كان يُعتقد أن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة الولايات المتحدة الأمريكية في 17 تموز/يوليو، قد وضع حداً لأشد أعمال العنف التي شهدتها محافظة السويداء جنوب سوريا منذ عقود.
فما بدأ في 13 تموز/يوليو كنزاع محلي بين الجماعات الدرزية والبدوية، سرعان ما تطور إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق بين المقاتلين الدروز وقوات الحكومة الانتقالية. واتخذ القتال منحىً إقليمياً عندما انضمت إسرائيل إلى هذا القتال بقصف القوات الحكومية في السويداء ووزارة الدفاع في دمشق. وفي غضون أربعة أيام فقط، أودت الاشتباكات بحياة ما لا يقل عن 516 شخصاً وشرّدت الكثيرين، ما أدى إلى زعزعة أسس العملية الانتقالية الهشة أصلاً في سوريا.
ومع وقف إطلاق النار، هدأ القتال لفترة وجيزة، ليُستأنف خلال عطلة نهاية الأسبوع – وهذه المرة بين مقاتلي العشائر البدوية والجماعات الدرزية – قبل أن ينتهي يوم الأحد. إن وقف الأعمال العدائية، في أفضل الأحوال، هو هشّ. ولا ينبغي الخلط بينه وبين العودة إلى الحياة الطبيعية.
فما كان يومًا ما احتقاناً طائفيًا خفيًا يغلي على نار هادئة، تحول الآن إلى عداء علني. وخطاب الكراهية، الذي كان مقتصراً في السابق على وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح سائداً وفي تزايد، إلى أن طال المسؤولين السوريين. وهذا ما يجعل وقف إطلاق النار الحالي هشًّا للغاية: فهو لا يأخذ في الحسبان مدى التغير العميق الذي طرأ على المشهد السياسي والاجتماعي نتيجة القتال.
إن وقف العنف خطوة مرحب بها، ولكنها لا ترقى إلى مستوى الحل. وما لم تتم معالجة أسباب الصراع العميقة بشكل مجدٍ – بما في ذلك التهميش السياسي والتنازع على السلطة – فإن توقف القتال الموقت قد لا يكون أكثر من مجرد هدنة قصيرة قبل عودة الانفجار مجدداً.
نقطة البداية
بدأت أعمال العنف في السويداء باختطاف تاجر درزي من قبل أفراد يقال إنهم مرتبطون بعشائر بدوية في المنطقة. ورداً على ذلك، اندلعت موجة من عمليات الخطف المتبادل، لتتحول في نهاية المطاف إلى عنف طائفي أوسع نطاقاً. لم يسبق مثيل لهذه الحوادث في جنوب سوريا، نتيجة انعدام الثقة والصراعات العميقة القائمة بين الدروز والعشائر البدوية. وما ميّز الأحداث الأخيرة هو قرار السلطات الانتقالية في دمشق بالتدخل العسكري.
نشرت دمشق قوات الأمن لاستعادة النظام بالتنسيق مع بعض الفاعليات الدرزية. إلا أن الدروز الذين عارضوا بقوة نشر القوات الحكومية، اعتبروا ذلك استيلاءً على السلطة. وينبع رد الفعل هذا من خلافات طويلة الأمد بين الزعماء الدروز المحليين والحكومة الانتقالية - لا سيما حول الحكم والترتيبات الأمنية وهوية الدولة السورية المستقبلية.
فمنذ سقوط النظام، دعا أعيان السويداء باستمرار إلى حكم لامركزي وإدارة المؤسسات الأمنية محلياً لتلبية احتياجات المجتمع. في المقابل، لا تزال دمشق ملتزمة بنموذج حكم هرمي مركزي جامد، كما تجاهلت إلى حد كبير القضايا الأوسع المتعلقة بالهوية والاندماج السياسي، ودعوات السويداء إلى نظام علماني وتعددي.
وساعدت الاختلافات في وجهات النظر التي لم تتم معالجتها، في تفاقم هذه الاختلافات بسبب الفشل المتكرر في المفاوضات، ما أدى إلى تفسير الجماعات والزعماء الدروز البارزين لتدخل دمشق ليس كإجراء لتحقيق الاستقرار، بل كمحاولة لإعادة سيطرة السلطة المركزية بالقوة. وأدت أحداث العنف الطائفي التي استهدف الأقليات سابقاً، بما في ذلك الهجمات ضد العلويين في آذار/مارس والدروز في ريف دمشق في أواخر نيسان/أبريل وفشل السلطات في وقف هذه الهجمات أو محاسبة مرتكبيها، إلى زيادة المخاوف في السويداء من مواجهة فظائع مماثلة.
