الفضاء المدني المتوسع والهش في سوريا: الفرص والمخاطر في المرحلة الانتقالية بعد الأسد

لقراءة الورقة كاملة، يُرجى تنزيل ملف الـ PDF من الجهة اليمنى.

تُظهر لقطة جوية معرض دمشق الدولي في أوّل دورة تُقام بعد سقوط بشار الأسد. سوريا، 03 سبتمبر 2025. (c) محمد باش – شترستوك

ملخص تنفيذي

  • أسفر سقوط نظام الأسد عن توسع ملحوظ في الفضاء المدني في سوريا. أصبح تسجيل الجمعيات أسهل، وعادت التجمعات العامة، وزادت الحرية في انتقاد المسؤولين. عادت المناقشات إلى الحياة اليومية، وغدا بإمكان الناس انتقاد السلطة من دون الخوف المقيّد للسلوك العام. على الرغم من عدم اكتمال الأساس القانوني لهذه التغييرات، فإنها تمثّل تحولًا واضحًا عن عقود من الرقابة الصارمة، وتمكّن نشاطًا مدنيًا على نطاق لم نشهده منذ سنوات عديدة.
  • بيد أن التقدم هش ويفتقر إلى التجانس. لا يزال الوصول إلى المعلومات محدودًا، وتتفاوت المشاركة في الشؤون العامة تفاوتًا بيّنًا، ولا تزال الحياة الحزبية معطلة. يعتمد الكثير من الانفتاح الجديد على الإرادة السياسية أكثر من الحقوق القابلة للتنفيذ. لا تزال القوانين القديمة سارية، وتحتفظ السلطات المحلية بسلطة تقديرية واسعة. الفضاء المدني أوسع في الممارسة العملية، لكنه يفتقر إلى الضمانات الهيكلية اللازمة لضمان استمرار هذه المكاسب.
  • كما أن البيئة المدنية في سوريا لا تتطور بالتساوي في جميع المجالات. تجري الأعمال الإنسانية عادةً من دون تدخل يذكر لأنها تلبي احتياجات ملحة وتساعد في الحفاظ على الاستقرار. أما المبادرات السياسية فتواجه رقابة أشد بكثير. أما الجهود المتعلقة بالإصلاح والمشاركة والمساءلة أو القضايا الدستورية فتواجه غالبًا عوائق أكبر ومتطلبات أشد ومحاولات لإعادة صياغة مضامينها. في بعض الحالات، يُوقَف منح الموافقات كليًا، لينغلق باب النقاش قبل أن يبدأ.
  • وللجغرافيا دور في صياغة الفرص المدنية. فالمناطق الآمَنة، مثل دمشق، تسمح بمشاركة أكثر انفتاحًا. أما المناطق التي تسودها المخاوف وعدم الاستقرار والتوترات الطائفية، ومن بينها الساحل، فتظل خاملة النشاط. تختلف السلطات المحلية في طريقة تنظيمها للأنشطة المدنية: فبعضها يفرض رقابة صارمة، وبعضها يتيح مساحة أكبر لكن بشكل انتقائي. يزيد تفاوت حركة النشطاء بين المناطق من هذه التباينات، ما يجعل الجغرافيا عاملًا حاسمًا في توسع الفضاء المدني أو تقلصه.
  • كما أن درجة الانفتاح تغيرت بمرور الوقت. رأى كُثُرٌ في الأشهر الأولى بعد تغيير السلطة فترة انفتاح غير عادية، مع جو متساهل سمح للنشاط المدني بالازدهار. وما إن أعادت السلطات فرض سيطرتها حتى شُددت الرقابة وأصبح الحصول على الموافقات أصعب، لا سيما للمبادرات غير المتناسبة مع الأولويات الرسمية أو الأدوار المتوخاة للفاعلين المدنيين. ضيَّق تزايد الاستقطاب والترهيب غير الرسمي الحيز المدني بدرجة أكبر، فأفرزا رقابة ذاتية وخوفًا. وبحلول منتصف عام 2025، دفع عدم الثقة المتزايدة والرقابة الأشد العديد من الأنشطة إلى المساحات الخاصة أو السرية.
