حملة "متعزلناش": قصة نجاح غير مكتملة عن المطالبات الاجتماعية والعمران في سياق المناطق المحرومة "غير المخططة

تمت كتابة الورقة هذه ضمن إطار البرنامج التدريبي ”السياسة العامة والمواطنة الفعالة“، وهو أحد ركائز مشروع مبادرة الإصلاح العربي حول ”تعزيز التحليل النقدي للسياسات“. ويهدف البرنامج التدريبي إلى تعزيز البحوث الخاصة بالسياسات العامة والقائمة على الأدلة من خلال تزويد الباحثين/ات الصاعدين/ات بالأطر النظرية والمهارات الفنية لتمكينهم من كتابة أوراق السياسات.

تصوير الكاتبة هناء جاد - صورة لمزلقان ارض اللواء 2023 بعد اغلاقه يتضح بها سلم المشاة وكوبرى السيارات كبديلين عنه وفى اخرها محور كمال عامر (c) هناء جاد

شهد سكان منطقة أرض اللواء، في نهاية عام 2013، شروع الحكومة في أعمال إغلاق مزلقان أرض اللواء وإنشاء كوبريين علويين بدلاً منه: أحدهما للمشاة والآخر للسيارات. كان المزلقان يُعد المعبر السطحي الوحيد والأخير لخط السكك الحديدية الذي يفصل أرض اللواء عن منطقة المهندسين، وهو نقطة اتصال أساسية أسهمت في تأسيس علاقة ممتدة بين المنطقتين منذ نشأتهما، وتوطدت مع نموهما. جاء هذا المشروع ضمن خطة الدولة لإغلاق المزلقانات كحل جذري للقضاء على حوادث اصطدام القطارات بالمشاة أو السيارات،1أحمد عبد اللطيف وجيهان عبد العزيز. "مصرع 3 في تصادم قطار بسيارة تاكسي في مزلقان أرض اللواء". المصري اليوم. كانون الثاني/يناير 2013.  https://www.almasryalyoum.com/news/details/282186 وقد تم تنفيذه من قبل الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بتمويل من دولة الإمارات العربية المتحدة.2مصطفى عنبر. " بالفيديو والصور... مشاريع "الإمارات" التنموية في مصر على قدم وساق.. إنجاز 86% من مشروع الإسكان الاجتماعي بدهشور.. والانتهاء من كباري "أرض اللواء" و"بشتيل" قريبا". اليوم السابع. أيلول/سبتمبر 2014. https://www.youm7.com/story/2014/9/10/

أدى هذا التدخل العمراني المفاجئ إلى قيام مجموعة من السكان بتدشين حملة "متعزلناش" بهدف منع الإغلاق الكامل للمزلقان والإبقاء عليه مفتوحًا كممر ومخرج للمشاة، مع الاستمرار في تنفيذ الكوبري العلوي كبديل لحركة السيارات، مؤكدين أنهم "مع التطوير".

اعتمدت الحملة بشكل أساسي على جمع التوقيعات، حيث بلغت 16 ألف توقيع. تم نشر نموذج التوقيع مستلهمًا في تصميمه وصياغته من نظام جمع التوقيعات الذي تبنته حملة "تمرد"، كنموذج أثبت وقتها نجاحه في الحشد والتأثير العام. ساهمت هذه الحملة في لفت انتباه السلطة التنفيذية لمطالب السكان، حيث تم تنظيم العديد من اللقاءات للتشاور وفهم شكواهم، مما أدى إلى تحقيق مكاسب أهمها خلق مساحة مفقودة حاليًا تُسمع فيها شكواهم وتجد صدى بالاستجابة، التفاوض، أو حتى عرض الحلول والبدائل. بذلك، نجحت الحملة في انتزاع الحق في المشاركة المجتمعية في القضايا المتعلقة بالعمران. استطاعت الحملة صياغة مشكلة اجتماعية فاصلة ومحورية شائعة عند النظر إلى بنية المناطق اللارسمية3تعرف المناطق اللارسمية بالمناطق التي نشأت ونمت بعيدا عن المنظومة الرسمية المعنية إما بتوفير السكن أو بتنظيم عمليات التخطيط والبناء، ويندرج تحت المناطق اللارسمية تقسيمات واسعة وأنماط مختلفة، ولكن في أغلبها تتبع نظم أهلية ومقاييس محلية في تقسيم الأراضي وأساليب البناء. وعلاقتها بالمناطق الرسمية. استندت في ذلك إلى خبرات السكان السابقة في التعامل مع الحدود الجغرافية الفاصلة بين المناطق، مثل السكك الحديدية، أو عبر تجربتهم مع محاور الحركة الأخرى مثل الطريق الدائري.

