في بداية تموز/يوليو الماضي، وبالتحديد في ليلة الأحد الأول منه، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية بصور ومقاطع فيديو لأعمال شغب وتدمير واعتداء من قبل أتراك على السوريين المقيمين في مدينة قيصري في تركيا. وهذه الأحداث ليست الأولى من نوعها خلال سنوات التواجد السوري في تركيا، ولكنها كانت الأكثر عنفاً، وحدثت على أثر تغيرات في السياسة التركية تجاه النظام السوري، ما زاد من قلق ملايين السوريين المقيمين على أراضيها منذ سنوات. ولم يكن التواجد السوري في تركيا صدفة أو نتيجة هجرة منظمة طوعية، وإنما بدأت مع التوترات وحملات القصف العنيفة التي طالت المدن والبلدات السورية، وخاصة في شمال سوريا، إذ لجأ السوريون إلى تركيا إما هرباً من العنف المتصاعد والنزاع المسلّح بين الأطراف المتنازعة، أو لتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية داخل البلاد، أو لغياب عوامل الأمن والاستقرار في المدن والبلدات السورية. ومهما تعددت الأسباب، فقد كان لتركيا البلد المجاور لسوريا الحصة الأكبر من طالبي الحماية. وقدّر عدد السوريين المسجلين تحت بند الحماية المؤقتة في سنة 2018 بثلاثة ملايين ونصف المليون سوري تقريباً، ووفقاً للإحصائيات المحدّثة، يقدّر عددهم اليوم بثلاثة ملايين ومئة ألف تقريباً، ويضاف إليهم السوريون من حَمَلة الإقامات قصيرة الأمد [السياحية] والعائلية وإقامات الطلاب والإقامات الإنسانية وإقامات العمل التي لا يُصرّح عنها بما يتعلّق بالسوريين بشكل خاص، وإنما يُجمَل السوريون مع الأجانب في التصريحات الرسمية. ويبقى التركيز الأساسي على هوية السوريين "كلاجئين" التعبير الأكثر جاذبية لدى أحزاب السلطة التركية من جهة، والجهات الممثلة للسوريين على الأراضي التركية من جهة ثانية, ويبتكر السوريون والسوريات العالقون بين طرفي المطرقة والسندان سياسات اختفاء جماعية تطمس معالم هويتهم وثقافتهم، وتحاول طمسهم في ذلك المجتمع بلا عنف مباشر أو تهمة صريحة، حتى يصبح الجميع مضطرين إلى المحاكاة والمساومة والخضوع، وما سأستعرضه في هذه الورقة هو ما المقصود بممارسة الاختفاء، وكيف يمكن لملايين الناس أن يتعرضوا كل يوم للانتهاكات الثقافية ولا يستطيعون الدفاع عن حقوقهم اللغوية والثقافية؟
سناء 35 عاماً أمّ لطفلين (9 سنوات و5 سنوات)، نزحت من حلب إلى مدينة غازي عنتاب في عام 2016. ومنذ ذلك الحين وهي تحب أن تذهب في يوم العطلة إلى الحديقة مع طفليها للتنزّه، فزوجها يعمل في يوم العطلة، وقد وجدت في تلك العادة المنفذ من عزلة المنزل، وتروي لنا أنه في يوم من أيام عام 2023 كانت تجلس كعادتها في الحديقة وطفلاها يلعبان بجوارها بالألعاب المخصصة للأطفال، عندما اقترب طفل آخر من ابنتها وأخذ يتحدث معها بلهجة حادة ولجأ إلى ضربها، ما استدعى الأم لأن تتدخل وتبعد الطفل المعتدي عن ابنتها. لحسن الحظ لم تُصب الطفلة بأي أذى كبير، فقط تعرضت لكدمة زرقاء في الوجه، ولكن الطفلة شرحت لوالدتها فيما بعد أن السبب كان أن الطفل المعتدي رآها تتحدث مع والدتها بالعربيّة، فجاء وطلب منها أن تتخلّى عن المرجوحة لأنها غير مخصصّة للسوريين الذين وصفهم بذوي العشر سنوات بألفاظ بذيئة، ما سبب صدمة للطفلة ووالدتها، فما العمل الآن؟ أصبحت سناء بين نارين، نار إخبار زوجها بما حصل، ونار شعورها بالعجز أمام ما حدث، فهي لا تستطيع الذهاب إلى الشرطة لخوفها من دعوات الترحيل المستمرة، وسماعها القصص عن العائلات التي تم ترحيلهم بسبب قيامهم بالشكوى لدى مراكز الشرطة التركية، كما أنه لا يوجد جهة سورية تستطيع أن تلجأ إليها، فكل الجهات قاصرة عن حماية السوريين على الأراضي التركية، ولا تستطيع إخبار زوجها بما حدث لأنه سيمنعها من الذهاب إلى الحديقة، وهو ما تخافه، فالبقاء في المنزل يعني العزلة التامّة. هكذا، قررت سناء أن تخفي ما حدث، واتفقت مع طفلتها على أن يخبرا الأب بأنها وقعت عن الدرج، وأن يتحدثا بصوت منخفض باللّغة العربيّة في الأماكن العامّة في حال الضرورة فقط.
