1. مقدمة: التوتر البنيوي في السياسة الزراعية التونسية
ينظر صانعو السياسات التونسيون إلى الزراعة باعتبارها الأداة الاقتصادية الرئيسية لتحسين الميزان التجاري للبلاد. وأدى اعتماد تحسين الميزان التجاري كهدف أساسي إلى اتباع استراتيجية مزدوجة للقطاع الزراعي تتمثل في تشجيع صادرات المنتجات التي تتمتع بها تونس بميزة نسبية – مثل زيت الزيتون والتمور والحمضيات والأسماك – مع تقليص اعتمادها على واردات المواد الغذائية الأساسية – كالحبوب والحليب ولحوم الأبقار – بهدف حماية الأمن الغذائي الوطني.
وأفرزت هذه الاستراتيجية المزدوجة توترًا واضحًا في السياسة الزراعية. فتحرير التجارة الذي سهلته عضوية البلاد في منظمة التجارة العالمية، تقابله إجراءات حماية للمنتجين المحليين، باستخدام أدوات مثل الحواجز الجمركية وغير الجمركية، لا سيما بالنسبة إلى المواد الغذائية الحساسة (المنتجات الزراعية التي تعتبرها الدولة ذات أهمية كبيرة لمصالحها الوطنية، وبالتالي تهدف إلى حمايتها من التحرير التجاري الكامل). إن السعي المتزامن إلى إعطاء الأولوية للأمن الغذائي وحماية المصالح الزراعية الوطنية، بالتوازي مع الاندماج في الأسواق الدولية، يمنع السياسات التجارية من تحقيق توازن فعال بين تشجيع الصادرات وتلبية احتياجات الاستيراد.
لم يؤدِّ التناقض الكامن في هذه الأهداف إلى إضعاف السياسة الزراعية التونسية فحسب، بل ساهم أيضًا بشكلٍ مباشر في تعطيل سلاسل الإمداد واختفاء مؤقت لمواد غذائية أساسية من السوق الوطنية. كما فاقم استمرار الاعتماد على الواردات من السلع الأزمة الاقتصادية الأوسع نطاقًا، وأسهم بشكلٍ مباشر في الارتفاع الكبير في الدين الخارجي لتونس، واستنزاف احتياطات النقد الأجنبي اللازمة لخدمة هذا الدين.
وفي ظل انخراط تونس في مفاوضات لتحديث اتفاقية التجارة مع الاتحاد الأوروبي، تبرز حاجة ملحة إلى إعادة تقييم إطار السياسة التجارية التونسية، لمنع عملية التفاوض من تكريس خيارات سياسية غير مستدامة ولا رجعة فيها.
وانطلاقًا من ذلك، يتتبع هذا التحليل السياساتي جذور سياسات التجارة الزراعية في البلاد، عبر دراسة الالتزامات متعددة الأطراف الرئيسية والنتائج غير المتكافئة لاتفاقياتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي. ويوضح التقرير كيف يؤثر اختلال موازين القوى العميق بين الاتحاد الأوروبي وتونس في السياسات الزراعية التونسية، ويوثق الانتقادات وأشكال المقاومة التي يواجهها تعميق الاندماج التجاري بين المجتمع المدني التونسي والنقابات والمزارعين. واستنادًا إلى الأدلة التي جُمعت عبر التحليل والمقابلات شبه المنظمة مع أطراف فاعلين من منظمات المجتمع المدني والنقابات الزراعية وممثل الاتحاد الأوروبي في تونس، يقترح هذا التقرير استراتيجية استباقية من ست نقاط لإعادة تعريف العلاقة التجارية بين الاتحاد الأوروبي وتونس.
2. جذور تحرير التجارة: برنامج الإصلاح الهيكلي والاندماج في منظمة التجارة العالمية
يعود أساس السياسات الزراعية الحالية في تونس إلى ثمانينيات القرن الماضي، وهي فترة شهدت تحولاً جذريًا في السياسات العامة للبلاد، خصوصاً في القطاع الزراعي. ففي تلك الحقبة، عانت البلاد من ركود اقتصادي حاد تميز بتباطؤ كبير في النمو وارتفاع معدلات البطالة وتفاقم الدين الخارجي. ولمواجهة هذه الأزمة، وتحت ضغط المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، قررت الحكومة التونسية في النهاية تنفيذ الشروط التي فرضتها هذه المؤسسات ضمن ما عُرف ببرنامج الإصلاح الهيكلي. واستهدف هذا البرنامج، وهو صيغة موحدة وموجهة نحو السوق تمليها أيديولوجية ليبرالية ونيوليبرالية، القطاع الزراعي بشكلٍ مباشر. ففُرضت تغييرات رئيسية في السياسات (لا تزال سارية حتى اليوم) تقضي بسحب الدولة دعمها للقطاع عن طريق رفع الدعم عن مستلزمات الإنتاج وتحرير أسعار المنتجات الزراعية، والحد من التدخل المباشر في المزارع، وإنهاء برامج دعم صغار المزارعين. ونتيجة لتطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي الزراعي، بدأ الانفتاح التدريجي للسوق الزراعية وتسارع لاحقًا مع اتفاقية مراكش لعام 1994 (التي أسّست منظمة التجارة العالمية) واتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لعام 1995.