  • تؤثر الشخصيات أيضًا في الفضاء المدني. مع عدم وضوح القواعد وتداخل الصلاحيات، تتوقف النتائج في الغالب على المسؤولين الأفراد. يطبق البعض اللوائح القديمة بصرامة، ما يُبطئ أو يعرقل الأنشطة، في حين يسمح آخرون بمواصلة الفعاليات على نحو غير رسمي. وفي العادة، يواجه المنظمون من أصحاب العلاقات الجيدة أو المنتمون إلى تيارات سياسية معينة عقبات أقل، في حين تواجه المجموعات الأقل شهرة تأخيرات وإلغاءات ورقابة أشد. في سياق هذا النظام الكيفي، يجب على الفاعلين المدنيين الاختيار بين اختبار الحدود أو تجنبها. والنتيجة بيئة متقلبة ومتفاوتة تجعل المجموعات الأكثر انتقادًا أو الحقوقية معرضة بشكل خاص لقيود أكبر.
  • كما أن مستوى المخاطر المقبولة يؤثر في كيفية تعامل الفاعلين المدنيين مع المرحلة الانتقالية. فمن هم على استعداد لاختبار الحدود يرون في الغموض القانوني فرصة لتوسيع المجال، مستغلين اللحظة لدفع الحدود. تعتمد المجموعات الأكثر حذرًا على الإجراءات الرسمية، وتفرط في الالتزام حين تكون القواعد حمّالة أوجه، وتبتعد عن أي شيء قد يضعها تحت المجهر. تعكس هذه الخيارات في الغالب الاختلافات في شبكة العلاقات والموارد والحماية المتوفرة. والنتيجة مشهد خليط قوامه الحذر والجرأة، يعتمد في ظله التقدم على الرغبة الشخصية في المخاطرة بقدر ما يعتمد على القواعد الرسمية.
  • تتطلب حماية الفضاء المدني وتوسيعه تنسيقًا بين السلطات والجهات الفاعلة المدنية والشركاء الدوليين. يجب على السلطات وقف تطبيق القوانين القمعية، وتعزيز الحماية الدستورية، وتحديث التشريعات الناظمة للحياة المدنية، ومواءمة الإجراءات على الصعيد الوطني. يجب على الجهات الفاعلة المدنية بناء تحالفات، والعمل مع المسؤولين الإصلاحيين، وقيادة الإصلاح القانوني، وتعميق التثقيف المدني، وتوثيق الصعوبات. يجب على الشركاء الدوليين إعطاء الأولوية للحريات المدنية من خلال دبلوماسيتهم، ودعم الإصلاح المؤسسي، وتقديم تمويل مرن طويل الأجل، وتضمين الفضاء المدني في مراقبة العملية الانتقالية. وتعزيز هذه الأسس ضروري لتحويل الانفتاح الهش إلى حقوق دائمة ومنع العودة إلى المشاركة الخاضعة للرقابة.
  • لا تجوز المشروطية في التعامل مع الفضاء المدني. فهو يتطلب أسسًا قانونية قوية ودعمًا مؤسسيًا متسقًا. بخلاف ذلك، تظل المشاركة العامة عرضة لتقلبات المزاج السياسي والتقدير الشخصي. تواجه سوريا الآن خيارًا مفصليًا بين النكوص إلى المشاركة الخاضعة للرقابة أو اعتماد بيئة مدنية منفتحة تدعم الأصوات المتنوعة والتجديد الديمقراطي. وعلى اختيارها بين هذه أو تلك تتوقف مصداقية المرحلة الانتقالية ومآل استقرار البلاد على المدى الطويل. لكن إضاعة هذه الفرصة يعني إغلاق الفضاء الذي يحتاج إليه السوريون ليعيدوا بناء مستقبلهم وفق شروطهم الخاصة.