استيقظت حلا 26 عاماً في الصباح التالي لموجات العنف في مدينة قيصري وبدأت بتصفّح هاتفها، وأول ما قرأته على المجموعة الخاصة بالعمل أنه يجب على النساء في العمل ارتداء الحجاب التركي بدلاً من السوري، حفاظاً على سلامتهن. حلا تعمل في منظمة دولية في غازي عنتاب منذ سنوات، وهي تتقن اللّغة التركيّة ودرست في الجامعات التركيّة، لكنها لم تحصل على الجنسية التركيّة، وإنما هي من حاملي تصريح إقامة العمل. لم تعجبها الرسالة، ولكنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً آخر، فكما تخفي لغتها ستخفي هويتها وشكلها. استعارت حجاباً تركياً من جارتها التركيّة ووضعته وخرجت إلى الطريق وهي تفكر أنها لا تمتلك نفسها في هذا المكان، وليس لديها مكان تعود إليه ولا مكان تذهب إليه، إنها مسجونة هنا ضمن هوية ليست هويتها، ولا من يستطيع حمايتها ولا حتى المنظمة الدولية التي تعمل لديها.
أحمد 38 عاماً يعيش في إسطنبول منذ ثماني سنوات، وهو أب لطفلين ويعمل في مجال التسويق الإلكتروني، أحمد من حملة بطاقة الحماية المؤقتة، ويملك تصريح عمل، ولكن مكان إصدار البطاقة هو مدينة شانلي أورفا في جنوب تركيا، المدينة التي أقام فيها لمدة سنة قبل مغادرته إلى إسطنبول، لم يستطع العيش في أورفا، فهي بحسب وصفه مدينة صغيرة ليس فيها إمكانيات كبيرة وتكاد الأعمال هناك لا تكفي. لذا قرر الذهاب إلى إسطنبول ووجد عملاً في إحدى الشركات الناشئة في التجارة الإلكترونية، وبسبب إتقانه للغتين العربية والإنكليزية استطاع أن يتأقلم بسرعة مع العمل، وكان عملاً جيداً في البداية حتى بدأ التضخم يؤثر على متطلبات المعيشة لتصبح أكثر من قدرته، وخاصة بعد كوفيد، فطالب صاحب العمل برفع أجره الشهري، ما لم يوافق عليه صاحب العمل، ولم يستطع الشكوى أو اللجوء إلى أية جهة تساعده. وزادت صعوبات الحياة عليه عندما بدأت دوريات الشرطة التركية تبحث عن مخالفين لشروط الإقامة وهو منهم، إذ إنه يُفترض أن يعيش في أورفا بينما هو يعيش في إسطنبول، وبدأت مع تلك الحواجز رحلة الاختفاء، فانضم إلى مجموعات الواتس أب التي أنشأها السوريون للتواصل وتبادل المعلومات بخصوص الحواجز لتفاديها، وأصبح خبيراً بمواعيد دوريات الشرطة والحواجز الأمنية، لكن مخاوفه استمرت لأن الحواجز الطيارة كانت تظهر فجأة فلا يمكن تفاديها. يعيش أحمد في ظل الخوف والاختفاء منذ سنوات، كي لا يتم ترحيله. يحاول أن ينسجم مع المكان، وألا يثير الشبهات بمشيته أو حركته أو كلامه، يحاول دائماً أن يبدو غير سوري.
