ملخص
تقف بلديات لبنان أمام مفترق طرق حاسم في العام 2025. فبعد أعوامٍ من التهميش والخنق المالي وتأخير الانتخابات البلدية التي أُجريت أخيرًا في أيار/مايو 2025. وكشفت هذه الانتخابات - الأولى منذ نحو عقدٍ من الزمن - عن إمكانات ومخاطر الحكم المحلي في لبنان. ووفقًا للأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية والبلديات (MOIM، 2025)، كانت نسبة المشاركة في الانتخابات ضعيفة في المدن الرئيسية (نحو 21 في المئة فقط في بيروت و27 في المئة في طرابلس)، ما ـأشار إلى انسحاب المواطنين وأثار مخاوف حول شرعية المجالس المنتخبة. في المقابل، شهدت مناطق أخرى إقبالاً أعلى (نحو 47 في المئة في عكار، و48.6 في المئة في بعلبك)، وإن بقيت أدنى من الانتخابات السابقة. وأُرجئت هذه الانتخابات مرارًا منذ عام 2022، ما أدى إلى حل أو توقف نشاط أكثر من نصف المجالس البلدية بحلول أوائل العام 2025. وعندما أُجريت أخيراً، شابتها في بعض المناطق فوضى لوجستية وتدخل سياسي ومزاعم بحدوث مخالفات - فتعطل فرز الأصوات في طرابلس مثلاً بسبب أعمال العنف وادعاءات بالتزوير، ما دفع مراقبي الانتخابات (El Jammal، 2025) إلى المطالبة بإلغاء الانتخابات وإعادة الاقتراع.
إلى جانب التحدي المتمثل في إجراء الانتخابات المحلية، يعاني النظام البلدي في لبنان من مشكلات بنيوية عميقة تتطلب إصلاحات جوهرية إذا أُريد للبلديات أن تؤدي دورها وتحقق إمكاناتها. فيُبقي الإطار القانوني القديم (لا سيما قانون البلديات لعام 1977) مجالس البلديات تحت سيطرة مركزية صارمة وإشراف شامل من وزارة الداخلية. وعلى الصعيد المالي، تعاني البلديات من الاعتماد على صندوق بلدي مستقل مركزي غير موثوق، وقاعدة إيرادات محلية ضيقة. وتؤخر السلطات المركزية غالباً تحويل الأموال أو تسيّسها، بل وتحوّل إيرادات البلديات لتغطية نفقات الدولة، ما يترك البلديات في أزمة سيولة دائمة. وتقتصر الإيرادات الذاتية على معدلات ضريبية قديمة وقدرة ضعيفة على الجباية؛ وتعجز بلديات عديدة عن تحصيل ما يكفي لدفع راتب لائق لأحد موظفيها. كما أن القدرات الإدارية ضعيفة: فمعظم البلديات (خصوصاً الصغيرة منها) ينقصها موظفون مؤهلون وأنظمة حديثة. فتفتقر مثلاً أكثر من 22 في المئة من الاتحادات البلدية إلى دوائر إدارية ومالية، بينما يعمل 37 في المئة منها من دون دائرة هندسية (DRI، 2017)، ما يشير إلى نقصٍ حاد في الخبرة التقنية على المستوى المحلي. ويَصعُب تعيين موظفين من أصحاب الكفاءات والاحتفاظ بهم في ظل قيود الأجور في القطاع العام وهجرة الأدمغة المتفشية (غادر العديد من المهنيين الشباب البلاد). كما يُضعف التدخل السياسي الاستقلالية المحلية بشكلٍ أكبر، فتعمل البلديات غالباً ضمن شبكات المحسوبية للأحزاب السياسية، ما يحول المجالس إلى امتداد لهذه السياسة. ويمكن للسلطات المركزية أن تعرقل أو ترفض المشاريع المحلية لأسباب سياسية، في حين يفضل المسؤولون المحليون أحياناً الولاء على الكفاءة في التوظيف. وجعلت هذه القضايا الهيكلية المتشابكة البلديات "الحلقة الأضعف" في سلسلة تقديم الخدمات.
وفاقمت الأزمة المالية والاقتصادية المستمرة في لبنان التي بدأت عام 2019، هذه التحديات بشكلٍ كبير. فأدى الانهيار الاقتصادي للبلاد - الذي وصفه البنك الدولي بأنه من الأسوأ خلال قرن - إلى فقدان الليرة اللبنانية أكثر من 98 في المئة من قيمتها، وارتفاع التضخم إلى ثلاثة أرقام. وتقلصت موازنات البلديات إلى جزءِ ضئيل من قيمتها السابقة؛ فالبلدة التي جمعت 300 مليون ليرة لبنانية من الرسوم عام 2019 (نحو 200 ألف دولار حينها) مثلاً، وجدت أن هذه القيمة لا تساوي سوى نحو 5 آلاف دولار بحلول العام 2023. وكافحت مجالس البلديات لتزويد شاحنات النفايات بالوقود وإصلاح أعمدة إنارة الشوارع، أو دفع أجور العمال مع الارتفاع الحاد في التكاليف. الآن، يتقاضى العديد من موظفي البلديات ما يعادل أقل من 50 دولارًا شهريًا، ما أدى إلى هجرة الموظفين وحتى إلى تنفيذ إضرابات في محافظات عدة خلال عام 2023.
وفي الوقت نفسه، نتج عن شلل الحكومة بين تشرين الأول/أكتوبر 2022 وكانون الثاني/يناير 2025 - وهي فترة تجاوزت العامين من دون رئيس للجمهورية ووجود حكومة تصريف أعمال معطلة فقط – غياب أي دعم أو مساعدة للبلديات. فتأخر تخصيص الميزانية، وتوقفت الإصلاحات الحاسمة (مثل تحديث قانون اللامركزية) في البرلمان. وامتد الانهيار على المستوى الوطني: فبحلول منتصف عام 2023، هددت الأزمة مئات البلديات بالانهيار (مجموعة الأزمات الدولية، 2023). وأدى التأجيل المتكرر للانتخابات البلدية خلال هذه الفترة إلى مزيد من تآكل الحوكمة البلدية، ما ترك العديد من المجالس في حالة فراغٍ قانوني، وبعض البلدات تحت سيطرة إداريين غير منتخبين.
التوصيات السياساتية الرئيسية: تدعو ورقة السياسات هذه جميع الأطراف المعنية إلى اتخاذ إجراءاتٍ عاجلة لإنقاذ وتمكين مجالس البلديات في لبنان. وتقترح جدول أعمال شاملاً يركز على الإصلاح القانوني واللامركزية المالية وتعزيز المؤسسات. باختصار، تشمل التوصيات الرئيسية ما يأتي:
- المؤسسات المركزية: سن قانون اللامركزية الذي طال انتظاره لإنشاء مجالس إقليمية منتخبة؛ وإصلاح القوانين المالية للبلديات لتوسيع مصادر الإيرادات المحلية وإعادة هيكلة الصندوق البلدي من أجل تحويلات عادلة وفي مواعيدها؛ وتخفيف الضوابط المركزية التي تكبح المبادرات المحلية. من شأن هذه الخطوات تحديث الإطار القانوني ومنح البلديات سلطة وموارد أكبر لخدمة مجتمعاتها.
- البلديات (واتحادات البلديات): المبادرة إلى تعزيز الحوكمة المحلية حتى في ظل القيود الحالية. ويشمل ذلك تحسين تحصيل الإيرادات المحلية (من خلال تحسين جباية الضرائب وإشراك المجتمع)، وتعزيز الشفافية ومشاركة المواطنين في إعداد الموازنات، وتجميع الموارد عبر الاتحادات أو الشراكات لتقديم خدمات مشتركة، وإشراك القطاع الخاص المحلي والمغتربين في مشاريع التنمية. ويجب أن يتحد قادة البلديات أيضاً للدفاع بشكلٍ جماعي عن حقوقهم والإصلاحات اللازمة على المستوى الوطني، وتقديم جبهة موحدة للمطالبة بالدعم الذي يحتاجون إليه.
- شركاء التنمية الدوليون: مواءمة المساعدات مع أهداف اللامركزية في لبنان عبر توجيه المزيد من التمويل مباشرة إلى البلديات المحلية بدلاً من تجاوزها والعمل مع منظمات المجتمع المدني حصراً. بالإضافة إلى الاستثمار في بناء قدرات البلديات من خلال برامج التدريب والمساعدة التقنية، ومبادرات التوأمة بين المدن. وأخيراً، تنسيق جهود المانحين لتجنب الازدواجية وسد الثغرات العاجلة في تقديم الخدمات في الفترة الانتقالية (مثل دعم جمع النفايات أو توفير المياه) لمنع الأزمات الإنسانية على المستوى المحلي. وينبغي أن يُسهم الدعم الخارجي في تمكين المؤسسات المحلية بدلاً من أن يحل محلها، ويشكل حافزاً للامركزية المستدامة.
يمكن أن يُخفف تنفيذ هذه التوصيات الضغط الفوري عن بلديات لبنان، مع توجيه البلاد نحو نظام حكم أكثر لامركزية وفعالية. تلعب الحكومة المركزية دور اً محورية في إزالة الحواجز الهيكلية وتوفير إطار تمكيني. ويمكن لشركاء التنمية تقديم الموارد والخبرة لسد الفجوات وتجربة حلول مبتكرة. وفي الوقت نفسه، يمكن للبلديات نفسها، حتى في ظل القيود الحالية، تحسين الممارسات على أرض الواقع والاستعداد لتحمل مسؤولياتٍ أكبر. فتمكين البلديات ليس ترفاً أو مثالاً نظرياً مجرداً، بل هو ضرورة ملحة لتعافي لبنان. فمع تحقيق اللامركزية القانونية والمالية الحقيقية، يمكن للبلديات أن تصبح محركات للتنمية والمساءلة والمرونة. وتوفر الإصلاحات الموضحة في هذه الورقة خارطة طريق نحو هذا الهدف، وتضمن أن تكون السلطات المحلية مجهزة للاستجابة إلى احتياجات المواطنين والمساعدة في استعادة ثقة القاعدة الشعبية بالحكم.
I. الخلفية: اللامركزية مع صلاحيات محدودة
يتمتع لبنان بهيكل إداري من ثلاثة مستويات مع نظام حكم مزدوج. إلى جانب الحكومة، توجد في البلاد سلطات لامركزية على المستوى الإقليمي ممثلة بثماني محافظات و26 قضاءً. وهناك سلطات لامركزية على المستوى المحلي، ممثلة بالبلديات واتحادات البلديات.
تعود جذور الحكم المحلي في لبنان إلى العهد العثماني (مع صدور أول قوانين بلدية في عامي 1864 و1877) وفترة الانتداب الفرنسي (1920-1943). ومع ذلك، فإن الأساس القانوني الرئيسي اليوم هو المرسوم بقانون رقم 118 لعام 1977 (قانون البلديات) الذي يواصل تحديد صلاحيات البلديات على الرغم من التعديلات اللاحقة. وعطّلت الاضطرابات الناتجة عن الحرب الأهلية (1975-1990) المؤسسات البلدية بشكلٍ خطير – فعُلّقت الانتخابات البلدية لأكثر من ثلاثة عقود، ولم تستأنف إلا في العام 1998 بعد انتهاء الحرب (Atallah، 2022). ومن عام 1998 إلى العام 2016، نجح لبنان في إجراء الانتخابات البلدية وفق دورة منتظمة كل ستة أعوام. شهدت هذه الفترة إحياء الممارسة الديمقراطية المحلية، وإن كان ذلك في حدود النظام المركزي القائم. وانقطعت الدورة مرة أخرى حين أُجّلت انتخابات العام 2022.
اليوم، يوجد في لبنان عدد كبير جدًا من البلديات مقارنةً بعدد سكانه. فهناك 1065 بلدية (MOIM، 2025) في جميع أنحاء البلاد – وهو من أعلى معدلات البلديات بالنسبة إلى الفرد في العالم لبلدٍ بحجم لبنان. تتفاوت هذه البلديات بشكل كبير على مستوى الحجم والقدرة، من المدن الكبرى مثل بيروت وطرابلس (لكل منهما 24 عضوًا في المجلس) إلى مئات القرى الريفية الصغيرة التي تُدار غالباً من قبل مجلس مكون من تسعة أعضاء فقط. فتخدم أكثر من 70 في المئة من البلديات سكانًا يقل عددهم عن 4 آلاف ناخب مسجل، ما يعكس التجزئة الشديدة (Zoughaib, et al.، 2025).
يكمن السبب الرئيسي وراء تزايد عدد البلديات في لبنان – التي تُنشئ غالباً بغض النظر عن استدامتها على المدى الطويل أو قدرتها على أداء وظائفها – في القانون 665/1997. فعدّل هذا القانون عدة مواد من قانون البلديات لعام 1977، لا سيما تغيير شروط إنشاء البلديات وجعلها من اختصاص وزير الداخلية والبلديات (Hamieh، 2025).
لم يؤدِ هذا التشريع إلى زيادة هائلة في عدد البلديات فحسب، بل عزز أيضًا اعتماد الكيانات المحلية على الحكومة، لأن إنشاء البلدية لم يعد حقًا، بل أصبح ميزةً تمنحها النخبة السياسية عبر وزير الداخلية والبلديات.
ولتنسيق الجهود وتجميع الموارد، يسمح القانون اللبناني للبلديات بتشكيل اتحادات بلديات (UoMs) – وهي اتحادات طوعية للبلدات المجاورة مع مجالس مشتركة. وحتى عام 2025، يوجد نحو 60 اتحادًا من هذا النوع (MOIM، 2025)، تغطي أجزاء كبيرة من البلاد. في المبدأ، يمكن أن تنفذ الاتحادات مشاريع إقليمية (مثل البنية التحتية المشتركة)، وتقدم الدعم الفني للبلدات الأعضاء فيها، على الرغم من أن فعاليتها تختلف بشكلٍ كبير في الممارسة العملية.
