مسارات لتحقيق العدالة بمجال الطاقة في إعادة إعمار لبنان بعد الحرب

لقراءة الورقة كاملة، يُرجى تنزيل ملف الـ PDF من الجهة اليمنى.

مجدل سلم، جنوب لبنان، آذار/مارس 2025. (c) ياسمينة الأمين

مقدمة

بدأت أحدث موجات العنف بين لبنان وإسرائيل في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بعد أن أطلق حزب الله صواريخ على مزارع شبعا التي تحتلها إسرائيل، دعماً لعملية "حماس" العسكرية في 7 تشرين الأول/أكتوبر. وفي الأشهر التي تلت، صعّدت إسرائيل تدريجياً عملياتها العسكرية في لبنان على مدى 13 شهراً وأسبوعين و5 أيام. وبلغت ذروتها بتوسّع الأعمال العدائية في 23 أيلول/سبتمبر 2024، فاندلعت حرب استمرت 66 يوماً بين إسرائيل ولبنان. حتى الآن، أودت الاعتداءات الإسرائيلية بحياة أكثر من 4200 شخص وأصابت أكثر من 16 ألف آخرين في جميع أنحاء لبنان، في نمطٍ يعكس استهدافاً عشوائياً للمدنيين (UNDP، 2025). إلى جانب الخسائر البشرية، خلفت الحرب دمارًا واسع النطاق في البنية التحتية المدنية والمنازل، ما خرّب النسيج الاجتماعي لقرى بأكملها.

تقدر مدة إعادة الإعمار حالياً بما بين ثلاث إلى خمس سنوات، لكن تبقى هذه الجداول الزمنية افتراضية في ظل غياب أي التزامات مالية جوهرية أو خطة إعادة إعمار شاملة (El Nahra، 2024؛ World Bank، 2025a). ومنذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، تفاقمت آثار الدمار المروّع الذي خلفته الحرب بسبب استمرار الغارات والاغتيالات الإسرائيلية، فضلاً عن استمرار احتلال إسرائيل خمس "نقاط استراتيجية" على طول الحدود (Al Jazeera، 2025). بشكلٍ عام، وُثّق أكثر من 4500 انتهاك إسرائيلي لوقف إطلاق النار (Arab News، 2025)، ومن ضمنها الغارات الجوية والقصف المدفعي وإطلاق النار على المدنيين وعمليات الخطف، خصوصاً في القرى الحدودية، ما أسفر عن سقوط ما لا يقل عن 267 شهيداً (Chaaban،2025a ). في الواقع، نُفّذت معظم عمليات تدمير هذه القرى بعد وقف إطلاق النار، في انتهاكٍ متعمدٍ للقانون الإنساني الدولي، ما يشكل جرائم حرب (Amnesty International، 2025). نزح أكثر من 1.2 مليون شخص خلال الحرب، واعتبارًا من شباط/فبراير 2025، لا يزال نحو 99 ألف شخص نازحين داخليًا (IOM، 2025).

