- ملخص تنفيذي
أدت الأزمة الكهربائية المزمنة في لبنان إلى حرمان المواطنين والشركات من الكهرباء سوى لبضع ساعات يومياً، ما أجبرهم على الاعتماد على مولدات الديزل الخاصة والمكلفة. وفي ظل غياب البدائل العامة، نمت استخدامات الطاقة الشمسية سريعاً منذ عام 2020؛ لكن انتشارها كان مجزأً وممولاً ذاتياً إلى حد كبير، ما أدى إلى استبعاد الأسر ذات الدخل المحدود والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والبلديات من الوصول إليها. وفي حين تُوفر الطاقة الشمسية بديلاً نظيفاً وقابلاً للتطبيق، إلا أن غياب السياسات واللوائح والتمويل الميسر جعل الفوائد تتركز في أيدي الفئات الأكثر ثراءً، ما يقوض التعافي الوطني وعدالة الطاقة. لمعالجة هذه الفجوات، يجب أن يعتمد لبنان حلول تمويل موجهة تتيح الطاقة الشمسية لجميع شرائح المجتمع. تشمل الإجراءات ذات الأولوية دعم مؤسسات التمويل الأصغر لتوسيع نطاق القروض الصغيرة للأسر، وتشجيع الصناديق التي تمتلك أدوات للتمويل الممزوج لتوفير حزم التأجير المنتهي بالتمليك وحزم الإيجار للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، وتطوير أطر شراكة بين القطاعين العام والخاص مخفّفة المخاطر لتمكين البلديات من استضافة مزارع شمسية. وبالتوازي، يجب أن تُعيد الحكومة العمل بالإعفاءات الضريبية والجمركية على معدات الطاقة الشمسية، وإصدار المراسيم التنفيذية لقانون الطاقة المتجددة الموزعة، وتفعيل أدوات الائتمان وتخفيف المخاطر.
- مقدمة ونظرة عامة
تُعد أزمة الطاقة في لبنان أحد أبرز مظاهر انهيارها المؤسسي والاقتصادي الأوسع نطاقاً. فتراجع دور "مؤسسة كهرباء لبنان" إلى حدٍ يكاد يكون معدوماً في مناطق كثيرة، فهي توفر في المتوسط أقل من ساعتين من التغذية الكهربائية يومياً. وشجع هذا النقص على انتشار شبكات المولدات الخاصة العاملة على الديزل وتفرض رسوماً باهظة واستغلالية على الأسر والشركات، غالباً بما يخالف المعايير البيئية وقواعد السلامة. استجابةً لانهيار خدمات "مؤسسة كهرباء لبنان" ونقص وقود الديزل في ذروة الأزمة الاقتصادية، سارع المواطنون اللبنانيون والشركات الصغيرة والمتوسطة والبلديات إلى تركيب أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية (PV). كان هذا التحول اللامركزي، على الرغم من ضرورته، غير منسق وممولا ذاتيًا وغير عادل. فاعتمدت الأسر الأكثر ثراءً أنظمة الطاقة الشمسية على الأسطح، غالبًا مع تخزين، بينما بقيت الأسر ذات الدخل المنخفض مرتبطة بالديزل المكلف أو بالوصول المحدود.
وبالمثل، ركّبت بعض الشركات أنظمة طاقة شمسية على نطاق تجاري للحفاظ على عملياتها، بينما لا تزال شركات أخرى عاجزة عن تحمل تكاليفها.
الفجوة المركزية واضحة: غياب التمويل الشامل والمتاح للجميع. فمن دون أدوات مناسبة لتوزيع أو خفض كلفة أنظمة الطاقة الشمسية، عزز هذا التحول عدم المساواة في الحصول على الطاقة بدلاً من الحد منها.
يؤكد هذا الموجز أن لبنان يجب أن يقوم بما يأتي:
- تصميم ونشر آليات تمويل مبتكرة مصممة لكل فئة من المجتمع.
- ضمان أن يكون حجم أنظمة الطاقة الشمسية مناسباً لتحقيق التوازن بين القدرة على تحمل التكاليف وتحقيق الأثر.
- الحفاظ على فترات سداد قصيرة (1-5 أعوام) تتماشى مع واقع التدفقات النقدية للأسر والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. فلا تكون أنظمة الطاقة الشمسية مجدية إلا إذا كانت الدفعات الشهرية مساوية أو أقل مما تدفعه هذه المؤسسات لمولدات الديزل، وفي حال تمكّن هذا الاستثمار من تغطية كلفته خلال بضعة أعوام.
