ملخص تنفيذي
يهدف موجز السياسات هذا إلى إطلاع صانعي القرار اللبنانيين ومنظمات المجتمع المدني وشركاء التنمية، على الأهمية الحاسمة لإدراج مبادئ العدالة والإنصاف والمشاركة المجتمعية في عملية انتقال الطاقة في لبنان. ويسعى إلى تقديم توصيات عملية تدعم تنفيذ إصلاحات شاملة في مجال الطاقة، لا سيما في سياق التعافي بعد الأزمة، والدعوة إلى اتباع نهج لامركزي يركز على الناس ويعزز المرونة المحلية ويقلص الاعتماد على المصادر الملوثة ويدفع أهداف الطاقة الوطنية إلى الأمام.
ويجادل هذا الموجز بأن لبنان قادر على تحقيق انتقال عادل، وبدء إصلاحات في مجال الطاقة عبر اعتماد مقاربة شاملة تتمحور حول المجتمع المحلي. ويستلزم ذلك التطبيق الكامل لقانون الطاقة المتجددة الموزعة، وتسريع إقرار مشروع قانون كفاءة استخدام الطاقة. ومن خلال التركيز على الحلول اللامركزية والوصول العادل إلى الموارد والإصلاح المؤسسي والمشاركة المجتمعية الفاعلة، يمكن للبنان تحويل قطاع الطاقة لديه وتخفيض الانبعاثات وتخفيف الأعباء المالية عن المواطنين والدولة، ويعزز التنمية المستدامة.
1. مقدّمة: معضلة الطاقة الملحة في لبنان
منذ عام 1990، يعاني لبنان من أزمة طاقة مزمنة، تفاقمت بسبب الانهيار المالي عام 2019، وانفجار مرفأ بيروت، والحرب مع إسرائيل، والنزاعات الإقليمية الأخيرة. وشلّت هذه العوامل بشدة قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية، ومن ضمنها الكهرباء الموثوقة. وبالتالي، يتحمّل المواطنون اللبنانيون تكاليف مرتفعة وأعباء بيئية كبيرة بسبب الاعتماد على المولدات الخاصة التي أصبحت تهيمن على إنتاج الكهرباء، ما أدى إلى ارتفاع واردات الديزل من نحو 1.18 مليون طن عام 2010، إلى 2.35 مليون طن عام 2019. وقد استأثرت المولدات الخاصة بالجزء الأكبر من هذا الارتفاع ، فساهمت بشكلٍ كبير في تلوث الهواء، ومفاقمة المخاطر الصحية العامة، وفرض أعباء اقتصادية ثقيلة على الأسر، في انعكاسٍ واضح للفشل الأوسع نطاقًا لنظام الطاقة المركزي.
لكن هذه الأزمة القاسية تُتيح فرصةً فريدةً من نوعها لإحداث تحول جذري نحو حلول الطاقة المستدامة والعادلة. فمع هشاشة مصادر الطاقة التقليدية التي لا يمكن إنكارها، لم يعد التركيز على الطاقة المتجددة، لا سيما الشمسية والرياح، مجرد طموح بيئي بل أصبح ضرورة حتمية لتأمين طاقة مستدامة وبأسعار معقولة، ولخفض كلفة إنتاج الكهرباء وتقليل الاعتماد على واردات الوقود. وسبق أن التزم لبنان بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 30 في المئة من دون قيدٍ أو شرط، و15 في المئة مشروطة بحلول عام 2030 بموجب القانون رقم 115/2019، ما يستلزم خطة انتقالية للطاقة واضحة وإجراءات صارمة للحفاظ على الطاقة وكفاءتها.
