"اليوم كان بداية النقاش وليس نهايته"، هذا ما أعلنته الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس بعد اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في 23 حزيران/يونيو 2025. وقدمت كالاس خلال الاجتماع تقريرًا إلى وزراء خارجية الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد عن (عدم) امتثال إسرائيل لالتزاماتها بموجب اتفاقية الشراكة بينها وبين الاتحاد الأوروبي. وطلبت تقديم التقرير في 20 أيار/مايو، بعد طلب من هولندا أيدته 17 دولة عضواً. وتتعلق المراجعة في المقام الأول بالامتثال للمادة 2 من اتفاقية الشراكة التي تنص على أن العلاقة "يجب أن تقوم على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية".
وورد في التقرير أن هناك "مؤشرات على أن إسرائيل قد تخرق التزاماتها في مجال حقوق الإنسان بموجب المادة 2 من اتفاقية الشراكة بينها وبين الاتحاد الأوروبي" بسبب تصرفاتها في غزة والضفة الغربية. لا يمكن أن تكون هذه المعلومات جديدة بالنسبة إلى صانعي السياسات الأوروبيين: يتحدث تقرير داخلي للاتحاد الأوروبي (مسرّب) من تشرين الثاني/نوفمبر 2024 عن "انتهاك المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني"، و"استخدام [التجويع] كسلاح حرب". وفي رأي استشاري صادر في 19 تموز/يوليو 2024، أعلنت محكمة العدل الدولية أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني بموجب القانون الدولي. وفي 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، متهمةً إياهما بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ووثقت منظمات حقوق الإنسان الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان لعقود من الزمن.
وعلى الرغم من الأدلة المتراكمة باستمرار والعنف الحالي غير المسبوق، إلا أن الاتحاد الأوروبي ظل متقاعسًا. وهذا ما جعل بعض المراقبين يرونه متواطئاً في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي وحتى الإبادة الجماعية. في الماضي، لم يقم الاتحاد الأوروبي بعمل يذكر ضد تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم وتهميشهم وإذلالهم على مدى عقود، ولم يتخذ أبدًا أي إجراءات ملموسة لتطبيق الشعارات – التي تتكرر باستمرار وأصبحت جوفاء بشكلٍ متزايد – عن حل الدولتين وحق الفلسطينيين في تقرير المصير. والآن، بدلًا من اتخاذ قرار بشأن إجراءات عملية، تتحدث كالاس عن "بداية النقاش"، وتقترح إمكانية أن يتناول مجلس الشؤون الخارجية القضية مرة أخرى في الاجتماع المقبل في تموز/يوليو، في حال لم يتحسن وضع الفلسطينيين. يقال ذلك في الوقت الذي أثبت فيه تقرير جديد لبروفيسور إسرائيلي أن العدد الفعلي للمدنيين الذين قتلتهم إسرائيل في قطاع غزة قد يفوق بكثير عدد القتلى المعلن عنه رسمياً، فالضحايا الذين دفنوا تحت الأنقاض أو مقطّعي الأوصال لا يتم إدراجهم في التقارير السائدة.
يتناقض هذا الموقف السلبي بشكلِ واضح مع الطريقة التي يعرض بها الاتحاد الأوروبي نفسه: كفاعل معياري في الشؤون العالمية. فبينما اتخذ مواقف أكثر وضوحًا في حالات أخرى لدعم قيمه ومبادئه، يبدو أنه يعامل فلسطين بشكل مختلف. وتشمل أسباب ذلك فقدان الذاكرة الاستعمارية و النيوكولونيالية، والذنب التاريخي الأوروبي لاضطهاد اليهود على مدى قرن من الزمان وخصوصاً الهولوكوست، والنفوذ القوي لجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في بروكسل. كما أن سياسات الاتحاد الأوروبي تتأثر بشدة بالدعم(العسكري) الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، وبغياب تضامن حقيقي للأنظمة العربية مع فلسطين. وهذا يعني في الواقع أن علاقات الاتحاد الأوروبي مع الدول الإقليمية ذات الثقل، مثل مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، لا تتأثر بالقضية الفلسطينية. تلعب هذه العوامل مجتمعةً دورًا حاسمًا عند محاولة فهم تقاعس الاتحاد الأوروبي.