- إعادة تفعيل الحوافز المالية وتنفيذ الأطر القانونية القائمة، لا سيما القانون 662 المتعلق بالطاقة المتجددة اللامركزية.
ستسمح هذه الإجراءات للبنان بمعالجة أزمته الطاقوية الحالية، فضلاً عن إرساء الأسس لنظام طاقة عادل وشامل ومرن.
- التحليل والمناقشة
أ. الطاقة الشمسية على مستوى الأسرة عبر التمويل الصغير
تعد الطاقة الشمسية بديلاً قابلاً للتطبيق لتوليد الكهرباء بالديزل للأسر، لكن استخدامها لا يزال محدوداً بسبب الكلفة الأولية المرتفعة للغاية. فقد يتطلب نظام أساسي بقدرة 1.5-2 كيلوواط مع وحدة تخزين ما بين 1,500 و3 آلاف دولار. ويُعتبر هذا الأمر بالنسبة إلى معظم الأسر اللبنانية، خصوصاً في المناطق الهشة أو المهمشة، بعيد المنال، لا سيما وأن معدلات الفقر في لبنان تضاعفت ثلاث مرات خلال العقد الماضي، لتصل إلى 44 في المئة.
تتمتع مؤسسات التمويل الأصغر، مثل "المجموعة" وربما "فيتاس Vitas" بموقعٍ مثالي لسد فجوة القدرة على تحمل الكلفة، فهي متجذرة في المجتمعات المحلية، ولديها خبرة في منح القروض الصغيرة، وقادرة على تصميم جداول سداد مرنة تعكس التدفقات النقدية للعملاء.
مع الدعم المناسب، يمكن لمؤسسات التمويل الأصغر:
- تقديم قروض للطاقة الشمسية تعادل أو تقل عن فاتورة المولد الشهرية للأسرة.
- تنظيم السداد على فترة من عام إلى 3 أعوام، بما يعكس فترة الاسترداد القصيرة للطاقة الشمسية في لبنان بسبب ارتفاع كلفة الديزل.
- الشراكة مع موردي أنظمة شمسية موثوقين لضمان جودة المعدات وتأمين خدمات ما بعد البيع.
- توسيع نطاق الخدمات لتشمل المجتمعات الريفية والعائلات ذات الدخل المنخفض، من ضمنها التي لا تخدمها المصارف التجارية.
ومع ذلك، لكي تتمكن مؤسسات التمويل الأصغر من توسيع نطاق هذه العروض، ينبغي على المؤسسات العامة والمانحة:
- توفير خطوط ائتمان ميسّرة أو ضمانات قروض لتقليل المخاطر وكلفة رأس المال.
- تبسيط إجراءات الموافقة على الائتمان للمنتجات المرتبطة بالطاقة الشمسية ومتطلبات الترخيص، إن أمكن.
- دعم المساعدة التقنية لتطوير أدوات قياسية لتحديد حجم النظام واختيار الموردين وتقدير الأداء.
يحول هذا النموذج الطاقة الشمسية من رفاهية إلى خدمة في متناول غالبية الناس، مع تحفيز خلق فرص عمل في مجالي تركيب الألواح الشمسية وصيانتها.
ب. الطاقة الشمسية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة عبر التمويل المختلط
تعد الشركات الصغيرة والمتوسطة في لبنان التي تمثل أكثر من 90 في المئة من القطاع الخاص، عرضةً بشكلٍ خاص لتعطل الطاقة. فيزيد انقطاع التيار الكهربائي والاعتماد على المولدات كلفة التشغيل، ويقلل الإنتاجية، وفي بعض الحالات، يهدد استمرارية الأعمال. ومع ذلك، تفتقر هذه الشركات إلى إمكانية الحصول على تمويل ميسّر لأنظمة الطاقة الشمسية التي قد تتطلب استثمارات كبيرة.
يُعدّ التمويل المختلط حلاً مضمون الفعالية. فيجمع هذا النموذج بين تمويل المانحين الميسر (مثل المنح ورأس المال الثانوي والضمانات) ورأس المال الخاص لتقديم تمويل ميسّر ومعدل بحسب المخاطر للشركات.
فيوفر مثلاً صندوق SoLR&للطاقة المتجددة أنظمة الطاقة الشمسية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال اتفاقيات الإيجار أو التأجير التمويلي، إذ:
- لا تدفع الشركة أي كلفة أولية.
- تكون الدفعات الشهرية أقل من فواتير الطاقة الحالية (أي تدفق نقدي إيجابي).