تأجج الصراع
على خلفية الخوف وعدم اليقين العام، أدى تدخل الحكومة الانتقالية في السويداء إلى رد مسلح من قبل الجماعات الدرزية المسلحة. واندلعت الاشتباكات بين القوات الحكومية والمقاتلين الموالين للشيخ حكمت الهجري، أبرز مرجع ديني درزي، في 14 تموز/يوليو. وتبادل الطرفان الاتهامات: فقد اتهمت دمشق رجال الشيخ الهجري بمهاجمة عناصرها، بينما اتهم الهجري الدولة بخرق الالتزامات السابقة وارتكاب انتهاكات خطيرة.
وبفضل التفوق الكبير في القوة النارية، بما في ذلك الأسلحة الثقيلة، تمكنت القوات الحكومية من فرض سيطرة شبه كاملة على مدينة السويداء بحلول 15 تموز/يوليو. في الوقت نفسه، بدأت التقارير ومقاطع الفيديو تُظهر انتهاكات واسعة النطاق ارتكبتها القوات الحكومية، بما في ذلك عمليات الإعدام الميداني، والمعاملة المهينة للمحتجزين، والخطف والنهب. أثارت هذه الانتهاكات غضباً شعبياً واسع النطاق وحفزت المقاومة المحلية المسلحة.
وما بدأ "كعملية أمنية" سرعان ما تحول إلى معارك شوارع عنيفة، أدت إلى سقوط ضحايا من العسكريين والمدنيين على حد سواء. ووفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد قُتل ما لا يقل عن 558 شخصًا وأصيب أكثر من 783 آخرين في محافظة السويداء بين 13 و21 تموز/يوليو. وتفيد التقارير أن من بين المنتهكين مقاتلون تابعون للحكومة الانتقالية، بالإضافة إلى عناصر مسلحة من المنطقة – بما في ذلك مقاتلون من الدروز والبدو.
وانهارت جهود الوساطة لإنهاء الأزمة عدة مرات، ويعود السبب بشكل كبير إلى رفض الهجري للاستسلام أو تقديم تنازلات، مدفوعًا بمخاوف من انتهاكات واسعة النطاق، وقلق من أن تفرض دمشق رؤيتها السياسية على السويداء بالقوة. واتخذ الوضع منعطفًا خطيراً عندما شنت إسرائيل غارات جوية على القوات الحكومية في السويداء والمنشآت الحكومية في دمشق، بما في ذلك وزارة الدفاع، ردًا على الاشتباكات في السويداء. وأعلنت إسرائيل أنها لن تسمح للجيش السوري بالتواجد في الجنوب، وأكدت عزمها على الدفاع عن الطائفة الدرزية ضد أي عدوان محتمل من دمشق.
وقف إطلاق النار وليس سلام
خوفاً من حدوث تصعيد إقليمي أوسع نطاقاً، تدخلت الولايات المتحدة لاحتواء الأزمة، بدعم من الجهات الإقليمية الفاعلة بما في ذلك تركيا والأردن. وأعلن عن وقف إطلاق النار في نهاية المطاف من قبل الرئيس الموقت أحمد الشرع صباح يوم 17 تموز/يوليو، فأعلن أن القوات الحكومية ستنسحب من المحافظة وتسلم مسؤولية الحفاظ على الأمن إلى الفصائل المحلية والزعماء المحليين والروحيين للدروز. ووصف الشرع هذا الإجراء بأنه ضروري لمنع وقوع كارثة أكبر ومواجهة أوسع مع إسرائيل. وفي حين أن تفاصيل الاتفاق لا تزال غامضة، إلا أن البيانات مفتوحة المصدر تشير إلى أن الاتفاق يعيد إلى حد كبير ترتيبات ما قبل النزاع القاضي بأن تسحب دمشق وحداتها العسكرية من المدينة وتحتفظ القوات المحلية بالسيطرة الفعلية على المناطق الرئيسية في السويداء.