بموجب قانون البلديات لعام 1977 والقوانين ذات الصلة، تُعتبر البلديات كيانات قانونية مستقلة ذات مجالس منتخبة وصلاحيات واسعة. ويُفترض أن ينتخب المواطنون كل ستة أعوام مجلساً بلدياً (ورئيس بلدية من بين الأعضاء). ويُكلّف القانون المجالس بمسؤولية "كل عمل ذي طابعٍ عام أو مصلحة عامة ضمن نطاق البلدية"، ومن ضمنها الخدمات المحلية ووظائف التنمية. نظرياً، يمكن للبلديات إعداد واعتماد الميزانيات المحلية وخطط التنمية، فرض ضرائب ورسوم محلية محددة، تنظيم وصيانة المرافق العامة (مثل الطرق والأسواق والمتنزهات)، دعم خدمات التعليم والرعاية الصحية المحلية، إدارة النفايات والصرف الصحي، وتنفيذ مشاريع الأشغال العامة. وصُمم هذا الإطار لتعزيز اللامركزية الإدارية عبر السماح للهيئات المنتخبة محلياً بتلبية احتياجات المجتمع مباشرة (El-Hellou، 2025).
ومع ذلك، فإن واقع الحكم البلدي في لبنان يختلف بشكلٍ حاد عن هذه الاستقلالية النظرية. منذ فترة ما بعد الحرب الأهلية، استمرت تقاليد قوية من الوصاية المركزية. تعمل البلديات تحت إشراف دقيق من الحكومة - وبشكلٍ أساسي وزارة الداخلية والبلديات - التي يجب أن توافق على العديد من القرارات المحلية. على المستوى دون الوطني، يعمل قائممقامو الأقضية والمحافظون كوسطاء للسلطة المركزية، فيراجعون ويوافقون على مجموعةٍ من الإجراءات البلدية. وتتطلب القرارات البلدية الرئيسية - مثل النفقات الكبيرة ومشاريع الأشغال العامة وتعيين الموظفين أو الاقتراض - موافقة مسبقة من السلطات المركزية (IFES، 2025). على سبيل المثال، حتى إذا خصص مجلس بلدي أموالاً لبناء خزان مياه أو طريق جديد، قد يتعطل المشروع أشهرٍاً عدة في انتظار موافقة وزارة الداخلية أو تصاريح إضافية من وزارات أخرى. وتعوق هذه السيطرة الشاملة من أعلى إلى أسفل المبادرات المحلية بسبب البيروقراطية المفرطة. على عكس العديد من الدول التي تُدقق فيها نفقات الحكومة المحلية بعد التنفيذ، يستخدم لبنان تدقيقات الموافقة المسبقة – فيجب على البلديات الحصول على موافقة السلطات المركزية قبل تنفيذ العديد من النفقات. ونتيجة لذلك، يمكن أن تتأخر حتى المشتريات الصغيرة، ما يثني رؤساء البلديات عن محاولة إيجاد حلول مبتكرة إذا كانوا يخشون أن تبقى الأوراق على مكتب الوزير. وكما أوضح البنك الدولي (2022)، "تؤدي رقابة الحكومات الإدارية والمالية الدقيقة إلى صعوبات إدارية تسهل السيطرة السياسية على الموارد، وتعوق قدرة البلديات على توجيه أموال التنمية، بما فيها الأموال الدولية، نحو خدمات ومشاريع مستدامة".
وتُعقّد البيئة السياسية في لبنان دور البلديات. فيتميز النظام السياسي بتقاسم السلطة على أساس طائفي وشبكات الزبائنية التي تمتد إلى المستوى المحلي. عملياً، تُمثل العديد من البلديات مراكز محسوبية للأحزاب الطائفية الراسخة أو الزعماء السياسيين المحليين (Harb & Atallah، 2020). غالباً ما فيكون المسؤولون المحليون المنتخبون مدينين بالولاء غالباً إلى القادة التقليديين نفسهم الذين يهيمنون على السياسة الوطنية، ما يؤثر على كيفية تخصيص الموارد والمشاريع التي تتلقى الدعم. بدلاً من العمل كوكلاء مستقلين للتنمية المحلية، تتحول المجالس البلدية غالباً إلى ساحات للتأثير الحزبي وإبرام الصفقات. فيمكن أن تجد مثلاً بلدة متحالفة مع حزب معارض أن تمويلها أو الموافقات على مشاريعها تُعرقلها بهدوء وزارة يسيطر عليها خصومهم السياسيون. هذا التسييس يقوض روح اللامركزية، ويلوم المواطنون غالباً البلديات على المشكلات المحلية، لكن المجالس البلدية نفسها قد تفتقر إلى السلطة والموارد اللازمة للتصرف من دون دعمٍ سياسي من بيروت.
وفي الوقت نفسه، تُسبّب التجزئة – أي العدد الكبير من البلديات الصغيرة – محدودية الإدارات المحلية جغرافياً وديموغرافياً، فلا تستطيع تلبية احتياجات التنمية الأوسع نطاقاً. ويمكن أن تضيع القضايا التي تشمل عدة بلدات (موارد المياه، الطرق الرئيسية، مكبات النفايات الإقليمية، إلخ) إذا لم يكن هناك تنسيق فعال على مستوى المنطقة أو المحافظة. ويُحدث غياب المجالس المنتخبة فوق المستوى البلدي (أي عدم وجود بلدية إقليمية منتخبة للمحافظات أو المناطق) فجوةً في هيكل الحكم اللبناني، فينبغي أن يجري التخطيط الاستراتيجي والتنسيق بين البلديات (Atallah، 2022).
باختصار، إن خلفية الأزمة البلدية في لبنان هي نظام توجد فيه اللامركزية الرسمية على الورق، ولكن السلطة الفعلية تبقى حصراً في أيدي السلطات المركزية. ويُفترض أن تكون البلديات حجر الزاوية في تقديم الخدمات المحلية والتمثيل الديمقراطي. لكن القيود القانونية والاعتماد المالي والقدرات المحدودة والتدخل السياسي أضعفت أداءها بشكلٍ مزمن. وتحلل الأقسام الآتية هذه التحديات بعمق – بما فيها التطورات الأخيرة المحيطة بانتخابات 2025 – وتقترح طرقًا ليتحرك لبنان نحو تمكين محلي حقيقي.
II. الانتخابات البلدية لعام 2025: الإقبال والشرعية
إقبال الناخبين: التفاوتات الإقليمية، القوائم الانتخابية والمشاركة
كان مقرراً إجراء الانتخابات البلدية في لبنان عام 2022، لكنها تأجلت مراتٍ عدة بسبب المناورات السياسية والأزمات. فأجّل البرلمان الانتخابات أولاً لإعطاء الأولوية للانتخابات النيابية لعام 2022، ثم مرة أخرى في العام 2023 بحجة نقص التمويل، ومرة ثالثة عام 2024، بسبب المخاوف الأمنية المرتبطة بالحرب بين إسرائيل وحزب الله التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2023. بعد هذه التأجيلات المتتالية عاماً بعد عام، أجرت الحكومة أخيرًا الانتخابات البلدية في أيار/مايو 2025، مع تطبيقها حسب المناطق على مراحل خلال أربع عطلات نهاية أسبوع. وكانت هذه أول انتخابات بلدية منذ نحو تسعة أعوام (كانت آخرها عام 2016). وبحلول بدء التصويت، كان الفراغ المطول أدى إلى عواقب وخيمة: وفقًا لشركة "الدولية للمعلومات" (شركة أبحاث مقرها بيروت)، كان أكثر من نصف المجالس البلدية في لبنان غير فعال قبل انتخابات 2025. وحُلّ ما لا يقل عن 125 مجلسًا رسميًا (بسبب الاستقالات أو إخفاقات أخرى)، ولم تُجرَ انتخابات في بلديات جديدة تشكلت منذ العام 2016، بينما لم تكن العديد من البلديات الأخرى فعالة حقاً بسبب الجمود السياسي أو الإفلاس (الدولية للمعلومات، 2025). في هذه المناطق، كان الحكم المحلي يُدار بواسطة أمناء مؤقتين (تعينهم السلطات المركزية، مثل مفوضي الأقضية) في غياب المجالس المنتخبة. وأبرزت هذه الحالة أزمةً شرعية: فكانت الديمقراطية المحلية في حالة توقف، ما أضعف المساءلة ومشاركة المواطنين على مستوى البلديات.
شهدت نسبة المشاركة في انتخابات العام 2025 انخفاضاً ملحوظاً في جميع أنحاء البلاد، ما يعكس حالة من اللامبالاة وخيبة الأمل بين المواطنين على نطاقٍ واسع. فسجلت العاصمة بيروت نسبة مشاركة بلغت 21 في المئة فقط، ما يتوافق مع معدلات المشاركة المنخفضة تاريخياً (MOIM، 2025). وبالمثل، بلغت نسبة المشاركة في طرابلس نحو 27 في المئة (Kayssi، 2025). وعلى العكس، أظهرت المناطق الريفية مشاركة أعلى نسبياً، فسجلت عكار نحو 47.3 في المئة وبعلبك نحو 48.6 في المئة (MOIM، 2025). وأبرز هذا الانقسام الحاد بين المدن والريف المستويات المتفاوتة للتعبئة السياسية واهتمام الناخبين. وساهم القانون الانتخابي المعمول به الذي يفرض على الناخبين التصويت في مسقط رأس أجدادهم بدلاً من أماكن إقامتهم الحالية، بشكلٍ كبير في انخفاض نسبة المشاركة - لا سيما في المدن الكبيرة حيث لا يحق للعديد من السكان التصويت - وفي ضعف المساءلة. فواجهت نحو 80 في المئة من البلديات عدم تطابق بين تسجيل الناخبين ومكان إقامتهم الفعلي (Zoughaib et al.، 2025). ودعا المدافعون عن الإصلاح باستمرار إلى السماح بتسجيل الناخبين بناءً على مكان إقامتهم الحالي، ما قد يعزز نسبة المشاركة ويضمن أن تكون المجالس ممثلة بشكلٍ حقيقي (Ray، 2023).
من المهم أيضًا ملاحظة أن انتخابات 2025 نُظمت خلال مهلة قصيرة جدًا. فلم يُتخذ قرار إجرائها بعد طول انتظار إلا قبل بضعة أسابيع فقط من التواريخ المقررة، بعد فترة طويلة من عدم اليقين. وحتى الأسبوعين الأخيرين قبل بدء التصويت، شكك العديد من اللبنانيين في إجراء الانتخابات البلدية بالفعل. أدى هذا الاستعجال في التنظيم إلى تقييد الوقت المتاح للحملات الانتخابية وتعبئة الناخبين. وبالنسبة إلى السلطات، أصبح مجرد إجراء الانتخابات هدفًا في حد ذاته - كإشارة إلى استئناف العمليات الديمقراطية واستعادة جزء من الشرعية للحكم المحلي بعد سنوات من التأخير. ومع ذلك، يُرجح أن الاستعداد المتسرع وتدني توقعات الجمهور ساهما في ضعف مشاركة الناخبين، وانخفاض نسبة التصويت في العديد من المناطق.
مخاوف بشأن نزاهة الانتخابات وشرعيتها
بالإضافة إلى نسبة المشاركة، أثيرت مخاوف جدية بشأن سير الانتخابات ونزاهتها في بعض المناطق، ما زاد من الغموض حول شرعية النتائج. ووقعت أبرز المشاكل في طرابلس خلال المرحلة الثانية من التصويت (11 أيار/مايو 2025). هناك، انحدرت عملية فرز الأصوات إلى حالة من الفوضى: فعرقلت الانتهاكات الصارخة والحوادث الأمنية عملية الفرز، وتأخر إعلان النتائج الرسمية لأيامٍ عدة. ووثّق مراقبون مستقلون من الجمعية اللبنانية للانتخابات الديمقراطية (LADE) حالات تلاعب بصناديق الاقتراع، وترهيب المراقبين ومخالفات إجرائية. وطالبت (LADE) بإلغاء نتائج الانتخابات البلدية في طرابلس بسبب هذه "المخالفات الجسيمة" (El Jammal، 2025). استغرق الأمر أكثر من يومين لإعلان الفائزين في طرابلس، ما تسبب باندلاع احتجاجات في الشوارع، ورفع دعاوى قضائية. ألقت هذه الاضطرابات في ثاني أكبر مدينة في لبنان بظلالها على مصداقية الانتخابات في الشمال. وفي حين شهدت معظم الدوائر الأخرى عمليات أكثر سلاسة وإعلانات سريعة عن الفائزين، سلطت كارثة طرابلس الضوء على ضعف قدرة السلطات على إدارة الانتخابات في بيئة متوترة ومحدودة الموارد. كما عززت الشعور بأن الانتخابات وحدها، من دون إصلاحات أوسع نطاقاً، قد تفشل في تحقيق تحسينات ملموسة للمواطنين.
أُلقِيَ اللوم على محافظ الشمال رمزي نهرا، بسبب سوء إدارته الجوهري للعملية الانتخابية، ما أخّر النتائج وانتشرت الاتهامات بوجود إخفاقاتٍ إجرائية. وكنتيجةٍ مباشرة للفشل الانتخابي، أقالت الحكومة رسمياً المحافظ نهرا من منصبه في 14 أيار/مايو 2025، بعد ثلاثة أيام فقط من الانتخابات المثيرة للجدل (Jadah، 2025).
تمثيل الجنسين ومشاركتهم
شهدت شمولية الجنسين تحسنًا تدريجيًا في الانتخابات البلدية لعام 2025. فشكلت النساء نحو 12 في المئة من مرشحي المجالس البلدية، بزيادة تبلغ 7 في المئة عام 2016 (MOIM، 2025). ويُذكر أن نسبة المرشحات في بيروت بلغت نحو 30 في المئة، في تناقضٍ صارخ مع المناطق الريفية مثل بعلبك حيث شكلت النساء 7 في المئة فقط من المرشحين (MOIM، 2025). بشكلٍ عام، حصلت النساء على نحو 10.4 في المئة من مقاعد المجالس البلدية على مستوى البلاد - وهو ارتفاع كبير عن الانتخابات السابقة، على الرغم من استمرار هيمنة الذكور على المناصب المحلية الأخرى (مثل المختار أو مسجل القرية) بشكلٍ ساحق (Hamadi، 2025).