تجاوزت خسائر الكارثية مُني بها لبنان جراء الحرب الـ14 مليار دولار، منها 6.8 مليارات دولار ناجمة عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المادية، بما فيها الآثار الشديدة على قطاع الكهرباء (World Bank،2025a ).1جميع المبالغ بالدولار الأميركي، ما لم يذكر خلاف ذلك. وفقًا لأحدث تقييم للبنك الدولي، تتطلّب احتياجات إعادة الإعمار والتعافي نحو 11 مليار دولار. وتكبّد قطاع الطاقة خسائر بلغت 207 ملايين دولار، أي نحو 3 في المئة من إجمالي الخسائر، منها 98 مليون دولار تُمثّل أضراراً مادية مباشرة   (World Bank،2025a ). وتقتصر هذه التقديرات على التأثيرات على شبكة الكهرباء الوطنية ومؤسسة كهرباء لبنان، ويستبعد الدمار الواسع النطاق الذي لحق بأنظمة الطاقة الشمسية الجماعية والفردية، فضلاً عن شبكات مولدات الديزل غير الرسمية  (World Bank،2025a ) التي تمثل مجتمعةً جزءاً كبيراً من مصادر إنتاج الكهرباء في لبنان.2في عام 2019، أفاد المركز اللبناني للحفاظ على الطاقة (2020) أن أكثر من 93 في المئة من الأسر في لبنان تعتمد على مولدات الديزل، إما من خلال امتلاكها أو الاشتراك فيها مع الجيران. ومع بداية الأزمة المالية، أصبحت هذه المولدات غير ميسورة التكلفة بشكل متزايد للأسر الفقيرة. وبحلول العام 2023، قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (2025) الطاقة الشمسية المركبة في لبنان بـ1,253.98 ميغاوات (p)، ما يشير إلى توسع سريع مع بحث الأسر والشركات عن بدائل للانقطاعات المستمرة في التيار الكهربائي. ولا تزال المولدات الكهربائية التي تعمل بالديزل والمنشآت الشمسية مجتمعةً ضرورية لتأمين الوصول إلى الكهرباء في لبنان.

تختلف أنماط الحرب الأخيرة مع إسرائيل عما شهده لبنان في حرب تموز/يوليو 2006.3اندلعت حرب تموز/يوليو 2006، التي استمرت 34 يوماً، بعد أن أسر حزب الله جنديين إسرائيليين في غارة عبر الحدود. شنت إسرائيل حملة عسكرية واسعة النطاق على لبنان عبر قصف جوي مكثف وحصار بحري. قُتل أكثر من 1100 شخص في لبنان، ونزح نحو ربع السكان، وتضررت أجزاء كبيرة من البنية التحتية للبلاد بشدة (Verdeil، 2008؛ World Bank، 2007). ففي العام 2006، شملت الأهداف الرئيسية الكهرباء والمياه والبنية التحتية الأساسية للنقل المخصصة لحركة الأفراد والأغذية والسلع (World Bank، 2007). وهاجمت قوات الاحتلال الإسرائيلي – جوًا وبحرًا وبراً – المطار والجسور وشبكات الطرق ومحطة الجيّة للطاقة الكهربائية إلى جانب عددٍ من محطات التحويل في الجنوب، إضافةً إلى محطات المياه الرئيسية وخطوط الأنابيب، ما فرض فعليًا حصاراً شاملاً على لبنان. وقُدرت حينها كلفة الأضرار المباشرة في البنية التحتية بنحو 2.8 ملياري دولار (World Bank، 2007). في المقابل، كانت حرب 2023-2024 أكثر تدميرًا على صعيد النطاق والمدة والشدة (CNRS-L، 2024). استُهدفت البنى التحتية الحيوية خلال هذه الحرب في القرى الحدودية، وتضررت مناطق أخرى بصورة غير مباشرة. يبدو أن هذا التحول يعكس استراتيجية عسكرية إسرائيلية مختلفة تركز على استهداف الوحدات السكنية الخاصة، إذ شكلت خسائر المساكن نحو 67 في المئة من إجمالي الأضرار البالغة 4.8 ملايين دولار (World Bank، 2025a). تسببت هذه الهجمات بدمارٍ واسع  النطاق طال منظومات الطاقة الشمسية الفردية والجماعية، إلى جانب تأثيرات خطيرة على شبكات مولدات الديزل غير الرسمية التي توفر معظم إمدادات الطاقة في لبنان.