2. الطريق إلى العدالة: التحديات والفرص في التحول في مجال الطاقة
إن تحقيق انتقال عادل للطاقة في لبنان ليس مجرد ضرورة تقنية أو بيئية فحسب - بل هو ضرورة أخلاقية واقتصادية وسياسية. وبالنظر إلى الأزمة الاقتصادية المتفاقمة وأوجه عدم المساواة المتجذرة في البلاد، يجب أن يُصمّم أي تحول نحو الطاقة المستدامة لتصحيح الظلم القائم وليس تعزيزه. وفي هذا السياق، يصبح الربط بين العدالة والتنمية الاقتصادية المستدامة أمراً بالغ الأهمية. وكما أكدت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا، فإن معالجة عدم المساواة ضروري لتحقيق تنمية مستدامة وعالية النمو؛ فالاقتصاد العالمي الأكثر عدلاً الذي يعالج عدم المساواة وتداعيات تغير المناخ في الوقت نفسه هو مفتاح تحقيق الازدهار المستدام.
في لبنان، يجب أن يتجاوز الانتقال العادل في مجال الطاقة مجرد الحد من الأضرار البيئية؛ إذ يجب أن يتصدى لأوجه عدم المساواة البنيوية التي لطالما حرمت المجتمعات الهشة من الطاقة الموثوقة وميسورة الكلفة. فلا يجوز أن تتحمل الأسر ذات الدخل المنخفض العبء الأكبر من ارتفاع أسعار الطاقة، ما يجعل القدرة على تحمل كلفة الطاقة أولوية محورية في السياسات العامة. وبالمثل، تتطلب التفاوتات الإقليمية الواضحة في الوصول إلى مصادر طاقة نظيفة، خصوصاً في المناطق المهمشة والمتضررة من النزاعات مثل الجنوب، استثمارات موجّهة تضمن ألا يُترك أي مجتمع خلف الركب. ويوفر الانتقال العادل أيضاً فرصة حاسمة لخلق فرص عمل كريمة وعادلة من خلال مبادرات الطاقة المجتمعية، خصوصاً في سوق العمل الذي يخذل الشباب والشرائح العاملة في البلاد. والأهم من ذلك، لا يمكن فرض مستقبل عادل للطاقة من أعلى الهرم، بل يجب أن يُبنى عبر صنع سياسات شاملة وتشاركية تدمج الفئات الأكثر تضررًا، ومن ضمنهم النساء والشباب والفئات المهمشة تاريخيًا. ومن دون أصواتهم على طاولة القرار، يخاطر إصلاح قطاع الطاقة بإعادة إنتاج أوجه اللامساواة التي يدّعي معالجتها. ولضمان العدالة والإنصاف، يجب على عملية الانتقال:
- إعطاء الأولوية للقدرة على تحمل التكاليف: تجنب إثقال كاهل المواطنين بأعباء مالية مرتفعة، نظرًا لتناقص مداخيلهم.
- ضمان الوصول العادل: تأمين الوصول إلى مصادر الطاقة البديلة، خصوصاً في المناطق المحرومة أو النائية.
- تقليل تأثير الجودة والصحة والسلامة والبيئة: التخفيف من التلوث البصري والسمعي الناتج عن منشآت الطاقة المتجددة الفردية العشوائية، لا سيما في المناطق الحضرية والحساسة ثقافياً، مع احترام المواقع الأثرية والتراثية. كما ينبغي ضمان الإدارة السليمة لنفايات البطاريات.
- تعزيز عملية صنع القرار الشاملة: توسيع نطاق تخطيط سياسات الطاقة ليشمل المواطنين والمجتمع المدني، وليس فقط الهيئات الرسمية.
