والقاسم المشترك بين المتطوعين أمراً حاسماً لحشد الأعضاء والتوصل إلى توافق في الآراء حول حزمة يتم إيصالها إلى الجمهور الأوسع.
الانتخابات كتجربة تنظيمية الصداقة الحميمة وبناء المهارات
الانتخابات هي أولاً وقبل كل شيء تجربة تنظيمية تتطلب قيادة وخبرة تكنولوجية ومواهب إدارية وحماساً للعاملين وتواصل (سواء على وسائل التواصل الاجتماعي أو في الأماكن العامة) وتصريحات سياسية نموذجية تشجع على التعبئة الشعبية. هذه التجربة هي تجربة جماعية، مما يعزز روابط العضوية ويسمح بانتقال المهارات عبر أجيال المنظمين والفاعلين. وبالتالي، فإن هذه العملية هي لبنة أساسية في السعي إلى خلق قيادات جديدة، بدلاً من الاحتفاظ بقاعدة الكوادر القديمة فقط. وقد ركز أحد الزملاء من شبكة مدى على وجه التحديد على الطرق التي تمكنت من خلالها الأندية العلمانية في جنوب لبنان من التحدث إلى مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة والمجندين المحتملين أثناء جمع الأصوات. ومع ذلك، فقد أشاروا أيضاً إلى التحدي المتمثل في تنظيم مشاركين جدد في سياق محدودية القدرات المؤسسية والموارد التي تحث على التفعيل.
وتسمح هذه التجربة التنظيمية ببناء مجتمع بين الناشطين الذين يدخلون هذه المساحات من خلفيات ومناطق متنوعة. وبالتالي، تسمح الانتخابات ببناء فضاء بديل، وبمرور الوقت، بناء روتين يومي وعلاقات اجتماعية بديلة تختلف عن تلك السائدة في المجتمعات القائمة على الطوائف والمساحات الحزبية. ويفسّر أحد المشاركين نمو الحركة في أعقاب الاستحقاق الانتخابي من هذا السياق؛ ومن ثم، يُنظر إلى الانتخابات أيضاً كأداة يمكن من خلالها أن يتعرف الناس في البيئات المحلية على بعضهم البعض ويخلقوا مساحة مشتركة من الانتماء السياسي والاجتماعي.
ومع ذلك، يكمن التحدي في كيفية تجنب خلق طائفة جديدة في خضم السياسة الطائفية. وبالتالي، يجب على هذه المجتمعات البديلة أن تتخلى عن خلق غرف صدى لا تتفاعل مع محيطها المباشر. ويتمثل التحدي كذلك في خلق واقع يكون فيه المجتمع العلماني عابراً للطائفية ومنفتحاً على بقية المجتمع؛ وقد أشار أحد المشاركين في نقابة الإعلام البديل تحديداً إلى مخاوفه من وجود فقاعة مقيدة من الراديكاليين بخطاب منفصل عن التناقضات غير المستقرة في المجتمع الأوسع.
نظرية التغيير: بناء القاعدة الشعبية والممارسة الخطابية
لبنان بلد صغير ذو مجتمع متماسك للغاية؛ حيث توجد روابط بين مختلف الطوائف والأعراق والطوائف السياسية. كما يحتوي لبنان على عدة مدن ذات تعداد سكاني كبير وبنية تحتية إعلامية قوية. وعلى هذا الأساس، فإن لبنان هو قرية ومدينة في آنٍ واحد؛ فهو عبارة عن توظيف فردي ومشاريع سياسية كبرى تُعلِم مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة. ومع ذلك، غالباً ما تتعامل الجهات السياسية الفاعلة والحركات الشعبية المختلفة مع البلد كما لو أن هاتين الفئتين متعارضتين. وفي حين أنه من الصعب استخدام أسلوب واحد فقط للوصول إلى الجمهور وتغيير الحس العام، إلا أن الحركات المناهضة للسلطة في لبنان تتأرجح عموماً بين عمل المؤثر وعمل المنظم، ولكل منهما تكتيكاته وممارساته اليومية. في هذا القسم أتابع عدة حالات من الحركات التي اعتمدت بشكل أساسي على إحدى هاتين النظريتين للتغيير على أمل الوصول إلى تحليل أكثر قدرة على فهم أوجه القصور والإنجازات على حد سواء.
الخلاصة الأساسية والمدخل النظري
يعرض هذا القسم نظريتَين مختلفتَين للتغيير كما طبّقتهما جهاتٌ فاعلةٌ ومجتمعاتٌ حركيةٌ مختلفة. وبالاستفادة من المدخلات التي قدمتها مجموعات النقاشات المركزة المختلفة والمشاركون في المقابلات، أحاول تحديد الدروس المستفادة التي فسّرتها هذه الجهات الفاعلة وتجاربها المتضاربة. وعلى الرغم من عدم وجود تقييمات مباشرة أو قاطعة لمعظم الناشطين، إلا أنه من الواضح أن القراءة الجدلية والسياقية لتكتيكات الحركة واستراتيجياتها وأساليبها تبدو الطريقة الأنسب للمضي قدمًا؛ ومع ذلك، فإن هذا أمرٌ يمكن استكشافه أكثر في دراسة مستقبلية.
وبالعودة إلى دور العاملين السياسيين كمنتجين للخطاب، من الضروري التأكيد على نقطتين: أولًا، البناء القاعدي هو أداة تواصل يستخدمها المنظمون والمنسقون لاستنباط القوة والوظائف المحلية التشاركية، وكلاهما جذاب للمجندين الجدد المطلعين على لغة الحركات الاجتماعية. وثانيًا، توفر التشكيلات القاعدية في حد ذاتها قوة في الوصول الإعلامي للحركات (وهذا صحيح بشكل خاص لأن الوسيلة الأساسية للفاعلين للتعبير عن تقييماتهم الوصفية والتوصيفية للأوضاع الاجتماعية والسياسية المختلفة هي وسائل التواصل الاجتماعي).