أحدث اتفاق مراكش تحولاً جذريًا في قواعد التجارة العالمية عبر إدماج الزراعة ضمن إطار تحرير التجارة. وألغى هذا التحول المفصلي ما كان يُعرف تاريخيًا بــ"الاستثناء الزراعي" الذي كان يتعامل مع المنتجات الزراعية على نحو مختلف عن السلع الأخرى، باعتبارها غير خاضعة بالكامل لقوى السوق التنافسية. وبناءً على ذلك، التزم أعضاء منظمة التجارة العالمية، لا سيما من خلال اتفاقية الزراعة، بتحسين نفاذ السلع الأجنبية إلى الأسواق والحد من أشكال الدعم المحلي. وبصفتها دولة نامية وعضوًا مؤسسًا في المنظمة، تمثلت الالتزامات الأساسية لتونس بموجب اتفاقية الزراعة في: تقليص الدعم المحلي، خصوصاً دعم مستلزمات الإنتاج؛ وتنفيذ تخفيضات كبيرة في الرسوم الجمركية على مدى عشر سنوات؛ واعتماد التعريفة، أي تحويل الحواجز غير الجمركية إلى رسوم جمركية قابلة للقياس.
وعرّض الامتثال لهذه الالتزامات، المنظومة الزراعية التونسية مباشرةً لمنافسة عالمية شديدة. وقبل ذلك، كان القطاع الزراعي محميًا بشدة من الدولة عبر مجموعة كبيرة من الأدوات الاقتصادية، شملت سياسات التسعير المحلي، حماية الحدود، دعم مستلزمات الإنتاج، والحوافز المالية. لكن ارتفاع الرسوم الجمركية الزراعية قبل الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية جعل التخفيضات المطلوبة بموجب التزامات المنظمة أحدثت صدمة غير متكافئة ومفاجئة في السوق المحلية، إذ فُرضت تخفيضات عميقة مقارنة بالمستوى الفعلي السابق للحماية.
أدت النتائج السلبية للتغييرات الهيكلية التي فرضتها منظمة التجارة العالمية إلى تصاعد الانتقادات بأن اتفاقية الزراعة كرّست عمليًا إجراءات حمائية لصالح الدول المتقدمة، بينما قيّدت في المقابل قدرة الدول النامية مثل تونس على حماية قطاعاتها الزراعية. ويجادل المنتقدون بأن التصور المثالي لقوى السوق، القائم حصريًا على إشارات الأسعار، يتجاهل التفاوتات الهائلة في مستويات الإنتاج وحجم الدعم. فعلى سبيل المثال، تُصنّف الإعانات الزراعية في الاتحاد الأوروبي رسميًا وفق منظمة التجارة العالمية، ضمن السياسات غير المشوّهة للتجارة أو ما يُعرف بـ “الصندوق الأخضر"، إلا أنه يشوه الأسعار الدولية، ما يُفاقم أوجه عدم المساواة ويُهمّش المزارعين في بلدان الجنوب العالمي. ويضع هذا الاختلال عبئًا لا يُحتمل على دول مثل تونس التي تجد نفسها مضطرة إلى المنافسة في ظل هذه الشروط، وإلى تحقيق أهدافها التنموية ومتطلبات أمنها الغذائي في الوقت نفسه.
بالإضافة إلى ذلك، يترتّب على الالتزام بنظام التجارة العالمي عواقب سلبية كبيرة مرتبطة بالتدابير غير الجمركية، ولا سيما اتفاقية تطبيق تدابير الصحة والصحة النباتية والحواجز التقنية أمام التجارة. ومع التراجع العالمي في الرسوم الجمركية التقليدية، أصبحت التدابير غير الجمركية - التي تشمل متطلبات الاختبار والمعاينة والتغليف ووضع الملصقات تشكّل أهم العوائق أمام الصادرات الزراعية. وفي الواقع، في حين يُفترض نظريًا أن يُفيد تحرير التجارة قطاعات التصدير التونسية التنافسية مثل زيت الزيتون والتمور والحمضيات، فإن الامتثال لتدابير الصحة النباتية والتدابير غير الجمركية يُعدّ أمرًا معقدًا تقنيًا ومكلفًا ماليًا. وتشير الأدلة المتاحة إلى أن كلفة الامتثال المرتفعة هذه تضع عبئًا ثقيلًا على المزارعين والمصدرين التونسيين، وتحد من النفاذ إلى الأسواق حتى في الحالات التي تتمتع فيها تونس بميزة نسبية قوية. وينتج عن عدم الامتثال لمعايير الصحة والجودة الصارمة – وهي معايير يتأثر تحديدها غالبًا بشدة بالاتحاد الأوروبي – إغلاق سوق الاتحاد الأوروبي أمام المصدرين التونسيين. ويُمثّل هذا التوافق التنظيمي عمليًا مسارًا من التحرير الأحادي يصبّ في مصلحة الاتحاد الأوروبي. ويُجبر المنتجون التونسيون على اعتماد معايير تنظيمية أوروبية أعلى – ما يترتب عليه كلفة كبيرة لتكييف عمليات الإنتاج والمرافق – كشرط مسبق لتحسين الوصول إلى السوق الأوروبية. وفي المقابل، يحصل المصدرون الأوروبيون على وصولٍ أوسع إلى السوق التونسية من دون أي كلفة تكيّف. ويخلق هذا التحول أيضًا حواجز جديدة أمام المصدرين من خارج الاتحاد الأوروبي الساعين إلى دخول السوق التونسية. وبالتالي، فإن أي نتيجة إيجابية صافية لتونس تعتمد على قدرة مصدّريها على تحقيق مكاسب في الإنتاجية تعوّض كلفة الامتثال الجديدة. غير أن اختلال العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي وتونس حالت دون تحقيق مثل هذه النتيجة.