يعد قانون الطاقة المتجددة الموزعة الذي أُقرّ حديثاً خطوة واعدة نحو اللامركزية في نظام الطاقة في لبنان وتمكين المجتمعات المحلية. فمن خلال إتاحة المجال أمام البلديات والقرى لإنتاج طاقة متجددة بشكلٍ تعاوني، يوفر استجابة قابلة للتطبيق لنقص الطاقة المزمن في البلاد وأعباء الاعتماد المكلف على الوقود. تُظهر نماذج ناجحة مثل "تعاونية بحمدون للطاقة الشمسية" قدرة هذه المبادرات على تخفيض كلفة الكهرباء وتُحّسن موثوقيتها، كما يتضح من تركيب نظام ضخ المياه بالطاقة الشمسية بقدرة 131 كيلوواط الذي يلبي الاحتياجات الزراعية المحلية مع تقليص نفقات الطاقة. لكن أثر هذا القانون يبقى مرهوناً بفعالية التنفيذ، وهو مجال لم تنجح فيه الحكومات اللبنانية تاريخياً. فمن دون إجراءات مبسطة وشفافية وإرادة سياسية، قد يتعثر القانون كما تعثرت الإصلاحات السابقة. علاوة على ذلك، في حين أن آليات التمويل المشترك مع البلديات مشجعة، لكن لا تملك جميع المناطق القدرات أو الموارد اللازمة للمشاركة على نحوٍ متكافئ. ويفتح هذا التشريع الباب أمام التغيير التحويلي، إلا أن تحقيق إمكاناته يتطلب مواجهة الحواجز البيروقراطية والهيكلية الراسخة، وضمان الوصول العادل، والالتزام بحلولٍ فعلية للطاقة بقيادة المجتمع المحلي.
3. التغلب على العقبات المؤسسية والمالية
على الرغم من التقدم القانوني، ما زالت بعض العقبات المؤسسية الكبيرة تعوق التحول الجاد والعادل في مجال الطاقة. وتتمثل العوائق الرئيسية في غياب أو ضعف البيئة القانونية والتنظيمية والمؤسساتية التي تحكم قطاع الطاقة في لبنان، إلى جانب عدم وجود خطة وطنية واضحة.
ومن أبرز هذه العقبات:
- عدم تنفيذ قانون تنظيم قطاع الكهرباء: ويشمل ذلك الفشل الحاد في تعيين هيئة تنظيمية، وهو أمر أساسي لضمان تشغيل القطاع واستدامته.
- عدم وجود مراسيم تنفيذية لقانون الطاقة المتجددة الموزعة:[5] من دونها، تبقى الفرص المباشرة التي يُتيحها القانون غير مستثمرة. ويتوقف التنفيذ الكامل على تعيين الهيئة التنظيمية.
- عدم إصدار قانون ترشيد الطاقة: على الرغم من العيوب والثغرات الخطيرة التي يجب معالجتها (مثل، آليات التنفيذ، وكيفية التحقق من الالتزام، ومن هي الجهة المُخوّلة بذلك)، لكن يحدد هذا المشروع مبادئ وأساليب ترشيد استهلاك الطاقة وزيادة الكفاءة عبر اعتماد معدات موفرة للطاقة على المستويين الفردي والرسمي.
- غياب آليات المشاركة المجتمعية: لا توجد منصات مؤسسية فعالة تفرض مشاركة المجتمع المدني في وضع واعتماد سياسات الطاقة. ولمعالجة هذه الفجوة، ينبغي إنشاء منصات رسمية لأصحاب المصلحة على المستوى المحلي، خصوصاً البلديات، لإشراك المجتمع المدني في المناقشات حول مشاريع الطاقة المتجددة. كما ينبغي دعوة منظمات المجتمع المدني والخبراء المستقلين بانتظام للمشاركة في اجتماعات اللجان البرلمانية، لا سيما لجنة الطاقة التي تُناقش فيها التشريعات قبل إقرارها. وحتى الآن،، تبقى جميع اجتماعات اللجان البرلمانية مغلقة وسرية.