"متعزلناش" ليه؟

تقع منطقة أرض اللواء بين حي إمبابة شمالًا، وحي بولاق الدكرور جنوبًا، ومنطقة المهندسين غربًا، وتتبع إداريًا حي العجوزة. تُعد المنطقة من المناطق "لا رسمية/غير المخططة" وفق تصنيف الدولة.

لم يكن إغلاق المزلقان حالة فريدة تخص أرض اللواء، إذ سبقتها عمليات إغلاق مماثلة على طول مسار السكك الحديدية نتيجة تكرار الحوادث. ومن ذلك، مناطق أكثر قدمًا وكثافة مثل بولاق الدكرور. وعلى الرغم من استبدال هذه المنافذ السطحية (المزلقانات) بكباري للمشاة بهدف تقليل الاحتكاك المباشر مع القطارات، إلا أن تلك الكباري لم تكن مريحة للحركة، ولا تستوعب الكثافة المرورية للمارة، ولا تلبي احتياجات الفئات الخاصة مثل كبار السن أو مستخدمي الكراسي المتحركة.

ولتوضيح الصورة أكثر من خلال تجارب سابقة مثل بولاق الدكرور، فإن عرض المزلقان الذي كان يتراوح بين 10 و20 مترًا تم اختزاله في تصميم كوبري بعرض 3 أمتار فقط، ولم يكن مخصصًا بالكامل للمشاة، حيث شُغلت نصف مساحته بالأنشطة اللارسمية للباعة الجائلين. كان هذا النموذج حاضرًا بقوة في أذهان سكان أرض اللواء، وصيغ صراحة في استمارة التوقيع. فقد عايش السكان آثار تكرار النموذج الرسمي المتبع عند إغلاق المزلقانات، مما مكّنهم من التعبير عن قضايا أوسع، مثل تهميش المنطقة، وزيادة "الأنشطة اللارسمية" أو "غير القانونية"، وصعوبة دخول الخدمات الأمنية لضبط أعمال البلطجة، وخدمات الدفاع المدني مثل الإطفاء.

أهمية دراسة حملة "متعزلناش"

تبرز أهمية دراسة وتحليل حالة حملة "متعزلناش" في السياق الحالي الذي يشهد فيه النقاش العام تصدر محاور الحركة السريعة4يقصد بمحاور الحركة السريعة الطرق العابرة لمجموعة من الأحياء، مكونة مسار حركة رئيسي على مستوى المدينة، مثل محور 26 يوليو ومحور كمال عامر. والكباري نتيجة للتوسع الكبير في إنشائها على مستوى المدينة.5طبقا لعرض تقديمي لعشرة طوبة في مؤتمر "تقييم وإنتاج المعرفة بصفتها معرفة عامة: من النظرية الى الممارسة". قدم أحمد زعزع ويحى شوكت في أيلول/سبتمبر 2023، حصر جاري لكباري ومحاور الحركة المستحدثة في القاهرة والتي وصل عددها 122. تأثرت الأحياء والمناطق بوجود هذه المشروعات، ما أحدث تأثيرات عمرانية واجتماعية لا تحظى باهتمام الخطاب الرسمي. غالبًا ما يُنظر لهذه المحاور باعتبارها وسائل للربط بين نقطتين لتقليل زمن الرحلة واستهلاك الوقود، بينما تُحيد العديد من المصالح والاحتياجات الاجتماعية للمجتمعات المحيطة بها.