3. الدور المهيمن للاتحاد الأوروبي في الاقتصاد التونسي
يحافظ الاتحاد الأوروبي وتونس على علاقات تجارية وثيقة وطويلة الأمد، تتميز بتفاوت كبير في موازين القوة. ويعدّ الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الرئيسي لتونس، إذ استحوذ على 55 في المئة من إجمالي تجارة تونس في عام 2024، عندما اتجه 7.2 في المئة من صادرات تونس إلى الاتحاد الأوروبي، و45.2 في المئة من واردات تونس جاءت من الاتحاد الأوروبي. لكن على نحوٍ غير متكافئ، تحتل تونس المرتبة الخامسة والثلاثين بين شركاء الاتحاد الأوروبي التجاريين، ولا تمثل سوى 0.5 في المئة فقط من إجمالي تجارة الاتحاد الأوروبي في عام 2024. علاوة على ذلك، تعد الشركات الأوروبية أكبر المستثمرين الأجانب في تونس، فتستحوذ على 88 في المئة (5.8 مليارات يورو) من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة و90 في المئة من الوظائف المرتبطة بهذه الاستثمارات حتى نهاية عام 2023. )
ويزداد التفاوت الواضح في العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي وتونس لصالح الاتحاد بسبب الفوارق في المساحة الجغرافية بين الطرفين، فضلاً عن العلاقات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية التاريخية المهيمنة. في الواقع، لطالما اعتُبرت تونس تابعاً للاتحاد الأوروبي، ودولة هامشية في التقسيم الدولي للعمل وذات قدرة تفاوضية محدودة للغاية.
وتتسم هذه العلاقة بطابع التبعية، نظرًا إلى أن الاتحاد الأوروبي هو أحد المانحين الرئيسيين لتونس. فخلال الفترة 2017-2020 وحدها، تلقت تونس 900 مليون يورو من المساعدات المالية في إطار أداة الجوار الأوروبية، على أن يستمر الدعم ضمن أداة الجوار والتنمية والتعاون الدولي للفترة 2021-2027. علاوة على ذلك، هناك إطار كامل من الاتفاقيات التي تبقي تونس "قريبة" من الاتحاد الأوروبي. فتنتمي البلاد إلى الجوار الجنوبي للاتحاد الأوروبي، وتشارك في اتفاقيات إقليمية مثل اتفاقية أغادير لعام 2001 والاتفاقية الإقليمية لقواعد المنشأ التفضيلية لجميع دول أوروبا والبحر الأبيض المتوسط (المعروفة باسم اتفاقية PEM) منذ عام 2015. لكن يبرز مؤشر واحد على ابتعاد مؤقت عن هذه العلاقة الوثيقة يتمثّل في تعليق المفاوضات الجارية بشأن اتفاقية التبادل الحر الشاملة والمعمقة (DCFTA)، التي بدأت عام 2015.
3.1. اتفاقية الشراكة لعام 1995: تحرير الزراعة غير المتكافئ
تنظم العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي وتونس بموجب اتفاقية الشراكة، التي وُقّعت في تموز/يوليو 1995 ودخلت حيز التنفيذ في آذار/مارس 1998. وهدفت الاتفاقية إلى إنشاء منطقة تجارة حرة للمنتجات الصناعية – التي شكّلت أولوية الخطة – عبر الإلغاء التدريجي للحواجز الجمركية وغيرها من العوائق أمام التجارة على مدى فترة انتقالية امتدت 12 عامًا. وشملت الاتفاقية أيضًا المنتجات الزراعية، فنصت على الفتح التدريجي للأسواق أمام بعض المنتجات الزراعية ومنتجات الصيد البحري - لكن تحرير القطاع الزراعي كان أكثر محدودية ودقة. ففي حين انخفضت الرسوم الجمركية الأوروبية على المنتجات الصناعية التونسية إلى الصفر تقريبًا، بقيت الرسوم المفروضة على الواردات الزراعية التونسية إلى سوق الاتحاد الأوروبي عند متوسط 11.8 في المئة. )
وضعت الاتفاقية بروتوكولات في مجال الزراعة لتنظيم التنازلات المتبادلة المفترضة، والتي تختلف بالنسبة إلى الصادرات التونسية بحسب طبيعة المنتج ومدى حساسية أسواق الاتحاد الأوروبي. وتشمل التنازلات الممنوحة لتونس: الإعفاء الكامل من الرسوم الجمركية من دون قيود على الكمية أو المدة؛ والإعفاء الكامل مع قيود موسمية؛ وحصصاً معفاة من الرسوم؛ وتخفيضات جزئية في الرسوم الجمركية. في المقابل، تمنح تونس الاتحاد الأوروبي وصولاً تفضيليًا إلى المنتجات ذات الأولوية مثل الحبوب واللحوم ومشتقات الألبان. ويكشف تحليل الأحكام الزراعية في الاتفاقية تفاوتاً في الوصول إلى الأسواق. فبينما حصلت تونس على وصول شبه مفتوح لمنتجات غير تنافسية مثل التمور والتين الشوكي، جرى الإبقاء على قيود أكثر صرامة على المنتجات القادرة على منافسة الزراعة الأوروبية. وحدّت الحصص الجمركية والحواجز غير الجمركية، مثل متطلبات الدخول الصارمة والحصص الشهرية والمعايير التقنية والأطر الزمنية التقييدية، بشكلٍ فعال من الصادرات التونسية من السلع الزراعية الحساسة.