على الرغم من كل هذه التحديات، أنتجت انتخابات 2025 قيادة بلدية جديدة في مختلف أنحاء لبنان. وفي كثيرٍ من المناطق، استمرت هيمنة القوى السياسية التقليدية (الأحزاب القائمة والعائلات المهيمنة)، بفضل مواردها وتنظيمها المتفوقين. لكن الأهم من ذلك، أن تأثير هذه الانتخابات الفعلي سيبقى محدودًا ما لم تُعالج القضايا الهيكلية. ويُرجح أن يستمر تراجع الإقبال العام وثقة المواطنين طالما استمرت نظرتهم إلى المجالس البلدية على أنها عاجزة أو غارقة في الزبائنية. وتتناول الأقسام الآتية هذه التحديات الهيكلية الأعمق بمزيد من التفصيل.
III. التحديات الهيكلية التي تواجه البلديات اللبنانية
على الرغم من الاختلافات المناطقية، تشترك البلديات اللبنانية في مجموعة من التحديات الهيكلية المتجذرة التي حدّت من فعاليتها لفترةٍ طويلة. ويمكن تصنيف هذه التحديات إلى أربع مجالات عامة: (1) القيود القانونية والمؤسسية، (2) القيود المالية، (3) العجز في القدرات الإدارية، و(4) التدخل السياسي. هذه العوامل مترابطة وتشكل معاً حلقة مفرغة تقوض الحكم المحلي. وفي ما يأتي تفصيل كل فئة:
القيود القانونية والمؤسسية
كما ذكر أعلاه، فإن الإطار القانوني للحكم المحلي في لبنان شديد المركزية، ما يقيّد سلطة البلديات ويُخضعها إلى رقابةٍ صارمة. يمنح القانون الأساسي، المرسوم 118/1977 (قانون البلديات)، استقلالية رسمية للبلديات المنتخبة؛ لكنه في الممارسة العملية، يتضمن آليات متعددة للرقابة المركزية (El-Helou، 2025). بموجب القوانين الحالية، يمكن للسلطات العليا إلغاء أو تعطيل القرارات المحلية المهمة، ما يعكس هرمية من أعلى إلى أسفل لا تتوافق مع اللامركزية الحقيقية. فإذا أقر مجلس بلدي قانوناً جديداً أو خطة تنمية مثلاً، يمكن لوزارة الداخلية إبطالهما أو رفضهما ببساطة. وتتطلب مشاريع التنمية الكبيرة غالباً موافقات من الوزارات المركزية أو حتى من البرلمان. وهذا يعني إمكانية أن تخضع المبادرات المحلية لقرارات سياسية تتخذ على مستوى أعلى بكثير من المستوى المحلي.
ومن السمات البارزة، نظام التدقيق المسبق للموافقة، إذ يتعين على المراقبين الماليين في الحكومة الموافقة على العديد من نفقات البلديات قبل صرفها. في معظم الدول، تنفق الحكومات المحلية في حدود ميزانياتها وتخضع للتدقيق بعد ذلك؛ أما في لبنان، فيسبب انتظار الموافقة المركزية تأخيراً وحالة عدم يقين. قد تخصص إحدى البلديات ميزانيةً لإصلاح شوارعها، لكن كل عقد ودفع قد ينتظر موافقة ممثل السلطة المركزية. لا تُبطئ هذه النقطة البيروقراطية تقديم الخدمات فحسب، بل تُحبط أيضاً المسؤولين المحليين عن اقتراح مشاريع خشية أن تبقى عالقة إلى أجل غير مسمى في حالة من الجمود الإداري. وكما ذكرنا سابقاً، يخلق ذلك ثقافة تجنب المخاطر والركود على المستوى المحلي.
ويُفاقم الافتقار إلى مستويات وسيطة من الحكومة المنتخبة المشكلة. فلا يوجد في لبنان مجالس إقليمية منتخبة على مستوى المحافظات أو الأقضية. وتُمنح جميع السلطات فوق مستوى البلديات إلى المحافظين ومسؤولي الأقضية المعينين مركزياً. وبالتالي، لا يوجد منتدى ديمقراطي للتنسيق بين البلديات أو التخطيط الإقليمي. ولا تخفف من حدة التجزئة الشديدة – أكثر من 1000 ولاية قضائية بلدية صغيرة – أي هيئة انتخابية عليا قادرة على جمع الموارد أو تنفيذ مشاريع على نطاق المنطقة. فسمح قانون عام 1977 بإنشاء اتحادات بلدية، لكن هذه الاتحادات طوعية وغالباً ضعيفة. ويعني غياب مستوى إقليمي ملزم أن الوظائف الأساسية (مثل البنية التحتية الرئيسية والطرق الثانوية وإدارة الموارد المائية، إلخ) تبقى إما مركزية أو مهملة. كما يعني أن البلديات تتمتع بنفوذ محدود في التعامل مع السلطات المركزية، فيتعين عليها التفاوض بشكلٍ فردي وليس ككتلة إقليمية موحدة.
هناك قيد قانوني آخر يتمثل في تحديد المسؤوليات البلدية بطريقةٍ قديمة مقارنة بالكيانات الأخرى. فتوجد تداخلات وغموض بين البلديات والجهات الفاعلة المحلية الأخرى، مثل المخاتير والإدارات الحكومية المركزية المنفصلة إقليمياً. فقد ترغب البلديات مثلاً في تولي مهام السجل المدني المحلي أو بعض وظائف الشرطة، ولكن الأحكام القانونية توكل هذه المسؤوليات إلى المخاتير أو إلى قوى الأمن الداخلي، ما يحد من قدرة البلدية على توسيع دورها في شؤون المجتمع. وهذا يخلق عدم كفاءة وأحياناً صراعات أو الازدواجية على المستوى المحلي (El-Helou، 2025). للتوضيح: يمكن بناء خزان مياه لمياه الأمطار بقرار من المجلس البلدي، لكن بناء الخزان نفسه لاستغلال مياه الينابيع يتطلب تصاريح وموافقات من وزارة الطاقة والهيئة الإقليمية للمياه.
مشروع قانون اللامركزية الإدارية الذي قدمته الحكومة للمرة الأولى عام 2014 (بعد تشكيل لجنة خاصة برئاسة وزير الداخلية السابق زياد بارود وبمبادرة من الرئيس ميشال سليمان)، كان يهدف إلى معالجة العديد من هذه القضايا الهيكلية. واقترح إنشاء مجالس منتخبة على مستوى القضاء بمهام تنموية واضحة، ما يجمع البلديات بالتالي تحت هيئة إقليمية للتغلب على التجزئة. كما تصور إنشاء "صندوق لامركزية" جديد ليحل محل الصندوق البلدي المستقل الحالي، بصيغة أكثر إنصافاً وشفافية لتوزيع الموارد. لو مُرّر هذا القانون، كان سيحدّث الإطار القانوني بما يتماشى مع التزامات اتفاق الطائف بتعزيز اللامركزية. للأسف، بقي مشروع القانون معطلاً في البرلمان لسنوات، بينما يشكل إحياء وتحديث هذا التشريع أمراً بالغ الأهمية: من خلال إنشاء طبقة وسيطة منتخبة وإعادة تعريف العلاقات بين المركز والمحلي، يمكن أن يبدأ لبنان في حل هذه العقبات القانونية. من دون مثل هذه الإصلاحات، ستبقى البلديات تحت رحمة الزبائنية المركزية وقانون قديم ولا يتناسب مع الاحتياجات الحالية. في الوقت نفسه، يمكن للتعديلات القانونية الطفيفة – مثل تبسيط إجراءات الموافقة، رفع حدود الشراء التي تتطلب موافقة مسبقة للبلديات، وتطبيق قانون الوصول إلى المعلومات على المستوى المحلي – أن تُحسّن مجال عمل البلديات. مثلاً، من شأن التحول من نظام التدقيق المسبق إلى نظام التدقيق اللاحق (مع تعزيز التدقيق اللاحق بواسطة ديوان المحاسبة) تسريع المشاريع المحلية مع ضمان المساءلة. لكن في الوضع الراهن، تعمل البلديات في لبنان ضمن إطار قانوني صارم، الاستقلالية فيه اسمية أكثر منها فعلية.
ظل قانون إصلاح البلديات وإدخال لامركزية حقيقية في لبنان متوقفاً لعقود، لأنه يهدد بشكلٍ مباشر نظام تقاسم السلطة الطائفي الراسخ في البلاد، والطبيعة المركزية للأحزاب السياسية. وعلى الرغم من أن اتفاق الطائف لعام 1989 دعا إلى "توسيع اللامركزية الإدارية"، إلا أن تنفيذه تعطل بسبب خوف الكتل السياسية الرئيسية العميق من أن منح البلديات استقلالية مالية وإدارية حقيقية قد يُضعف النخبة السياسية الطائفية. وهذا التردد متجذر، فالأحزاب السياسية الطائفية اللبنانية نفسها هي منظمات شديدة المركزية؛ وستتضاءل سلطتها بشكل جذري من دون وجود هيكل دولة هرمي يتيح لها تشغيل شبكات الزبائنية الواسعة التابعة لها. ويشكل النظام الحالي - الذي تتحكم فيه الحكومة في الموارد المالية ويمكنها رفض المشاريع البلدية عبر العقبات الإدارية - أداة حاسمة للنخبة للحفاظ على نفوذها ومكافأة الولاء ومعاقبة المنافسين على المستوى المحلي. ومن المفارقات أنه على الرغم من هذه المقاومة النظامية للإصلاح، فإن جميع البيانات الوزارية تقريباً منذ اتفاق الطائف، ومن ضمنها بيان حكومة رئيس الوزراء نواف سلام، تعهدت بتقوية البلديات وتحسين الحوكمة المحلية.
القيود المالية والمركزية المالية
ولعل التحدي الهيكلي الأكثر إعاقة هو الضعف المالي للبلديات. فتتمتع السلطات المحلية في لبنان باستقلالية مالية محدودة للغاية، وتعتمد بشكلٍ كبير على التحويلات المركزية التي تعتبر غير كافية وغير متوقعة. فالتمويل البلدي يعتمد بشكلٍ أساسي على الصندوق البلدي المستقل (المعروف باسم الصندوق البلدي) – وهو صندوق وطني يجمع الإيرادات (من الضرائب مثل ضريبة القيمة المضافة، ورسوم الاتصالات وغيرها) بهدف إعادة توزيعها على البلديات سنوياً. من الناحية النظرية، ينبغي أن يوفر الصندوق البلدي مصدر دخل كبير ومنتظم ليُكمل الإيرادات التي تجمعها البلديات مباشرة (انظر أدناه لمزيد من التفاصيل). لكن في الواقع، يعاني الصندوق من التأخير والإدارة السيئة غير الشفافة، والتسييس. وتؤخر السلطات المركزية (خصوصاً وزارة المالية) تحويلات الصندوق البلدي، يستمر أحياناً لسنوات. في آب/أغسطس 2023 مثلاً، صرفت الحكومة أخيرًا حصص البلديات من عائدات الصندوق البلدي للفترة بين 2019و2021 على أساس سعر الصرف الرسمي القديم البالغ 1500 ليرة لبنانية للدولار الأميركي (متجاهلة انخفاض قيمة العملة بنسبة 98 في المئة٪ الذي حدث منذ ذلك الحين). وهذا يعني أن البلديات تلقت دفعات إجمالية زهيدة بالليرة اللبنانية، لم تمثل سوى جزء ضئيل من قيمتها المقصودة، ما ألغى عملياً الهدف من التحويل وسط التضخم المتفشي. علاوة على ذلك، بحلول حزيران/يونيو 2025، لم تصرف بعد الأموال الخاصة بالعام 2022 وما بعده. وبالتالي، لم تتمكن معظم البلديات من الاعتماد على التمويل في الوقت المناسب؛ فهي تعمل في حالة من عدم اليقين المالي المستمر، في انتظار تحويلات إجمالية غير متوقعة، التي حين تُسلّم أخيرًا، تتآكل بشدة بسبب التضخم.
كما تعتبر صيغة توزيع صندوق البلديات إشكالية. حاليًا، يُخصص 75 في المئة من الصندوق للبلديات وفقاً لعدد سكانها المسجلين، و25 في المئة بما يتناسب مع ما تجمعه كل بلدية من ضرائب محلية معينة (مع تخصيص حد أدنى مضمون للقرى الصغيرة). تميل هذه الصيغة إلى تفضيل البلديات الأكبر والأغنى - التي تضم عدد سكان أكبر وإيرادات ضريبية أعلى - بينما لا تُنجز الكثير لتلبية احتياجات البلديات الأفقر أو الأصغر. وفقًا لبحث أجرته "الدولية للمعلومات"، في التخصيص الأخير (للسنة المالية 2022)، حصلت نصف البلديات على أقل من 250 مليون ليرة لبنانية من الصندوق - ما يعادل تقريبًا 2800 دولار فقط حينذاك (الدولية للمعلومات، 2025). وهذا المبلغ السنوي الضئيل لا يكفي لدفع راتب موظف واحد بدوامٍ كامل بأجر معيشي، ناهيك عن تمويل أي خدمات أو استثمارات. تتلقى اتحادات البلديات حصة ثابتة صغيرة (تبلغ تاريخياً 12 في المئة من الصندوق)، وهي أيضاً أقل بكثير مما تحتاج إليه لتنفيذ مشاريع مهمة. في جوهره، يفشل نظام التحويل الحالي في تحقيق المساواة – فهو لا يعزز بشكل كافٍ قدرة البلديات الأضعف على تقديم الحد الأدنى من الخدمات.
ويزيد الأمر تعقيدًا وجود حالات صادرت فيها الحكومة المركزية بشكلٍ أحادي الجانب أو حجبت أموال البلديات لأسباب تتعلق بميزانيتها. خصمت الحكومة في بعض الأحيان مبالغ من مخصصات صندوق البلديات لسداد فواتير الكهرباء المستحقة على البلديات لشركة الكهرباء الحكومية، من دون تشاور أو إفصاح واضح (Ray، 2023). في فترات الضغط المالي، يوجد دائمًا إغراء لدى وزارة المالية بتأخير صرف أموال البلديات أو استخدامها لتغطية العجز المركزي. وهذا يولد عدم الثقة: فتشعر السلطات المحلية أن صندوق "التضامن" يستخدم كأداة للسيطرة ومصدر دخل من قبل الجهات الفاعلة المركزية بدلاً من كونه حقًا شفافًا. ومثّل غياب البيانات المنشورة حول كيفية حساب حصص صندوق البلديات سنوياً مصدر شكوى طويل الأمد. وأكد تقرير مناصرة عام 2022 الحاجة إلى إعلان حسابات الصندوق وحماية الإيرادات البلدية قانونياً من التحويل. وفي الواقع، من شأن حماية الصندوق البلدي قانونياً من الاستخدام لأغراض أخرى - وضمان صرفه التلقائي وفي الوقت المناسب - تعزيز قدرة البلديات على التخطيط والعمل بشكلٍ كبير (برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، 2022).