اعتمدت هذه الدراسة على منهجية الملاحظة لأنشطة وتفاعلات حملة "متعزلناش" على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك كإحدى المتضررات من سكان المنطقة. تطورت العلاقة مع الحملة إلى الاندماج والمشاركة في أنشطتها من خلال المساهمة في تقديم بدائل تقنية وحلول عمرانية وتخطيطية لتقريب وجهات النظر مع الجهات المعنية بالتنفيذ. تم تقديم هذه المقترحات من خلال مختبر عمران القاهرة للتصميم والدراسات (كلستر)، حيث تعمل الباحثة ضمن فريق العمل. شمل ذلك حضور اجتماعات مع بعض أعضاء الحملة، وكذلك مع الجهات المعنية من الهيئات المنفذة للمشروع، مثل الهيئة الهندسية، ومحافظة الجيزة، ووزارة النقل والمواصلات. كما قام البحث برصد التحركات الموازية على الأرض، وتتبع أثر هذا التواصل على التصميم ومسار تنفيذ المشروع. بالإضافة إلى ذلك، تستفيد هذه الورقة من الإطار النظري الذي اقترحه إيريك نوفو لتحليل المشاكل الاجتماعية كمشاكل عامة. يتألف هذا الإطار من خمس عناصر أساسية: تحديد المشكلة، التأطير/بناء السردية، التبرير، ثم صياغة الحلول.

المزلقان كموقع للحراك وتركز الحركة

شهد المزلقان اهتمام العديد من المبادرات المجتمعية التي سعت لتحسين أوضاعه حتى مطلع عام 2015، حين أُغلق كمعبر سطحي. كان المزلقان شاهدًا على العديد من الأحداث والنزاعات، وساهمت كثافة الحركة فيه بانتشار وتنوع الأنشطة في محيطه، من أبرزها الأنشطة التجارية وخدمات النقل والمواصلات التي تمركزت في عدة مواقف انتظار، سواء بشكل رسمي أو غير رسمي. على الجانب الآخر، وكنتيجة لتكرار حوادث القطارات، قامت مبادرات سابقة، مثل تلك التي نفذها حزب الدستور في عام 2012، بإصلاح بوابة الإغلاق اليدوية. لذلك، لم تكن حملة "متعزلناش" أول تجربة للاحتكاك مع القضايا العمرانية أو لتفعيل المبادرات المجتمعية المهتمة بتقديم حلول.

كان للمزلقان دور محوري في الذاكرة البصرية لسكان المنطقة، الذين تلقوا خبر إغلاقه بصدمة. هذا الخبر دفعهم إلى التفكير في تنظيم حملة "متعزلناش"، حيث طالبوا بشكل واضح بعدم إغلاقه، مع الحفاظ على العلاقة المباشرة مع منطقة المهندسين واستمرار العبور السطحي للمشاة. اقترح السكان الإبقاء على المخطط الرسمي لإغلاق المزلقان أمام السيارات وتنفيذ كوبري علوي للسيارات، مع إضافة بوابات إلكترونية تغلق وقت عبور القطارات، لضمان عبور آمن للمشاة ومنع تكرار الحوادث.