بالإضافة إلى ذلك، هناك مجموعة متنوعة من الأسباب الداخلية للاتحاد الأوروبي التي تعقّد العمل المشترك، من ضمنها إطاره المؤسسي وآلية صنع القرار فيه، والانقسامات بين الدول الأعضاء، والخلافات بين المسؤولين الرئيسيين فيه. وفي ما يأتي، نلقي الضوء بشكل دقيق على هذه القضايا الداخلية للاتحاد الأوروبي.
صناعة القرار في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي والإطار المؤسسي
أنشأت معاهدة ماستريخت لعام 1992 السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي كإطار لتنسيق العمل الخارجي بين الدول الأعضاء. وفي وقت لاحق، استحدثت معاهدة لشبونة (2009) منصب الممثل السامي الذي يشغل منصب نائب رئيس المفوضية ويرأس السلك الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي، أي دائرة العمل الخارجي الأوروبي. ثم أضافت معاهدة لشبونة عناصر حاسمة إلى الإطار المؤسسي للاتحاد وكانت علامة فارقة مهمة في ما يتعلق بتنفيذ برنامج عمل السياسة الخارجية والأمنية المشتركة.
ولكن عندما يتعلق الأمر بصنع القرار، ظلت السياسة الخارجية أحد (إن لم تكن) أقل مجالات السياسة تكاملاً. فهي لا تزال تتبع منطقاً حكومياً تُتخذ بموجبه القرارات داخل الهيئات الحكومية الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، أي مجلس الشؤون الخارجية (الذي يجتمع فيه وزراء الخارجية) والمجلس الأوروبي (الذي يجمع كل رؤساء الدول و/أو رؤساء الحكومات لاتخاذ القرارات الرئيسية). وبالتالي، فإن الدول الأعضاء – بدلاً من الهيئات فوق الوطنية مثل المفوضية أو دائرة العمل الخارجي الأوروبي – هي التي تتخذ القرارات المتعلقة بالشؤون الخارجية.
التصويت بالأغلبية المؤهلة (QMV) هي طريقة التصويت الأكثر شيوعًا في مجلس الاتحاد الأوروبي. وهي تتبع منطق الأغلبية المزدوجة لعدم تفضيل الدول الأعضاء الصغيرة أو الكبيرة. لتمرير أي قرار، يجب أن توافق 55 في المئة على الأقل من الدول الأعضاء (أي 15 من أصل 27)، وأن تمثل هذه الدول 65 في المئة على الأقل من إجمالي عدد سكان الاتحاد الأوروبي. وأُدخل نظام التصويت بالأغلبية المؤهلة للسماح باتخاذ قرارات أكثر فاعلية داخل الاتحاد الأوروبي الذي يضم عددا متزايدا من الدول الأعضاء. وهذا النوع من التصويت يُستخدم اليوم في جميع مجالات السياسة تقريبًا، وتُتخذ نحو 85-90 في المئة من القرارات عبر آلية التصويت هاته.
ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالقضايا الخاصة بالاتحاد الأوروبي، يعتمد مجلس الشؤون الخارجية والمجلس الأوروبي قاعدة التصويت بالإجماع، كما هو منصوص عليه في معاهدة الاتحاد الأوروبي: يجب أن توافق جميع الدول الأعضاء الـ27، مع تمتع كل منها بحق النقض (الفيتو). وهذا يعني، على سبيل المثال، أنه ينبغي أن توافق جميع الدول الأعضاء على تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل. ويتطلب الاعتراف بفلسطين كدولة التصويت بالإجماع أيضاً.
وأعاق هذا الشرط عمل الاتحاد الأوروبي بشكل متماسك في حالات أخرى أيضًا. على سبيل المثال، حتى اليوم، لا يعترف الاتحاد بكوسوفو لأن خمس دول تعارضه (قبرص واليونان ورومانيا وسلوفاكيا وإسبانيا). في المقابل، في سياق العدوان الروسي في أوكرانيا، اتُخذت قرارات بالإجماع لفرض عقوبات في مناسبات عديدة. كما صدر قرار تجميد اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وسوريا عام 2011 بالإجماع، تمامًا مثل وقف المحادثات حول اتفاقية الشراكة مع ليبيا.