تشير التقييمات الأولية إلى تضرّر أو دمار ما بين 400 ألف و500 ألف لوح شمسي في جميع أنحاء البلاد، ما أدى إلى خسارة تقدر بـ150 ميغاواط إلى 200 ميغاواط في السعة المركبة (Tsagas، 2024). وكشفت دراسة أكثر تفصيلاً للمجلس الوطني للبحث العلمي في لبنان تدمير 3989 لوحًا شمسيًا وتعرُّض 32160 لوحًا آخر لأضرار متوسطة إلى جسيمة في الضاحية الجنوبية لبيروت وحدها (CNRS-L، 2024). وبالنظر إلى أن البنية التحتية للطاقة المتجددة أكثر انتشاراً في المناطق الريفية وشبه الحضرية، يُرجّح أن تكون الأضرار أكبر بكثير في المناطق الواقعة خارج المدن الكبرى.

لا يقتصر تقييم أثار حرب 2023-2024 على قطاع الطاقة في لبنان على تسجيل حجم الأضرار فحسب؛ بل هو خطوة ضرورية نحو طرح تساؤلات حول طبيعة إعادة الإعمار الممكنة، ولصالح من. وفي ظل فشل مؤسسات الدولة المزمن (Ahmad et al،2021 )، أصبح توفير الطاقة في لبنان بالفعل لامركزيًا للغاية، فتعتمد المجتمعات بشكلٍ متزايد على أنظمة الطاقة الشمسية وشبكات المولدات غير الرسمية. يحمل تدمير هذه البنية التحتية ووسائل إعادة إصلاحها المحتملة تداعيات بعيدة المدى على مسارات الطاقة طويلة الأمد في لبنان. وتزداد هذه التحديات تعقيدًا بسبب الآثار المركبة للانهيار المالي وأزمة الطاقة المستمرة، التي تركت للأسر والبلديات والشركات قدرة ضئيلة على استيعاب صدماتٍ إضافية. ويجعل ذلك الوضع الحالي أكثر هشاشة ويؤكد الحاجة الملحة إلى مضاعفة الجهود لضمان ألا تؤدي إعادة الإعمار وإصلاح خدمات الكهرباء إلى مزيد من المعاناة للمجتمعات المحلية التي تعاني بالفعل من ضغوط شديدة. اتسمت نماذج إعادة الإعمار السابقة بعدم المساواة وعدم الاستدامة، وتشكلت وفق أطر عمل نيوليبرالية أعطت الأولوية للخصخصة والحلول قصيرة الأمد (Verdeil، 2008؛ Zbeeb، 2021). تتناول هذه الدراسة قطاع الطاقة كعدسة تحليلية لفحص احتمال أن تنطوي جهود التعافي الحالية على خطر تكرار الديناميات السابقة، وإمكانية فتح المجال أمام بناء مستقبل أكثر عدالة وشمولاً واستدامة في مجال الطاقة.

أهداف التقرير

تقيّم هذه الدراسة احتياجات لبنان من الطاقة لإعادة الإعمار بعد الحرب من خلال إطار معضلة الطاقة الثلاثية – الأمن والاستدامة والكلفة الميسورة – مع دمج ركيزة رابعة هي المرونة لتعكس سياق النزاع وما بعد النزاع. وتُحلل أنماط الدمار والأضرار في قطاع الطاقة، وتدرس تأثيرها على شبكة الكهرباء الوطنية وأنظمة الطاقة المتجددة المجتمعية اللامركزية والطاقة المتجددة المنزلية. ومن الناحية المنهجية، تعتمد الدراسة على مقابلات مع أصحاب المصلحة من الجهات الفاعلة البلدية وخبراء طاقة ومانحين ومزودي الطاقة المتجددة وصحافيين ومنظمات مجتمع مدني لالتقاط وجهات النظر المؤسسية والتجارب المحلية. أُجريت زيارات ميدانية خلال شهر آذار/مارس 2025 إلى 10 مواقع في جنوب لبنان والبقاع (انظر القسم 4) وعُقدت مقابلات مع مسؤولين بلديين، و"مؤسسة كهرباء لبنان" وشركة "مراد إلكتريك" الخاصة المكلّفة بإصلاح شبكة الكهرباء، وموزعي ومركبي أنظمة الطاقة الشمسية، للحصول على رؤى أولية حول حجم الأضرار وتقدم أعمال إعادة الإعمار والتحديات المرتبطة بها. وفي مرحلةٍ لاحقة، أجريت 15 مقابلة معمقة مع خبراء في مجال الطاقة ومانحين وصحافيين وفاعلين في المجتمع المدني، ما وفّر وجهات نظر إضافية حول عمليتي التدمير وإعادة الإعمار، وحول  إمكانية دمج الطاقة المتجددة وعدالة  الطاقة في إطار إعادة الإعمار الأوسع نطاقاً. كما تمت الاستعانة بمصادر ثانوية تكميلية للبيانات جمعها مؤسس شركة (Takom Energy) والجمعية اللبنانية للطاقة الشمسية، اللذان قدما خرائط توضيحية لأنظمة الطاقة المتجددة البلدية المستخدمة في مشاريع المياه والكهرباء. تقيّم الدراسة أيضًا البيانات الثانوية من المجلس الوطني للبحث العلمي باستخدام تحليل صور الأقمار الصناعية لتقدير حجم الدمار الشامل للبنية التحتية للطاقة الشمسية (بما في ذلك على مستوى الأسر) في البقاع وجنوب لبنان، موفّرًا رؤى إقليمية حول مدى الأضرار وشدّتها.