- غياب تمويل فعال لمشاريع الطاقة المتجددة: على الرغم من وجود مبادرات المانحين الدوليين (مثل، ،صندوق الطاقة الشمسية التابع للوكالة الأميركية للتنمية الدولية بقيمة 20 مليون دولار، وبرنامج سيدرو5 للاتحاد الأوروبي ، والأجندة الخضراء الجديدة بقيمة 22 مليون يورو)، إلا أنها تكون غالباً موقتة وغير منسقة مع الدولة وغير كافية لدفع التحول الشامل.
على الرغم من هذه التحديات، تُظهر المبادرات المحلية إمكانات واعدة. فأقامت بلديات عديدة شراكات مع المجتمع المدني لتركيب أنظمة الطاقة المتجددة (مثل، بعبدا وبجّة وكفرمشكي والميرة وصور وطير حرفا والشوير). كما شهدت بعض المدارس في الجنوب مشاريع طاقة شمسية بفضل جهود البلديات والمانحين. ويشير ذلك إلى أن الدعم الكافي والمنسق، قادر على تحقيق مشاريع الطاقة الشاملة والتشاركية.
4. توصيات السياسات: خارطة طريق للعمل
يتطلب التغلب على هذه التحديات والبدء بإصلاحات من أجل انتقال عادل للطاقة وضع خارطة طريق متكاملة تشمل أصحاب المصلحة الرئيسيين: الدولة والهيئات الدولية والمجتمع المدني.
دور الدولة
يجب أن تضطلع الدولة اللبنانية، خصوصاً البرلمان والحكومة ووزارة الطاقة والمياه، بمسؤولياتٍ حاسمة:
- إعادة تحديد سياسة الطاقة القديمة في لبنان: يعود تاريخ آخر سياسة شاملة للطاقة في لبنان إلى العام 2007، وهي الآن قديمة جدًا، ولا تعكس الحقائق والفرص والتحديات الحالية، مثل إمكانات النفط والغاز في البحر، والاحتياجات المتزايدة إلى الكهرباء، والتحول العالمي نحو مصادر الطاقة المتجددة. وتبرز حاجة ماسة إلى استراتيجية جديدة وشاملة للطاقة تحدد الاتجاه الاستراتيجي للقطاع بأكمله، بما فيها استخدام الموارد (مثل النفط والغاز)، والأولويات المحلية مقابل أولويات التصدير، ومزيج الطاقة المستقبلي لتوليد الطاقة. ينبغي أن تعطي هذه السياسة الأولوية للامركزية، واستبدال الامتيازات والاحتكارات القديمة بنموذج حوكمة شفاف وشامل وتشاركي. وسيتطلب تحقيق هذه الرؤية إرادة سياسية قوية، وإصلاحًا مؤسسيًا، ومشاركة هادفة من المجتمع المدني في كل مرحلة.
- الإسراع في تنفيذ القانون: الإسراع في تطبيق قانون تنظيم قطاع الكهرباء، بما في ذلك تعيين الهيئة الناظمة وتخصيص مؤسسة كهرباء لبنان، وكلاهما محوري لتطبيق قانون الطاقة المتجددة الموزعة.
- إقرار قانون ترشيد الطاقة: تسريع إقرار قانون ترشيد الطاقة لإرساء مبادئ ترشيد الاستهلاك وزيادة كفاءة الطاقة.
- إصدار المراسيم التنفيذية: تطوير المراسيم التنفيذية لقانون الطاقة المتجددة الموزعة وإقرارها فوراً لضمان الاستفادة الكاملة من أحكامه. ويُشار هنا إلى أن أهمية هذا القانون تنبع من كونه ينشئ مديرية للطاقة المتجددة داخل مؤسسة كهرباء لبنان. بالإضافة إلى ذلك، يفرض الشفافية في قطاع الطاقة المتجددة عبر إلزام الهيئة الناظمة بنشر المراسيم والقرارات التنفيذية على موقعها الإلكتروني، فضلاً عن تقديم تقارير دورية عن التقدم المحرز في القطاع.