محمد 45 عاماً رجل أعمال يعيش في مدينة مرسين، بدأ عمله الخاص في تركيا منذ عشر سنوات في تجارة المواد الغذائية وقد أصبحت أحواله المادية جيدة جداً، وأصبح قادراً على شراء منزل لعائلته. يروي لنا قصته مع شراء عقار في مرسين، حين ذهب إلى مكتب عقاري نصحه به صديقه، وهو مكتب معروف بنزاهته ومساعدته لرجال الأعمال هناك، أخبرهم بطلبه وعرضوا عليه عدداً من المنازل التي تصلح لهذا الغرض، وذهب مع الوسيط العقاري إلى عدد من البيوت، وأُعجب بأحدها، وحددوا له موعداً للاجتماع مع صاحب المنزل. وعندما علم الأخير بأنه من الجنسيّة السوريّة، رفض مقابلته، وطلب من الوسيط العقاري عدم عرض المنزل على السوريين، وأخبره أنه يفضّل أن يبيع فقط لأتراك من ذوي الأصول التركية. وقد تكرّر الموقف مع محمد عدة مرات، بسبب كنيته، فهو من بيت عنبر ولا يوجد كنية تركية الأصل لبيت عنبر، ولذلك قرر أن يقوم بالخطوة التي كان يؤجلها منذ فترة طويلة، وهي أن يغير كنيته. حينها استشار عدداً من المحامين وبدأ بالإجراءات القانونية لذلك، وأصبح بعد فترة رسمياً يكنى بعنبرأوغلو، ومع لغته التركية وأمواله، ظن أن لا شيء سيحول دون تحقيق حلمه، فقد أصبح الآن تركياً تماماً، ولن يعرف أحد أنه سوري إلا إذا قرر هو كشف نفسه.
يروي لنا خالد 33 عاماً، أنه كان في زيارة عائلية مع زوجته الحامل في شهرها الثامن في سيارتهما في غازي عنتاب على طريق العودة إلى المنزل مروراً بطريق الجامعة. يومها، ولأجل الصدفة كانت الشوارع مزدحمة بسبب انتهاء مباراة كرة قدم بين فريقي غلطة سراي وبشكتاش، لتعلق السيارة بين الجماهير الخاسرة الغاضبة، ولاحظ أحد المشجعين أن لوحة السيارة تبدأ برقم MA وهي اللوحات المخصصة للأجانب والتي تميّزها عن السيارات التركية. هنا، اقترب المشجّع الغاضب من السيارة، وبدأ بضرب الغطاء الأمامي للسيارة، وهو يصرخ "لا نريد سوريين هنا، لا نريد سوريين هنا" باللغة التركيّة. شعر خالد بالحنق والغضب، أراد أن يخرج من السيارة للطلب من المشّجع التوقف، لكن لغته التركيّة الركيكة لم تسعفه، وخاف أن يعتدي عليه المشجّع، وتتدخل الشرطة فيصبح هو الظالم بدلاً من المظلوم. نظر هو وزوجته إلى بعضهما وقررا الاختفاء، واعتبار أن شيئاً لم يحدث، وأخذ بالدعاء أن يتوقف هذا المشجّع وأن لا يقترب من الزجاج الأمامي للسيارة، وتمنيا لو أنهما والسيارة ولوحة السيارة غير موجودين على هذه الأرض، وشعرا وكأنهما بلا صوت، وبلا سند. إنهما مقيدان بسلاسل شفافة، لا أحد يراها، ولكنهما يعرفان أنها موجودة. توقّف المشجع عن ضرب السيارة، وغادر المكان تاركاً أضراراً مادية وراءه، وأضراراً نفسية لخالد وزوجته وهما غارقان في التفكير عما ينتظر مولودهما الجديد.