مقدمة

شكلت الإطاحة بنظام البعث في كانون الأول/ديسمبر 2024 لحظة محورية في المسار السياسي والمدني لسوريا، مُنهيةً أكثر من خمسة عقود من الحكم الاستبدادي. في ظل حكم الأسد، كان الفضاء المدني شديد التقييد. الحال أن القانون كان يعترف بالحق في تكوين الجمعيات والتعبير والتجمع، لكنّ الممارسة العملية شيء آخر. كانت الأجهزة الأمنية والبيروقراطية تقرر مَن يمكنه العمل ومتى وبأي الشروط.1Human Rights Watch, No Room to Breathe: State Repression of Human Rights Activism in Syria’, 16 October 2007, https://shorturl.at/e7rkB. كانت الحياة العامة خاضعة لرقابة صارمة وتسير من خلال قنوات يقرها النظام، وفي الوقت نفسه واجه النشاط المستقل عرقلة وترهيبًا أو قمعًا صريحًا.2Omar Hallaj and Hassan Masri, ‘Redefining Civic Boundaries: Exploring New Regulations and Challenges for NGO Registration in Post-Assad Syria’, 8 April 2025, https://www.lugarit.com/publications/publication-redefining-ngo-roles-in-post-assad-syria.

منذ انهيار النظام، شهدت سوريا انفتاحًا مدنيًا واضحًا وواسع النطاق. في المدن الخاضعة في السابق لسيطرة النظام - ولا سيما دمشق - بدأ المواطنون في استعادة الساحات العامة وتنظيم المظاهرات وعقد المنتديات المجتمعية وتشكيل جمعيات جديدة. وبحسب الأنباء المتداولة، أصبح تسجيل منظمات المجتمع المدني أسهل؛ وعادت الانتقادات العلنية للمسؤولين إلى الظهور؛ وبدأ قادة المرحلة الانتقالية في الترويج لمبادئ من قبيل الشفافية والمشاركة - وهي مفاهيم غابت إلى حد كبير في عهد الأسد.3Organization for the Prohibition of Chemical Weapons, ‘Statement of the Minister of Foreign Affairs of the Syrian Arab Republic H.E. Asaad Hassan al-Shibani at the 108th Session of the Executive Council (EC-108/4)’, 6 March 2025, https://www.opcw.org/sites/default/files/documents/2025/03/ec10804%28e%29.pdf. ولأول مرة منذ عقود، بات الفضاء العام مكانًا للنقاش المدني والعمل الجماعي، بدلًا من أن يكون أداةً للسيطرة الحكومية.

لكنّ هذا الانفتاح لم يتحقق بالتساوي ولا يزال هشًا. على الرغم من تشديد الإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس 2025 على حرية تكوين الجمعيات وحرية التعبير والمشاركة، فإن هذه الضمانات تضعفها المادة 23 التي تسمح بفرض قيود واسعة النطاق لأسباب غامضة مثل النظام العام أو الأخلاق أو الأمن القومي.4Human Rights Watch, ‘Syria: Constitutional Declaration Risks Endangering Rights’, 25 March 2025, https://www.hrw.org/news/2025/03/25/syria-constitutional-declaration-risks-endangering-rights. لا تزال الأطر القانونية القمعية وأنماط السيطرة الموروثة والسلطة الإدارية المجزأة قائمة، ما يترك المجتمع المدني خاضعًا لمجموعة متنوعة من القوانين القديمة والقواعد المرتجلة.5Omar et al, 'Redefining Civic Boundaries'. خلق غياب قوانين جديدة قائمة على الحقوق لكل من منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية فضاءً مدنيًا وسياسيًا هشًا وممزقًا، ما يثير مخاوف بشأن احتمال ظهور أطر قانونية قمعية في المستقبل.

تنطوي هذه المرونة على مخاطر وفرص على حد سواء. فقد حصل بعض الفاعلين المدنيين، ولا سيما أصحاب التاريخ الطويل في العمل في المناطق الواقعة في السابق تحت سيطرة المعارضة في شمال غرب سوريا، على قدر أكبر من الوصول والتعاون من السلطات المحلية. وفي الوقت نفسه، لا يزال آخرون عرضة لقيود تعسفية وإجراءات غير شفافة وعمليات موافقة مطولة وتغييرات مفاجئة في السياسات. ونتيجة لذلك، يتباين الفضاء المدني عبر المناطق والقطاعات وأنواع الأنشطة.