وفيما يلي عرض لما مرت به حملة "متعزلناش" كنموذج لتحويل مشكلة اجتماعية إلى قضية عامة:

لا للفصل والعزل العمراني كمطلب لرجل الشارع العادي

على الرغم من وجود العديد من التعليقات والآراء حول سلبيات المزلقان العمرانية قبل عام 2013، إلا أن الحملة ركزت على مشكلة تأثير الفصل المكاني على الاتصالية بالجانب الآخر. تمثلت المشكلة في صعوبة الحركة والانتقال، وضياع الامتداد البصري الذي كان يمثل عامل فخر لسكان أرض اللواء، مما أسهم في تعزيز القيمة العمرانية للموقع، وهي قيمة مهددة بفقدانها عند بناء سور يحجب ما خلفه. ورغم معاناة المجتمع المحلي من حوادث القطارات، أدرك السكان أن الإغلاق الكامل للمزلقان يمثل مشكلة كبيرة، استنادًا إلى تجارب المناطق المجاورة التي مرت بتجارب مشابهة أدت إلى تدهور أكبر وحرمان من الخدمات. تعيين المشكلة بهذا الشكل الذي يعكس فهمًا عميقًا للسياق الجغرافي العام كمناطق تعتبر نفسها جزءًا من المدينة لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتاج خبرات متعددة مر بها سكان المنطقة. هذه الخبرات جاءت نتيجة تغييرات متكررة في التبعية الإدارية بين الإدارات والأحياء المختلفة. كانت أرض اللواء في البداية تابعة لمركز أوسيم، إحدى القرى في محافظة الجيزة، وهو ما يعكس الامتداد الزراعي القديم للمنطقة حتى أواخر الستينات. لكن مع توسع أنشطة البناء والسكن، ظهرت الحاجة إلى انتقال تبعيتها الإدارية إلى حي أقرب. في البداية، أصبحت تابعة لحي بولاق الدكرور، المعروف بكثافته السكانية العالية وافتقاره للعديد من الخدمات. لاحقًا، وفي عام 2009، تم نقل التبعية الإدارية للمنطقة مرة أخرى إلى حي العجوزة، حيث استقرت أخيرًا.

التحول من الرفض والمطالبة إلى تقديم بدائل أو حتى تنفيذها بالفعل

عانت المناطق المجاورة لأرض اللواء، التي استُبدلت فيها المزلقانات السطحية بكباري وسلالم علوية للمشاة، من مظاهر تدهور عديدة. انتشرت فيها المخدرات وأعمال البلطجة، بالإضافة إلى المعاناة من العزلة بسبب صعوبة دخول الشرطة أو سيارات الإسعاف. ورغم أن البعض قد يرى أن وجود كوبري للسيارات يزيل العوائق المادية أمام التغطية الأمنية، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في امتزاج الفراغات بين الرسمي وغير الرسمي. هذه الفراغات تشهد حركة مباشرة على مرأى ومسمع طبقات اجتماعية متعددة ممن يستخدمون شارع السودان. أضافت حملة "متعزلناش" بُعدًا آخر للتهميش، حيث ركزت على التنديد بصعوبة الانتقال باستخدام السلالم والكباري، خاصة بالنسبة للفئات الخاصة مثل كبار السن وذوي الاحتياجات. كما أن الكثافة السكانية العالية في المنطقة6وفقا للجهاز المركز للتعبئة والإحصاء، يصل عدد السكان في أرض اللواء إلى 142,601 ألف وفقا لتعداد عام 2017. جعلت استخدام سلم واحد بعرض 4 أمتار تحديًا كبيرًا للخروج أو الدخول بسهولة.7عرض سلم المشاة الذي كان مقترح في التصميم الأولي كبديل لحركة المشاة بعد إغلاق المزلقان