يُعدّ نظام الحصص الجمركية من الوسائل الأساسية التي يتحكم عبرها الاتحاد الأوروبي في نفاذ المنتجات الزراعية التونسية إلى السوق: يُسمح باستيراد منتجات معينة من تونس إلى الاتحاد الأوروبي معفاة من الرسوم عند مرورها عبر الجمارك، طالما لم تتجاوز حجمًا معينًا، على أن تُفرض الرسوم عند تجاوز هذا السقف. وتُطبّق هذه الحصص خصوصاً على المنتجات التي تتنافس بشكلٍ مباشر بين المنتجين التونسيين والأوروبيين، مثل زيت الزيتون، والطماطم المجففة والفواكه والخضروات. كما أرسى الاتحاد الأوروبي "نظام أسعار الدخول"، الذي يسمح له بتعديل مستويات الرسوم بشكلٍ ديناميكي تفاديًا لانخفاض سعر بعض الصادرات التونسية المهمة للتصدير، خصوصاً الفواكه والخضروات، من دون حدٍّ أدنى محدد مسبقًا، ما يضع المنتجين التونسيين في موقع غير تنافسي داخل السوق الأوروبية.
ويشير عدم التكافؤ في تحرير الزراعة بموجب اتفاقية الشراكة إلى اتباع الاتحاد الأوروبي نهجًا حمائيًا تجاه المنتجات التي قد تشكل تهديدًا لسوقه الزراعي المحلي. فأعطى الاتحاد الأولوية لمصالحه الزراعية المحلية، بينما طالب تونس باستمرار فتح سوقها أمام السوق العالمية وسحب الدعم.
وُقِّعت اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وتونس بأهداف متباينة، وأحيانًا متداخلة. ففي حين قُدّمت رسميًا بوصفها مبادرة تعاونية لتعزيز السلام والازدهار، يمكن تفسيرها أيضًا على أنها استراتيجية للاتحاد الأوروبي لتأمين منطقة البحر الأبيض المتوسط كسوق رئيسية ومنطقة استثمارية. وكان الاتحاد يسعى إلى تعزيز وجوده في منطقة مجاورة مع التركيز على الاعتبارات السوقية والأمنية.
بالنسبة إلى تونس، شكلت اتفاقية الشراكة خلال مرحلة الانفتاح الاقتصادي أداةً لتعزيز الاقتصاد واكتساب الشرعية السياسية في السوق الدولية. لكن نتائج الاتفاقية لم ترقَ إلى التوقعات الاقتصادية الوطنية. فبينما تحسنت بعض المؤشرات الماكرو-اقتصادية، عجزت تونس عن تحقيق أهداف استثمارية ونمو طويلة الأمد ذات مغزى؛ ولم يُفضِ اندماج التجارة الزراعية إلى تحسين الميزان التجاري ولا إلى تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، ما كشف عن فجوة واضحة بين المكاسب المتوقعة والمكاسب الفعلية.. علاوة على ذلك، كرّست الاتفاقية ارتباط تونس بمنتجاتها التجارية التقليدية، من دون تشجيع التنويع الاقتصادي أو محاولة معالجة قضايا مثل البطالة والتفاوت الإقليمي. وبسبب استخدامها نظام الحصص والآليات الحمائية، أسهمت نتائج الاتفاقية في تثبيت موقع تونس كسوق هامشية ومنعت اندماجها الحقيقي في الأسواق الأوروبية.
وإدراكًا لحدود إطار عام 1995 وافتقاره إلى مقاربة شاملة، سعى الاتحاد الأوروبي لاحقًا إلى إبرام اتفاقية من "الجيل الجديد" لدفع الاندماج نحو مستوى أعمق.
3.2. تعليق اتفاقية التبادل الحر الشاملة والمعمقة: مخاطر مرتفعة ومعارضة شعبية
في عام 2015، بدأ الاتحاد الأوروبي مفاوضات مع تونس بشأن اتفاقية التبادل الحر الشاملة والمعمقة (DCFTA). وتُعدّ هذه الاتفاقيات جيلاً جديدًا من اتفاقيات التجارة التي بدأت أولاً مع المغرب وتونس؛ وهي تتجاوز التحرير التجاري التقليدي المنصوص عليه في اتفاقية الشراكة أو في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، وتمتد إلى ما هو أبعد من الرسوم الجمركية لتشمل مجالات مثل مواءمة اللوائح التنظيمية وحماية المستثمرين لتحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر. وتضمن المشروع المُقترح للاتفاقية بين تونس والاتحاد الأوروبي أحكامًا محددة بشأن المنتجات الزراعية والسمكية، ومعايير الصحة والصحة النباتية، وحقوق الملكية الفكرية، وآليات تسوية النزاعات بين المستثمرين والدول.
وشكلت اتفاقية التبادل الحر الشاملة والمعمقة تحديًا معقدًا للنظام الزراعي التونسي. أولاً، من شأن المواءمة التنظيمية مع معايير الاتحاد الأوروبي أن تفرض تكاليف امتثال مرتفعة على المنتجين التونسيين، ما قد يؤدي إلى انخفاض كبير في القيمة المضافة الزراعية وإلى آثار سلبية على العمالة والاستهلاك. والأهم من ذلك أن آليات الدعم الداخلية للاتحاد تمنحه ميزة مزدوجة: تتيح له التصدير بأسعار أدنى من كلفة الإنتاج وحماية المنتجين الأوروبيين، ما يجعل الرسوم الجمركية التونسية الحالية أعلى بكثير من نظيراتها الأوروبية. وبالتالي، ستتحمل تونس عبئًا أكبر في تفكيك الرسوم الجمركية، بغض النظر عن الفترة الانتقالية. وفي الواقع، خلصت دراسات تقييم الأثر إلى أن اتفاقية التجارة الحرة الشاملة والعميقة تنطوي على مخاطر كبيرة، فيمكن أن تنخفض القيمة المضافة في الزراعة التونسية بنسبة 8.3 في المئة. وعلى الرغم من أن تخفيض الرسوم الجمركية المقترح قد يعزز الصادرات، فمن غير المرجح أن تعوض هذه التكاليف، وقد يفاقم خفض الرسوم الجمركية التونسية بدرجةٍ أكبر، الآثار السلبية. بالإضافة إلى ذلك، تبرز مخاوف من أن تؤدي الاتفاقية إلى الاعتماد المفرط على السوق الأوروبية.