حدود بناء القاعدة الشعبية في سياق تطور الإعلام العالمي
تتعلق مسألة علاقات القوة في سياق لبنان بالطرق التي تتنافس فيها القوى السياسية مع بعضها البعض على الصعيدين العسكري والخطابي. وهذا يطرح عدة تحديات أمام الحركات البديلة، التي ظهر معظمها هيكلياً بعد العام 2011 وتحاول منافسة القوى السياسية الطائفية التي رسخت نفسها إلى حد كبير في عملية الحرب الأهلية (الخازن، 2003). ومع وجود موارد أكثر بكثير تحت تصرفها، تم دمج الميليشيات المتحاربة لاحقاً في دولة ما بعد الحرب، والتي اتخذت على نحو متزايد شكل نظام تقاسم السلطة بين الأحزاب الطائفية والمصالح الرأسمالية الاحتكارية ورجال الأعمال التابعين لها. وقد أدى الواقع السياسي في مرحلة ما بعد الحرب إلى جانب الدعم الإقليمي، إلى جعل القوى الطائفية أكثر تنافسية بالنسبة إلى أي شكل من أشكال المعارضة التي يمكن أن تظهر في العديد من المناطق. ومن ناحية أخرى، وفرت عولمة ورقمنة المجال الاجتماعي بدائل للحركات المناهضة للسلطة في التجنيد والتواصل والتعبئة لمختلف الأفراد والفئات الاجتماعية. وقد أدى هذا التطور في وسائل الإعلام، لا سيما وسائل التواصل الاجتماعي، إلى استبدال التجنيد المجتمعي التقليدي بأشكال مختلفة من المشاركة الإعلامية (أوراغ، 2016).
في ظل غياب بنية تحتية مجتمعية محلية قائمة وطويلة الأمد للمعارضة من حقبة ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي، وجد الشباب والمقيمون والمواطنون المنخرطون الذين لا ينتمون بالفعل إلى هياكل اجتماعية منضبطة ومتماسكة وتابعة للعناصر المحافظة في المجتمع أنفسهم منفصلين عن أي مجال محلي، ولجأوا بدلاً من ذلك إلى عالم الإنترنت للحصول على شعور بالانتماء. وقد جعل هذا بدوره من عالم الإنترنت شبكة أكثر جاذبية وسهولة للعديد من العاملين في المجال السياسي الباحثين عن مجندين جدد؛ فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مثل تويتر (الآن X) وفيسبوك وإنستجرام وتيك توك محركات للحركات الاجتماعية التي تهدف إلى الترويج لنفسها. وقد أشار المشاركون الناشطون في الحركة البيئية التي ظهرت في أعقاب أزمة إدارة النفايات عام 2015، والذين لعبوا دوراً رئيسياً في حركة "طلعت ريحتكم"، إلى أهمية فيسبوك بشكل خاص في الدعوة إلى الاحتجاجات وتنظيم المتطوعين. وبعبارة أخرى، استطاعت وسائل الإعلام العالمية أن تكمل مساحة الاجتماعات المباشرة، إن لم تحل محلها في بعض الأحيان، مما وفر للأشخاص الذين لديهم منصات أكبر قدرة أكبر على التأثير في اتجاهات وأهداف الاحتجاج وتوجيهها.
حدود الممارسة الخطابية: صاخبة في غرف الصدى، صامتة في المجتمع
على الرغم من هذا الاستثمار في وسائل الإعلام الجديد للترويج للحركات الاجتماعية الجديدة، لم يتمكن العاملون في المجال السياسي من الإفلات من الخوارزميات التي تحتويهم، مما يزيد من إعادة إنتاج غرف الصدى العاجزة عن الوصول إلى جمهور أوسع (خاصة أصحاب المصلحة الذين يفترض أن يتواصلوا معهم في السياق اللبناني). وتشكّل غرف الصدى عبر الإنترنت لعنةً زائفةً للناشطين والناشطات حيث يبدو أن المشاركة عبر الإنترنت تخلق في البداية هيمنةً مضادة، لكنها في الواقع لا تسمح لهؤلاء الفاعلين إلا بالهروب من الأسئلة الصعبة حول ترسيخ وجودهم في المساحات المجتمعية الرئيسية (تيرين وبورج-برافو، 2021). "إن تأثيرنا أكبر بكثير من حجمنا"، كما قال أحد المشاركين من الحزب الشيوعي اللبناني في إشارة إلى عدم وجود استثمار شعبي قوي وواسع النطاق ومتعدد الموارد. في الحقيقة، إن الممارسة الخطابية التي تبرزها وسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن أن تكون بالضرورة إلا مكمّلة لمكونات حيوية أخرى للنضال الاجتماعي، والتي يجب أن تشمل إنشاء فروع محلية بميزانيات قوية ومراكز ثقافية - سياسية قوية، والاستثمار في اقتصاد بديل يستفيد من التكنولوجيا وشبكات التضامن لمناهضة البنى الزبائنية، وإنشاء كتلة اجتماعية تضم مجموعة متنوعة من القوى الاقتصادية والسياسية التي تتشارك رؤية وخارطة طريق مشتركة.
السياسة الراديكالية العالمية مقابل التكيف المحلي
لا يخفى على أحد أن المنظمات والحركات التي تتناولها هذه الأوراق، بدءًا من الحركات النسوية إلى التجمعات الاقتصادية التقدمية إلى المنظمات اليسارية، لا تقف كقوى اجتماعية مركزية ذات تاريخ وقواعد اجتماعية مهيمنة. بل على العكس من ذلك، تبقى هذه القوى على الهامش، مستفيدةً من الظهور التاريخي للطبقة الوسطى المتعلمة التي تبني قدراتها التدريجية في التواصل مع دوائر نخبوية سهلة الوصول إليها (هاوغبول، 2013). وفي حين أن الاحتجاجات الشعبية التي برزت بعد العام 2011 قد فتحت بعض الآفاق لبناء مجتمع شعبي، إلا أن غياب شبكة مادية متاحة باستمرار من الزبائنية جعل هذه القوى غير قادرة على منافسة القوى القائمة على الطائفة. في هذه الورقة، أوجز وجهات نظر المنظمات المختلفة حول البدائل المتاحة في ظل هذا التباين في السلطة.