الانقسام بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشأن سياساتها تجاه فلسطين وإسرائيل
في حالة فلسطين، تمثل الحاجة إلى الإجماع عقبة رئيسية أمام العمل المشترك للاتحاد الأوروبي، فلا تزال الدول الأعضاء منقسمة بشدة. ويمكن ملاحظة ذلك بالفعل خلال تصويت اليونسكو عام 2011 لقبول فلسطين كعضو كامل العضوية فيه، تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2012 على رفع وضع فلسطين إلى دولة مراقبة غير عضو في الأمم المتحدة، وطلب الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2022 بشأن رأي استشاري من محكمة العدل الدولية بشأن العواقب القانونية الناجمة عن الاحتلال إسرائيل المستمر للأراضي الفلسطينية، على سبيل المثال لا الحصر. وفي جميع الحالات، صوّتت بعض الدول بنعم، وبعضها الآخر بلا، وبعضها امتنع عن التصويت. ومنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أصبح الانقسام أكثر وضوحًا.
يمكن تصنيف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في ثلاث مجموعات: 1) من يدعمون إسرائيل من دون قيد أو شرط، بما في ذلك حملاتها العسكرية التي لا هوادة فيها (مثل النمسا وجمهورية التشيك وألمانيا والمجر)؛ 2) من ينتقدون إسرائيل أكثر ويطالبون الاتحاد الأوروبي بمزيد من الإجراءات لدعم النضال الفلسطيني من أجل تقرير المصير (مثل بلجيكا وإيرلندا وإسبانيا)؛ و3) من هم بين وبين، ولا يزالون غير مرئيين إلى حد ما. أعاق تضارب وجهات النظر بين هذه الكتل في كثير من الأحيان اتخاذ موقف موحد للاتحاد الأوروبي، ما أدى إلى ضعف بياناته وكرّس شلله.
في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2023، كانت إيرلندا وإسبانيا الدولتين العضوين الوحيدتين اللتين ضغطتا من أجل وقف إطلاق النار في اجتماع المجلس الأوروبي. وناقش المجلس المصطلحات لأشهر بعد ذلك وظل منقسمًا حول المطالبة بهدنة إنسانية أو وقف إطلاق النار، إلى أن توصل أخيرًا، في آذار/مارس 2024، إلى حل وسط، داعيًا إلى "هدنة إنسانية فورية تؤدي إلى وقف إطلاق نار مستدام". عندما اقترح رئيس مجلس النواب آنذاك جوزيب بوريل فرض عقوبات على المستوطنين العنيفين في كانون الأول/ديسمبر 2023، عرقلت المجر وجمهورية التشيك اقتراحه. وفي شباط/فبراير 2024، وزع رئيسا الوزراء الإيرلندي والإسباني رسالة مفتوحة دعَوا فيها إلى مراجعة عاجلة لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وهي الدعوة التي رفضتها معظم الدول الأعضاء في ذلك الوقت.
بعد أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق نتنياهو وغالانت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، أكد بوريل أن جميع الدول الأعضاء ملزمة قانونًا بتنفيذها. في حين أعلنت بعض الدول أنها ستفعل ذلك (مثل بلجيكا وهولندا وإيرلندا)، رفضت دول أخرى دعوته رفضًا قاطعًا (مثل النمسا وجمهورية التشيك). وبالتالي، لم تُنفذ أي مبادرة حتى لمحاولة إيجاد موقف مشترك للاتحاد الأوروبي داخل مجلس الشؤون الخارجية بشأن مسألة مذكرات المحكمة الجنائية الدولية - على الرغم من أن الاتحاد كان داعمًا رئيسيًا للمحكمة. في يوم فوزه الانتخابي في 23 شباط/فبراير 2025، صرح المستشار الألماني الجديد فريدريش ميرتس بأنه "وعد [نتنياهو] بأننا سنجد له السبل والوسائل التي تمكنه من زيارة ألمانيا ومغادرتها من دون أن يُعتقل فيها". وفي نيسان/أبريل 2025، زار نتنياهو المجر، ولم تؤدِ زيارته إلى أي رد فعل كبير من الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، عندما خطط بوتين لزيارة جنوب أفريقيا في أواخر عام 2023، على سبيل المثال، أثار صانعو السياسة في الاتحاد الأوروبي ضجة حول مذكرة المحكمة الجنائية الدولية.