ثانيًا، أُثيرت مخاوف من التفاوتات الكبيرة بين المزارعين التونسيين والأوروبيين. وتنتج هذه الفوارق عن الاختلاف في التدابير الحمائية التي يستخدمها كل طرف. ففي حين تعتمد تونس بشكلٍ كبير على الرسوم الجمركية المرتفعة، يستخدم الاتحاد الأوروبي مزيجًا من الدعم الداخلي ومراقبة أسعار الواردات، واتفاقية تطبيق تدابير الصحة والصحة النباتية. وفي بعض الحالات، تتجاوز الدعم الزراعي الأوروبي على شكل مدفوعات مباشرة للمزارعين الأوروبيين حتى الحماية التي توفرها الرسوم الجمركية التونسية، ما يخلق تأثير الإغراق لصادرات الاتحاد الأوروبي الزراعية في السوق التونسية، خصوصاً الحبوب والمنتجات الحيوانية.
ثالثًا، أثيرت مخاوف بشأن التأثير المحتمل للاتفاقية على حقوق العمال، لا سيما استغلال العمال التونسيين ذوي الأجور المنخفضة وقدرة المؤسسات التونسية الصغيرة والمتوسطة على الصمود في مواجهة المنافسة المتزايدة من الاتحاد الأوروبي. أخيرًا، خضعت عملية التفاوض نفسها للنقد بسبب افتقارها إلى الشفافية والتشاور مع الأطراف المعنية التي ستتأثر بالاتفاقية، ومن ضمنها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمنتجين والمستهلكين والمستفيدين من الخدمات العامة.
وبسبب ضغوط النقابات والأحزاب السياسية والمجتمع المدني التونسي، عُلّقت مفاوضات الاتفاقية حاليًا. فأعرب الاتحاد العام التونسي للشغل عن رأيه بأن الاتفاقية تشكل خطرًا على القطاع الزراعي. ورفض الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري الاتفاقية بشكلٍ قاطع، خشية أن يؤدي تدفق واردات الاتحاد الأوروبي إلى إزاحة الهياكل الزراعية الصغيرة الحالية، مستندًا إلى ما اعتبره النقابيون نتائج سلبية لاتفاقية الشراكة السابقة. وتنبع هذه المعارضة واسعة النطاق من حذرٍ عميق من الهيمنة الاقتصادية والسياسية المحتملة للاتحاد الأوروبي، فضلاً عن التجارب السلبية السابقة مع تحولات القطاع الزراعي، لا سيما في ما يتعلق بملكية الأراضي. وخلص استطلاع أجراه المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهو منظمة مجتمع مدني، إلى أن عملية الاتفاقية قد تكون "قاتلة للمزارعين" وتؤدي إلى "فقدان السيادة الغذائية" أو "غزو المنتجات الأوروبية".
وبينما يبقى موقف الحكومة التونسية غير واضح، يشير بعض المراقبين إلى أن "حزمة الشراكة الشاملة" الواردة في البيان المشترك الصادر في حزيران/يونيو 2023 بين الرئيس التونسي ووفد الاتحاد الأوروبي قد تمثل نسخة معاد تسميتها من اتفاقية التجارة الحرة الشاملة والعميقة.
4. الاتفاقيات التجارية والمزارعون التونسيون: استفادة القلة واستبعاد صغار المنتجين
لفهم كيفية تأثير العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي وتونس على المزارعين التونسيين، من المفيد التركيز على تجارة زيت الزيتون، إذ يقدم هذا القطاع مثالاً واضحًا على الديناميات التجارية المعقدة ونتائج السياسات التي نُوقشت حتى الآن. استفاد زيت الزيتون – وهو منتج تتمتع تونس فيه بميزة نسبية طبيعية – من الوصول التفضيلي وآليات الحصص المُدرجة في اتفاقيات التجارة، ما دفع المنتجين وصانعي السياسات التونسيين إلى تخصيص مواردهم بشكلٍ كبير لإنتاج زيت الزيتون. ونتيجة لذلك، يهيمن قطاع الزيت على الملف التجاري للبلاد: أصبحت الصادرات التونسية تعتمد هيكليًا على الزراعة، إذ يمثل زيت الزيتون 40 في المئة من إجمالي الصادرات الزراعية.
ومع ذلك، حتى بالنسبة إلى هذا المنتج الأكثر قدرة على المنافسة، تُحرم تونس من الوصول الحر إلى السوق الأوروبية. فتستفيد البلاد من حصة سنوية معفاة من الرسوم الجمركية تصل إلى 56700 طن من الزيت غير المعالج سنويًا إلى الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أن هذه الحصة تم زيادتها مؤقتًا في بعض الأحيان - كما حدث في عامي 2016 و2017 بعد هجمات سوسة الإرهابية لتخفيف الخسائر الاقتصادية الناجمة عن انهيار السياحة – إلا أنه لا يزال من الصعب تغييرها. تخضع سياسة الاتحاد الأوروبي لاستيراد زيت الزيتون للوائح تهدف صراحة إلى حماية المنتجين الأوروبيين وتعزيز القدرة التنافسية للمصدرين الأوروبيين. وبالتالي، فإن حجم زيت الزيتون التونسي المسموح بدخوله إلى الاتحاد الأوروبي لا يتحدد بناءً على قدرة تونس التصديرية، بل بناءً على الظروف الداخلية وتقلبات سوق زيت الزيتون الأوروبية. ويجعل هذا الترتيب الصادرات التونسية بمثابة حاجز استقرار، يعمل كآلية تعويضية لسد النقص في أوروبا بدلاً من توفير اختراق مستدام واستراتيجي للسوق.