وفي حين أن وقف إطلاق النار أوقف القتال بين القوات الحكومية والفصائل الدرزية، إلا أنه فشل في وقف العنف في المحافظة. وظهرت تقارير في 17 تموز/يوليو عن هجمات انتقامية من قبل الفصائل الدرزية استهدفت السكان البدو في السويداء، ما أثار غضباً شعبياً عارماً في أوساط المجتمعات القبلية. ورداً على ذلك، تم إرسال مقاتلين من مختلف المناطق في سوريا إلى السويداء، ما حوّل الصراع إلى مواجهة طائفية أوسع نطاقاً بدافع الانتقام. استمر القتال حتى 21 تموز/يوليو ولم يهدأ إلا بعد أن وافقت دمشق على نشر قوات الأمن في ضواحي السويداء لصد الهجمات من خارجها.
وعلى الرغم من توقف القتال في السويداء موقتًا، إلا أن تداعياته لا تزال تؤجج التوترات في جميع أنحاء البلاد. وقد استغل الخطاب التحريضي المعادي للدروز الضربات الإسرائيلية لتصوير الدروز على أنهم متعاونون مع إسرائيل أو انفصاليون، ما عزز الروايات الطائفية وأجج الدعوات إلى العقاب الجماعي. وكانت النتيجة زيادة مقلقة في التحريض ضد الأقلية الدرزية، بما في ذلك الدعوات لمقاطعة الشركات المملوكة للدروز وطرد الطلاب الدروز من الجامعات. وفي الوقت نفسه، أصبح العديد من الدروز - لا سيما أولئك المنحازين لحمكت الهجري - لا يثقون بالدولة ومؤسساتها بشكل متزايد، ما أدى إلى تآكل شرعية الحكومة الانتقالية.
وما كان في السابق توترًا طائفيًا كامنًا أصبح الآن علنيًا ومتفجرًا، يغذيه تصاعد خطاب الكراهية. وقد كشف القتال عن الصدع العميق حول الرؤى المتنافسة لسوريا والروايات والتصورات المختلفة ليس فقط بين الحكومة والقوى السياسية الأخرى، بل أيضاً بين قطاعات واسعة من السكان. وفي حين أن مثل هذه الاختلافات أمر متوقع، إلا أن غياب الآليات الكفيلة بالحديث عنها ومعالجتها – مع التعقيدات الإضافية للتدخلات الإقليمية – يجعل الوضع قابلاً للانفجار.
إن مجرد العودة إلى الوضع السابق ليس فقط غير كافٍ - بل هو أمر خطير. لقد غيّرت أحداث الأسبوع الماضي المشهد السياسي والاجتماعي في سوريا بشكل عميق، مخلّفةً جروحًا عميقة وبيئة سامة. وفي هذا السياق، فإن العودة إلى الترتيبات السابقة ليست عودة إلى الهدوء، بل هي عودة إلى أزمة مستفحلة يمكن أن تنفجر في أي لحظة. ولا يمكن معالجة المظالم الكامنة ووقف العنف ووضع سوريا على طريق التعافي الوطني إلا من خلال عملية انتقال سياسي تعددية وشاملة حقًا.
خارطة الطريق إلى السلام
النزاع في السويداء ليس مجرد مسألة أمنية أو نزاع محلي. إنه انعكاس للتصدعات الأعمق التي تعاني منها سوريا منذ فترة طويلة: بما فيها التنازع على السلطة، والإقصاء السياسي، والتوترات التاريخية بين الطوائف، وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة، والاستقطاب الطائفي المتزايد.
ربما يكون وقف إطلاق النار قد أوقف المعارك – في الوقت الراهن – لكنه لم يحلّ الصراع المعقد متعدد الطبقات. وبدون اتخاذ تدابير ملموسة لمعالجة أسبابه الجذرية، من المرجح أن ينهار هذا الهدوء الهش ويتحول إلى عنف متجدد.
ولكسر هذه الدائرة، يجب على الحكومة الانتقالية أن تتبنى خطة عمل شاملة قائمة على الحقوق لمعالجة المشكلات العاجلة وإرساء الأساس للمصالحة الوطنية والاستقرار الدائم. وتحدد التوصيات التالية الخطوات الرئيسية على المديين القصير والمتوسط للتحرك في هذا الاتجاه:
- إنفاذ وقف إطلاق النار وحماية المدنيين
إنشاء لجنة ذات مصداقية تضم ممثلين عن جميع الأطراف لمراقبة وقف إطلاق النار، بمشاركة جهات خارجية مقبولة من الجميع. وينبغي أن تشرف هذه اللجنة على تنفيذ وقف إطلاق النار، والتحقيق في الانتهاكات، وضمان الاستجابة السريعة لحماية المدنيين. وبالتزامن مع ذلك، ينبغي اعتماد بروتوكولات واضحة لمنع الأعمال الانتقامية وضمان المساءلة عن أي تجدد للعنف.