وكانت ردود الفعل بعد اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في 23 حزيران/يونيو 2025 معبرة عن استمرار الانقسام بين الدول الأعضاء. فبينما دعت إسبانيا إلى تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل تعليقًا صريحًا، وضغطت لفرض حظر على الأسلحة على مستوى الاتحاد الأوروبي وفرض عقوبات على أعضاء الحكومة الإسرائيلية، طالبت دول أخرى بعواقب غامضة (مثل بلجيكا وإيرلندا والسويد). وبدوره، أعلن وزير الخارجية الألماني يوهان وادفول أن بلاده ستستخدم حق النقض (الفيتو) ضد تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، بل إنه لم يشجع "أي نقاش رسمي آخر حول هذا الموضوع". . كما أعربت اليونان وإيطاليا أيضًا عن معارضتهما.
مواقف مسؤولي الاتحاد الأوروبي متباينة وتصريحاتهم متضاربة
لا تنحصر الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بين الدول الأعضاء فحسب، بل اتخذ كبار المسؤولين في مؤسساته أيضًا مواقف متضاربة، ولا سيما منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ما صعّب فرص العمل المشترك. فقد برزت كل من رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، ورئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا، في تأكيدهما المستمر على دعم الاتحاد الأوروبي غير المشروط لإسرائيل. ومن خلال حضورها القوي، خصوصاً في الأسابيع والأشهر الأولى بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، شكّلت فون دير لاين تصورات الاتحاد الأوروبي كشريك قوي لإسرائيل.
تعرضت فون دير لاين لانتقادات من مسؤولين آخرين في الاتحاد الأوروبي. وأشار البعض، ومن ضمنهم رئيس المجلس الأوروبي آنذاك شارل ميشيل أو رئيس المجلس الأوروبي السابق بوريل، إلى أن فون دير لاين تجاوزت بوضوح ولايتها التي لا تشمل الحق في التحدث في قضايا السياسة الخارجية نيابة عن الاتحاد الأوروبي. ففي نهاية المطاف، تظل السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية مجالًا من مجالات السياسة البين حكومية، إذ يتمتع مجلس الشؤون الخارجية والمجلس الأوروبي بصلاحيات اتخاذ القرار، وليس المفوضية.
وانتقد آخرون انحياز فون دير لاين الأحادي وترددها في مطالبة إسرائيل باحترام القانون الدولي الإنساني، معتبرين أن ذلك لا يزال يمنح الحكومة الإسرائيلية تفويضًا مطلقًا. في شباط/فبراير 2024، وخلال مقابلة مع صحيفة "إلباييس" الإسبانية، قال بوريل في هذا السياق: "مع هذا الموقف المؤيد لإسرائيل بشكل مطلق، والذي لا يمثل أحدًا سواها [فون دير لاين] في مسألة السياسة الدولية، كان لتصريحاتها تكلفة جيوسياسية عالية على أوروبا". وعمومًا، كان بوريل المسؤول الرئيسي في الاتحاد الأوروبي الذي اتخذ موقفًا ثابتًا وواضحًا وأكثر انتقادًا تجاه إسرائيل، وطالب بتعليق الحوار السياسي بينها وبين الاتحاد الأوروبي في وقت مبكر.
كانت كايا كالاس، التي خلفت بوريل، أكثر تحفظًا منذ توليها منصبها في كانون الأول/ديسمبر 2024. وفي الآونة الأخيرة فقط، أصبحت أكثر جرأة، فعلى سبيل المثال قالت خلال جلسة في البرلمان الأوروبي في 18 حزيران/يونيو: "لإسرائيل الحق في الدفاع عن النفس، لكن ما نراه في الممارسة العملية منها يتجاوز الدفاع عن النفس[ ...]منع الغذاء والدواء عن الفلسطينيين المحاصرين في غزة لا يحمي إسرائيل[ بل]يقوض المبادئ الإنسانية التي تأسست عليها منذ عقود".