أساليب الانتشار والحشد التي اتبعتها الحملة

  1. جمع التوقيعات: نجحت الحملة في جمع توقيعات من السكان بلغ عددها 16 ألف توقيع، بحسب قادة الحملة. كانت هذه التوقيعات نقطة الانطلاق والقوة الأساسية للحملة في التعبير عن رأي الجمهور، خاصة في ظل غياب الإدارة المحلية ونواب البرلمان بعد حل مجلس الشعب في عام 2012.
  2. تفعيل قنوات التواصل مع الجهات التنفيذية: تم تسهيل فرص التفاوض مع الجهات التنفيذية من خلال نواب البرلمان السابقين، حيث لعب الدكتور عمرو الشوبكي، النائب السابق عن المنطقة، دورًا محوريًا في ذلك.
  3. تركيز خطاب التواصل مع المسؤولين: ركزت الحملة على التواصل مع المسؤولين في الجهات المنفذة مثل محافظة الجيزة، والهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وهيئة السكك الحديدية، ووزارة النقل. الهدف كان قبول التطوير بما يضمن منع حوادث القطارات، مع إجراء تعديلات تراعي سهولة الحركة والحفاظ على الامتداد البصري مع المنطقة المجاورة.
  4. التواصل مع الإعلام: أوضحت الحملة المشكلة من خلال الإعلام، حيث أُتيحت الفرصة للأهالي لتقديم مداخلاتهم عبر برامج تلفزيونية متعددة. وقد استجاب الإعلامي يوسف الحسيني لدعوتهم لحضور ندوة في المنطقة للنقاش حول الموضوع.
  5. تقديم بدائل تخطيطية وتصميمية: قدمت الحملة بدائل تخطيطية ومقترحات تصميمية متنوعة عبر متخصصين، وكانت هذه المقترحات متغيرة تبعًا لمجريات الأحداث على الأرض، حيث كان المشروع قيد التنفيذ بالفعل.

في البداية، حاول المقترح التخطيطي البديل المقدم كحل لمتطلبات الحملة إقناع الجهات التنفيذية ببقاء المزلقان كممر سطحي للمشاة فقط مع وضع بوابات إلكترونية. لكن تم رفض هذا المقترح لأنه لن يمنع الحوادث بشكل كامل، حيث قد تتعرض البوابات للعطل، فضلاً عن صعوبة استدامة الحلول الإلكترونية بسبب متطلبات الإصلاح والصيانة. مع استمرار تنفيذ المشروع، تم إعداد مقترح آخر يدمج المخطط الرسمي مع حلول للتحديات المجتمعية، يعتمد على وجود عدد من الساحات المتدرجة والمرتفعة. استُغلت المساحة الكبيرة التي يتمتع بها المزلقان لتجميع المنحدرات المصممة لتسهيل حركة الفئات الخاصة مع السلالم، كما توفر هذه الساحات مساحة للعديد من الأنشطة التجارية التي يمكن تأجيرها لاحقًا كبديل للأنشطة غير الرسمية، بحيث تكون موزعة على طول مسار الحركة الذي أصبح مصممًا باتساع مناسب يتناسب مع كثافة الحركة.

لكن في المقابل، طرحت الجهة المصممة المكلفة من الهيئة الهندسية حلًا يستجيب جزئيًا لمطلب السكان حول راحة الحركة لكبار السن، حيث تم تصميم سلالم كهربائية ومصاعد. وعلى الرغم من عدم استدامتها وفقًا لنفس منطق رفض البوابة الإلكترونية بسبب احتياجها إلى صيانة دورية، تم قبول هذا الحل وتنفيذه بالفعل. اعتُبرت هذه الإضافة مكسبًا للحركة، حيث لم تكن السلالم الكهربائية المتحركة موجودة في المنطقة إلا في مترو الأنفاق. ولم يكن هذا المكسب الوحيد للحملة، إذ تم أيضًا مضاعفة عرض كوبري المشاة من خلال إضافة نسخة أخرى ملاصقة له، استجابةً لما حدث وقت الافتتاح التجريبي من تزاحم شديد، مما أدى إلى حالات اختناق مروري بلغت ذروتها عند خروج الأطفال من مدارسهم في المهندسين نحو أرض اللواء، وهو ما تم التحذير منه أثناء النقاش مع الجهات المسؤولة عن التنفيذ، لكنه لم يُؤخذ في الاعتبار في التصميم الرسمي.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يقول فيها السكان "متعزلناش"