- تنتقل الملكية خلال فترة محددة (5-7 أعوام عادةً).
تحوّل هذه النماذج الطاقة الشمسية إلى خدمة بدلاً من نفقات رأسمالية. وهي فعالة خصوصاً في سياقات مثل لبنان، حيث تعوق تكاليف الطاقة المرتفعة وضعف الوساطة المصرفية الاستثمارات التي تتطلب نفقات رأسمالية كبيرة.
يتطلب توسيع نطاق هذه الأدوات المالية ما يأتي:
- الدعم التنظيمي لهياكل الشراكة بين القطاعين العام والخاص وشركات خدمات الطاقة الخارجية: وضع قواعد واضحة تسمح للمطورين من القطاع الخاص وشركات خدمات الطاقة الخارجية بتمويل وتركيب وتشغيل أنظمة الطاقة الشمسية بالشراكة مع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في إطار ترتيبات شفافة للشراكة بين القطاعين العام والخاص.
- آليات ضمان لجذب المُقرضين من القطاع الخاص: توفير ضمانات جزئية للمخاطر أو تعزيزات ائتمانية تقلل من تعرض المقرضين للمخاطر، ما يجعل تمويل مشاريع الطاقة الشمسية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر أكثر جاذبية للمصارف والمستثمرين.
- معايير اختيار واضحة، مثل الشركات التي تحقق أكثر من 30 في المئة من توفير التكاليف وفترة استرداد أقل من 5 أعوام.
- الربط مع جمعيات الصناعة وغرف التجارة للتواصل وتوفير فرص التمويل.
يمكن لنماذج التمويل المختلط للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة أن توسع نطاق استخدام الطاقة الشمسية سريعاً مع تعزيز القدرة التنافسية المحلية وخلق فرص عمل.
ج - الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال الطاقة الشمسية على مستوى البلديات عبر مرفق تمويل المشاريع
تعد البلديات فاعلاً أساسياً في تقديم الخدمات، مثل المياه والإضاءة والصرف الصحي التي تعتمد جميعها على الطاقة. ونظراً لمحدودية التحويلات المالية وارتفاع تكاليف الديزل، تعجز العديد من البلديات عن الحفاظ على الخدمات الأساسية.
يتيح نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص للبلديات القادرة استضافة مزارع شمسية صغيرة الحجم (1-10 ميغاوات) عبر التعاون مع مطورين من القطاع الخاص يبنون ويموّلون ويشغلون هذه الأنظمة. في المقابل، فإن البلدية إما أن:
- تشتري الكهرباء بموجب اتفاقية شراء الطاقة
- أو تسهّل الوصول إلى المستخدمين النهائيين عبر الشبكات الصغيرة أو الإمداد من نظير إلى نظير، و/أو
- تسهّل الوصول إلى الأراضي.
ومع ذلك، يصعب تنفيذ مثل هذه النماذج في لبنان بسبب:
- محدودية الجدارة الائتمانية للبلديات.
- غياب أدوات الحد من المخاطر للمستثمرين الخاصين.
- غموض القوانين التنظيمية، على الرغم من اعتماد القانون 662.
للتغلب على هذه العوائق، يتعين على لبنان إنشاء مرفق تمويل مشاريع مخصص يوفر:
- ضمانات ائتمانية جزئية: تحمي المقرضين والمستثمرين من خلال تغطية مخاطر الدفع البلدية، ما يساعد المشاريع على جذب التمويل.
- تمويل فجوة الجدوى: تشمل الدعم المستهدف، التمويل المدمج، ورأس مال المغتربين لتخفيض التعريفات إلى مستويات يمكن للبلديات والمستخدمين النهائيين تحملها، ما يضمن الجدوى المالية.
- احتياطيات متجددة: توفر حسابات الاحتياطي سيولة مؤقتة لتغطية تأخيرات السداد، ما يحافظ على سير المشاريع.
- المساعدة القانونية والتقنية: تقلل العقود الموحدة والمناقصات الشفافة والدعم الاستشاري التكاليف والتأخيرات واختلالات التفاوض.
لا توفر هذه الشراكات طاقة ميسرة على المستوى المحلي فحسب، بل تساهم أيضاً في:
- تخفيف الضغط على الشبكة الوطنية.
- تمكين البلديات في جهود التعافي الوطني.
- خلق وظائف خضراء وإظهار نماذج طاقة مجتمعية قابلة للتطوير.