الخلاصة الأساسية والمدخل النظري
يوجز هذا القسم الطرق التي قامت من خلالها القوى الاجتماعية والسياسية البديلة إما بتموضعها البراغماتي في أجواء غير مألوفة لروحها السياسية، أو بإرباك المجال العام لهذا المناخ المهيمن (القائم على التكيّف المبني على الطائفة، والبنى الاجتماعية الأبوية، والمنظورات النيوليبرالية للسوق) من خلال تحدي هذه المنظورات بشكل تنازعي من خلال حزماتها الليبرالية أو اليسارية العالمية الخاصة بها. وفي حين أنه لا يوجد بالفعل تقسيم ثنائي صارم بين هذين المسارين، حيث تستدعي الجهات الفاعلة كلتا الاستراتيجيتين بطريقة جدلية، إلا أن هناك اختلافاً قاطعاً ملحوظاً بين الجهات الفاعلة التي تستخدم أحدهما في الغالب أو الآخر. وقد أثر ذلك على الطرق التي يُنظر من خلالها إلى هؤلاء الفاعلين ليس فقط من قبل الجمهور الأوسع، ولكن أيضاً من طرف العاملين السياسيين والممولين والحلفاء الآخرين الذين يلاحظون تكيف الشخص أو مبدأه.
ومن هذا المنطلق، يتجلى العمل الفكري للعاملين السياسيين أكثر ما يتجلى في قدرتهم على الاستفادة من المعرفة بعمليات التعلم العابرة للحدود الوطنية التي تروج للمثل والمخططات الراديكالية بطريقة ذرائعية. وبعبارة أخرى، لا تنفع المشاريع السياسية الطموحة الجذرية والتحويلية إلا في قدرتها على التكييف المحلي لصالح تكييف ملائم للسياق يخاطب الجمهور الذي تأمل في تعبئته وتجنيده وربما احتوائه. تفشل السياسة الراديكالية إذا ما خلقت غرفة صدى نخبوية إضافية منفصلة عن اعتبارات السياق الذي تنتمي إليه. تُظهر دراسة حالة بيروت تقويم (وهي حملة انتخابية شعبية، ستتم مناقشتها بشكل أكثر تفصيلاً أدناه) محاولة ناجحة إلى حد ما من قبل العاملين في السياسة الراديكالية الذين ينخرطون في مجال محلي لا يشبههم تماماً، وساعدهم في ذلك في المقام الأول استراتيجيات التواصل الإبداعية والألعاب اللغوية التي دعمت قدرتهم على التواصل مع جمهورهم المحلي.
السياسة الراديكالية كعنصر فاعل في بناء الحركة
لطالما كانت المفاهيم العالمية والعابرة للحدود الوطنية لبناء الحركات جزءاً من المشهد السياسي اللبناني. من الفاشية وحزب الكتائب إلى الماركسية اللينينية والحزب الشيوعي اللبناني إلى أفكار التحرر الوطني واشتراكية العالم الثالث في حوار مع الأحزاب البعثية والقومية العربية، لم يكن المشهد المحلي محلياً بحتاً أبداً، بل كان متأثراً بالتطورات الإقليمية والدولية في الفكر السياسي والسلطة (مندل ومولر، 1987؛ البردويل، 2016). وعصرنا الحديث ليس استثناءً، لا سيما بعد الانتفاضات العربية في العام 2011، والدعوات المفاجئة التي أعادت النظر في ضرورة تفكيك النظام الطائفي في لبنان في ذلك العام.
وساهمت التطورات التي طرأت على اليسارية ما بعد السوفياتية، والحركة النسوية، والحركة البيئية، وسياسة المنظمات غير الحكومية، والاشتراكية الخضراء، وانتقادات مناهضة الإمبريالية، والأسئلة المتعلقة بدور الدولة الحديثة، في تشكيل عناصر مختلفة من حركات المعارضة في البلاد (باك-مرس 2006). لقد استخدم الشباب المتعلّمون وبعض مكوّنات الطبقة الوسطى التي تعرّفت مبكراً على هذه المفاهيم، الحرم الجامعي، ومساحات المدن البديلة، والفضاءات الفكرية الرقمية، والبنى التنظيمية من أجل الانخراط في نقاشات ثقافية وسياسية حول طرق ترجمة هذه الحزم الأيديولوجية في السياق اللبناني. استلهم العاملون السياسيون في هذه الحقبة من التوجهات المماثلة في المنطقة والعالم لتصور واقع بديل وأساليب لتنفيذ الممارسة التنازعية. ومن التقييمات التي قدمها أحد الباحثين البيئيين الذين نشطوا خلال الاحتجاجات المناهضة للسلطة في العام 2015 والمعنيين بأزمة إدارة النفايات، أن الأطر الدولية المتعلقة بالسياسة الخضراء كانت أساسية لبدء البحث المحلي في هذا الشأن. كانت هذه الدراسات الأولية مكونات رئيسية لشبكات المناصرة المبكرة.
إن تقييم دور السياسة الراديكالية يتأرجح باستمرار كمحادثة بين الماضي والحاضر، بين التقليد والحداثة. فكما كانت الأحزاب السياسية الحديثة التي تحاول إعادة تصوّر دور الدولة القومية تنازع الإقطاعيين وأمراء القبائل في الماضي، يحاول العاملون في السياسة اليوم إعادة تقديم السياسة الراديكالية إلى مشهدٍ كان قد انعدم تسييسه على نحوٍ متزايد في العقود القليلة الماضية، لا سيما بعد الحرب الأهلية. فبعد الحرب، لم تعد تصنيفات مثل اليسار واليمين جزءاً من النقاش، وتزايد تهميش النقاشات حول السياسة الملموسة مع مرور الوقت في ظلّ ولاية النظام السوري على السياسة اللبنانية الداخلية (الحسيني، 2012). بعبارة أخرى، لم يتمّ إدخال السياسة الراديكاليّة إلى المشهد من قبل هؤلاء العاملين السياسيين المعاصرين، بل أعيد إدخال السياسة وإعادة طرحها بعد فترة طويلة من معاداة السياسة (مع استثناءات أبرزها قدرة حزب الله على فرض نفسه كحركة مقاومة في جنوب لبنان) التي فرضتها حوافز بعض المصالح السياسيّة والاقتصاديّة خلال فترة ما بعد الحرب. ومع ذلك، فإن إعادة تقديم السياسة بشكلها الراديكالي يثير تساؤلات حول كيفية تلقي مختلف الجماهير، ولا سيما العديد من دوائر الأحزاب الطائفية، لمثل هذا الخطاب.