تؤثر عوامل متعددة في هذه التباينات، بما فيها التباين في طبيعة العمل والبيئة الأمنية المحلية والعمليات الإدارية وتحمل المخاطر بين الفاعلين المدنيين ومواقف المسؤولين المحليين. من النادر أن تعمل هذه العوامل بمعزل أحدها عن الآخر. بل تتفاعل بطرائق معقدة، لتخلق مشهدًا مدنيًا ديناميًا ومتنازعًا عليه وفي الغالب متناقضًا. وحالة عدم اليقين الناجمة عن هذه البيئة المتقلبة تؤثر أكثر في المجموعات المدنية الأضعف – لا سيما تلك التي تختلف مواقفها السياسية أو المتعلقة بحقوق الإنسان عن مواقف السلطات الانتقالية –، ما يزيد من مخاوفها بشأن غياب الحماية القانونية.6مقابلة أجراها المؤلف مع ممثل المجتمع المدني، دمشق، شباط/فبراير 2025.

يستكشف هذا التقرير كيف يتشكّل الفضاء المدني في المرحلة الانتقالية في سوريا. ويبحث في الفرص الناشئة عبر الركائز الأساسية للحياة المدنية: حرية تكوين الجمعيات والتجمع السلمي والتعبير والوصول إلى المعلومات والمشاركة في الشؤون العامة. يسبر التقرير الشبكة المعقدة من العوامل الفاعلة في صياغة هذا المشهد المدني المتنوع. فمن خلال تتبع هذه الديناميات، يعمل التقرير على محاولة تحديد حدود الممكن والمقبول والمحظور. وأخيرًا، يحدد التقرير متطلبات تحويل هذه الفرص إلى ضمانات دائمة قائمة على الحقوق.

يستند التحليل إلى 50 مقابلة شبه منظمة أجراها المؤلف شخصيًا في أنحاء سوريا بين كانون الثاني/يناير وتشرين الثاني/نوفمبر 2025. شملت المقابلات جهات فاعلة في المجتمع المدني السوري ونشطاء ومحللين ومسؤولين حكوميين. كُفِل للمشاركين في المقابلات سرية الهوية لتمكينهم من التحدث بحرية وتخفيف المخاطر التي قد تترتب على مشاركة تجاربهم.

يجادل هذا التقرير في جوهره بأن المشهد المدني في سوريا يتسم بالتقدم والهشاشة في آن واحد. فالجهات الفاعلة المدنية أكثر نشاطًا وظهورًا من أي وقت مضى في الذاكرة الحديثة، لكن قدرتها على العمل لا تزال متفاوتة ومشروطة وسهلة التعطيل. ما لم يصاحب ذلك إصلاح قانوني وإعادة هيكلة مؤسسية وضمانات دستورية قابلة للتنفيذ، فإنّ المكاسب منذ انهيار النظام مهددة بالضياع.

الرهانات حاسمة. وإذ تعيد السلطات الانتقالية في سوريا صياغة قواعد الحياة العامة، ستحدد القرارات المتخذة اليوم طابع النظام المدني والسياسي المستقبلي للبلاد. وإذا ما أريد للمرحلة الانتقالية في سوريا المصداقية والشمول والاستدامة، لا يجب أن يكون فتح الفضاء المدني مؤقتًا أو استثناءً مقبولًا، بل يجب حمايته ومأسسته وتحصينه ضد النقض أو التراجع.

Endnotes

Endnotes
1 Human Rights Watch, No Room to Breathe: State Repression of Human Rights Activism in Syria’, 16 October 2007, https://shorturl.at/e7rkB.
2 Omar Hallaj and Hassan Masri, ‘Redefining Civic Boundaries: Exploring New Regulations and Challenges for NGO Registration in Post-Assad Syria’, 8 April 2025, https://www.lugarit.com/publications/publication-redefining-ngo-roles-in-post-assad-syria.
3 Organization for the Prohibition of Chemical Weapons, ‘Statement of the Minister of Foreign Affairs of the Syrian Arab Republic H.E. Asaad Hassan al-Shibani at the 108th Session of the Executive Council (EC-108/4)’, 6 March 2025, https://www.opcw.org/sites/default/files/documents/2025/03/ec10804%28e%29.pdf.
4 Human Rights Watch, ‘Syria: Constitutional Declaration Risks Endangering Rights’, 25 March 2025, https://www.hrw.org/news/2025/03/25/syria-constitutional-declaration-risks-endangering-rights.
5 Omar et al, 'Redefining Civic Boundaries'.
6 مقابلة أجراها المؤلف مع ممثل المجتمع المدني، دمشق، شباط/فبراير 2025.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.