يقضي قاسم 35 عاماً، ساعات في مكتبة الصغير داخل منزله مع والدته المسنّة، فهو يعمل كمصمم بصري منذ سنوات. كانت حياته في مدينة أنطاكية هادئة مفعمة بالحياة، فقد كان لديه أصدقاء من الأتراك والسوريين الذين كان يستمتع بصحبتهم، ولم تكن اللغة عائقاً، فالجميع في أنطاكية يتحدث العربيّة تقريباً، والناس كانوا لطفاء معه، وكان قد وصلها منذ ثلاث سنوات بعد أن كان نازحاً لسنوات بين مدن عديدة في سوريا، قبل أن يستطيع ووالدته الهرب إلى تركيا والاستقرار هناك، حتى جاء الزلزال وخسر معه منزله والكثير من أصدقائه وجيرانه. ويروي لنا قاسم، أن أكثر ما أثّر فيه هو ما حدث معه في مراكز الإيواء المؤقتة التي بنيت من قبل الحكومة للمتضررين من الزلزال. فعند حصول الكارثة هرب مع والدته إلى أقرب مركز إيواء وكان غارقاً وسط جموع الناس من كل مكان، عائلات وأطفال ونساء هربوا من أماكن مدمرة جزئياً بحثاً عن الماء والغذاء. كانت والدته متعبة فأجلسها وذهب ليطلب الطعام لهما، وقف في الطابور الخاص بالطعام، وعندما وصل تحدث بالعربيّة كعادته ليقابَل بجواب لم يتوقعه. قال له الموظف: الأولوية للأتراك، أما أنتم ففيما بعد. صعقه ما قيل له ولم يعرف كيف يتصرّف الآن، فكيف سيطعم والدته ومنذ متى لا يعتبر الإنسان إنساناً في ظروف كهذه؟ عاد للجلوس بجانب والدته وبدأ بالبكاء، حتى رأته عائلة مجاورة وأعطتهما القليل من الطعام. وفي اليوم التالي، غادر المركز وتوجه إلى عنتاب للمكوث في منزل أقاربه عدة أيام، وهو ما زال يشعر أنه لا يستطيع الكلام علناً، ويجد صعوبة في طلب أي شيء من أحد، وحتى إنه لم يُقِم أي علاقات اجتماعية. هو مختفٍ في غرفته لا يريد أن يراه أحد، ولا أن يرى أحداً. يغرق في تصاميمه وزبائنه، ويذهب إلى السوبرماركت فقط عند الضرورة، هو يريد أن يكون كالزجاج شفافاً، ولكنه أيضاً أصبح هشاً كالزجاج، فرحلات النزوح المستمر استنفدت كل طاقته، ولم يعد قادراً على التكيّف بعد الآن.
لا يبدو المستقبل أكثر إشراقاً للسوريين، ومع الحروب والصراعات المستمرة في تلك المنطقة، تبقى أحلام العودة مجرد آمال لا تُترجم على أرض الواقع، لكن سياسات الاختفاء التي ابتكرها السوريون في كل مكان، هي آليات للنجاة والحياة والاستمرار بالوجود حتى لو كان مخفياً. ومن المعروف اهتمام السوريين بالتمسك بمعالم هويتهم الثقافية مهما كان الثمن، فما العمل؟
وهنا عدد من التوصيات الموجهة إلى مؤسسات المجتمع المدني العاملة في تركيا، والتي يمكن أن تدعم سياسات الاختفاء الاجتماعية وتحافظ عليها:
- الاستثمار بتعليم اللّغة العربيّة للأطفال والجيل الجديد عن طريق تكثيف الجهود المجتمعية والفردية لتعليم الأطفال ضمن هيكليات غير رسمية أو على شكل مبادرات تطوعية أو مشاريع تنموية.
- القيام بتنظيم أنشطة تعليمية وترفيهية للأطفال من قبل نوادٍ أهلية ومجموعات تطوعيّة من نفس الخلفية الثقافية لبناء روابط بين الأطفال وجسورٍ للتواصل بينهم بلغتهم الأم.
- دعم شبكات النشر والتوزيع للكتب المطبوعة باللّغة العربيّة وتشجيع إنشاء مجموعات قراءة وتفكير جماعي لنقل وتبادل المعرفة الحديثة، ودعم إنتاج القصص المروية والمحكية المكتوبة والمصورة عما يعيشه السوريون في كل مكان.
- التركيز على الفنون كالمسرح والموسيقى، وفنون الطهي، كمساحات جامعة للسوريين في الأماكن التي يعانون فيها التهديدات، والإبقاء على هذه المساحات كمنافذ للتواصل في ما بينهم.
- إنشاء برامج دعم اجتماعي وصحة نفسية للمتضررين من حوادث الكراهية والعنصرية، وفتح مساحات للحوار حول المشاكل الصحيّة المرافقة لهذه الحوادث على المدى الطويل وأساليب علاجها والتعامل معها.
- تنظيم جلسات حوارية مجتمعية بين السوريين في مختلف المناطق الجغرافية، لتشارك الآليات التي يستخدمونها في الحفاظ على هويتهم ونقلها إلى أطفالهم.
- دعم مشاريع التراث اللامادي وخاصة الأغاني والعادات، وطرق العيش والرقص واللباس، وتشجيع الفئات المتضررة على الانخراط في هذه المشاريع لحفظ تراث المناطق التي ينحدرون منها.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.