إحدى النقاط التي أثارها أحد المنظمين المجتمعيين في حركة "طلعت ريحتكم 2015" تدور حول الطرق التي تم فيها إقصاء المنظمات اليسارية التقليدية بالضرورة في سياق الاحتجاجات الشعبية، خاصة مع خيبة أمل العديد من الدوائر والجماهير من دور المنافذ التقليدية للتحول الاجتماعي والمشاركة السياسية. وبدلاً من ذلك، أصبحت الحملات السياسية الشعبية في الشارع السياسي هي القاعدة المعتادة للباحثين عن فضاء بديل؛ إلا أن هذه العملية لم تكن مستدامة.
لم تكن المنظمات الشعبية التي كانت تراقب أو تشارك في المحطات الانتخابية المفصلية في عامي 2018 و2022، بالضرورة أن تأخذ العملية على محمل الجد. فقد عاد الخيال الثوري والراديكالي الممزوج بالبرنامج الطموح الذي وفرته الانتفاضة الشعبية والمظالم الهائلة التي أفرزها انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس إلى الظهور، حيث قدم العاملون السياسيون اليساريون، الذين شارك العديد منهم في حلقات النقاش المركزة، انتقادات مقنعة للمرشحين والحركات التي ركزت بشكل مفرط على استخدام هذه المحطات لتحقيق مكاسب خطابية أو مؤسسية.
كيفية بناء براغماتية واعية
تتصل مسألة البراغماتية، في هذه الحالة، بالطرق التي يتم من خلالها تعديل فهم المرء الراديكالي والطوباوي للكيفية التي يجب أن يتشكل بها العالم من خلال الاعتبارات المحلية للسياق الذي يعيش فيه. في حالة لبنان، جعلت تداعيات انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر وانفجار المرفأ في 4 آب/ أغسطس العديد من المنظّرين الراديكاليين يدركون أهمية تعديل منطقهم مع المنطق الداخلي للمجتمع اللبناني، حتى عندما عززت عناصر هذا المنطق المشاعر الاستقطابية التي كانت سائدة في الانقسام بين تحالف 8 آذار/مارس وتحالف 14 آذار /مارس (مثل ضرورة التصدي لسلاح حزب الله). ومن التعديلات المهمة الأخرى في تعليقات العديد من الناشطين نظرتهم إلى رزمة صندوق النقد الدولي، إذ لم يتطرقوا إلى تحفظاتهم على سياسات الصندوق العالمية وركزوا في نقدهم على عدم رغبة أصحاب المصارف والسياسيين المتحالفين معهم في تطبيق إصلاحات وقوانين أساسية تعيد الاستقرار إلى القطاع المالي مقابل رزمة الصندوق الضرورية والصعبة في آن واحد. وأشار المشاركون على وجه الخصوص إلى أنه على الرغم من السجل الكارثي لصندوق النقد الدولي في العديد من البلدان النامية في العقود القليلة الماضية، إلا أن مشكلة الطبقة الحاكمة مع صندوق النقد الدولي هي أنه يركز بعناد على الحاجة إلى إعادة هيكلة النظام المالي، والتي بدورها تأتي على حساب مصالح نخب سياسية واقتصادية محددة (إيشكر ويوسف، 2022).
عنصر آخر من عناصر السلوك البراغماتي يتعلق بكيفية اضطرار الطبقة الوسطى الليبرالية اليسارية المثقفة من الطبقة الوسطى، المتمركزة في بيروت بشكل أساسي، إلى التحدث وإيجاد أرضية مشتركة مع المعارضة المحلية للقوى الطائفية في مختلف المناطق، على الرغم من تعزيز هذه المعارضة للمعايير الاجتماعية والسياسية السائدة التي دأب أعضاء السلطة على تشجيعها. وقد ارتبطت شخصيات المعارضة التقليدية في مناطق مختلفة في البلاد بالسلوك الأبوي والمشاريع التجارية المحسوبية والميول الأوليغارشية في المنظمات غير الحكومية والجماعات السياسية التي تأسست حديثاً. غير أن ذلك لم يخلق بالضرورة حاجزاً من التواصل بين الجهات الفاعلة البديلة والعديد من هذه الشخصيات التي تتفاوض من أجل الحصول على مزيد من السلطة والمساحة داخل الجبهة المناهضة للسلطة.
العالمية في مقابل المحلية في بيروت: بيروت تقاوم كحالة
كانت "بيروت تقاوم" حملة انتخابية شعبية تأسست في شباط/فبراير 2022 في دائرة بيروت الثانية خلال الانتخابات النيابية في ذلك العام. في البداية، بدأت الحملة كشراكة فعلية بين ثلاث دوائر من الناشطين: شبكة مدى، ولحقي والفاعلين الذين قادوا حملة "كلنا بيروت" في العام 2018 (أبرزهم إبراهيم منيمنة). ركّزت الحملة على خطاب جذري وواضح يدعو إلى العلمانية وإنصاف ضحايا انفجار مرفأ بيروت، وإيجاد حلّ عادل اجتماعياً للأزمة الاقتصادية وخطة لإعادة توزيع الخسائر، وتأسيس مقاومة شعبية وسلمية ضد سلاح حزب الله. من الناحية الهيكلية، تمحورت الحملة أيضاً حول شكل من أشكال الديمقراطية التشاركية حيث صوّتت الجمعية العمومية للجماعة على المرشحين الذين يجب أن ترشحهم قبل وبعد عملية التفاوض مع المنظمات والمجموعات الأخرى. بعبارة أخرى، ليست "بيروت تقاوم" قائمة انتخابية، بل هي حملة شعبية أعلنت عن ضرورة إنشاء قائمة موحدة في الدائرة.
وفي حين أن المنظمين والمنسقين الأساسيين وراء حملة "بيروت تقاوم" هم يساريون تقدميون يحملون أيديولوجية عالمية في كيفية تفسير وممارسة السياسة، إلا أن الحملة انطلقت من عدة نقاط محلية قوية يجدر التذكير بها: التشديد على كيفية انتقال البلاد دستورياً وسياسياً من الترتيبات التي وضعت خلال فترة ما بعد الحرب؛ والتركيز بشكل خاص على استخدام حزب الله للعنف السياسي، والذي كان له صدى خاص لدى أهالي بيروت المتضررين من أحداث 7 أيار/مايو 2008 (عندما استخدم حزب الله سلاحه عملياً للسيطرة على المدينة رداً على الضغوط السياسية على أجهزته الأمنية)؛ وخطاب متشدد ومثير للجدل حول كيفية دفع أصحاب المصارف ثمن الأزمة.