بالإضافة إلى ذلك، يُصدّر غالبية زيت الزيتون التونسي ضمن الحصة المعفاة من الرسوم الجمركية في حاويات بالجملة، بدلاً من تعبئته في زجاجات جاهزة للبيع. هذا القيد ليس عرضيًا: فتوفير الوصول فقط إلى سوق السلع بالجملة يمكّن الكيانات الأوروبية من الاستحواذ على هامش القيمة المضافة العالية المرتبط بالمعالجة والتعبئة ووضع العلامات التجارية. وتعمل هذه السياسة غير المتكافئة كآلية مستمرة لنقل الثروة، ما يحد من خلق القيمة المحلية على الرغم من الوصول التفضيلي.
علاوة على ذلك، يضمن هذا القيد الهيكلي - التركيز على التجارة بالجملة والاقتصاد السياسي المصاحب لها – أن تستفيد الكيانات الكبرى فقط من هذه الاتفاقيات. ففي حين تُقدَّم اتفاقيات التجارة الحرة كفرص لجميع المزارعين التونسيين للتوسع في السوق الأوروبية، فإن تنفيذها عزز الوصول الانتقائي لعدد قليل من الشركات الزراعية الكبرى والأكثر رسوخًا التي تملك رأس المال المطلوب والبنية التحتية المتطورة. أما الغالبية العظمى من صغار المزارعين الذين يعجزون هيكليًا عن الاستفادة من هذه الفرص، فيبقى وصولهم إلى السوق الأوروبية شبه مستحيل. ويعد الامتثال للمعايير الأوروبية المعقدة والمكلفة تحديًا خاصًا للمزارعين الصغار لأنهم يفتقرون إلى الخبرة التقنية والبنية التحتية الأساسية (مثل مرافق المعالجة والتخزين الحديثة) والموارد المالية الكبيرة اللازمة لتلبية متطلبات الاتحاد الأوروبي الصارمة. فضلاً عن ذلك، حتى مع عجز المزارعين الصغار عن الوصول إلى أسواق التصدير المربحة، فإنهم يعانون من منافسة متزايدة على الواردات في الأسواق المحلية التونسية.
على الرغم من أن بعض أعضاء نقابات المزارعين والمنظمات الخاصة يعتقدون بوجود فوائد اقتصادية محتملة لاتفاقية الشراكة الأوروبية-التونسية، إلا أن النقابات والمستهلكين ونشطاء السيادة الغذائية أعربوا أيضًا عن قلقهم إزاء الآثار الاجتماعية والبيئية السلبية لهذه الاتفاقية واتفاقيات التجارة الحرة، لا سيما بالنسبة إلى الفئات الضعيفة. بالنسبة إلى المدافعين عن السيادة الغذائية، فإن القلق يكمن في أنه إذا وُجّه الإنتاج الزراعي التونسي نحو أسواق التصدير، فسيكون موجهًا لتلبية الاحتياجات الغذائية الأوروبية بدلاً من المحلية، ما يزيد حتمًا من اعتماد البلاد على المنتجات الغذائية المستوردة، خصوصًا الأساسية مثل الحبوب. كما يعتقدون أن فوائد اتفاقيات التجارة الحرة، على الرغم من غموضها، يمكن أن تتحول إلى مشاكل إذا أدت إلى تحريف استعمال موارد مثل الأراضي والمياه. علاوة على ذلك، يمكن أن تسهم الممارسات الزراعية الموجهة للتصدير في التآكل التدريجي للزراعة التقليدية الصغيرة، ومعها الخبرات القيمة للمزارعين المحليين، التي تكون غالبًا أكثر استدامة ومتوافقة مع الظروف البيئية المحلية.
على الرغم من استمرار جهود النقابات التونسية ومحاولات السلطات المعلنة لتحسين شروط التفاوض، لا تزال هناك فجوة سياسية أساسية: لم تضع تونس ولا الاتحاد الأوروبي آليات ملموسة لمواجهة عدم التوازن السوقي بشكلٍ فعال أو لتحسين وصول صغار المزارعين إلى السوق الأوروبية. وفي غياب تمثيل تنظيمي فعال وإدماجهم في عمليات صنع القرار، يبقى صغار المزارعين عرضةً بشكلٍ خاص لتأثيرات اتفاقيات التجارة الحرة. بالإضافة إلى ذلك، تدهورت العلاقة بين صغار المزارعين والمكاتب المحلية والإقليمية لوزارة الزراعة. بعد أن ألغت الحكومة البرامج التي كانت توفر لهم المشورة والمساعدة التقنية، أصبح المزارعون ينظرون إلى المكاتب الحكومية على أنها غير فعالة. وفي الوقت نفسه، فإن الخدمات الخاصة التي حلت محلها باهظة الثمن بالنسبة إلى صغار المزارعين.