يتضمن هذا التقرير أيضًا تحليلًا نقديًا للأطر السياسية والتنظيمية القائمة لتحديد الثغرات الهيكلية وعوائق التنفيذ وفرص الإصلاح. وبالتوازي، يدرس استراتيجيات المانحين وأطر إعادة الإعمار الدولية، مع التركيز على كيفية تأثير أدوات التمويل والشروط وأولويات إعادة الإعمار على جدول أعمال الطاقة بعد الحرب. من خلال دمج هذه الأبعاد، لا تقتصر الدراسة على تقييم الآثار المادية للحرب على قطاع الطاقة في لبنان فحسب، بل تتناول أيضًا الديناميات السياسية والمالية والمؤسسية التي ستنعكس على نتائج إعادة الإعمار وتعافي القطاع. وفي نهاية المطاف، تسعى الدراسة إلى تقديم توصيات سياسية قائمة على الأدلة وموجهة نحو العدالة لدعم مستقبل طاقة أكثر إنصافًا ومرونة واستدامة.

Endnotes

Endnotes
1 جميع المبالغ بالدولار الأميركي، ما لم يذكر خلاف ذلك.
2 في عام 2019، أفاد المركز اللبناني للحفاظ على الطاقة (2020) أن أكثر من 93 في المئة من الأسر في لبنان تعتمد على مولدات الديزل، إما من خلال امتلاكها أو الاشتراك فيها مع الجيران. ومع بداية الأزمة المالية، أصبحت هذه المولدات غير ميسورة التكلفة بشكل متزايد للأسر الفقيرة. وبحلول العام 2023، قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (2025) الطاقة الشمسية المركبة في لبنان بـ1,253.98 ميغاوات (p)، ما يشير إلى توسع سريع مع بحث الأسر والشركات عن بدائل للانقطاعات المستمرة في التيار الكهربائي. ولا تزال المولدات الكهربائية التي تعمل بالديزل والمنشآت الشمسية مجتمعةً ضرورية لتأمين الوصول إلى الكهرباء في لبنان.
3 اندلعت حرب تموز/يوليو 2006، التي استمرت 34 يوماً، بعد أن أسر حزب الله جنديين إسرائيليين في غارة عبر الحدود. شنت إسرائيل حملة عسكرية واسعة النطاق على لبنان عبر قصف جوي مكثف وحصار بحري. قُتل أكثر من 1100 شخص في لبنان، ونزح نحو ربع السكان، وتضررت أجزاء كبيرة من البنية التحتية للبلاد بشدة (Verdeil، 2008؛ World Bank، 2007).

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.