على صعيد الإيرادات الذاتية، تملك البلديات في لبنان مجموعة محدودة فقط من الضرائب والرسوم الخاضعة لسلطتها، وهي عموماً قديمة في هيكلها. وتشمل الإيرادات المحلية الرئيسية ضريبة قيمة إيجار العقارات (وهي ضريبة على الدخل المقدر من إيجار العقارات)، رسوم التنمية المحلية (تكون غالباً مبالغ ثابتة ضئيلة)، رسوم تراخيص البناء، ورسوم لافتات المحلات التجارية، ومختلف رسوم الاستخدام الأخرى. وتُحدد معدلات العديد من هذه الرسوم بموجب القانونين 60/1988 و665/1997 اللذين لم يشهدا تحديثات كبيرة منذ عقود. نتيجةً لذلك، لم تواكب الرسوم المحلية معدلات التضخم – فلا تزال العديد من الرسوم محددة بالليرة اللبنانية التي أصبحت قيمتها شبه معدومة بعد انهيار العملة. ولا تملك البلديات سلطة فرض أنواع جديدة من الضرائب أو تعديل المعدلات بما يتجاوز ما ينص عليه القانون الوطني. وبالتالي، فإن قاعدة إيراداتها ضيقة وغير مرنة، وتعتمد بشكل كبير على ثلاثة رسوم قديمة (ضريبة قيمة الإيجار، رسوم الرصف والصرف الصحي، ورسوم تراخيص البناء)، وقد تآكلت هذه القواعد بشكل كبير من ناحية قيمتها الحقيقية بعد الأزمة (Zoughaib et al.، 2025(.
علاوة على ذلك، تحصيل الضرائب المحلية الحالية ضعيف للغاية. فتفتقر العديد من البلديات إلى القدرة الإدارية أو الإرادة السياسية لتحصيل مستحقاتها. قوائم الضرائب (مثل سجلات تقييم الممتلكات) قديمة وغير مرقمنة بالكامل في معظم البلدات. ونتيجة لذلك، تسود ثقافة الامتثال المنخفض - لا يدفع السكان غالباً الضرائب البلدية، إما لأنهم لا يرون أي خدمات في المقابل أو بسبب التراخي في تنفيذ القوانين. ووجدت إحدى الدراسات أن العديد من البلديات لا تسعى بجدية لتحصيل الضرائب المحلية، بل تنتظر تحويلات الحكومة لسد الفجوة. ويعني هذا الاعتماد أنه في حال تعثرت التحويلات، فلدى البلدية خيارات محدودة. كما يُضعف المساءلة، فقد يعتبر المسؤولون المحليون أن الجزء الأكبر من دخلهم هبة من الحكومة وليست مستخلصة من الناخبين (وبالتالي يشعرون بضغط أقل للالتزام بالشفافية أو الاستجابة لمتطلبات السكان). يتطلب تعزيز الإيرادات المحلية إصلاحاً قانونياً (لتحديث المعدلات، إدخال مؤشر التضخم، أو تحويل بعض الرسوم الثابتة إلى رسوم نسبية تتناسب مع القيم الحقيقية) وتحسينات إدارية (أنظمة الفوترة الحديثة وآليات الإنفاذ). فكانت إحدى التوصيات مثلاً، تعديل القانون 665/1997 لرفع حدود الضرائب المحلية الرئيسية وتحويل بعض الرسوم الثابتة إلى نسبة مئوية من القيمة الحقيقية (لتتناسب تلقائياً مع التضخم). كما أن دمج بعض الرسوم التافهة وإلغاء تلك التي يكلف تحصيلها أكثر من عوائدها قادر على تحسين الكفاءة.
بالإضافة إلى ذلك، تواجه البلديات قيودًا على الاقتراض. فلا يوجد سوق ائتماني بلدي نشط أو آلية إقراض مركزية كبيرة لإقراض الحكومات المحلية. عموماً، لا تستطيع البلديات إصدار سندات، والقروض المصرفية نادرة (تتطلب غالباً موافقة على مستوى الوزارة، وتأتي بفوائد مرتفعة جداً). وهذا يحد من قدرتها على تمويل الاستثمارات الرأسمالية. تحاول المنح المقدمة من المانحين والمشاريع الممولة من المنظمات غير الحكومية معالجة هذه الفجوة إلى حد ما، ولكنها مدفوعة من الخارج وعرضية.
باختصار، تعاني البلديات اللبنانية من قيود مالية خانقة: فهي تمتلك مجموعة محدودة من أدوات الإيرادات المحلية التي أصبحت عديمة القيمة الحقيقية تقريباً، وقدرة ضعيفة على تحصيل حتى تلك الإيرادات، واعتماداً كبيراً على تحويلات مركزية غير منتظمة تقلصت بشكلٍ حاد. والنتيجة: نقص مزمن في التمويل. بالكاد تستطيع العديد من البلديات - خصوصاً الصغيرة منها - تغطية تكاليف التشغيل الأساسية (إذا تمكنت من دفع رواتب الموظفين أصلاً). فالاستثمار في البنية التحتية أو تحسين الخدمات بعيد المنال إلى حدٍ كبير من دون مساعدة خارجية. كما أثبتت الأزمة الاقتصادية بعد عام 2019، أنه حين تتعثر الدولة (بتقليص التحويلات وفقدان الاستقرار الاقتصادي الكلي)، تصبح الحكومات شبه مفلسة. لا تعوق هذه الهشاشة المالية تقديم الخدمات فحسب، بل قد تهدد وجود السلطات المحلية نفسها (فأشارت بلديات عدة إلى أنها قد تحل نفسها بسبب العجز المالي). كما تزيد الاعتماد على المساعدات الخارجية والمنظمات غير الحكومية لتوفير حتى الخدمات الأساسية، ما قد يخلق أنظمة موازية ويقوض تنمية القدرات المحلية المستدامة.
الفجوات في القدرات الإدارية
يتمثل التحدي الرئيسي الثالث في محدودية القدرات الإدارية والتقنية في معظم البلديات. في حين أن بعض المدن الكبرى (مثل بيروت التي تتمتع ببنية بيروقراطية راسخة) تملك موارد أكثر نسبياً، فإن الغالبية العظمى من بلديات لبنان تعمل بعددٍ قليل من الموظفين وخبرة مهنية محدودة. ولا يضم عدد كبير من البلديات - خصوصاً في المناطق الريفية - سوى عدد قليل من الموظفين، أمين سر وبضعة عمال غالباً. وتفتقر غالباً إلى دوائر متخصصة (الهندسة، التخطيط المُدني، والإدارة المالية وغيرها)، وينطبق ذلك أيضاً على الاتحادات البلدية. فوجدت دراسة أجرتها "منظمة DRI" في العام 2017 أن أكثر من 22 في المئة من الاتحادات البلدية تفتقر إلى الدوائر الإدارية والمالية، فيما يعمل 37 في المئة منها من دون إدارة هندسية (DRI، 2017). ونظراً لأن الاتحادات تميل إلى أن تكون مزودة بموارد أفضل من البلديات الصغيرة الفردية، فإن ذلك يشير إلى أن العديد من البلديات المستقلة أقل تجهيزاً. قليل من البلديات تملك أنظمة نظم المعلومات الجغرافية أو خرائط عقارية محدثة أو برامج محاسبة إلكترونية؛ ولا تزال العديد منها تدير الحسابات وحفظ السجلات يدويًا. هذه الإدارة القديمة تُصعّب تخطيط المشاريع أو تتبع الإيرادات والنفقات أو إدارة الأصول بفعالية.
تقيد قواعد التوظيف والإمكانات المالية الموارد البشرية. فتتمتع المجالس البلدية من الناحية التقنية بسلطة تعيين الموظفين، لكن في الممارسة العملية، تشكل لوائح التوظيف في القطاع العام والميزانيات المحدودة عوائق أساسية. شهدت البلاد فترات من تجميد التوظيف في القطاع العام (كجزء من تدابير التقشف الوطنية) التي طُبقت أيضاً على البلديات. وحتى عندما يُسمح بالتوظيف، فإن جدول رواتب القطاع العام منخفض – وتآكل أكثر بسبب التضخم، ما يصعب على البلديات تقديم أجور تنافسية وجذب كفاءات مؤهلة. فيُرجّح مثلاً أن يجد مهندس مدني أو كهربائي أن راتب البلدية غير كافٍ على الإطلاق بعد الانهيار الاقتصادي عام 2019. ونتيجة لذلك، فإن معدل الاحتفاظ بالموظفين ضعيف: فيستقيل أصحاب الكفاءات بحثًا عن فرص أفضل (أو يهاجرون)، فيضطر من يبقون غالبًا إلى التوفيق بين وظائف متعددة لتغطية نفقاتهم. وهناك حالات اعتمدت فيها البلديات على المتطوعين أو المتقاعدين للحصول على استشارات تقنية متخصصة بسبب عجزها عن توظيف الخبراء المطلوبين بشكلٍ رسمي.
توجد مشكلة أخرى تتمثل في أن الاعتبارات السياسية والطائفية تطغى غالباً على الجدارة في التوظيف البلدي. فقد يضغط أعضاء المجلس لتوظيف أقاربهم أو مؤيديهم في أي وظيفة متاحة، ما يؤدي إلى شغل وظائف حساسة من قبل موظفين غير مؤهلين. ويُضعف التوظيف على أساس الزبائنية القدرات أكثر ويُضرّ بمعنويات الموظفين الأكفاء فعلاً. وكانت فرص التدريب والتطوير المهني للموظفين البلديين متقطعة وقائمة على مشاريع محددة. فقدمت برامج مختلفة من المانحين (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، وغيرها) خلال العقد الماضي تدريبات في مجال إعداد الموازنات والمشتريات والتخطيط المُدني، وأُطلق مؤخراً برنامج دبلوم في الدراسات البلدية. غير أن هذه الجهود، على الرغم من قيمتها، تفتقر غالباً إلى الاستمرارية. فقد يتلقى الموظف تدريباً أو برامج جديدة خلال المشروع، ولكن بمجرد انتهائه تغيب عادةً أي متابعة أو ميزانية للحفاظ على النظام (Zoughaib et al.، 2025). قد يمول أحد المانحين مثلاً تطوير موقع إلكتروني للبلدية أو بوابة للمشتريات الإلكترونية؛ لكن إذا عجزت البلدية عن الحفاظ على الموقع الإلكتروني بعد انتهاء المشروع، فإن هذه التحسينات ستزول.
ويخلق ذلك ما يُسمى بـ"فخ القدرات": فحتى عندما يتوفر التمويل للمشاريع المحلية، قد تفتقر البلديات إلى القدرة الاستيعابية لتنفيذها بفعالية. فهي تعاني من صعوبات في إعداد مقترحات المشاريع أو الإشراف على المقاولين، أو إجراء أعمال الصيانة. وقد يتدخل المانحون والمنظمات غير الحكومية لتنفيذ المشاريع مباشرة، ما يحل المشكلة الفورية لكنه لا يبني قدرات البلدية نفسها – بل قد يهمّشها أو يُنشئ آليات تنفيذ موازية. هكذا، تتكرس حلقة تعتاد فيها البلديات على الاعتماد على الجهات الخارجية لتقديم الخدمات بدلاً من تطوير أنظمتها الداخلية. فخلال سنوات الأزمة 2019-2021، كلفت العديد من البلديات المنظمات غير الحكومية بمهام جمع جزء من نفاياتها الصلبة أو تركيب مصابيح شوارع تعمل بالطاقة الشمسية، بسبب عجزها. في حين قد يبدو هذا الأمر مفهوماً في حالات الطوارئ، إلا أنه يديم التبعية ويحول دون اكتساب الإدارات المحلية الخبرة أو المعرفة المؤسسية من تلك المشاريع.
هناك مفهوم ذو صلة هو اقتصاد الحجم. فالعديد من البلديات اللبنانية صغيرة جدًا ولا تستطيع تقديم الخدمات بفعالية بمفردها أو تحمل تكاليف موظفين متخصصين. فلا يمكن مثلاً لبلدة يبلغ عدد سكانها 3 آلاف نسمة أن تتحمل تكاليف توظيف مخطط مُدني أو مهندس إدارة نفايات بدوامٍ كامل، كما أنها لا تحتاج إليهما بدوامٍ كامل أصلاً. تهدف فكرة إنشاء الاتحادات البلدية إلى تحقيق اقتصاد الحجم عبر تقاسم الموارد. وعيّنت بعض الاتحادات بالفعل موظفين تقنيين مشتركين (مثل مهندس على مستوى الاتحاد يساعد جميع القرى الأعضاء). لكن ليست جميع الاتحادات نشطة أو ممولة جيداً؛ فبعضها موجود على الورق فقط. ويمكن أن يشكّل تشجيع البلديات على تجميع الموارد أو تمويل وظائف مشتركة نهجًا عمليًا تصاعدياً لتعزيز القدرات حتى قبل إجراء أي إصلاحات وطنية. إذا جمعت مثلاً خمس بلديات صغيرة متجاورة مواردها، فيمكنها أن توظف بشكلٍ جماعي مهندسًا أو اختصاصياً في تكنولوجيا المعلومات يعمل في مكتب الاتحاد. يجب تحفيز هذا النوع من التعاون بين البلديات لتعزيز القدرات (مؤسسة كونراد أديناور ، 2024) .