تسلط هذه الديناميات الضوء على الحاجة الملحة إلى عملية سياسية ونهج أكثر شمولاً في أي مفاوضات تجارية مستقبلية بين تونس والاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، من الضروري أيضًا الحفاظ على الواقعية بشأن تأثير المشاركة العامة والنهج الأكثر شمولاً في المفاوضات التجارية. فعلى الرغم من أن الدعوة إلى المشاركة العامة هي ممارسة شائعة، لا توجد أدلة كافية على أن المشاركة، حتى عند منحها، تؤثر بشكلٍ ملموس على صنع القرار النهائي، لا سيما في ما يتعلق بسياسة التجارة. في الواقع، يعاني النظام الزراعي التونسي من نقص حاد في السيادة السياسية، ويعمل غالبًا كوكيل للحوكمة نيابةً عن الجهات المانحة المالية والتقنية الخارجية، لا سيما في إطار مشاريع المساعدة السياسية. في الواقع، توفر المؤسسات الدولية الكبرى مثل البنك الدولي والاتحاد الأوروبي دعمًا ماليًا حيويًا، بينما تقدم مؤسسات المساعدة التقنية مثل الوكالة الألمانية للتعاون الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية دعمًا وتوجيهًا سياسيًا. هذه التدخلات المنسقة – من خلال التمويل والمساعدة التقنية والمشورة السياساتية – لا تقتصر على الدعم فحسب، بل تشكل وتؤثر بشكلٍ أساسي في القطاع الزراعي بأكمله. في هذا النموذج الخارجي، حيث تُحدّد الاتجاهات السياسية وفقًا لشروط مالية وتقنية، يظهر عجز ديمقراطي جوهري: تُنفّذ الإصلاحات المصاحبة لهذه المساعدات بشكلٍ مستمر من دون أي استشارة أو مشاركة حقيقية من صغار المزارعين الذين تتأثر سبل عيشهم مباشرة، ما يجعل صياغة السياسات الوطنية خاضعة لأولويات المانحين.
يثير هذا الوضع تساؤلات أساسية حول الاستدامة الاجتماعية لمزيد من تحرير التجارة في القطاع الزراعي، ويُبرز الحاجة الملحة إلى تنفيذ سياسات مختلفة يمكنها حماية سبل عيش المجتمعات الريفية بشكلٍ فعال.
5. توصيات سياساتية لعلاقات تجارية أكثر إنصافًا بين الاتحاد الأوروبي وتونس
كما أظهر هذا التحليل، تتميز العلاقات التجارية بين تونس والاتحاد الأوروبي بوجود خلل عميق في ميزان القوى. خلال فترات الأزمات، تُدخل تغييرات مؤقتة، مثل زيادة الحصص المقررة لصادرات تونس إلى أوروبا. غير أن هذا النهج التفاعلي لا يوفر الدعم الهيكلي طويل الأمد اللازم للاستقرار الاقتصادي.
وهناك حاجة إلى استراتيجية استباقية لإعادة تعريف العلاقة التجارية بين الاتحاد الأوروبي وتونس، من الانتقال من مجرد الطلب على زيادة حجم الصادرات إلى المطالبة بالوصول إلى الأسواق القائمة على القيمة. ويُعدّ الدفع من أجل هذا التحول أمرًا بالغ الأهمية، خصوصًا في ظل استمرار المناقشات حول تحديث اتفاقية الشراكة لعام 1995. وتحدد التوصيات الآتية تفاصيل استراتيجية استباقية.
- التفاوض على حصص متخصصة عالية القيمة
بدلاً من التفاوض فقط على حجم صادرات زيت الزيتون التقليدي بالجملة، يجب على تونس التفاوض على حصص كبيرة ودائمة معفاة من الرسوم الجمركية ومخصصة تحديدًا للمنتجات المصنعة وذات القيمة المتخصصة. لا يقتصر القيد الأساسي في قطاع زيت الزيتون على حجم الحصص فحسب، بل يشمل أيضًا نقص القدرة المحلية على المعالجة وبناء العلامة التجارية المحلية. ومن خلال تأمين حصص مخصصة لزيت الزيتون التقليدي المعبأ في زجاجات وزيت الزيتون العضوي المنتج محليًا، ستتمكن تونس من تحقيق هامش ربح أعلى مرتبط بالعلامة التجارية والتعبئة والتسويق. تعمل هذه الاستراتيجية على تحويل خلق القيمة والتوظيف وتراكم رأس المال داخليًا، وتوافق السياسة التجارية مع التحول الهيكلي.
- إعطاء الأولوية للمنتجات الموفرة للمياه في مفاوضات التجارة مع الاتحاد الأوروبي
يجب على تونس إعادة توجيه استراتيجيتها التفاوضية التجارية مع الاتحاد الأوروبي بشكل جذري لدمج الأمن المائي كأولوية مطلقة، مع الاعتراف بالمياه كمورد استراتيجي غير متجدد. على الرغم من الحوافز الأوروبية، ونظرًا لمحدودية الموارد المائية والقيود البيئية الكبيرة، فإن إمكانية زيادة الصادرات الزراعية في قطاعي الزيوت النباتية والفواكه والخضروات محدودة جدًا. وينبغي أن تُفاوض السلطات التونسية على هيكلية الرسوم والحصص فتُفضّل صراحةً المنتجات منخفضة الاستهلاك للمياه مثل التمور وبعض النباتات العطرية أو إنتاج الزيتون المعتمد على الأمطار، على المحاصيل المعروفة باستهلاكها المفرط للمياه، مثل بعض الحمضيات المروية أو الفواكه الطازجة. والهدف من ذلك هو ربط الوصول التفضيلي إلى الأسواق الأوروبية بالكفاءة المائية.
من خلال وضع ندرة المياه في صميم سياستها التجارية، ستضمن تونس مساهمة قطاعها الزراعي في النمو الاقتصادي من دون المساس بالأمن المائي الوطني وسيادة الغذاء المستقبلية.