علاوة على ذلك، ومع ازدياد تجذّر الحملة داخل المدينة، بدأت قاعدة أعضائها المحافظين (خاصة أولئك الذين عرّفوا أنفسهم كمعارضين لكنهم احتفظوا بالقيم والميولات التقليدية) في النمو، مما أدى إلى تفاعل ديناميكي وجدلي بين السكان المحليين التقليديين ومنظري العمال السياسيين. وفي حين بقي المنظّرون الأيديولوجيون اليساريون الليبراليون الأوائل في القيادة، سمحت ردود الفعل من المكونات الاجتماعية الأكثر محافظة للأول بتعديل خطابهم بناءً على التوقعات التي قدمتها المكونات الأخيرة، خاصةً أنها شكلت جزءاً كبيراً من قاعدة الناخبين. وتلا ذلك تمرين حول كيفية تعزيز الزواج المدني وحقوق وحريات المثليين والمثليات ومزدوجي الميول الجنسية والمتحولين جنسياً ومزدوجي الجنس والمتحولين جنسياً وقانون مدني شامل لقوانين الأحوال الشخصية.
لم تحدث هذه الجدلية من دون مشاكل، لا سيما أن القوى المحافظة التي ترشحت للانتخابات استغلت أيضاً المناخ السياسي العام للمدينة من أجل التحريض على الأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية في سعيها لاستهداف الجهات البديلة ضمن قوائم المعارضة. وفي هذه العملية، تم تصوير مرشحين مثل إبراهيم منيمنة ونهاد دوميت بشكل سلبي على أنهم من أنصار حقوق المثليين والزواج المدني. ورداً على ذلك، تناولت حملة "بيروت تقاوم" هذا الإطار بطريقة غير مباشرة؛ فبدلاً من التعليق على التأطير نفسه، ركّزت الحملة على أهمية الحرية كمفهوم محايد، إلى جانب ضرورة تحدي الأدوات التي تستخدمها قوى السلطة لمواصلة استئثارها السياسي الفاسد بالمشهد البيروتي.
القيادة: العقبات والنوافذ
على الرغم من كون القيادة أحد أهمّ محدّدات التحوّل السياسي في القرن العشرين وأكثرها إبهاراً، إلا أنها تحتل اليوم موقعاً سلبياً في العديد من تخصصات العلوم الاجتماعية باسم تحديد الظروف البنيوية الكلية الأوسع التي يبدو أنها تتحكم في عالم الحركات الاجتماعية (موريس وستاغنبورغ، 2004). في لبنان على وجه الخصوص، وعلى عكس التحليلات التاريخية التقليدية التي تسلّط الضوء على التوترات بين النخب والطوائف في لبنان، ركّزت الأدبيات المعاصرة حول الحركات الاجتماعية ما بعد 2011 بشكل متزايد على أنماط الحركات الشاملة (ماير، 2015). ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة عندما تدّعي هذه الحركات الاجتماعية الجديدة في حد ذاتها أنها تمثّل مفهوماً جديداً للقيادة لا يكرّر التراتبية السلطوية-الطائفية للزعامات التقليدية في البلاد. وقد أدى ذلك أيضاً إلى عدم دراسة طبيعة القيادة داخل هذه الحركات دراسة كافية في الأدبيات العلمية. وانطلاقاً من اعتقادٍ شبه نظري قائم على الوكالة وشبه نظرية مفاده أن السياسة تحرّكها في المقام الأول القيادة العنيدة التي تستغل الظروف "المناسبة"، يطرح هذا القسم الأشكال المختلفة للقيادة الموجودة في حركات ما بعد 2011 في لبنان.
الخلاصة الأساسية والمدخل النظري
إنّ مسألة الأفقيّة في هذا السياق تعيد النقاش إلى الملمح النظري للعامل السياسي كشخصية حركية مقيّدة بالحدود السياقية للأزمة المؤسساتية التي تواجه نماذج القيادة في البلاد. وهذا الأمر وثيق الصلة بشكل خاص بالحركات الشعبية المعارضة التي تختلف بنيوياً عن الأحزاب الطائفية الأكثر تنظيماً وتجذراً في المجتمع التي تأسست وتطورت في القرن العشرين.
وبدلاً من تقديم تحليل وصفي فقط للقيادة داخل الحركات الاجتماعية البديلة، يبيّن هذا القسم أيضاً أوجه القصور في مختلف أنواع التنظيم التي هيمنت على الحركة المناهضة للسلطة في لبنان، ثم يمضي في اقتراح عدد من الخطوات لصالح إصلاح القيادة. كما يسلط الضوء على التباين بين الحركات الأفقية المعلنة ذاتياً من جهة وبين الهياكل القيادية السلطوية والأوليغارشية نسبياً من جهة أخرى. ومع ذلك، فمن الواضح بشكل لا لبس فيه أن جوانب من كلا النوعين "المثاليين" من القيادة قد تم تمثيلها في نماذج تنظيمية مختلفة. وبالتالي، لا يمكن تجاهل القيادة باعتبارها عنصراً حاسماً من عناصر فاعلة ذات إرادة قوية تتخذ القرارات التنظيمية والسياسية بانتظام، وليس مجرد اتباع موجة محددة سلفاً من الهياكل التي تحدد زمانها ومكانها.
الأفقية النمو والحدود
عند تناول الحركات الاجتماعية المناهضة للمؤسسة الحاكمة في لبنان والمنطقة بعد التسعينيات، من الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار التحول الذي طرأ، لا سيما ذلك الذي تأثر بسقوط اليسار السوفياتي وظهور قيادة بديلة بين اليسار "الجديد" (على عكس اليسار الجديد في السبعينيات والثمانينيات) (غيرغيس، 2019). وقد تزايد إحباط هذه العائلة الحركية من عجز أسلافها عن إدماج المُثُل الديمقراطية في التنظيم والحوكمة الدولة. وقد بلغت هذه الذروة حدتها في المجموعات اللاطائفية الأفقية في لبنان عمومًا، وبيروت تحديدًا، بعد العام 2011.