لا يقتصر العزل العمراني على إغلاق المزلقانات فقط. فقد شهدت نفس المنطقة شكلًا آخر من التعبير عن الرغبة في مزيد من الاتصال بالمدينة، من خلال إنشاء منحدرات "منزل المعتمدية" كمطالع ومنازل للسيارات والمشاة على الطريق الدائري، لربط منطقتي أرض اللواء والمعتمدية بالطريق الدائري، وذلك بين فبراير وأبريل 2011، بعد "ثورة 25 يناير". في هذه الفترة، شارك المجتمع المحيط بموارده المختلفة وقدراته الذاتية، سواء كانت مالية، أو عبر التبرع بالخامات والمعدات، أو بالعمالة والخبرات التنفيذية، مستفيدًا من إمكانيات السياق السياسي الذي تميز بغياب الرقابة الحكومية وحالة السيولة السياسية.

اكتملت هذه الحالة من التمكين المجتمعي، التي تمثل أعلى درجات المشاركة المجتمعية، عبر اكتساب شرعية رسمية، حيث تم تقديم عرض للمشروع أمام محافظ الجيزة، الذي تمت دعوته لافتتاحه رسميًا، مما اعتُبر بمثابة اكتساب شرعية. هذا ساهم في تحقيق مزيد من التطوير والتحسين من خلال المحافظة لاحقًا.

وفقًا لأحد القادة المساهمين في المبادرة التي قادتها جمعية "المعتمدية بلدنا"، كانت المشكلة الأساسية التي كانت تعاني منها المعتمدية هي صعوبة الخروج منها نحو قلب المدينة، حيث لم يكن هناك سبيل سوى المرور عبر مزلقان أرض اللواء الذي كان مزدحمًا بالفعل، بينما كان الطريق الدائري الذي يحيط بالقاهرة بالكامل موجودًا، ولكن لا يوجد منفذ له.

وهذا يعني أن مشكلة صعوبة الانتقال ووجود تحديات في الاتصال بالمدينة كانت من القضايا الأساسية. يمكن أن نستنتج من التعبئة السريعة للموارد المحلية وإنشاء المطالع والمنازل المتلاحق أن الأمر كان محسومًا من قبل الظرف التاريخي الفارق في إنشاء هذه المنحدرات. حيث تم طرح الفكرة ومناقشتها في سياق المجتمع المحلي، مما ساهم في بناء قاعدة من الجمهور الداعم الذي استغل اللحظة المناسبة من وجهة نظره.

كيف تتحول هذه الحالة الخاصة إلى مطالب عامة؟

على الرغم من عدم تحقق المطلب الأساسي لحملة "متعزلناش" واستمرار مخطط الإغلاق الكامل للمزلقان، إلا أن الحملة أفرزت أول نموذج يعترف بحاجة كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة إلى العبور المريح، من خلال إضافة سلم كهربائي ومصاعد. كان هذا الحل ناجحًا في بداية المشروع، ولكن كما كان متوقعًا، أصبح السلم معطلًا طوال أغلب شهور السنة بسبب الحاجة إلى صيانة دورية.

نتج عن وجود هذا النموذج مطالبة مناطق مجاورة، مثل منطقة بولاق الدكرور، بسلم كهربائي تم إضافته إلى سلم المشاة، وهو ما تم طرحه من خلال نائب مجلس الشعب عن المنطقة وتم تنفيذه بالفعل.

أما في الوضع الراهن، وعلى الرغم من صعوبة وجود حملات أو مبادرات على الأرض، إلا أن بعض المطالبات ما زالت تُستغل عبر منصات التواصل الاجتماعي أو من خلال الحافز الشخصي لبعض النواب، وبعض القيادات المجتمعية التي لا تزال قادرة على التواصل، رغم ندرتها. وقد أفرز ذلك بعض النقاش البسيط.