النتيجة: شلل الاتحاد الأوروبي
كان الافتقار إلى الوحدة السبب الرئيسي في تقاعس الاتحاد الأوروبي عن اتخاذ إجراءات بشأن فلسطين على مدى عقود. فقد تضمّن إعلان البندقية لعام 1980 أول اعتراف علني من المجموعة الأوروبية (المنظمة السلف للاتحاد الأوروبي) بحق الفلسطينيين في تقرير المصير. ولكن منذ ذلك الحين، لم تصدر عن الاتحاد الأوروبي أي مواقف (جديدة) ذات مغزى بشأن فلسطين، وكانت بياناته تمثل غالباً القاسم المشترك الأدنى. وبدلًا من معالجة الواقع على الأرض، استمر الاتحاد الأوروبي في اللجوء إلى شعارات جوفاء تعود إلى عقود مضت، ولا سيما شعار بناء الدولة الفلسطينية وحل الدولتين، دون أن يتمكن من تعديل خطابه، ناهيك عن ممارساته.
وحتى في سياق العنف الحالي غير المسبوق، تظل الشعارات المستخدمة أو عبارات التعبير عن القلق جوفاء. تتضمن جميع وثائق الاتحاد الأوروبي المنشورة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 تقريبًا إشارة إلى "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بما يتماشى مع القانون الدولي". ومع ذلك، فإن صانعي السياسات في الاتحاد الأوروبي لم يعلنوا صراحةً ما إذا كانت إسرائيل تنتهك القانون الدولي في الواقع، وبالتالي استمروا في تجنب توجيه انتقادات صريحة للحكومة الإسرائيلية. وفي حين يشدد المسؤولون في الاتحاد على الوضع الإنساني الكارثي في غزة، إلا أنهم بالكاد يذكرون المسؤول عن ذلك. فالطريقة التي يصفون بها معاناة الفلسطينيين أقرب ما تكون إلى نتيجة كارثة طبيعية، لا إلى فعل متعمد وواعٍ من جانب حكومة تواصل انتهاك القانون الدولي.
وعندما يتعلق الأمر باتخاذ إجراءات ملموسة، فإن الصورة تصبح أكثر قتامة، ما أدى إلى ما تسميه كريستينا كوش، الخبيرة في علاقات الاتحاد الأوروبي مع الشرق الأوسط في مركز أبحاث صندوق مارشال الألماني للأبحاث، "شلل الاتحاد الأوروبي المجرد من المبادئ بشأن غزة". فبدلاً من فرض عقوبات، لا يزال الاتحاد أكبر شريك تجاري لإسرائيل، والجامعات المشاركة في المجمع العسكري الصناعي الأمني الإسرائيلي هي المستفيد الرئيسي من صناديق الاتحاد الأوروبي للأبحاث، مثل "أفق أوروبا". وبدلًا من فرض حظر كامل على الأسلحة على مستوى الاتحاد الأوروبي، قدمت ألمانيا وإيطاليا ثلث جميع واردات الأسلحة الإسرائيلية في الفترة بين عامي 2020-2024. يدرك العديد من صانعي السياسات في الاتحاد الأوروبي جيدًا هذا الشلل وكيف يُنظر إليه: فقد لاحظ بوريل، على سبيل المثال، أنه "كل يوم ندعو إلى حل الدولتين، ولكن كما قال لي الممثل الفلسطيني خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة: "بصرف النظر عن الدعوة إليه، ماذا تفعلون للحصول عليه؟".