وقد تجلّت الأفقيّة في الممارسة العملية سريعاً نظراً لتطوّر المجال الرقمي في سياق الربيع العربي (شالكرفت، 2012). فقد كان فيسبوك وتويتر منصات تم من خلالها الإعلان عن مواعيد المسيرات وعناوين الاحتجاجات لشريحة شبابية رقمية تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بشكل متزايد كبديل لوسائل الإعلام التقليدية. وفي هذا السياق، أصبحت منصات وسائل الإعلام البديلة على نحو متزايد وسيلة حاسمة وفعالة واستراتيجية للمنظمين الأفقيين الذين يحاولون منافسة الأحزاب السياسية ذات الروابط المجتمعية والمادية الكبيرة مع المجتمعات المحلية.
وفي عام 2019، لاحظ المشاركون من النشطاء على وجه الخصوص الانتشار الساحق لتطبيق واتساب كتطبيق تواصل رخيص وسهل الوصول إليه، لا سيما بعد أن نجح في دمج وتضخيم قدرته على تنظيم الأفراد في مجموعات ووظائف جماعية. وبذلك تم تزويد الناشطين باختصار مهم لتنظيم الاجتماعات وتوزيع الأدوار واتخاذ قرارات سريعة. وأصبح النظام المعياري المتمثل في الجمعية العمومية واللجنة التنسيقية ومجموعات العمل المفتوحة العضوية تطبيقاً تقليدياً لمعظم الحركات الاجتماعية في البلاد؛ كما استخدمت هذه العناصر في نهاية المطاف من قبل الفروع المحلية للأحزاب الطائفية، وإن كان ذلك بفعالية أكبر نظراً لميزة الموارد التي تمتلكها.
أوليغارش الحركات: القيادة الزائفة في العمل
على الرغم من الطبيعة الأفقية لهذه الحركات والهياكل السياسية الجديدة، إلا أن شكلاً فعلياً من القيادة الأوليغارشية في كل مجموعة بدأ يستقر. وبسبب انخفاض الموارد المالية ونقص القدرات الإجمالية، وعدم التماثل الطبيعي وسوء تقسيم الأدوار بين من لديهم القدرة على توفير العمل (خاصةً الجهات الفاعلة التي تتمتع بوقت فراغ أكبر ومكانة اقتصادية أعلى) وأولئك الذين كانت إمكانياتهم محدودة أكثر، مصحوباً بضعف عملية مأسسة المجموعات، بدأ عدد مختار من الجهات الفاعلة في كل مجموعة في احتكار عمليتي صنع القرار وبناء الحركة.
وفي الوقت نفسه، لم تقابل القيادة الزائفة داخل هذه الحركات دائماً "قيادة أصيلة". ويميل منتقدو قيادة الحركات إلى بناء ثقافة التشكيك التام في الآليات الداخلية للمجموعة، وفقدان الثقة في عملية الضغط والتفاوض للخروج من هذه العملية. وقد مهّد الإحساس باليأس، مصحوباً بعملية الاستنزاف العاطفي لعملية التوسط بين التيارات الفكرية والسياسية المختلفة، الطريق لرفض القيادة. وفي أعقاب قصور المعارضة خلال انتخابات 2018، شعور زادت من حدة النظرة السلبية للقيادة السياسية على مدى العقود القليلة الماضية، أوضح المتظاهرون أن الانتفاضة التي كانوا يصوغونها ستكون انتفاضة بلا قيادة (زيادة ميقاتي، 2022)
في خضم هذا النقاش الاستقطابي حول بنية الحركة، فإن الحركات الاجتماعية، لا سيما في أوقات الشلل، قد ربّت جيلاً جديداً من بيروقراطيي الحركات غير القادرين على رؤية الحاجة إلى العمل العاجل إلى جانب ابتكار أدوات تعبوية تتجاوز الذخيرة التقليدية الموروثة من اليسار التقليدي والتي بنيت عليها حقبة ما بعد 2011 من العاملين في الحقل السياسي. فيما يلي ملخص أساسي: اعتباراً من عام 2023، لم يعد الخطاب والنقاش العام في يد الحركة المناهضة للمؤسسة. بل هيمن الذعر الاجتماعي والكراهية على المشهد السياسي، وطرح كبش فداء فعال (اللاجئون، ومجتمع الميم، وما إلى ذلك) في خضم انهيار اقتصادي لا ينتهي ويتوسع باستمرار. أما الأسئلة المضادة التي لا يجيب عنها العاملون في الحركة فهي كيف نراكم القوة ونحن ضعفاء؟ وإذا كان المشهد السياسي ليس ملكاً لنا، فما الذي يمكننا فعله لخطفه من أولئك الذين يسيطرون على وسائل الإعلام والاحتكارات الاقتصادية والأجهزة القسرية للدولة والميليشيات الطائفية؟
الخطوات التالية
لا ينبغي للحركات الاجتماعية في لبنان أن تتشبث بـ"طغيان اللا هيكلية" (فريمان، 1972) الذي لم يفعل سوى إعادة إنتاج التراتبية في سياق يفترض أنه أفقي. وبدلاً من ذلك، فإن الاتفاق بشفافية على تقسيم الأدوار، والاعتراف بالتأثير الفعال للقيادة الشخصية وأهميتها، والتركيز على تجاوز نموذج بدء التشغيل الذي اعتادت عليه هذه الحركات السياسية التقليدية، كلها أمور ضرورية للانتقال إلى نمط مختلف من التنظيم: نمط يشدد على المسؤولية والمساءلة والطموح الهيكلي.
وقد كان خلق شعور بالملكية المشتركة مشكلة بالنسبة للأحزاب المركزية التي لا تسمح بوجود ثقافة عمل مشتركة تتوسط بدورها بين القيادة والقاعدة. إنّ تجاوز بعض القيود الهيكلية لصالح العمل الديناميكي يمنح العاملين في الحركة الثقة لتجربة عملهم وقياس تأثيرهم من حيث التأثير على الحس العام الشامل.
عندما تبدأ الأدوات سواء كانت هيكلية أو غير هيكلية في تعزيز الشعور بالخمول وانعدام التواصل الداخلي وغياب الشعور المشترك بالانتماء، يجب ابتكار أدوات جديدة في السعي إلى تغيير الاستراتيجية، بغض النظر عن مدى عناد بعض بيروقراطيي الحركة (مهما كانت نواياهم حسنة).