باختصار، تعني فجوة القدرات الإدارية أنه حتى في حال إقرار إصلاحات قانونية ومالية، ستبقى البلديات بحاجة إلى استثمارات كبيرة في رأس المال البشري والأنظمة لاستخدام صلاحياتها الجديدة بفعالية. وعلى العكس، من دون معالجة مسألة القدرات، قد لا يؤدي مجرد منح البلديات المزيد من الأموال أو الاستقلالية إلى نتائج أفضل على أرض الواقع. فبناء القدرات عملية بطيئة ومستمرة – تتطلب تدريب الموظفين، تحديث التكنولوجيا، ومأسسة الممارسات الجيدة (مثل الشراء الشفاف والتخطيط التشاركي). وصعّبت الأزمات الأخيرة هذه العملية كثيراً بسبب استنزاف الموارد والمواهب، لكنها جعلتها أيضاً أكثر إلحاحاً: فمع تعثر الدولة، أصبحت البلديات "أول المستجيبين" بشكلٍ افتراضي، وأصبحت الحاجة إلى إدارة محلية كفؤة واضحة للغاية.
التدخل السياسي في الحكم المحلي
يعد التدخل السياسي تحدياً شاملاً يفاقم المشاكل القانونية والمالية والإدارية. ففي نظام التوافق الطائفي في لبنان، تُمارس السلطة غالباً عبر شبكات الزبائنية غير الرسمية التي تتغلغل في جميع مستويات الحكم. ونادراً ما تتمتع البلديات بالعزلة عن السياسة الوطنية، بل على العكس، يعمل العديد من المجالس المحلية بشكلٍ أساسي كامتداد لنفوذ حزب سياسي أو زعيم محلي، ما قد يُحرّف أولوياتها وعمليات صنع القرار فيها.
ويتمثل أحد أشكال التدخل في تخصيص (أو حجب) الموارد على أساس الولاء السياسي. كما ذكرنا، يمكن أن تؤخر السلطات المركزية تحويل الأموال إلى البلديات أو الموافقة على المشاريع؛ وتجد البلديات التي "تشتكي كثيراً" أو التي تتحالف مع شخصيات معارضة نفسها غالباً في مؤخرة قائمة التمويل. في المقابل، قد تحصل البلديات المرتبطة بصلات سياسية على موافقات سريعة أو مشاريع إضافية من الوزارات. وتقوض هذه الديناميكية عدالة وكفاءة تقديم الخدمات. فقد يُوافق مثلاً على مشروع لإدارة النفايات في إحدى البلدات كخدمة لسياسي متحالف معها، بدلاً من بلدة أخرى الحاجة فيها أكبر من الناحية الموضوعية. وبالتالي، فإن التدخل السياسي يشوه التنمية ويمكن أن يرسخ التفاوتات بين المجتمعات.
على المستوى المحلي، يعد استيلاء النخب على البلديات ظاهرة شائعة. فتهيمن غالباً العائلات المحلية البارزة أو ممثلو الأحزاب على المجالس (في الواقع، العديد من الانتخابات البلدية لا تخضع للمنافسة أو تُحسم عبر تحالفات عائلية/عشائرية). وبمجرد توليهم مناصبهم، قد يدير هؤلاء النخب المحليون البلدية لمصلحتهم الخاصة – فيمنحون الوظائف لمؤيديهم والعقود لأصدقائهم، ويستخدمون موارد البلدية لترسيخ قاعدة سلطتهم. وبالتالي، قد لا تُستخدم الأموال العامة لصالح السكان، بل للحفاظ على نظام الزبائنية. وفي بعض الحالات، يتطور ذلك إلى فسادٍ صريح وسوء إدارة، ما يزيد تشويه سمعة البلديات في نظر المواطنين. وتصبح المشكلة حلقة مفرغة: فبسبب اعتبار بعض البلديات فاسدة أو غير فعالة، تبرر السلطات المركزية فرض رقابة صارمة على جميع البلديات (زاعمةً أن اللامركزية قد تؤدي إلى إقامة دويلات محلية أو سوء استخدام الأموال). هذه الريبة المتبادلة بين الجهات الفاعلة المركزية والمحلية تديم الرقابة الصارمة المذكورة سابقاً.
كما أثر التدخل السياسي على العملية الانتخابية البلدية نفسها. فكان تأجيلها للفترة بين 2022 و2025 قراراً سياسياً في الأساس – فاختار النواب تمديد ولاية المجالس البلدية بدلاً من المخاطرة بإجراء انتخابات في أوقات غير ملائمة. وبالفعل، من خلال التأجيل حتى عام 2025، كسبت الأحزاب التقليدية الوقت لإعادة تنظيم صفوفها وضمان فوز مرشحيها عند إجراء الانتخابات. وحتى عندما جرت، وردت تقارير عن حالات ترهيب وشراء أصوات في مناطق مختلفة. فزُعم مثلاً أنه عُرضت على الناخبين في بعض القرى نقود أو خدمات مقابل دعمهم، وفي أماكن أخرى استُخدمت تهديدات خفية لتثبيط المرشحين المستقلين. وتربط مثل هذه الممارسات البلديات بالنمط الوطني للزبائنية، ما يقوض ظهور قيادة محلية مسؤولة حقاً.
يوجد بعد آخر يتمثل في إمكانية التلاعب بحدود البلديات والاعتبارات الطائفية لتحقيق أهداف سياسية. يُعد إنشاء بلديات جديدة أو دمج البلديات القائمة عمليةً سياسيةً في لبنان. في الماضي، كانت البلديات الجديدة تتشكّل أحياناً لتخصيص مناطق نفوذ أو لمكافأة الحلفاء المحليين. وأدى ذلك إلى تكوين بلديات صغيرة للغاية ويُرجّح أنها غير قابلة للاستمرار (وتفتقر غالباً إلى أي قاعدة اقتصادية) لمجرد إرضاء الهوية المحلية أو تقديم مكافآت سياسية. وعلى العكس، تواجه مقترحات دمج البلديات (للحد من التجزئة وتحقيق اقتصاد الحجم) عادة معارضة سياسية ممن سيخسرون مقاعدهم في البلديات أو نفوذهم المحلي في حال حدوث الدمج.
باختصار، يعني التدخل السياسي أنه لا يمكن فهم الحكم البلدي بمعزل عن هيكل السلطة الأوسع في لبنان. قد تواجه أي إصلاحات لتمكين البلديات مقاومة من السياسيين الذين يخشون فقدان سيطرتهم على الإقطاعيات المحلية. في الوقت نفسه، يمكن أن يساعد تعزيز البلديات - وجعلها أكثر خضوعاً للمساءلة وفعالية - في تخفيف قيود المحسوبية من خلال توفير تحسينات ملموسة للمواطنين وقيادة بديلة على المستوى المحلي. وسيتطلب الحد من التدخل ضمانات قانونية (مثل صيغ تمويل أكثر شفافية، وهيئات رقابة مستقلة للحكم المحلي، وتطبيق قانون الوصول إلى المعلومات على المستوى البلدي) بالإضافة إلى تغيير ثقافي (تشجيع المسؤولين البلديين على إعطاء الأولوية للخدمة العامة على الولاء الحزبي). ويُرجح أن يستلزم الأمر أيضًا ضغطًا "من الأسفل" - أي مطالبة المواطنين بأداء أفضل والتصويت للمرشحين المحليين المستقلين حين تتاح لهم الفرصة.
باختصار، حولت هذه التحديات الهيكلية – المركزية القانونية، الضعف المالي، نقص القدرات، والاستحواذ السياسي – العديد من المجالس إلى "بلديات بالاسم وليس بالسلطة". يلومها المواطنون غالباً على فشلها في ضمان شوارع نظيفة أو المياه أو الخدمات الأساسية، لكنها تعمل من دون المال أو القوى العاملة أو الحرية اللازمة لتلبية تلك الاحتياجات حقاً. ومن دون إصلاحات هيكلية، تخاطر البلديات بالبقاء ككبش فداء لفشل الحوكمة، عالقة بين توقعات ناخبيها والقيود المفروضة من الأعلى. يبحث القسم الآتي كيفية تفاقم هذه المشاكل بسبب الأزمات المتراكمة منذ العام 2019، قبل الانتقال إلى توصيات محددة لكسر هذه الحلقة المفرغة.
IV. تأثير الأزمات في لبنان على البلديات
بينما كانت البلديات اللبنانية تعاني بالفعل من عجزٍ هيكلي قبل العام 2019، دفع اندلاع الأزمات المالية والاقتصادية والسياسية منذ ذلك الحين، العديد منها إلى حافة الانهيار. وشكل هذا الانهيار الوطني غير المسبوق اختباراً صعباً لنظام الحكم المحلي لم يسبق له مثيل.
الانهيار المالي والتضخم: كما ذكرنا، فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98 في المئة من قيمتها. وبسبب هذا الانخفاض الشديد أصبحت أي إيرادات أو مدخرات بلدية بالعملة المحلية بلا قيمة حقيقية تقريباً. فإذا كان رصيد إحدى البلديات في المصرف مليار ليرة لبنانية في العام 2019 (نحو 660 ألف دولار حينذاك)، فقد يعادل ذلك أقل من 10 آلاف دولار بحلول العام 2023 ما لم تُحوّل إلى عملة صعبة. وبالمثل، فقدت الضرائب والرسوم المحلية المقومة بالليرة اللبنانية قيمتها الحقيقية. واستمرت العديد من البلديات في فرض رسوم على السكان بأسعار اسمية قديمة خلال عامي 2023 و2024؛ وحتى مع التحصيل الكامل، كانت القوة الشرائية لتلك الإيرادات ضئيلة. خلال تلك الفترة، ارتفع التضخم إلى أرقامٍ ثلاثية، لا سيما بالنسبة إلى السلع المستوردة مثل الوقود. وارتفعت تكاليف النفقات البلدية بشكلٍ كبير، مثل وقود شاحنات النفايات وقطع غيار المعدات ومواد البناء للصيانة، وغيرها، ما أدى إلى خلق فجوة ضخمة بين انهيار الإيرادات وارتفاع التكاليف.
ونتيجة لذلك، انهارت ميزانيات البلديات بشكلٍ فعلي. واضطرت المجالس إلى خفض أي نفقات غير أساسية. وفي كثيرٍ من الحالات، واجهت صعوبة في تغطية حتى تكاليف الكهرباء اللازمة لإنارة الشوارع أو الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية البلدية (فألغت بعض البلدات إنارة الشوارع لتوفير المال، فغرقت الأحياء في الظلام). وتأجلت صيانة البنية التحتية، وتدهورت حالة الطرق المحلية؛ وبدأت النفايات تتراكم في بعض المناطق بسبب نقص الوقود الذي عطّل عملية جمع النفايات. أصبحت مسألة الرواتب حادة بشكلٍ خاص: بقيت رواتب موظفي البلديات بالعملة المحلية (الليرة) ولم تُعدّل بشكلٍ ملموس لمواكبة التضخم، لذلك بحلول عامي 2022 و2023 كان معظم موظفي البلديات (ومن ضمنهم الشرطة المحلية) يكسبون ما يعادل عشرات الدولارات شهريًا فقط. أدى ذلك إلى هجرة الموظفين المهرة الذين تمكنوا من العثور على رواتب أفضل في أماكن أخرى، أو عجزوا ببساطة عن تحمل الاستمرار في العمل مقابل هذه الأجور المنخفضة. أما من بقي منهم فكان دافعهم التزامهم تجاه بلداتهم أو بسبب ندرة فرص العمل البديلة، لكن معنوياتهم وإنتاجيتهم تأثرت (فمن الصعب العمل بجد إذا كان الراتب لا يغطي حتى تكاليف التنقل). حاولت بعض البلديات تقديم رواتب إضافية صغيرة أو مدفوعات عينية (مثل الوقود أو المواد الغذائية) للموظفين، لكن قلة قليلة منها فقط تمكنت من ذلك بسبب مواردها الكافية أو دعم المغتربين.
شلل الحكومة: بالتوازي مع الانهيار الاقتصادي، تعثرت المؤسسات السياسية المركزية في لبنان، خصوصاً بين العام 2019 وانتخاب الرئيس جوزيف عون في كانون الثاني/يناير 2025 (وتشكيل حكومة رئيس الوزراء نواف سلام بعد ذلك)، افتقرت البلاد غالباً إلى قيادة وطنية فعالة. كان للغياب الطويل للرئيس، ووجود حكومة تصريف أعمال فقط لفترات ممتدة آثار مباشرة على البلديات. فمن دون حكومة تتمتع بسلطات كاملة أو ميزانية دولة، لم تُنفذ أي تدابير إغاثة جوهرية أو دعم سياسي للسلطات المحلية. وأُجلت الإصلاحات الأوسع نطاقاً التي كانت البلديات في أمس الحاجة إليها - مثل قانون اللامركزية وتعديلات قوانين المالية البلدية - بينما كان البرلمان منشغلاً بالانتخابات الرئاسية طويلة الأمد وأزمات أخرى. فلم تتناول الميزانيات الوطنية في عامي 2023 و2024 احتياجات التمويل البلدي بشكلٍ ملموس. ووفقاً لأحد رؤساء البلديات، بحلول العام 2024، لم تغطِ إيرادات العديد من البلديات حتى 50 في المئة من تكاليف رواتب موظفيها السنوية.
تدهور الخدمات والبنية التحتية: شهدت فترة الأزمة تدهورًا عامًا في الخدمات العامة في جميع أنحاء لبنان، وكانت البلديات في طليعة هذا الانهيار. مع تحول انقطاع التيار الكهربائي الوطني إلى أمر معتاد، اضطرت البلديات إلى محاولة سد الفجوة عن طريق تشغيل مولدات كهربائية لإنارة الشوارع أو المرافق الأساسية – وهي مهام زادت الضغط على ميزانياتها. كما تعثرت إمدادات المياه مع معاناة السلطات المركزية المسؤولة عن المياه؛ وفي بعض البلدات، تدخلت البلديات لنقل المياه بالشاحنات إلى السكان أو لدعم الآبار ومحطات الضخ المحلية. ووقع قطاع النفايات الصلبة، خصوصاً في بيروت وجبل لبنان حيث يعتمد على عقود مركزية، في حالة من الفوضى عندما عجزت الحكومة عن دفع مستحقات مقاولي النفايات؛ واضطرت العديد من البلديات إلى إدارة جمع النفايات محلياً بوسائل محدودة للغاية. جاءت كل هذه الأعباء الإضافية في أسوأ وقت ممكن من الناحية المالية.