- تفويض المشاركة المجتمعية: تعديل القوانين القائمة، مثل القانون رقم 462/2002، لتفويض المشاركة المجتمعية الشاملة في جميع مراحل مشاريع الطاقة المتجددة، لا سيما في المناطق المهمشة والبلدات والقرى التي دمرتها الحرب الأخيرة مع إسرائيل. وينبغي أن تتجاوز هذه المشاركة مجرد التشاور والانتقال إلى الشراكة الفاعلة والمشاركة في صنع القرار من خلال تمثيل المجتمع المدني في الهيئات التنفيذية (هيئات صنع القرار) واللجان الاستشارية وهيئات تخطيط المشاريع وأطر المراقبة. تعد المشاركة المجتمعية على هذا المستوى ضرورية لأنها لا تعزز الملكية المحلية والقبول الاجتماعي لتكنولوجيات الطاقة المتجددة فحسب، بل تضمن أن تُصمّم المشاريع فعلياً لتلبية الاحتياجات والسياقات المحلية. يرسخ هذا النهج التشاركي الشفافية والمساءلة، ما يقلل خطر استحواذ النخبة أو سوء تخصيص الموارد، وهي من المخاطر الشائعة في جهود التنمية اللامركزية. وتظهر المبادرات الأخيرة في بلديات مثل كفرمشكي وطير حرفا والشوير، بوضوح الفوائد الملموسة لهذا النموذج. فمن خلال التعاون الفعال بين البلديات ومنظمات المجتمع المدني والجهات المانحة، نفذت هذه المجتمعات المحلية حلولاً مستدامة مدعومة من المجتمع في مجال الطاقة الشمسية التي حسنت بشكلٍ كبير إمكانية الحصول على الكهرباء والقدرة على الصمود، خصوصاً بالنسبة إلى المدارس والخدمات العامة الحيوية الأخرى. تُعتبر مأسسة هذا الإطار التشاركي أمراً حيوياً بشكلٍ خاص في مناطق ما بعد النزاع في لبنان، فتُعد إعادة بناء البنية التحتية والثقة الاجتماعية هدفين لا ينفصلان. وفي نهاية المطاف، فإن تمكين المجتمعات المحلية من تشكيل مستقبل الطاقة الخاص بها ليس مجرد مسألة عدالة؛ بل هو ضرورة استراتيجية قادرة على دعم استدامة ونجاح التحول إلى الطاقة المتجددة في لبنان على المدى الطويل.
دور الهيئات الدولية
على الرغم من أن مبادرات التمويل الحالية قيّمة، لكن تبرز الحاجة إلى المزيد من الدعم الموجه والمنسق:
- دعم بناء القدرات: تشجيع الوكالات المانحة وشركاء التنمية على الاستثمار في بناء قدرات البلديات والجمعيات المحلية لدعم مشاركتهم الفعالة في مبادرات الطاقة المتجددة. وينبغي أن يشمل ذلك التدريب في المجالات التقنية، مثل تصميم أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية وتركيبها وصيانتها، بالإضافة إلى تخطيط الطاقة وتقييم الطلب للمساعدة في تحديد التقنيات المناسبة. كما أن الدعم الإداري والتنظيمي ضروري، بما في ذلك إدارة المشاريع وعمليات الشراء وفهم الأطر القانونية والتنظيمية ذات الصلة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن بناء المهارات في مجال المشاركة المجتمعية والتخطيط التشاركي سيمكن الجهات الفاعلة المحلية من تيسير حلول الطاقة المتجددة الشاملة والموجهة محلياً.
- إشراك المجتمع المدني: التأكد من إشراك ممثلي المجتمع المدني بفعالية ليس فقط في هيئات صنع القرار التي تضع السياسات الوطنية والمحلية للطاقة، بل أيضًا في تصميم وتنفيذ البرامج والمشاريع. وينبغي أن تجري هذه المشاركة على جميع المستويات، بدءًا من صياغة السياسات رفيعة المستوى وصولاً إلى المبادرات الشعبية، مع الاعتراف بأن مشاركة المواطنين الهادفة تعزز الشفافية والمساءلة وملاءمة جهود الطاقة المتجددة لاحتياجات المجتمع.