لقد انتهى النموذج الناشئ لمجموعات النشطاء الصغيرة في تنافس مستمر على حصة خطابية؛ ويجب أن تكون هناك اتفاقات تاريخية بين مختلف مكونات المعارضة ذات الميولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتشابهة من أجل دفع عمل النشطاء إلى منتجات أكثر طموحاً وقدرة على تلبية احتياجات الدوائر الأوسع.
الخاتمة والدروس المستفادة
هذا المشروع هو عملٌ قيد الإنجاز، بالنسبة إلى مسعاي الخاص ومساعي جميع العاملين والباحثين السياسيين الذين يحاولون تحديد موقع التقدم النظري الأوسع نطاقاً في تطبيقه الحركي. وإنني متحمس ليس فقط لقراءة الأبحاث اللاحقة حول التشكيلات من الأسفل إلى الأعلى في لبنان، بل أيضاً للتوسع أكثر في الانتقادات الموجهة إلى الفئات الموضوعية وحزم التحليل المنهجية التي تم تطويرها وإبرازها والتأكيد عليها في هذه الورقة. وهذا تمرينٌ مستمرٌ لاكتشاف أفضل للطرق المختلفة التي يمكن لهذه الحركات أن تعزز من خلالها حضورها وقوتها وخطابها.
وتحاول هذه الورقة الاستفادة من السير الذاتية والرؤى المقدمة في جلسات المجموعات النقاش المركزة. وبالنظر إلى النماذج المنهجية والنظرية التي تهمني، أجد أن هذه الامثلة مفيدة في توضيح الفئات المواضيعية التي تحدد المشاكل الأساسية التي تهيمن على مجال الحركات الاجتماعية غير الطائفية في البلاد ووضعها في سياقها بشكل أفضل، وهي: القيادة، والخيال الراديكالي، والانتخابات، والسياسات الشعبية. وعلى الرغم من أن هذه المحاور الأربعة ليست شاملة، إلا أنها تشمل الأسئلة والمشاكل التي طرحتها الحركات على مر السنين، وتوضيح بروزها الفئوي يسمح لنا بفك النزاعات الأساسية والمعضلات التنظيمية والنظرية الخلافية التي لا تزال قائمة. وبعبارة أخرى، فإن هذا التمرين هو أولاً وقبل كل شيء أداة لتحديد الحلول بشكل أفضل بدلاً من التأمل في المآزق والمشاكل السابقة. أخيرًا، تفتح العلاقة الديناميكية والمتغيرة باستمرار بين منظمي الحركة إمكانية استخلاص الدروس المستفادة المتبادلة في خضم الأزمات المشتركة. وتشمل هذه الدروس ما يلي:
- رفض العلاقة الثنائية بين المحلي والعالمي، الراديكالي والمحافظ، في السعي إلى استراتيجية شاملة تنشط الرؤى الراديكالية والطموحة في البلاد مصحوبة بحساسية محلية تهتم بمدى إمكانية الوصول إلى المصطلحات والمشاريع التي يطرحها العاملون السياسيون.
- تقييم الحاجة إلى المسؤولية والقيادة مع الأخذ بعين الاعتبار الآليات الأفقية للمشاركة الأوسع القادرة على الاستفادة من مواهب مجموعة أوسع من المجندين؛ مما يزيد من بناء قدرات التنظيمات والكفاءات ويكسر استحواذ أوليغارشي الضمني لبعض المنظمين على كياناتهم.
- عدم الوقوع في فخ النزعة الانتخابية مع الأخذ بعين الاعتبار القيود الحقيقية والمادية لمناهضة النزعة الانتخابية. وبعبارة أخرى، السياسة الانتخابية هي مجرد مساحة ولحظة يمكن للعاملين السياسيين الاستفادة من الطاقات التي توفرها لبناء حركتهم وتحقيق انتصارات قصيرة الأجل. فهي لا يمكن أن تحل محل بناء هياكل مستدامة، لا سيما في سياق لا يسمح بوجود مؤسسات سياسية قوية.
المراجع
Alwan, L. “Making Sense of the October 2019 Uprising in Lebanon: Competing Discourses and Conceptualizations” Doctoral dissertation, American University of Beirut, 2023.
Amenta, E., Caren, N., Chiarello, E. and Su, Y. “The Political Consequences of Social Movements”, Annual Review of Sociology, Vol.36, 2010, pp. 287-307.
Anstorp, H. B. “Students Taking to the Streets: Mobilizing for a Secular Lebanon”, MA thesis, Department of Culture Studies and Oriental Languages, University of Oslo 2020.
Aouragh, M. “Online Politics and Grassroots Activism in Lebanon: Negotiating Sectarian Gloom and Revolutionary Hope”, Contemporary Levant, Vol.1 No.2, 2016, pp. 125-141.
Bamyeh, M. A. ed., Intellectuals and Civil Society in the Middle East: Liberalism, Modernity and Political Discourse, Bloomsbury Publishing, 2012.
Bardawil, F. “Theorising Revolution, Apprehending Civil War: Leftist Political Practice and Analysis in Lebanon (1969-79)”, LSE Middle East Centre Paper Series No. 16, 2016.
Baumann, H. “Citizen Hariri and Neoliberal Politics in Postwar Lebanon”, Doctoral dissertation, SOAS, University of London, 2012.
Bellin, E. “Reconsidering the Robustness of Authoritarianism in the Middle East: Lessons from the Arab Spring”, Comparative Politics, Vol.44 No.2, 2012, pp. 127-149.
Bloom, J. “The Dynamics of Opportunity and Insurgent Practice: How Black Anti-colonialists compelled Truman to Advocate Civil Rights”, American Sociological Review, Vol.80 No.2, 2015, pp. 391-415.
Burstein, P. and Linton, A. “The Impact of Political Parties, Interest Groups, and Social Movement Organizations on Public Policy: Some Recent Evidence and Theoretical Concerns”, Social Forces, Vol.81 No.2, 2002, pp. 380-408.
Chaaban, J., Haidar, D. Ismail, R., Khoury R. and Shidrawi, M. “Beirut’s 2016 Municipal Elections: Did Beirut Madinati Permanently Change Lebanon’s Electoral Scene?”, Case Report, Arab Center for Research and Policy Studies, 2016.