وترك خلل الحكومة البلديات لتدبير أمرها بنفسها. في مجالات مثل الاستجابة للجائحة أو المراحل الأولى من الانهيار الاقتصادي، اتخذت بعض البلديات تدابير مؤقتة – مثل تنظيم حملات إغاثة غذائية محلية، إنشاء حدائق مجتمعية، أو إدارة توزيع الوقود للسكان - على الرغم من أن هذه المهام تقع تقليديًا ضمن اختصاص السلطات الوطنية. وأطلق بعض المراقبين على هذه الظاهرة اسم "ريادة البلديات"، فابتكرت المجالس المحلية الاستباقية حلولاً مرتجلة في مواجهة فشل الدولة. على الرغم من أن العديد من الجهود كانت مقيدة بسبب نقص الموارد، إلا أن البلديات التي أظهرت مرونة ملحوظة تمكنت من ذلك عبر تفعيل بعض العوامل الرئيسية.
من بين المحركات الرئيسية لصمود البلديات، أثبتت الشراكات الخارجية الاستراتيجية والتعاون بين البلديات أنها شريان حياة حيوي، ما مكن السلطات المحلية من العمل على الرغم من شلل الدولة المركزية. سمحت هذه الشراكات للبلديات بالاستفادة من الموارد والخبرات التي لم تكن متاحة لها لولا ذلك. وإدراكاً لعدم كفاءة الحكومة، بدأت الوكالات الدولية والمنظمات غير الحكومية في توجيه المزيد من المساعدات مباشرةً عبر البلديات إلى مشاريع حيوية، مثل تركيب مضخات مياه تعمل بالطاقة الشمسية أو إعادة تأهيل العيادات المحلية. كما شجعت هذه الديناميكية المبادرات الإبداعية، مثل برامج التسميد المجتمعي التي طُوّرت بدعمٍ من المنظمات غير الحكومية. وبالتوازي، نجحت البلديات التي تملك شبكات قوية من المغتربين في جمع الأموال مباشرة منهم، واستخدمت هذه التبرعات للحفاظ على الخدمات الأساسية مثل شراء الوقود للمولدات الكهربائية أو معدات جديدة لجمع النفايات.
واضطرت البلديات التي تفتقر إلى التمويل إلى الاعتماد على المنظمات غير الحكومية أو التبرعات الخاصة لأي مبادرة من هذا النوع. وفي الواقع، أصبحت المجالس البلدية منفِّذة لبرامج المانحين. وبينما ساعد ذلك في التخفيف من المعاناة على الأرض، إلا أنه تجاوز في بعض الأحيان الهياكل البلدية، وفي حالات أخرى أرهقها بمهام التنسيق من دون منحها السلطة أو القدرة المناسبة.
باختصار، اختبرت الفترة من عام 2019 إلى العام 2025 بشكلٍ شديد جدوى النظام البلدي في لبنان. فأدى الانهيار المالي إلى انخفاض كبير في قدرة البلديات على تقديم الخدمات؛ وأدى فشل الدولة في التحرك إلى عزل البلديات المحلية؛ وأضعف التراجع الديمقراطي – ومنها تأجيل الانتخابات البلدية – المساءلة المحلية. ومع ذلك، أبرزت هذه الأزمة أيضاً الدور الذي لا غنى عنه للبلديات. عندما تراكمت النفايات، أو انتشر كوفيد-19، أو وقعت الكوارث (مثلاً، كانت العديد من البلديات من أوائل المستجيبين بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، فساعدت الأسر المتضررة حتى خارج نطاق ولايتها)، وأصبح واضحاً أن السلطات المحلية هي الأقرب إلى المواطنين. ومن شأن انهيارها أن يترجم مباشرة إلى تحديات إنسانية على الأرض. ويخلق هذا الاعتراف زخماً: فإذا أراد لبنان بناء قدرته على الصمود، عليه تمكين بلدياته. فتشكل الأزمة، على الرغم مما أحدثته من دمار، فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والبلديات وإصلاحها.
على الرغم من وجود العديد من حالات التكيف المبتكرة والملهمة، يحذر التحليل المقدم في هذه الورقة من أن هذه الحالات تبقى مجرد "قصص نجاح منعزلة" من دون دعمٍ هيكلي. يكمن التحدي الحاسم في تجاوز آليات التكيف العشوائية وبناء نظام من الصمود المؤسسي. ويتطلب ذلك إعادة التفكير بشكلٍ جذري في العلاقة بين الدولة والبلديات. ويحدد القسم الأخير من الورقة مجموعة استراتيجية من التوصيات السياسية التي تهدف إلى ترجمة هذه الدروس إلى أفعال، بهدف وضع البلديات في موقعٍ أقوى لقيادة جهود التعافي والتنمية المحلية.
V. توصيات سياسية
يتطلب تحقيق تغيير ذي مغزى للبلديات اللبنانية اتخاذ إجراءات منسقة على مستويات متعددة من الحكومة ومن قبل مختلف الجهات المعنية. نقدم في ما يأتي توصيات سياسية محددة للحكومة الوطنية والبلديات (والاتحادات التابعة لها) وشركاء التنمية الدوليين - مع التركيز على الإصلاح القانوني واللامركزية المالية وتعزيز المؤسسات. تعالج هذه التوصيات الاحتياجات الفورية بينما تضع أيضًا الأساس لتحول هيكلي على المدى الطويل.
المؤسسات المركزية
- تنفيذ إصلاح شامل للامركزية: إحياء وإقرار مشروع قانون اللامركزية الإدارية (الذي قُدّم أصلاً عام 2014، وفقاً لاتفاق الطائف)، مع إدراج أي تحديثات ضرورية. سيؤسس هذا القانون طبقة منتخبة وسيطة من الحكومة دون الوطنية تتمتع بصلاحيات تنموية واضحة، ويُنشئ صندوق لامركزية بهيكلية معدلة ليحل محل الصندوق البلدي المستقل الحالي، ما يضمن توزيعاً عادلاً وشفافاً للموارد بين البلديات والمجالس المحلية الجديدة. وسيشكل تنفيذ هذا الإصلاح نقطة تحول، إذ سيساعد في التغلب على التجزئة البلدية الشديدة عبر تمكين مستوى أعلى من إدارة الخدمات على نطاق المنطقة والتخطيط الاستراتيجي. وسيفي بوعد اتفاق الطائف الذي طال انتظاره، ويوفر إطارًا قانونيًا حديثًا للحكم المحلي المستدام. يجب على البرلمان ومجلس الوزراء إعطاء الأولوية لتحديث هذا المشروع وبناء توافق في الآراء لإقراره في الدورة التشريعية المقبلة.
- إصلاح قوانين المالية البلدية: تعديل القانونين 60/1988 و665/1997، إلى جانب التشريعات المالية ذات الصلة، لتوسيع وتحديث مصادر الإيرادات البلدية. ومع ذلك، يجب أن يرافق تعزيز تحصيل الإيرادات، مراجعة عاجلة وواقعية لكامل هيكل الرسوم، نظراً لوجود خلل شديد بين الإيرادات الحالية والقيمة الحقيقية للنقود اليوم. التعديلات التي أدخلت على موازنة 2024 - بزيادة الرسوم من 10 إلى 20 مرة - غير كافية، نظرًا لأن تكاليف التشغيل والرواتب والصيانة ارتفعت بنحو 60 مرة. فتبلغ مثلاً قيمة رسوم الإيجار التي كانت تعادل 200 دولار قبل أزمة 2019 الآن 34 دولارًا فقط بعد التعديل. وحاصر هذا التباين الهائل البلديات في دورة مستمرة من العجز. لذلك، من الضروري إجراء إصلاح شامل لمواءمة الإيرادات البلدية مع التكاليف التشغيلية الحالية واستعادة الجدوى المالية.
- إعادة هيكلة الصندوق البلدي المستقل: من خلال تشريع أو مرسوم وزاري، يجب إصلاح قواعد وإدارة الصندوق البلدي لضمان تحويلات مالية يمكن التنبؤ بها وعادلة وشفافة. ووضع جدول زمني ثابت للصرف (مثل الدفعات الفصلية أو النصف سنوية) للقضاء على التأخيرات التعسفية الحالية. ومراجعة صيغة التخصيص لتعكس الاحتياجات الفعلية بشكلٍ أفضل – مثل اعتمادها على عدد السكان المقيمين (وليس فقط الناخبين المسجلين) وتقييمها بمؤشرات التنمية مثل مستويات الفقر لتحصل المناطق الأكثر فقراً على حصةٍ أكبر. وتضمين عنصر معادلة يضمن حداً أدنى للفرد في البلديات الصغيرة. في الوقت نفسه، النظر في إدخال حوافز: يمكن توزيع جزء من الصندوق على أساس الأداء (مكافأة البلديات التي تظهر ممارسات حوكمة رشيدة، مثل الحفاظ على البيانات المالية المدققة أو تحقيق معدلات تحصيل ضريبي محلية مرتفعة). وتعزيز الشفافية عبر نشر الحسابات السنوية للتخصيصات ومبالغ التحويل الفعلية إلى كل بلدية، وإخضاع الصندوق لرقابة مستقلة. إن إنشاء مجلس أو لجنة مستقلة لإدارة الصندوق - تضم ممثلين عن البلديات وديوان المحاسبة والمجتمع المدني - يمكن أن يساعد في إزالة الطابع السياسي عن قرارات التوزيع (مؤسسة كونراد أديناور، 2024). ومن المهم حماية الصندوق قانونًا من التحويل: ينبغي أن تحظر الأحكام الجديدة على الحكومة مصادرة أو إعادة تخصيص الإيرادات البلدية لأغراضٍ أخرى. ويجب أن ينص القانون بوضوح على عدم إمكانية استخدام أموال البلديات لتعويض عجز الحكومة أو ديون المرافق العامة (وهي ممارسة حدثت سابقاً). من خلال تنظيم المدفوعات ومراجعة صيغة التوزيع وتخصيص هذه الإيرادات، يمكن تحويل الصندوق البلدي من مصدرٍ للشك والزبائنية إلى دعامة موثوقة للتمويل المحلي.
- مأسسة الانتخابات المحلية في موعدها والإصلاحات الانتخابية: تعديل قانون الانتخابات البلدية لضمان إجرائها في موعدها كل ستة أعوام، من دون تأجيلات لأسبابٍ سياسية. ووضع آليات (ربما ضمانات دستورية أو قانونية) تُصعّب على المسؤولين تأخير الانتخابات البلدية بشكلٍ تعسفي. بالإضافة إلى ذلك، السعي إلى إصلاحات انتخابية لتعزيز التمثيل والمشاركة على المستوى المحلي. مثل النظر في السماح للسكان بالتصويت في أماكن إقامتهم (وليس فقط في قراهم الأصلية) لتصبح المجالس أكثر تمثيلاً، واعتماد تدابير لتشجيع المنافسة (مثل التمثيل النسبي أو خفض رسوم الترشح). وينبغي على السلطات أيضاً تطبيق أفضل الممارسات نفسها المستخدمة في الانتخابات النيابية على الانتخابات البلدية: استخدام بطاقات اقتراع مطبوعة مسبقاً، تمكين اللجنة العليا للانتخابات من الإشراف على الحملات المحلية، فرض حدود على الإنفاق، وضمان وصول المرشحين البلديين إلى وسائل الإعلام (Ray، 2023). من شأن مثل هذه التدابير أن تجعل الانتخابات البلدية أكثر احترافية وأقل تغلغلاً سياسياً، لتتركز المنافسة على القضايا المحلية بدلاً من المحسوبية والزبائنية. ستساعد استعادة الإيقاع المنتظم للانتخابات وتحسين سيرها في تعزيز شرعية القيادة البلدية وتجديد العقد الاجتماعي على مستوى المجتمع المحلي.
- تخفيف الرقابة المركزية وتعزيز المساءلة المحلية: إصلاح الأطر التنظيمية لتبسيط الرقابة المركزية، ومنح البلديات استقلالية إدارية أكبر للعمل بكفاءة. فيمكن مثلاً لوزارة الداخلية رفع الحد الأدنى للإنفاق والمشاريع التي تتطلب موافقة مسبقة، ما يسمح للبلديات بشراء أعمال روتينية أو الإصلاحات الطارئة مباشرةً حتى حد أعلى من دون الحاجة إلى موافقات مطولة. والتحول التدريجي من الضوابط المسبقة إلى الرقابة اللاحقة: تعزيز قدرة ديوان المحاسبة (ووحدة تدقيق الحكم المحلي التابع له) لتدقيق مالية البلديات بشكلٍ دوري بعد إنفاق الأموال، بدلاً من تحميل البلديات عبء الموافقات المسبقة لكل مصروف. وسيسرّع هذا التغيير تنفيذ المشاريع، مع ضمان المساءلة عبر عمليات تدقيق دورية. ويتعين على السلطات المركزية أيضًا تطبيق قوانين الشفافية بنشاط على المستوى المحلي – مثل إصدار توجيه يلزم جميع البلديات بالامتثال لقانون الوصول إلى المعلومات (28/2017) من خلال نشر الوثائق الرئيسية مثل البيانات المالية السنوية ومحاضر اجتماعات المجلس ومناقصات المشتريات والعقود الممنوحة، وغيرها. ويمكن أن يقلل تعزيز الشفافية بهذه الطريقة المخاوف من أن تؤدي اللامركزية إلى الفساد المحلي، كما يمكّن المواطنين من محاسبة المسؤولين المحليين.