- التحقيق في الانتهاكات وضمان المساءلة
إطلاق تحقيق مستقل ومحايد في جميع الانتهاكات التي ارتكبت خلال الاشتباكات الأخيرة، بغض النظر عن مرتكبيها. ينبغي دعوة منظمات حقوق الإنسان الدولية والوطنية لمراقبة ودعم هذه الجهود. وضع حد للإفلات من العقاب من خلال محاكمات علنية وعادلة وإجراءات قضائية شفافة تظهر ابتعاداً ملموساً عن الأنماط السابقة من الخروج على القانون والإفلات من العقاب.
- التصدي لخطاب الكراهية والتحريض الطائفي
التصدي بسرعة لتصاعد الخطاب الطائفي والتحريض الطائفي الذي رافق الاقتتال. يجب على المسؤولين الحكوميين وقادة المجتمع المدني إدانة خطاب الكراهية والدعوات إلى الانتقام. كما يجب أن يخضع الأفراد الذين ينشرون التحريض للمساءلة القانونية، ويجب توفير حماية المجتمعات المستهدفة المعرضة للخطر. يجب أن تعزز التوجيهات العامة أن العنف الطائفي لا مكان له في سوريا الجديدة.
- تيسير وصول المساعدات الإنسانية واستعادة الخدمات الأساسية
ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون قيود إلى جميع المناطق المتضررة. التعاون مع وكالات الأمم المتحدة والجهات الفاعلة في المجال الإنساني لإيصال الإمدادات الحيوية، بما في ذلك الغذاء والمساعدات الطبية والوقود والمياه. استعادة الخدمات العامة الأساسية وإطلاق برامج الإغاثة الطارئة لتسهيل العودة الآمنة للنازحين.
- إصلاح قطاع الأمن
إعادة هيكلة البنية الأمنية في سوريا لإعادة بناء الثقة بين جميع المجتمعات المحلية. إعادة تدريب قوات الأمن لدعم حقوق الإنسان ومنع الممارسات التمييزية أو التعسفية. نشر وحدات منضبطة جيداً في المناطق الحساسة، وإنشاء آليات واضحة تتيح تتبع الأفراد أو الوحدات التي قد تتورط في سوء السلوك والتحقيق معهم ومحاسبتهم.
- النهوض بالمصالحة وتعزيز التماسك الاجتماعي
إنشاء لجنة مصالحة وطنية مستقلة وذات ثقل لتحل محل اللجنة غير الفعالة المكونة من ثلاثة أعضاء والتي شكلت في آذار/مارس للحفاظ على السلم الأهلي. وتفتقر الهيئة الحالية إلى الموارد والسلطة والخبرة اللازمة للاضطلاع بمثل هذه المهمة الضخمة. ويجب أن تكون أي لجنة جديدة أكثر من مجرد لجنة رمزية؛ بل يجب أن تكون مشكّلة لإحداث تأثير، مع تفويض واضح وأدوات كافية وشرعية واسعة لتنفيذ مهمتها بفعالية. وينبغي أن تتعاون مع قادة المجتمع المحلي المشهود لهم والشخصيات الدينية ومنظمات المجتمع المدني لرأب الصدع في الروابط الاجتماعية ومعالجة المظالم المحلية وتعزيز التفاهم المتبادل. كما ينبغي أن تدعم اللجنة المبادرات الشعبية التي تساعد المجتمعات المحلية على حل النزاعات بسرعة وبشكل سلمي.
- إطلاق حوار وطني للنهوض بالمرحلة الانتقالية
إطلاق حوار وطني شامل وشفاف يعكس بشكل فعلي التنوع الكامل لسوريا: العرقي والديني والجغرافي والسياسي. يجب أن توفر هذه العملية التي يقودها السوريون مساحة لمناقشة القضايا الوطنية الأساسية مثل اللامركزية والتمثيل السياسي والعدالة الانتقالية ودور مؤسسات الدولة وقوات الأمن. ويجب أن يتمخض الحوار عن نتائج ملموسة، بما في ذلك الإصلاحات الدستورية والمؤسسية، والمساواة في الحقوق لجميع المواطنين، وضمانات عدم التمييز. ومن خلال هذه العملية الشاملة فقط يمكن لسوريا صياغة تسوية سياسية دائمة وشاملة وتجنب المزيد من التشرذم.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.