Chalcraft, J. “Horizontalism in the Egyptian Revolutionary Process”, Middle East Report, Vol.262 No.42, 2012, pp. 6-11.
Deets, S. “To Hope or Not to Hope: Liberalism, Neoliberalism, and Learning from Lebanon’s 2022 Election”, Nationalism and Ethnic Politics, 2022, pp. 1-12.
Deets, S. and Skulte-Ouaiss, J. “Breaking into a Consociational System: Civic Parties in Lebanon’s 2018 Parliamentary Election”, Ethnopolitics, Vol.20 No.2, 2021, pp. 157-185.
El Kak, N. “A Path for Political Change in Lebanon? Lessons and Narratives from the 2018 Elections”, Arab Reform Initiative, 2019.
El Khazen, F. “Political Parties in Postwar Lebanon: Parties in Search of Partisans”, The Middle East Journal, 2003, pp. 605-624.
El-Husseini, R. Pax Syriana: Elite Politics in Postwar Lebanon, Syracuse University Press, 2012.
Al-Nahar Newspaper, “Etlaq Tayyar El-Taghyeer Fi Al-Janoub. 2022, retrieved from https://www.annahar.com/arabic/section/76-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/23102022043555104
Freeman, J. “The Tyranny of Structurelessness”, Berkeley Journal of Sociology, 1972, pp. 151-164.
Gamson, W. A. “Movement Impact on Cultural Change”. In Gamson, W. A. Culture, Power, and History (pp. 103-125). Brill, 2006.
Geha, C. “Politics of a Garbage Crisis: Social Networks, Narratives, and Frames of Lebanon’s 2015 Protests and their Aftermath”. Social Movement Studies, 18(1), 2019, 78-92.
GIUGNI, M. “How social Movements Matter: Past Research, Present Problems, Future Developments”. In How Social Movements Matter. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1999. p. xiii–xxxiii.
Gramsci, A. The Prison Notebooks: Selections. Trans. Q. Hoare and G. Nowell-Smith, 1973.
Guirguis, L. The New Left in 1960s and 1970s Lebanon and 1917 as model and foil. In Communist Parties in the Middle East (pp. 258-267). Routledge 2019.
Gurr, T. R.. Why Men Rebel. Routledge 2015.
Halawi, I., & Salloukh, B. F. Pessimism of the Intellect, Optimism of the Will after the 17 October Protests in Lebanon. Middle East Law and Governance, 12(3), 2020, 322-334.
Haugbolle, S. “Social Boundaries and Secularism in the Lebanese Left”. Mediterranean Politics, 18(3), 2013, 427-443.
Ishker, N., & Youssef, J. “Economic Crises and The Reform Programs: Will the IMF Assistance Rescue Lebanon?” International Research Journal of Management, IT & Social Sciences, 9(2), 2022, 281-293.
Jasper, J. M. Emotions and social movements: Twenty years of theory and research. Annual review of sociology, 37, 2011, 285-303.
Karam, J. G., & Majed, R. eds. The Lebanon Uprising of 2019: Voices from the Revolution. Bloomsbury Publishing 2022.
Khneisser, M. “The Marketing of Protest and Antinomies of Collective Organization in Lebanon”. Critical Sociology, 45(7-8), 2019, 1111-1132.
McCarthy, J. D., & Zald, M. N. “Resource Mobilization and Social Movements: A Partial Theory”. American Journal of Sociology, 82(6), 1977, 1212-1241.
Meier, D. “Popular Mobilizations in Lebanon: From Anti-System to Sectarian Claims”. Democracy and Security, 11(2), 2015, 176-189.
Mendel, M., & Müller, Z. Fascist Tendencies in the Levant in the 1930s and 1940s. Archív Orientální, 1987, 55, 1-17.
Meyer, D. S., and Staggenborg, S. “Movements, Counter-movements, and the Structure of Political Opportunity”. American Journal of Sociology, 101(6), 1996, 1628-1660.
Mhanna, A. G., and Safieddine, K. “Lebanon”. In Fengler, S et al (eds). Media Accountability in The Mena Region: Polity Study. 83-96. Erich-Brost Institut, 2021.
Morris, A. D. The Origins of the Civil Rights Movement. Simon and Schuster, 1986.
Morris, A. D., and Staggenborg, S. (2004). “Leadership in Social Movements”. Editor(s). Snow, A. D., Sarah A. Soule, Hanspeter Kriesi, eds. The Blackwell Companion to Social Movements, 171-196. Blackwell Publishing Ltd, 2004.
Nagel, C., and Staeheli, L. “International donors, NGOs, and the Geopolitics of Youth Citizenship in Contemporary Lebanon”. Geopolitics, 20(2), 2015, 223-247.
Safieddine, K., “Lebanon’s Opposition Today: A story of Perpetual Crises”, The New Arab, 2023, available at https://www.newarab.com/analysis/lebanons-opposition-today-story-perpetual-crises
Skocpol, T. States and Social Revolutions: A Comparative Analysis of France, Russia and China. Cambridge University Press, 1979.
Tarrow, S. Power in movement. Cambridge University Press, 2022.
Terren, L. T. L., and Borge-Bravo, R. B. B. R. “Echo Chambers on Social Media: A Systematic Review of the Literature”. Review of Communication Research, 9, 2021.
Vértes, S., van der Borgh, C., and Buyse, A. Negotiating civic space in Lebanon: The potential of non-sectarian movements. Journal of Civil Society, 17(3-4), 2021, 256-276.
Weiss, M. “The Historiography of Sectarianism in Lebanon”. History Compass, 7(1), 2009, 141-154.
Wolfson, M. “The Legislative Impact of Social Movement Organizations: The Anti-Drunken-Driving Movement and the 21-year-old Drinking Age”. Social Science Quarterly, 1995, 311-327.
Yonker, C. Youth Politics, Popular Organizations, and the Struggle for Secularism in Lebanon. Bustan: The Middle East Book Review, 12(1), 2021, 16-36.
Ziadeh-Mikati, N. “Reflections on 2019 Lebanese Protests: Seeds of Change and the Role of University Institutions.” In Di Donato, M. and Manduchi, P., ed. Lebanon: Between Aspiration of Changes and the Ancient Regime. UNIMED, 2022.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.