مدخل عام
في شهر مايو/أيار 2025، أعلن وزير التعليم العالي في مصر عن إنشاء 12 جامعة أهلية جديدة خلال مدة زمنية قياسية، على أن تبدأ الدراسة فيها في العام الأكاديمي 2025/2026. وبذلك ارتفع عدد الجامعات الأهلية في مصر من 20 جامعة قبل هذا الإعلان إلى 32 جامعة، على أن يبدأ تشغيل الجامعات الجديدة بعد نحو خمسة أشهر فقط من تاريخ الإعلان.
ويأتي هذا التوسّع في إطار طفرةٍ غير مسبوقة شهدها هذا القطاع منذ أغسطس/آب 2020، إذ انتقل عدد الجامعات الأهلية من ثلاث جامعات فقط أُنشئت خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، إلى 32 جامعة بحلول 2025، بزيادةٍ قدرها 29 جامعة خلال خمس سنوات فقط منذ تأسيس جامعة العلمين الدولية (أغسطس/آب 2020) وما تلاها من جامعات جديدة.
تكمن خصوصية هذا الإعلان الوزاري في السرعة المفاجئة لمرحلة تنفيذه مقارنةً برحلة الجامعات الخاصة في مصر، والتي استغرقت عقودًا للوصول إلى لحظة الإطلاق والتشغيل واستقبال الطلاب. وتبرز أهميته كذلك في كونه مشروعًا تبنّاه الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ بدايته في أغسطس/آب 2020، وحرص على الترويج له بشكلٍ متكرّر، كما سيتّضح لاحقًا في تحليل السردية. ولهذا، لم يكن من المستغرب أن يصرّح رئيس الوزراء بأن "الفضل كلّه في الإسراع بإنشاء الجامعات الأهلية يعود لتوجيهات الرئيس السيسي".
من هذا المنطلق، تكتسب دراسة سردية الدولة في الترويج السريع لهذه السياسة أهمية خاصة، إذ تقدّم مثالًا واضحًا على أحد أشكال التغيّرات الجذرية التي تنتهجها الدولة في مجال التعليم الجامعي، وتُظهر الكيفية التي تُبنى بها هذه السياسات على المستوى السردي. وتتضاعف أهمية التحليل عندما نضع في الاعتبار أن الرئيس المصري، في أحد تصريحاته عن سياسة الجامعات الأهلية المزمع إنشاؤها، اختتم حديثه بالقول: "ودي طريقتي مع أي حاجة في البلد". وهو ما يعكس أن هذه السياسة ليست معزولة عن سائر قطاعات السياسات العامة في مصر في الوقت الحاضر، بل تعكس نهجًا أوسع يتبنّاه الرئيس في التعامل مع سائر القضايا العامة المطروحة كأولويات تستلزم المعالجة.
وفي ضوء ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل هذه السردية من خلال استخدام الإطار السردي للسياسات، الذي ينطلق من افتراضٍ مفاده أن البشر "حيوانات قصصية" (homo narrans)، وأن القصص تؤدي دورًا جوهريًا في كيفية فهم الأفراد والجماعات للقضايا العامة وفي تصميم السياسات وعملياتها ونتائجها. ) ويركّز هذا النهج على تفكيك البناء التكتيكي للسردية وكيفية توظيف عناصرها للتأثير في العمليات السياسية ونتائجها، انطلاقًا من أن تغيير الرأي العام يتطلّب سرد قصة جيدة أكثر من الاعتماد على تفاصيل السياسة ذاتها.
ويستند الإطار السردي في ذلك إلى أربعة عناصر هيكلية أساسية سأستخدمها في تحليل سردية الدولة بشأن الجامعات الأهلية بغية تفكيك أبعاد الصراع الرمزي المتعلق بالعدالة التعليمية بعد أكثر من خمسة وستين عامًا من تبني مبدأ الجامعات الحكومية شبه المجانية، وهي:
- الإطار او السياق (Setting): وهو السياق الذي تُطرَح ضمنه مشكلة السياسة العامة بما يشتمل عليه من حقائق يُنظر إليها كمسلّمات، وقيود قانونية ودستورية، وخصائص جغرافية وديموغرافية، فضلًا عن القواعد التي يتفق عليها معظم الأطراف المعنية؛ وبعبارة أخرى، هو المسرح الذي تدور عليه أحداث القصة السياساتية.
- الشخصيات (Characters): وهي عنصر محوري في كل سردية سياساتية، ويصنّف الإطار السردي هذه الشخصيات إلى ثلاثة أنماط رئيسية: الأبطال (heroes) الذين يمتلكون القدرة على حلّ المشكلة، والأشرار (villains) الذين يُلقى عليهم اللوم في التسبّب بها، والضحايا (victims) الذين يتحملون تبعاتها. ولا يُشترط أن تكون هذه الشخصيات أفرادًا محدّدين، إذ يمكن أن تكون كيانات مجرّدة مُجسَّدة مثل البيئة أو الحرية، أو فئات اجتماعية واسعة مثل الطلاب.
- الحبكة (Plot): وهي الرابط الذي يجمع بين الشخصيات المختلفة وبين الإطار العام للسياسة، وغالبًا ما تتّخذ شكل بداية ووسط ونهاية. ولا يضع الإطار السردي تعريفًا إجرائيًا صارمًا للحبكة، مما يفتح السياق لاستيعاب أشكالٍ متعدّدة للحبكة.
- الحلم أو القيمة التي تسعى للدفاع عنها (Moral of the Story): وهو المخرج الذي تقدّمه السردية عادةً بوصفه الحلّ الأمثل للمشكلة المطروحة. وقد يكون ذلك في صورة توجّهٍ جديد للدولة، أو الاكتفاء بالدعوة إلى الحفاظ على الوضع الراهن. ومع ذلك، قد تخلو بعض السرديات من حلٍّ واضح، وتهدف بدلاً من ذلك إلى إبراز حجم المشكلة أو التركيز على حالة عدم اليقين المحيطة بها.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.