- دعم بناء القدرات البلدية ورفع مستوى الاحترافية: يجب أن تسهل الحكومة تحسين الموارد البشرية والقدرات البلدية. وبالتنسيق مع مجلس الخدمة المدنية، ينبغي استثناء الوظائف البلدية الحيوية من تجميد التوظيف العام في القطاع العام، والسماح للبلديات بتعيين الموظفين المهرة الأساسيين (مثل المهندسين ومخططي المدن واختصاصيي تكنولوجيا المعلومات، والمسؤولين الماليين) على الرغم من القيود الأوسع نطاقاً على التوظيف. ومن الأفكار الممكن تنفيذها، إنشاء صندوق لدعم القدرات البلدية يشارك في تمويل رواتب هذه الكوادر المتخصصة في البلديات الضعيفة مالياً، ما يسهل جذب الكفاءات (يمكن دعوة المانحين للمساهمة في هذا الصندوق). تتمثل توصية أخرى في إنشاء مكاتب دعم فني إقليمية - مثلاً، في كل محافظة أو لتغطية تجمع عدة اتحادات - مزودة بفرق من الخبراء (مخططو المدن، واختصاصيو المشتريات، والمحاسبون، وغيرهم) يمكنهم تقديم المساعدة عند الطلب لأي بلدية في تلك المنطقة (مؤسسة كونراد أديناور، 2024). ويمكن للحكومة، ربما بالشراكة مع الجامعات أو البرامج الدولية، إنشاء هذه المكاتب لمساعدة البلديات في تصميم المشاريع وإعداد وثائق المناقصات وإدارة المهام المعقدة. سيكون ذلك مفيدًا بشكلٍ خاص للبلديات الصغيرة التي تفتقر إلى الخبرة الداخلية، فسيعمل بمثابة مورد مشترك. أخيرًا، يتعين تشجيع إضفاء الطابع الاحترافي على الإدارة البلدية عبر توحيد برامج تدريب الموظفين المحليين – من خلال مثلاً، دورة توجيهية أو شهادة إلزامية للمحاسبين الجدد أو رؤساء دوائر الهندسة في البلديات، تُقدم عبر معاهد التدريب التابعة للحكومة أو بالتعاون مع كيانات مثل الجامعة اللبنانية. باختصار، الاستثمار في الموارد البشرية لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية لنجاح اللامركزية على المدى الطويل.
سيتطلب تنفيذ الإصلاحات المذكورة أعلاه إرادة سياسية على المستوى المركزي. ويجب أن تنظر الحكومة اللبنانية والبرلمان إلى تمكين البلديات ليس كتهديد للدولة، بل كضرورة لإنقاذها. فيمكن للبلديات القوية أن تعزز الحوكمة الشاملة وتحسن تقديم الخدمات، وتعيد بناء الثقة مع المواطنين من القاعدة إلى القمة.
البلديات والاتحادات
بينما تتطلب العديد من الحلول إصلاحات وطنية، فإن البلديات نفسها ليست ضحايا سلبية؛ فهي قادرة على اتخاذ خطوات استباقية لتحسين الحوكمة وتقديم الخدمات حتى وسط القيود الحالية. فيجب على المسؤولين المحليين – بشكلٍ فردي وجماعي – اغتنام الفرص لتعزيز مجتمعاتهم وبناء زخم لتغيير أوسع نطاقاً. تشمل التوصيات الرئيسية للبلديات (والاتحادات التابعة لها) ما يأتي:
- تحسين تحصيل الإيرادات المحلية والإدارة المالية: ينبغي أن تركز المجالس البلدية على تحقيق أفضل استفادة من مصادر الإيرادات المتاحة لها بالفعل. ويعني ذلك تكثيف جهود تحصيل الضرائب والرسوم المحلية الرئيسية. ويمكنها إجراء حملات توعية عامة حول أهمية دفع الرسوم البلدية، وربما تقديم حوافز أو خطط سداد بالتقسيط للمواطنين المتأخرين عن السداد. ويجب أن تفرض المجالس أيضًا عقوبات على التهرب الضريبي المحلي في حدود القانون – مثل تنفيذ المرسوم الصادر عام 2018 الذي يحظر منح العقود العامة للشركات من دون إثبات الالتزام الضريبي، ما سيضغط على الشركات المحلية لدفع رسومها البلدية. تتضمن الإدارة المالية الأفضل أيضًا وضع ميزانية متحفظة وبناء احتياطيات طوارئ صغيرة، إذا أمكن، للتخفيف من تأثير التأخير في التحويلات.
- تعزيز الشفافية ومشاركة المواطنين: لتعزيز شرعيتها ومساءلتها، يجب أن تتبنى المجالس البلدية مبدأ الشفافية بشكلٍ استباقي، وتشرك المواطنين في الحكم المحلي. وينبغي عليها عقد اجتماعات منتظمة مع المجتمع المحلي في قاعة البلدية (على الأقل مرة واحدة في السنة، وأكثر إذا أمكن) لمناقشة الخطط والميزانيات البلدية والاستماع إلى مخاوف المجتمع. فيمكن أن توجه دعوة السكان للتعبير عن أولوياتهم المجلس حول كيفية تخصيص الموارد المحدودة بما يتماشى مع الاحتياجات الحقيقية. كما يتعين على البلديات تشكيل لجان استشارية تضم أعضاء من المجتمع المدني وممثلين عن الشباب وقادة الأعمال المحليين – مثل لجنة للتنمية الاقتصادية المحلية أو لجنة للبيئة - للاستفادة من خبرات المجتمع المحلي وملاحظاته. ويعد استخدام التكنولوجيا أمراً حيوياً: العديد من البلديات أنشأت بالفعل صفحات على فيسبوك أو مجموعات على واتساب؛ يجب استخدامها ليس فقط للإعلانات، بل أيضاً لنشر الوثائق المهمة (مثل الميزانيات ونتائج المناقصات وتحديثات المشاريع) وطلب آراء المواطنين. ووفقًا لقانون الحق في الوصول إلى المعلومات، يمكن للمجالس نشر نتائج المناقصات أو النفقات الشهرية علنًا، ما يزيل الغموض عن عملها ويمنع انتشار شائعات الفساد. ويعد بناء نظام بسيط لتلقي شكاوى المواطنين خطوة عملية أخرى: مثل تخصيص خط هاتفي أو رقم واتساب (WhatsApp) يمكن للمواطنين من خلاله الإبلاغ عن المشكلات (عدم جمع النفايات، انقطاع أعمدة إنارة الشوارع، الحفر في الطرق، إلخ) ثم الحصول على متابعة بمجرد معالجة المشكلة. حتى لو كانت الموارد محدودة، فإن الاستجابة للشكاوى ومحاولة حلها ستعزز ثقة الجمهور. باختصار، يجب على البلديات أن تعامل المواطنين كشركاء في الحكم، وليس كمستفيدين سلبيين فقط (أو الأسوأ، كمصدر إزعاج).
- تعزيز وتفعيل الاتحادات البلدية: بالنسبة إلى البلديات الأعضاء في اتحاد بلديات، من الضروري جعل هذا الاتحاد فعالاً. يجب أن يعمل رؤساء البلديات وأعضاء المجالس في كل اتحاد معاً لتفعيل أنشطة اتحادهم. ويمكنهم معاً صياغة خطط تنمية على مستوى الاتحاد تحدد المشاريع التي تفيد المنطقة بأكملها – مثل مكب نفايات إقليمي يخدم بلداتٍ عدة أو مسلخ بلدي مشترك أو حديقة عامة مشتركة بين البلديات، أو دائرة سياحية تربط بين المعالم السياحية في القرى. في نهاية المطاف، يضاعف الاتحاد القوي قوة البلديات الأعضاء فيه: فيمكنه تحقيق اقتصاد الحجم، والتقدم بطلبات للحصول على منح أكبر، وتقديم موقف تفاوضي أقوى عند التعامل مع السلطات المركزية أو المانحين. ويتعين على البلديات في الاتحاد تقاسم الموارد كلما أمكن ذلك (المعدات، الموظفون الفنيون) والاجتماع بانتظام لتنسيق الجهود.
- تعزيز التعاون بين البلديات (خارج أطر الاتحادات الرسمية): حتى البلديات التي لا تنتمي رسمياً إلى الاتحاد نفسه - أو تلك الموجودة في اتحادات مختلفة - يجب أن تسعى إلى إقامة شراكات عملية مع جيرانها. فلا تتوقف العديد من القضايا المحلية عند الحدود الإدارية، ومن ضمنها إدارة النفايات وحركة المرور وحماية البيئة. ويمكن أن توقع البلديات المتجاورة مذكرات تفاهم للتعاون في خدمات أو مشاريع محددة. كما يمكنها تنسيق اللوائح التنظيمية أو قوانين البناء للمناطق المتجاورة لتعزيز التنمية المتناغمة. وترسخ هذه التعاونات الطوعية التضامن بين الكيانات المحلية وترسي الأساس لأي هياكل إقليمية مؤسسية في المستقبل. ومن خلال تبادل الخبرات والموارد بشكل غير رسمي، تعزز البلديات أيضًا صوتها الجماعي وقدرتها التفاوضية.
- تعزيز التنمية الاقتصادية المحلية والمرونة: ينبغي ألا تنظر البلديات بشكلٍ سلبي إلى المساعدات العلوية؛ بل يمكنها أن تكون سباقة في تحفيز اقتصادها المحلي وتحسين مرونة المجتمع. فكل منطقة تملك بعض الموارد أو نقاط قوة فريدة يمكن الاستفادة منها. وينبغي أن تحدد المجالس البلدية، ربما عبر لجان متخصصة، الفرص الاقتصادية المحلية – سواء في الزراعة، أو تجهيز الأغذية الزراعية، أو الحرف اليدوية، أو السياحة أو الصناعات الصغيرة – وتطوير مبادرات متواضعة حولها. فيمكن مثلاً أن تنظم قرية معروفة بمحصول أو منتج معين مهرجاناً أو سوقاً سنوياً لجذب الزوار. كما يتعين على البلديات الاستفادة من موارد المغتربين اللبنانيين الهائلة. فقد يوفر إشراكهم من خلال مجموعات "أصدقاء البلدية" أو منتديات الاستثمار للمغتربين الأموال والخبرة والأفكار للمشاريع من أجل التنمية المحلية. علاوة على ذلك، يمكن أن تشجع البلديات تشكيل التعاونيات أو دعم رواد الأعمال المحليين عبر تسهيل إجراءات الحصول على التراخيص، وتوفير مساحات عامة لهم لممارسة أنشطتهم (مثل تخصيص مناطق لأسواق المزارعين أو معارض الحرف اليدوية في عطلة نهاية الأسبوع). عبر تحفيز المبادرات الاقتصادية المحلية، تساعد البلديات في خلق فرص عمل وتحسين الظروف المعيشية، ما يوسع بدوره قاعدة إيراداتها (من خلال زيادة النشاط الاقتصادي) وتقليل اعتماد السكان على خدمات الدولة.
- الالتزام بممارسات الحوكمة الرشيدة: يجب أن يمثل المسؤولون البلديون قدوة في ما يتعلق بالأخلاقيات وسيادة القانون. ويشمل ذلك الالتزام الصارم بعمليات الشراء الشفافة، تجنب تضارب المصالح، ورفض التسامح مع الفساد الصغير في الشؤون البلدية. فيحتاج رؤساء البلديات وأعضاء المجالس إلى بناء ثقافة النزاهة في دار البلدية - من خلال الإعلان مثلاً عن أي مصالح تجارية شخصية، الامتناع عن اتخاذ القرارات التي تنطوي على تضارب مصالح، وضمان أن يحصل التوظيف والتعاقد على أساس الجدارة والتنافسية. ومن خلال إظهار الصدق والاحترافية، يستطيع القادة المحليون تغيير التصورات العامة تدريجياً وزيادة ثقة المواطنين في الحكومة المحلية.
من خلال تنفيذ تدابير مثل تلك المذكورة أعلاه، يمكن أن تنظم البلديات تدريجياً سجلاً حافلاً بالنجاحات حتى في ظل الأزمات. فيجب أن تسعى السلطات المحلية إلى إثبات قدرتها على تقديم الخدمات بشكلٍ فعال إلى مواطنيها إذا منحت الصلاحيات. فاللامركزية هي عملية تصاعدية بقدر ما هي تنازلية: البلديات الأقوى هي جزء من الحل لمشاكل لبنان، وليست خطراً.
شركاء التنمية الدوليين
لعب شركاء لبنان الدوليون – ومن ضمنهم الحكومات المانحة ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية ومؤسسات تمويل التنمية - دوراً مباشراً متزايداً في دعم تقديم الخدمات المحلية خلال الأزمات الأخيرة. ومن الضروري أن تتماشى مساعدتهم مع تعزيز اللامركزية وتجنب تقويض المؤسسات المحلية مستقبلاً. وتهدف التوصيات التالية إلى تركيز الدعم الخارجي بطرق تبني قدرات البلديات وتحفز الإصلاح:
- مواءمة التمويل مع الأولويات والخطط المحلية: يتعين أن ينسق شركاء التنمية عن كثب مع أي استراتيجية وطنية ناشئة للامركزية (حال صياغتها) لضمان أن تعزز مساعداتهم المؤسسات البلدية بدلاً من تجاوزها. ويستطيع المانحون توسيع استخدام آليات شفافة قائمة على معايير – مثل المنح البلدية الجماعية أو المنح القائمة على الأداء – بدلاً من الاعتماد فقط على المشاريع الصغيرة والمخصصة. المفتاح هو استخدام المساعدات بطريقة تمكّن السلطات المحلية عبر تزويدها بالموارد التي تتحكم فيها وتوزعها، بدلاً من تجاوزها باستمرار.
- الاستثمار في برامج بناء القدرات والتوأمة: قدم المانحون تاريخياً ورش عمل تدريبية ومساعدة تقنية للبلديات؛ ومع ذلك، يجب أن تكون هذه الجهود أكثر استدامة وتوسعاً بالنظر إلى هجرة الأدمغة الشديدة، والتحديات الجديدة التي ظهرت. فينبغي أن يمول شركاء التنمية برامج بناء القدرات طويلة الأمد التي تتجاوز الدورات التدريبية الفردية. ويمكن أن يشمل ذلك التدريب المستمر أثناء العمل لموظفي البلديات في مجالات مثل الإدارة المالية الحديثة وقانون المشتريات العامة والتخطيط التشاركي ونظم المعلومات الجغرافية والتخطيط المدني، وأنظمة الحوكمة الإلكترونية. بالإضافة إلى ذلك، من المهم أن يدعم المانحون مبادرات التوأمة البلدية والتعلم من الأقران: مثل توأمة البلديات اللبنانية مع بلديات مدن في الخارج (مع الاستفادة المحتملة من وجود الجالية اللبنانية في مجالس المدن الأجنبية أو الشبكات المهنية) لتبادل الخبرات وأفضل الممارسات.