- تدوين قواعد المؤشرات الجغرافية
تأخرت تونس في الاستفادة من آلية غير جمركية حاسمة لتأمين الوصول إلى الأسواق المتميزة: المؤشرات الجغرافية. على الرغم من اقتراح الاتحاد الأوروبي مرارًا على تونس تقديم مقترحات بشأن مؤشرات جغرافية خاصة بها منذ عام 2016، إلا أن تونس لم تستجب بعد. يجب على تونس أن تجمع وتقدّم بشكلٍ عاجل قائمة شاملة بمؤشراتها الجغرافية لمنتجات مثل التمور الإقليمية وأصناف الزيتون وغيرها من السلع التخصصية. تضمن المؤشرات الجغرافية تسويق منتجات معينة، وتعزز خلق القيمة، وتربط الإنتاج المتخصص بالتنمية الريفية والسياحة. يتعين تقنين هذه الحمايات ضمن اتفاقية الشراكة الحالية أو إطارها المحدث.
- إعطاء الأولوية للتعاون التنظيمي: مواءمة تنظيمية انتقائية بناءً على إمكانات التصدير
سيكون للتحرير الواسع للتجارة الزراعية عواقب كبيرة على هيكلية الإنتاج وأهداف سياسات الأمن الغذائي. تترتب على التغييرات الهيكلية في الزراعة الناجمة عن التعديلات التنظيمية وتحرير الرسوم الجمركية وزيادات الإنتاجية المحتملة، مخاطر متزايدة في القطاع الزراعي، وفي قطاعات أخرى من الاقتصاد التونسي أيضًا. ونظرًا لهشاشة الوضع الاجتماعي والسياسي في تونس، يبدو مناسبًا اتباع نهج حذر وحكيم تجاه تحرير الزراعة التونسية. قبل تنفيذ أي تعديلات، يجب أن تُقيّم الحكومة أثرها الكامل على العمالة المحلية، مع ضمان بقاء المعايير الوطنية ملائمة للاحتياجات المحلية، وتقدير التأثير المحتمل للمواءمة الصارمة مع الاتحاد الأوروبي على فرص التصدير إلى دول غير أعضاء في الاتحاد.
لذلك، ينبغي لتونس استخدام المفاوضات لإعطاء الأولوية لتعزيز التعاون بشأن تدابير الصحة والصحة النباتية والمعايير التقنية للتجارة، من خلال التركيز على المساعدة التنظيمية والتقارب. يضمن ذلك تَمكّن المنتجين التونسيين من تلبية معايير الجودة الصارمة للاتحاد الأوروبي التي تعمل غالبًا كحواجز غير جمركية من دون تحرير فوري وكامل للسوق من شأنه أن يربك القطاعات الزراعية المحلية. يتعين أن تقتصر التعديلات التنظيمية المتوافقة مع المعايير الأوروبية بدقة على المنتجات ذات الإمكانات الواضحة للتصدير إلى الاتحاد الأوروبي، مثل زيت الزيتون وبعض المنتجات السمكية وقطاعات مختارة من الفواكه والخضروات. بالنسبة إلى هذه المنتجات التنافسية، يخدم التوافق غرضًا اقتصاديًا واضحًا: تأمين الوصول إلى الأسواق.
ومن دون هذا التقييم الواجب، قد ينطوي مثل هذا الالتزام على تكاليف امتثال مرتفعة للغاية ويفرض تغييرات هيكلية على المزارعين المحليين، ما يؤدي إلى تكاليف اجتماعية عالية.
- التخفيف من آثار دعم السياسة الزراعية المشتركة
يجب على الاتحاد الأوروبي أن يعترف بأن دعم السياسة الزراعية المشتركة يمنح المنتجين الأوروبيين ميزة تنافسية متأصلة تهدد الأمن الغذائي التونسي وسبل عيش المزارعين. لذلك يجب أن تتضمن المفاوضات المستقبلية أحكامًا محددة أو آليات تعويضية مصممة لتحييد التأثير المشوه لهذا الدعم على القطاعات الزراعية التونسية الحساسة. سيحمي ذلك صغار المزارعين المحليين ويعزز قدرتهم على الصمود أمام الصدمات السوقية الهائلة.
- ضمان الحوكمة الشاملة ودعم صغار المزارعين
لا يمكن تحقيق التجارة العادلة إذا اقتصرت الفوائد على الشركات الكبرى والمؤسسات الراسخة. ينبغي أن تدعم السياسات بفعالية صغار المزارعين الذين يواجهون أعلى تكاليف الإقصاء. ويمكن توجيه المساعدات المالية والتقنية الحالية من الاتحاد الأوروبي خصيصاً إلى صغار المزارعين والتعاونيات لمساعدتهم على تلبية معايير الاتحاد الأوروبي الصارمة في مجال الصحة النباتية والحيوانية وشهادات الجودة الأوروبية. ويجب أن تغطي هذه المساعدات الثغرات في البنية التحتية مثل التخزين والمعالجة.
لن تكتسب اتفاقية التجارة شرعيتها بين جميع الفاعلين في القطاع الزراعي التونسي إلا إذا شارك المزارعون الصغار ومنظمات المجتمع المدني والنقابات المحلية بشكلٍ حقيقي في عملية التفاوض، بدلاً من الاعتماد فقط على جماعات الضغط التجارية الكبرى. ويمكن تحقيق هذه المشاركة الحقيقية من خلال عدة آليات، ومن ضمنها إنشاء منتدى استشاري إلزامي كلجنة رسمية دائمة تقدم مدخلات منظمة طوال عملية التفاوض أو عن طريق التمثيل المباشر، مع منح صفة مراقب للممثلين المعتمدين للمزارعين والنقابات والمجتمع المدني، ما يسمح لهم بمتابعة المناقشات والتأثير عليها خلال جولات التفاوض. علاوة على ذلك، يجب أن تكون عملية التفاوض شفافة تمامًا، بما يشمل نشر تقارير التفاوض والصلاحيات والنصوص.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.