أي طريق للمضي قدمًا؟ الاعتماد على تحالف الملتزمين
أدى هذا الشلل إلى فقدان الاتحاد الأوروبي لسمعته ومصداقيته بشكل كبير، لا سيما في الأغلبية العالمية، فلم يمر التقاعس والتطبيق الانتقائي للقانون الدولي مرور الكرام. ووصلت مكانة الاتحاد إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، لا سيما بين تلك القوى التي كان يفتخر بتسميتها بالـ"شركاء"، والأهم من ذلك المدافعين عن حقوق الإنسان. لطالما كان يُنظر إلى الاتحاد الأوروبي على أنه نمر بلا أسنان عندما يتعلق الأمر بفلسطين، ولكن صورته الآن أصبحت صورة الشرير بشكل صارخ - وهو تطور دراماتيكي بالنسبة لقوة تُنصب نفسها كقوة معيارية.
والسؤال المطروح هو إمكانية تغيير هذه الصورة. من الناحية النظرية، يمكن إجراء بعض التحسينات في التصميم المؤسسي للاتحاد الأوروبي. والأهم من ذلك، يستطيع الاتحاد التحول إلى نظام التصويت بالأغلبية المؤهلة في السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للتغلب على الشلل الذي يصيبه بسبب حق النقض الذي تتمتع به الدول الأعضاء. وسيسهل هذا الأمر كثيراً تجميد اتفاقية الشراكة، أو تعليقها، أو الاعتراف بفلسطين كدولة، أو تطبيق حظر على الأسلحة أو غيرها من العقوبات، على سبيل المثال. غير أن ذلك يستلزم تغيير المعاهدة: ومن المفارقة إلى حد ما أن التصويت بالإجماع مطلوب للتخلص من شرط الإجماع. وفي الوقت الراهن، يبدو ذلك مستبعدًا جدًا.
في حين أن التدابير بعيدة المدى، مثل تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، تتطلب الإجماع، إلا أن بعض المبادرات التي تندرج ضمن مزايا الاتفاقية يمكن اتخاذها من خلال التصويت بالأغلبية المؤهلة مثل طرد إسرائيل من صناديق أبحاث "أفق أوروبا" أو رفع بعض تدابير تيسير التجارة - فالتعريفات الجمركية على سبيل المثال محكومة بالتصويت بالأغلبية المؤهلة. ومع ذلك، لا يزال من الصعب التغلب على عقبة الأغلبية المزدوجة في التصويت، فالدول التي تمثل 35 في المئة من مواطني الاتحاد الأوروبي قادرة على منع أي قرار في نظام التصويت بالأغلبية المؤهلة: جمهورية التشيك وألمانيا والمجر وإيطاليا مجتمعة لديها 36 في المئة، وأشارت جميعها إلى أنها لن تقبل التدابير القاسية ضد إسرائيل.
في الختام، لا يمكن للدول الأعضاء الاعتماد على عمل موحد ومشترك للاتحاد الأوروبي لدعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير، ولا حتى محاولة حقيقية لإنهاء إراقة الدماء المستمرة. ومع ذلك، يمكنهم – وينبغي عليهم – أن يتصرفوا بمفردهم أو كائتلاف من أعضاء ذوي التفكير والمبادئ المتشابهة. وقد أظهرت إيرلندا وإسبانيا الطريق بالفعل. ففي أيار/مايو 2024، أعلنتا من جانب واحد اعترافهما بفلسطين كدولة، وبعد شهر، حذت سلوفينيا حذوهما. كما بدأت إسبانيا بالانسحاب من العديد من صفقات الأسلحة مع إسرائيل، على الرغم من محاولتها الفاشلة حتى الآن للضغط من أجل فرض حظر على الأسلحة على مستوى الاتحاد الأوروبي. ونفذت هولندا وبلجيكا الأمر نفسه جزئيًا على الأقل، وتدرس فرنسا اتخاذ إجراء مماثل. في الوقت الحالي، يبدو أن العمل الفردي هو الخيار الوحيد القابل للتطبيق بالنسبة إلى الدول الأعضاء. إذ البديل هو الجمود والشلل في الاتحاد الأوروبي، بينما يواجه الفلسطينيون الإبادة.
*بتمويل من الاتحاد الأوروبي. فإن الآراء ووجهات النظر المعبر عنها هي آراء المؤلف (المؤلفين) فقط ولا تعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي أو الوكالة التنفيذية الأوروبية للبحوث (REA). ولا يمكن تحميل الاتحاد الأوروبي أو السلطة المانحة المسؤولية عنها.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.