بالنظر إلى نماذج المحاور الجديدة، مثل محور كمال عامر الواقع شرق أرض اللواء، والذي يأتي من المنيب متجهًا إلى روض الفرج، نجد أن كثافة حركة السيارات على هذا المحور من أرض اللواء أقل بكثير، على الرغم من وجود مدخل ومخرج له من المنطقة. يمكن أن يُعزى ذلك إلى ابتعاد وجهات السكان عن المقصد المحلي المباشر واحتياجاتهم من الرحلات اليومية.

حتى الآن، لم تظهر وسائل النقل الجماعي على المحور الجديد، على الرغم من أن أغلب مستخدمي المنطقة قد يحتاجون إليها في المستقبل. وهناك تساؤلات بشأن مدى جاهزية هذا المحور لتلبية احتياجات النقل الجماعي، من حيث المسارات الآمنة ونقاط الاتصال المخططة. وفي المقابل، يتبقى تساؤل حول مدى كفاءة وكفاية شبكة النقل الجماعي المحلية أسفل المحور في استيعاب الطلب وتحقيق الراحة والأمان، حتى لا يؤدي ذلك إلى ظهور مواقف انتظار غير رسمية على سطح المحور الجديد.

بناءً على ذلك، تحتاج هذه المحاور إلى تعزيز علاقتها بالسياقات المحلية وتوطين الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية للفئات التي تمر عبرها هذه المحاور القومية، بحيث تتماشى مع الحياة اليومية للسكان ويشعرون من خلالها بأنهم جزء من المدينة.

خلاصة: دروس مستفادة

رغم ما تتناوله الصحافة المحلية من احتفاء كبير باستغلال الفراغات العامة أسفل محاور الحركة في الأنشطة التجارية، حيث توفر فرص عمل لكثير من الشباب، ورغم اعتراض بعضهم على ارتفاع القيمة الإيجارية التي تصل في أعلى الفئات إلى 30 ألف جنيه شهريًا، وفي المتوسط من 10 إلى 15 ألف جنيه شهريًا، مما يعتبر مؤشرًا على حجم الطلب عليها، إلا أن البُعد الاجتماعي لدورها في تهميش وعزل المجتمعات لم يحظَ بنفس الاهتمام. يمكن رصد هذا الأثر الاجتماعي من خلال تتبع ما مرت به حملة "متعزلناش" وما حققه المجتمع المحيط بمنازل ومطالع المعتمدية، الواقعتين في سياق جغرافي واحد، وهو منطقة أرض اللواء التابعة لمحافظة الجيزة. ورغم ذلك، اختلفت الحالتان في السياق السياسي، حيث تم تنفيذ كل حالة في ظرف سياسي تغيرت فيه طبيعة العلاقة بين

الدولة والمجتمع، بين وجود فرص للنقاش والتواصل والتفاوض أو الاحتواء والتمكين، في مقابل العزل والتهميش والانفراد بوضع الحلول التي قد تكون بعيدة عن مصالح وتحديات وقضايا المجتمعات المحلية.

وتكمن قيمة التركيز على هذه الحالات العمرانية والمكانية في ظاهرها، محاولة فهم الأبعاد الاجتماعية المركبة، حيث إعادة قراءة علاقة المواطن في المجتمعات غير الرسمية "غير المخططة" بالمدينة ككل، بأنسجتها العمرانية المختلفة ومدى إدراكه لموقعه الحقيقي منها، وكيف يوطد علاقته بها. كما يتطلب الأمر فهم كيفية استغلال مساحات التفاوض وهوامش التقبل التي كانت متاحة في أوقات سابقة، لتعزيز شعور المواطنين بالتمكين وقدرتهم على التأثير في القرار نحو بيئة عمرانية تحتوي وتستجيب لاحتياجات المجتمع المسكوت عنها. وإذا نظرنا إلى واقع القاهرة بشكل عام، فإنها تفتقر إلى التدخلات على مستوى التصميم العمراني الذي يهتم بالتعامل مع التحديات على مستوى الشارع أو الساحة العمرانية كوحدة تخطيطية محلية، مقابل المشاريع القومية والرؤى الاستراتيجية الكبرى على مستوى الدولة أو المدينة، التي لا يمكن فيها تجاهل المواطن/الساكن باعتباره طرفًا أساسيًا في عملية صنع القرار، يمكنه طرح البدائل والسعي لاكتسابه كشريك.