- تقديم الدعم التقني لإصلاحات اللامركزية: يتمتع الشركاء الدوليون بموقع جيد لمساعدة المؤسسات الوطنية اللبنانية في تصميم وتنفيذ إصلاحات اللامركزية عند توفر الفرصة. فيستطيع المانحون تمويل مشاريع تجريبية لاختبار مفاهيم اللامركزية على نطاق صغير قبل تعميمها على نطاقٍ أوسع. فيمكن مثلاً أن يثبت مشروع تجريبي للميزانية التشاركية في بعض البلديات تأثيره، ويبني الحجة لتبنيه على نطاقٍ أوسع. أو توسيع نطاق نظام رقمي لتحصيل ضريبة الأملاك تمت تجربته في اتحادٍ واحد، في حال نجاحه، على الصعيد الوطني (ربما بالارتباط بأي مبادرة للحكومة الإلكترونية تسعى إليها الحكومة). من خلال دعم مثل هذه المشاريع التجريبية وتوفير مدخلات التصميم الفني، يمكن للشركاء الخارجيين التخفيف من المخاطر المرتبطة بإصلاح اللامركزية وتقديم أدلة ملموسة للمسؤولين السياسيين المتشككين على أن هذه الأفكار قابلة للتطبيق العملي.
- تحسين التنسيق بين المانحين والحد من الازدواجية: مع مشاركة العديد من الفاعلين الدوليين في التنمية المحلية في لبنان، يصبح التنسيق الفعال أمراً بالغ الأهمية لتعظيم الأثر وضمان الدعم المتوازن (تجنب التركيز المفرط على بعض البلديات وإهمال أخرى). لذا يجب أن يعزز المانحون آليات التنسيق التي تركز بشكلٍ خاص على دعم البلديات. فيمكنهم مثلاً إنشاء مجموعة عمل أو منصة للمانحين حول اللامركزية والبلديات - ويفضل أن ترأسها أو تشارك في رئاستها وزارة الداخلية أو هيئة مركزية أخرى - لضمان التوافق مع السياسات والأولويات الوطنية. وقد يمنع تبادل المعلومات بانتظام حول الجهات التي تمول المشاريع في البلديات تكرار الجهود. كما يمكن أن تشجع معايير التمويل الخاصة بالجهات المانحة البلديات على إقامة شراكات – كإعطاء الأولوية لمقترحات المشاريع التي تشمل عدة بلديات أو اتحاد مثلاً - ما يقلل بشكلٍ طبيعي من التجزئة ويعزز التعاون المحلي.
- تمويل الثغرات الحيوية في الخدمات على المدى القصير (بمشاركة البلديات): إدراكاً أن بعض الإصلاحات الهيكلية ستستغرق سنوات لتتحقق، ينبغي أن يستمر المانحون في تمويل الخدمات الأساسية والاحتياجات الإنسانية على المستوى المحلي لمنع تفاقم الأزمات. ويشمل ذلك مجالات مثل جمع النفايات الصلبة، وإمدادات المياه (مثل توفير الوقود لمحطات ضخ المياه، أو خزانات المياه المجتمعية)، وحلول الطاقة المتجددة (مثل أعمدة الإنارة الشمسية ومضخات المياه الشمسية للقرى). ومع ذلك، يتعين تقديم المساعدات قصيرة المدى بطريقة تشرك البلديات وتعززها بدلاً من تهميشها. وعند الإمكان يوجّه التمويل عبر حسابات البلديات، أو على الأقل التنسيق عن كثب مع إدارات البلديات لتكون جزءًا من عملية صنع القرار والإشراف على المشاريع المحلية.
في جميع هذه الجهود، على الشركاء الدوليين اعتماد مبدأ توجيهي يتمثل في "عدم الإضرار" بالحكم المحلي. وهذا يعني تجنب أي إجراءات قد تقوض بشكلٍ غير مقصود السلطة أو الشرعية المحلية. فبدلاً من أن تدير منظمة غير حكومية خدمة ما بشكلٍ مباشر إلى أجل غير مسمى مثلاً، يجب أن يكون الهدف تسليمها إلى البلدية وبناء قدرتها على إدارتها، لتصبح البلديات رائدة في التنمية المحلية، مع تأدية المانحين دور الداعمين والميسرين من وراء الكواليس. ومع مرور الوقت، سيشجع هذا النهج الجمهور اللبناني على الثقة ببلدياتهم والاعتماد عليها، علماً أن المساعدات الخارجية تعزز (ولا تحل محل) المؤسسات المحلية.
الخلاصة
تقف بلديات لبنان أمام مفترق طرق في العام 2025. بعد سنوات من التهميش وتراجع المسار الديمقراطي، دفعت الأزمات المتداخلة في البلاد البلديات إلى الواجهة. بحثت ورقة السياسة هذه في كيفية إعاقة القيود القانونية والمالية والإدارية القديمة للبلديات، وكيف فاقم الانهيار الاقتصادي الوطني منذ العام 2019 هذه المشكلات بشكلٍ كبير. وتُظهر التحليلات أنه من دون تغييرات هيكلية، ستبقى البلديات منصات وهمية – تُلام على المشكلات المحلية، لكنها تفتقر إلى السلطة أو الموارد اللازمة لحلها. وعلى العكس، مع تعزيز الصلاحيات والتمويل، يمكن للبلديات أن تصبح عوامل فعالة للتنمية والمساءلة والمرونة.
في الواقع، أظهرت العديد من البلديات اللبنانية مرونة وإبداعًا طوال الأزمات - من تنظيم الإغاثة المجتمعية خلال إغلاقات الجائحة إلى إيجاد حلول مؤقتة لمشاكل الكهرباء والمياه. ومع ذلك، تحققت هذه الجهود الإيجابية على الرغم من النظام القائم وليس بفضله. وسيعزز تحرير البلديات من القيود القديمة هذه المبادرات المحلية، ما سيسمح بازدهار المعرفة والطاقة المحلية. في بلد متنوع مثل لبنان، فإن تمكين الكيانات المحلية من تكييف الحلول مع سياقاتها الخاصة ليس فعالاً فحسب، بل ضروري أيضاً.
وتبدو الآثار الديمقراطية عميقة أيضاً. فاستئناف الانتخابات المحلية المنتظمة وفي مواعيدها سيعيد إحياء العقد الاجتماعي على مستوى المجتمع المحلي. وعندما يرى المواطنون تحسينات ملموسة في أحيائهم، فمن المرجح أن يستعيدوا ثقتهم في الحكم بشكلٍ عام. وبناء الثقة على مستوى القاعدة الشعبية أمر ضروري في سياق لبنان، إذ فشلت المؤسسات الوطنية إلى حدٍ كبير في تلبية توقعات الجمهور. إن اللامركزية، المنفذة بشكلٍ صحيح، لا تُضعف الدولة؛ بل تعيد بناءها من القاعدة إلى القمة، ما يجعلها أكثر استجابة وشرعية. فهي تقرب الحكومة من الشعب بالمعنى المجازي والحرفي.
وبالطبع، لا تعتبر اللامركزية حلاً سحرياً. فهناك مخاطر يجب إدارتها – مثل ضمان توحيد المعايير ومنع سيطرة النخبة المحلية، والحفاظ على الوحدة الوطنية. ومع ذلك، فإن حل هذه التحديات لا يكمن في التمسك بنموذج مركزي فاشل، بل في إصلاحه وتحقيق التوازن بين اللامركزية وآليات المساءلة الفعالة. تهدف التوصيات السياساتية الواردة في هذه الورقة إلى تحقيق ذلك بالضبط: منح البلديات مزيداً من الاستقلالية مع ترسيخ الرقابة في الوقت نفسه (عبر الشفافية والتدقيق والمشاركة المدنية) لضمان بقائها خاضعة للمساءلة. تُظهر التجارب الدولية أن بناء حكومة محلية فعالة هو عملية تتطلب الوقت والتكرار. سيحتاج لبنان إلى بدء تنفيذ الإصلاحات والتعلم من التجارب المبكرة، وتعديل المسار حسب الحاجة.
يمكن أن يمثل العام 2025 نقطة تحول. مع إجراء الانتخابات البلدية أخيراً، تولت قيادات محلية جديدة مسؤولياتها في جميع أنحاء لبنان. ويواجه العديد من رؤساء البلديات تحدياً مشتركاً يتمثل في الحكم وسط الصعوبات الاقتصادية والشلل المؤسسي. وسيكون لنجاحهم أو فشلهم في السنوات القليلة المقبلة تأثير كبير على حياة المواطنين اليومية واستقرار البلاد. فيجب على البرلمان والحكومة المركزية تمكين هؤلاء القادة المحليين من النجاح – ما يعني إقرار الإصلاحات القانونية والمالية الموضحة هنا من دون مزيدٍ من التأخير. يتعين على شركاء التنمية مواصلة تقديم المساعدة، لكن يجب أن تتماشى هذه المساعدة مع الرؤية الوطنية للامركزية والتمكين المحلي، وليس العمل بشكلٍ موازٍ لها.
في الختام، لا يتعلق تمكين بلديات لبنان في ظل الأزمة بالحكم المحلي فقط، بل بالانتعاش الوطني والقدرة على الصمود، واستعادة ثقة الناس في قدرة الحكومة في لبنان على العمل. ويتعلق أيضاً بتفعيل المساءلة والمشاركة في نظام يفتقر إلى كليهما. التحديات هائلة، لكن الحلول في متناول اليد إذا توفرت الإرادة السياسية. لن يكون الطريق إلى نظام حكم أكثر لامركزية وفعالية سهلاً، لكنه يوفر مخرجاً من المأزق الحالي. وكما يقول المثل: "فكر عالمياً، وتصرف محلياً" – فقد يبدأ انتعاش لبنان من بلدياته.
المراجع
Atallah, S. (2022). Historical perspectives on local governance in Lebanon. In S. Atallah & N. M. S. Meouchi (Eds.), The Politics of Local Governance in Lebanon (pp. 21–47). The Lebanese Center for Policy Studies.
El-Chaer, R. (2024, November). Decentralization and federalism: Which path to Lebanon’s salvation? Konrad-Adenauer Stiftung. https://www.kas.de/documents/284382/284431/Decentralization%2Band%2BFederalism.pdf/
El-Helou, Z. S. (2025, May 2). Understanding municipal elections in Lebanon. Konrad-Adenauer-Stiftung Lebanon Office. https://www.kas.de/en/web/libanon/single-title/-/content/understanding-municipal-elections-in-lebanon
El Jammal, R. (2025, May 13). North Lebanon elections descend into chaos and violence amid fraud accusations. The New Arab. https://www.newarab.com/news/chaos-and-fraud-claims-overshadow-north-lebanon-municipal-vote
Geagea, N., & Sleiman, A. (2017, December). Local governance in Lebanon: The way forward (Briefing Paper 93). Democracy Reporting International.
https://www.pseau.org/outils/ouvrages/dri_local_governance_in_lebanon_the_way_forward_2017.pdf
Hamadi, G. (2025, April 30). Around 3,000 women across Lebanon are running in municipal elections this year. L’Orient Today.
https://today.lorientlejour.com/article/1458112/around-3000-women-across-lebanon-are-running-in-municipal-elections-this-year.html
Hamieh, R. (2025, May 12). بروفا للانتخابات النيابية : 80/80 بلدية للثنائي في بعلبك – الهرمل.
Al-Akhbar.
Harb, M., & Atallah, S. (2020). Lebanon’s municipal fragmentation and its implications.
Middle East Law and Governance, 12(3), 324–343.
Hijazi, S. (2025, May 19). Key takeaways from the municipal elections in the Bekaa and Beirut. L’Orient Today.
https://today.lorientlejour.com/article/1460121/key-takeaways-from-the-municipal-elections-in-bekaa-and-beirut.html
Information International. (2025). Municipal councils: Dissolutions and inactivity ahead of elections. Beirut: Information International.
International Crisis Group. (2023, May 31). Lebanon Needs to Hold Municipal Elections.
https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/east-mediterranean-mena/lebanon/lebanon-needs-hold-municipal-elections
International Foundation for Electoral Systems. (2025, April 10). Election FAQs: Lebanon Municipal Elections 2025.
https://www.ifes.org/publications/election-faqs-lebanon-municipal-elections-2025
Jadah, M. (2025, May 15). What we know about the dismissal of the 'unpopular' governor of North Lebanon. L’Orient Today.
https://today.lorientlejour.com/article/1459950/what-we-know-about-the-dismissal-of-the-unpopular-governor-of-north-lebanon.html
Kayssi, I. (2025, May 16). Reading Tripoli’s tea leaves. Malcolm H. Kerr Carnegie Middle East Center (Diwan).
https://carnegieendowment.org/diwan/2025/05/16/reading-tripolis-tea-leaves
Konrad-Adenauer-Stiftung. (2025, February 27). Demystifying decentralization and federalism: The case of Lebanon.
https://www.kas.de/en/web/libanon/single-title/-/content/demystifying-decentralization-and-federalism-the-case-of-lebanon
L’Orient Today. (2025, May 29). 10% of elected municipal council members are women.
https://today.lorientlejour.com/article/1462326/10-of-elected-municipal-council-members-are-women.html
Lebanon Ministry of Interior and Municipalities. (2025). Elections results portal.
https://www.elections.gov.lb
National News Agency. (2025, May 5). LADE report on 2025 municipal and mukhtar elections in Mount Lebanon.
https://www.nna-leb.gov.lb/en/municipals-mukhtars-elections/777777/lade-report-on-2025-municipal-and-mukhtar-election
UN-Habitat. (2022). Municipal Finance Policy Advocacy Report – Lebanon.
https://unhabitat.org/municipal-finance-assessments-policy-advocacy-report-lebanon
UN-Habitat & ESCWA. (2022). State of the Lebanese Cities 2021.
https://unhabitat.org/sites/default/files/2022/03/un-habitat_escwa_state_of_the_lebanese_cities_2021_web.pdf
World Bank. (2022). Lebanon Economic Monitor, Fall 2022: Time for an Equitable Banking Resolution.
https://www.worldbank.org/en/country/lebanon/publication/lebanon-economic-monitor
Zoughaib, S., Atallah, S., Al Habr, R., & Harb, M. (2025, May 28). Why elections don’t matter until municipalities are radically transformed. The Policy Initiative.
https://www.thepolicyinitiative.org/article/details/456/why-elections-don%E2%80%99t-matter-until-municipalities-are-radically-transformed
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.