مقدمة
يطرح سؤال غياب النخب النسائية في المغرب إشكالية سياسية كبيرة تتجاوز مجرد ضعف التمثيلية العددية للنساء داخل المؤسسات المنتخبة، إلى مساءلة شروط إنتاج النخبة السياسية نفسها والقواعد التي تؤطر هذا الإنتاج. فالنساء رغم تحقيقهن لمكاسب قانونية ودستورية خلال العقدين الأخيرين، لا يزلن بعيدات عن مواقع القرار الفعلي داخل البرلمان والأحزاب والحكومة، وهو ما يطرح التساؤل حول مدى نجاعة القوانين والتنظيمات المؤسساتية القائمة في دعم صعود نخب نسائية حقيقية ومستقلة وفاعلة. ستضطلع هذه الورقة بتحليل الإشكالية عبر فهم العلاقة بين النصوص القانونية والفاعلين السياسيين ودينامية اتخاذ القرار والمخرجات الفعلية للسياسات. ويزداد هذا التساؤل حدة حين ينتظر من النساء، في سياق سياسي ومؤسساتي محدود الإمكانيات، أن يحققن أداءً استثنائيًا يقدم غالبا كشرط لشرعية حضورهن؛ بما يفرض عليهن منطق إثبات مضاعف لا يطلب بنفس الحدة من نظرائهن الرجال، ولا ينسجم مع الشروط الواقعية لإنتاج النخب السياسية بصفة عامة.
ينطلق هذا التحليل من فرضية أن غياب النخب النسائية لا يُعزى فقط إلى عوامل ثقافية أو اجتماعية، كما جرى التأكيد في كثير من الأدبيات، بل إلى اختيارات سياسية وقانونية محددة ترسم حدود المشاركة النسائية وتضبط إيقاعها، سواء من خلال قوانين الانتخابات، أو من خلال الأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان التي تتحكم في توزيع المسؤوليات ومراكز السلطة داخل المؤسسة التشريعية. فهذه القواعد، وإن بدت محايدة في ظاهرها، تساهم في إعادة إنتاج الهرمية الجندرية داخل المجال السياسي، وتقصي النساء من دوائر القرار أو تحصر مشاركتهن في أدوار رمزية أو هامشية. كما تهدف هذه الورقة إلى تقييم تجربة نظام الكوتا في المغرب خلال عقدين من التطبيق، من خلال تحليل مسارها القانوني والسياسي، ورصد أثرها على تمثيلية النساء وصناعة النخبة النسائية، ثم تقديم مقترحات عملية لإصلاحها بما يضمن انتقالها من مجرد آلية لضبط المشهد الانتخابي إلى أداة فعلية لتمكين النساء.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.