- تقديم منح صغيرة: توفير منح صغيرة مخصصة لمبادرات الطاقة المتجددة التي يقودها المجتمع المحلي، لضمان التنمية العادلة والمنصفة.
- تشجيع المنصات المحلية: تعزيز إنشاء وتقوية منصات الطاقة المحلية التي تجمع بين منظمات المجتمع المدني والبلديات للتخطيط والإشراف على مبادرات الطاقة المتجددة بشكلٍ تعاوني. في لبنان، يقدم اتحاد بلديات كسروان مثالاً واعداً على ذلك. فهو نجح في تسهيل التنسيق بين البلديات الأعضاء لتجريب مشاريع الطاقة الشمسية وتبادل أفضل الممارسات، ما يوضح كيفية عمل اتحادات البلديات كمنصات فعالة للعمل الجماعي في مجال الطاقة المتجددة. ويمكن أن تُرسخ الاستفادة من مثل هذه الهياكل القائمة وتوسيع نطاقها، مشاركة المجتمع، تحسين تجميع الموارد، وتسريع نشر الطاقة اللامركزية في جميع المناطق.
- ربط التمويل بالشراكات المحلية: اشتراط تمويل الجهات المانحة على وجود شراكات محلية حقيقية لضمان الاستدامة والملاءمة.
دور المجتمع المدني
أبدى المجتمع المدني اللبناني مبادرة كبيرة، ويجب أن يستمر في لعب دور حاسم. هناك العديد من السبل والمساحات التي يمكن للمجتمع المدني من خلالها المشاركة في قطاع الطاقة. وفي ما يأتي الممارسات والعمليات المختلفة التي يمكن الاستفادة منها:
- الدعوة إلى إصلاح السياسات: تصميم وتنظيم حملات مناصرة، والمشاركة بفاعلية في جلسات الاستماع البرلمانية للدعوة إلى تعديل الإطار القانوني لقطاع الطاقة وتعزيز المزيد من فرص الاستثمار في الطاقة المتجددة عبر خلق بيئة تنظيمية جاذبة مع حوافز واضحة.
- مراقبة تنفيذ القانون: المراقبة النشطة لتنفيذ قانون الطاقة المتجددة الموزعة في لبنان، لضمان الشفافية والوصول العادل وإصدار الأطر التنظيمية في الوقت المناسب، مثل القياس الصافي والترخيص ودمج الشبكة. وفي الوقت نفسه، يجب أن يدعو المجتمع المدني إلى اعتماد قانون ترشيد الطاقة الذي طال انتظاره، وهو ضروري لإضفاء الطابع المؤسسي على تدابير كفاءة الطاقة في مختلف القطاعات. ويشكل هذان القانونان معًا الأساس للتحول المستدام واللامركزي في مجال الطاقة، ما يتيح توليد الطاقة النظيفة مع تقليل الطلب الكلي. ويعتبر دور المجتمع المدني في متابعة التقدم المحرز وإشراك صانعي السياسات، وحشد الدعم الشعبي أمراً بالغ الأهمية ليصبح هذا الإطار القانوني فعالاً وشاملاً.
- تنفيذ مشاريع لامركزية ذات تأثير محلي: التعاون مع البلديات والوكالات المانحة لتنفيذ حلول الطاقة المتجددة على نطاق صغير بشكلٍ مباشر (يُسمح بتطوير ما يصل إلى 1.5 ميغاواط من دون إذن من هيئة تنظيم الطاقة)، مثل إنارة الشوارع بالطاقة الشمسية في الأحياء المحرومة، والطاقة الشمسية على أسطح المدارس الحكومية، وأنظمة الطاقة الشمسية الاحتياطية للعيادات الصحية الريفية، كما هو الحال في قرى مثل كفرمشكي وطير حرفا.