تعكس حالة منازل ومطالع المعتمدية نموذجًا فريدًا يجمع بين قدرة المجتمع على صياغة احتياجاته مع قدرته على تنظيم نفسه وحشد موارده البشرية والمالية، وأخيرًا اكتساب الشرعية والصبغة الرسمية، متأثرة بالظرف التاريخي الذي شاع عنه خطأ طغيان الجانب السلبي منه، المتمثل في حالة الانفلات الأمني. ولكن على الجانب الآخر، مثلت هذه الحالة جوهر المبادرة والعمل التطوعي كمعبر عن التمكين والشعور بالحق في المدينة.

على الرغم من استمرار توابع هذه الحالة لعدة أعوام لاحقًا، والتي ساهمت في إفراز حملة "متعزلناش"، إلا أن القدرة على التأثير في القرار أصبحت أقل، ولكنها حققت نتائج ليست على قدر الطموح، إلا أنه على الأقل كانت هناك مساحات لطرح الرؤى والبدائل. وعليه، ينبغي توقع ما هو مسكوت عنه من احتياجات محلية ذات أولوية تعكس الجوانب الاجتماعية للمجتمعات المحلية التي لم تصل بعد إلى طور التكوين والتشكيل، حيث غابت منافذ تكوين الرؤى والمساحات الممكنة للمجتمع لتنظيم نفسه.

Endnotes

Endnotes
1 أحمد عبد اللطيف وجيهان عبد العزيز. "مصرع 3 في تصادم قطار بسيارة تاكسي في مزلقان أرض اللواء". المصري اليوم. كانون الثاني/يناير 2013.  https://www.almasryalyoum.com/news/details/282186
2 مصطفى عنبر. " بالفيديو والصور... مشاريع "الإمارات" التنموية في مصر على قدم وساق.. إنجاز 86% من مشروع الإسكان الاجتماعي بدهشور.. والانتهاء من كباري "أرض اللواء" و"بشتيل" قريبا". اليوم السابع. أيلول/سبتمبر 2014. https://www.youm7.com/story/2014/9/10/
3 تعرف المناطق اللارسمية بالمناطق التي نشأت ونمت بعيدا عن المنظومة الرسمية المعنية إما بتوفير السكن أو بتنظيم عمليات التخطيط والبناء، ويندرج تحت المناطق اللارسمية تقسيمات واسعة وأنماط مختلفة، ولكن في أغلبها تتبع نظم أهلية ومقاييس محلية في تقسيم الأراضي وأساليب البناء.
4 يقصد بمحاور الحركة السريعة الطرق العابرة لمجموعة من الأحياء، مكونة مسار حركة رئيسي على مستوى المدينة، مثل محور 26 يوليو ومحور كمال عامر.
5 طبقا لعرض تقديمي لعشرة طوبة في مؤتمر "تقييم وإنتاج المعرفة بصفتها معرفة عامة: من النظرية الى الممارسة". قدم أحمد زعزع ويحى شوكت في أيلول/سبتمبر 2023، حصر جاري لكباري ومحاور الحركة المستحدثة في القاهرة والتي وصل عددها 122.
6 وفقا للجهاز المركز للتعبئة والإحصاء، يصل عدد السكان في أرض اللواء إلى 142,601 ألف وفقا لتعداد عام 2017.
7 عرض سلم المشاة الذي كان مقترح في التصميم الأولي كبديل لحركة المشاة بعد إغلاق المزلقان

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.