- توصيات السياسات
أ. بالنسبة إلى الأسر:
- تمكين مؤسسات التمويل الأصغر من تقديم قروض للطاقة الشمسية عبر خطوط ائتمان منخفضة الفائدة وبناء القدرات وتبسيط إجراءات الترخيص من المصرف المركزي ووزارة الطاقة.
- تصميم منتجات قروض للطاقة الشمسية بحجم مناسب مرتبطة بمتوسط فواتير المولدات الكهربائية ومدعومة بالتوفير الشهري المتوقع.
- تنفيذ أنظمة اعتماد البائعين لضمان مراقبة الجودة وتقليل حالات التعثر في السداد الناتجة عن فشل الأنظمة.
- دمج التمويل الأصغر مع الدعم الاجتماعي من خلال دمج إعانات اعتماد الطاقة الشمسية ضمن برامج شبكات الأمان الوطنية، خصوصاً المستفيدين من برنامج دعم الأسر الأكثر فقراً والبرنامج الوطني لمكافحة الفقر.
ب. بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة
- توسيع آليات التمويل المدمج مثل SoLR& عبر ضخ رأس مال ميسّر وتشجيع الاستثمار المشترك من المصارف ومبادرات تمويل التنمية وصناديق المغتربين.
- الحد من مخاطر إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة من خلال ضمانات القروض، والأسهم الثانوية، والحماية من مخاطر تقلبات العملة لجذب المقرضين من القطاع الخاص.
- مواءمة اللوائح التنظيمية مع نماذج التأجير التي تسمح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بالوصول إلى الطاقة الشمسية من دون التأثير على الميزانية العامة أو يحمّلها نفقات رأسمالية مسبقة.
- إنشاء منصات مخصصة للصناعة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة لتقديم طلبات الحصول على تدقيقات الطاقة والتمويل والتحقق من الموردين عبر نافذة موحدة.
ج. بالنسبة إلى البلديات
- تفعيل قانون الطاقة المتجددة الموزعة (القانون 318) عبر الإسراع في نشر المراسيم التطبيقية والأنظمة الخاصة بربط الشبكات والتعرفة والترخيص.
- إطلاق آلية لضمان تمويل المشاريع، لتوفير تغطية للمخاطر التي تتعرض لها الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال الطاقة الشمسية على مستوى البلديات، وتمكين الهياكل التمويلية المدمجة.
- اختيار ودعم المشاريع التجريبية في مختلف المناطق لإثبات الجدوى التقنية والمالية لمزارع الطاقة الشمسية التي تديرها شراكات القطاعين العام والخاص.
- تنمية القدرات المحلية من خلال تعيين مستشارين في مجال الطاقة للاتحادات البلدية وتسهيل مشاركة المجتمع وتوحيد نماذج المشتريات.
د. السياسات الشاملة
- إعادة العمل بإعفاءات ضريبة القيمة المضافة والجمارك على جميع المعدات والتقنيات المرتبطة بالطاقة الشمسية لمدة لا تقل عن 5 أعوام لتقليل الكلفة الأولية وتحفيز الطلب في السوق.
- تبسيط لوائح القياس الصافي والنقل للسماح بتقاسم الطاقة بين المستخدمين وعبر الشبكات المحلية، خصوصاً للتعاونيات والبلديات.
- اعتماد معايير جودة وطنية للتركيبات، وضمان التدريب الفني والاعتماد، والبدء في صياغة لوائح بالتخلص من نفايات البطاريات الشمسية.
- تشجيع التخطيط الشامل عبر إدماج مقاييس عدالة الطاقة والمساواة بين الجنسين والإنصاف الاجتماعي في جميع سياسات الطاقة المتجددة وبرامج التمويل.
الخلاصة
يمر لبنان بمرحلة حرجة. ففي حين اتخذ المواطنون والشركات الخطوات الأولى نحو التحول إلى الطاقة الشمسية، يهدد غياب التمويل المنظم والسياسات التمكينية والتشريعات العادلة بتعزيز عدم المساواة وعدم الكفاءة. ومن خلال اعتماد حلول تمويل مخصصة والتمويل الصغير، والتمويل المدمج وشراكات القطاعين العام والخاص الخالية من المخاطر، يمكن للبنان أن يطلق العنان لإمكاناته في الطاقة المتجددة مع تمكين الأسر وإنعاش الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الحوكمة المحلية.
وعبر التدخلات المناسبة اليوم، يمكن أن تتحول الطاقة الشمسية من مجرد حلٍ للبقاء، إلى ركيزة أساسية للتعافي الوطني: عادلة وقابلة للتطوير ومستدامة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.