- تعزيز دور المجتمع المدني في تخطيط الطاقة: الدعوة إلى الاعتراف بالمجتمع المدني والمجتمعات المحلية ليس فقط كمستفيدين ولكن كشركاء رسميين في تصميم وتخطيط وتنفيذ مشاريع الطاقة، من خلال تأمين مقاعد في لجان الطاقة المحلية أو داخل الاتحادات البلدية التي تدير المنشآت الممولة من المانحين.
- ضمان الشفافية والرقابة العامة: مطالبة وزارة الطاقة والوكالات العامة ذات الصلة، وفقاً لقانون الوصول إلى المعلومات، بنشر تحديثات دورية حول خطوط سير مشاريع الطاقة المتجددة وتخصيصات التمويل وعمليات الترخيص والمشتريات والعقود الموقعة ونتائج الأداء. وينبغي تقديم هذه التحديثات بصيغ يسهل الوصول إليها، بما فيها لوحات المعلومات العامة. ويمكن لمبادرة "غربال"، وهي منظمة مجتمع مدني ذات خبرة واسعة في هذا المجال، أن تقدم دعماً قيماً لتعزيز آليات الرقابة العامة والوصول إلى البيانات.
- تضمين العدالة الاجتماعية في تحولات الطاقة: إعطاء الأولوية للوصول العادل عبر ضمان تصميم مبادرات الطاقة المتجددة لتشمل المناطق المهمشة واللاجئين والأسر منخفضة الدخل، وأن يشمل تصميم المشاريع تقييمات تشاركية للاحتياجات بدلاً من التسليم من الأعلى إلى الأسفل.
الخلاصة والدعوة إلى العمل
الانتقال العادل والمستدام للطاقة في لبنان ليس مجرد طموح بل ضرورة ملحة لتحقيق الاستقرار والانتعاش الاقتصادي والرفاه البيئي. وهو يعتمد على شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، مدعومة بإطار تشريعي وتنفيذي شفاف. ويشكل التنفيذ الكامل لقانون الطاقة المتجددة الموزعة والإقرار السريع لقانون كفاءة الطاقة رافعتين أساسيتين لهذا التحول.
من خلال اعتماد التوصيات المذكورة أعلاه، يستطيع لبنان تمكين أصحاب المصلحة الوطنيين والمحليين الذين يمتلكون معرفة سياقية حيوية وخبرة مباشرة بتحديات الطاقة في المجتمعات الريفية والمهمشة، بما فيها تلك التي دمرها النزاع في الجنوب. ويساعد ذلك هذه الجهات الفاعلة المحلية في التغلب على العوائق الناجمة عن الفساد، وأوجه القصور المركزية التي أعاقت تاريخياً المشاركة المجتمعية الهادفة. ويعزز هذا النهج الشفافية، ويضمن وصولًا أكثر عدلاً إلى الكهرباء الموثوقة وبأسعار معقولة، ويقوي مرونة أنظمة الطاقة في المناطق المحرومة من الخدمات. من خلال ذلك، يمكن للبنان إظهار إمكانات كبيرة في مجال الطاقة المتجددة، وتخفيف أزمة الطاقة المزمنة، وبناء مستقبل أكثر عدالة واستدامة لجميع المواطنين. لا تعد هذه الإصلاحات حيويةً للتنمية الوطنية فحسب، بل تشكل أيضاً حجر الزاوية في إطار الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار الأوسع نطاقاً في لبنان، وهو يتماشى بشكل وثيق مع المطالب الرئيسية للمؤسسات المالية الدولية.
حان وقت العمل الآن. فيجب أن يستفيد لبنان من أطره القانونية القائمة لتحفيز التحول اللامركزي والعادل والمستدام في مجال الطاقة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.