العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في عام 2025: هل الأفعال أبلغ من الأقوال؟

بروكسل، بلجيكا - 16 أكتوبر: اجتمع قادة الاتحاد الأوروبي (EU) ودول مجلس التعاون الخليجي (GCC) في بروكسل لعقد أول قمة لهم في بروكسل، بلجيكا في 16 أكتوبر 2024. (c) بندر الجلود - الأناضول

تلخص مسرحية ويليام شكسبير "جعجعة بلا طحن “العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية في عام 2024. فالمسرحية عبارة عن كوميديا رومانسية تدور أحداثها حول علاقة عاطفية بين زوجين عُرقل ارتباطهما في البداية بسبب مفسدين وضعوا عقبات تم التغلب عليها في النهاية. إن قيمة التواصل هي الخلاصة الرئيسية للمسرحية – وهي عنصر أساسي لاستمرار العلاقة.

لقد كان –ولا يزال – تجاوز المفاهيم الخاطئة وسوء التواصل مفتاحًا أساسيًا لتقدم وتعزيز العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي. وقد شهدت هذه العلاقات تحسنًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، بعد عقود من الشكوك والتباعد المتبادل، خاصة عقب إصدار الاتحاد الأوروبي استراتيجيته الخليجية في أيار/مايو 2022 وتعيينه ممثلًا خاصًا للخليج في أيار/مايو 2023.

وأدت هذه الديناميكية الجديدة إلى فترة من ”التواصل المكثف“ في عام 2024 تمثل في عدد غير مسبوق من الاجتماعات بين الكتلتين: حوار أمني إقليمي في الرياض (كانون الثاني/يناير)، ومنتدى للتعاون الأمني في لوكسمبورغ (نيسان/أبريل)، وحوار اقتصادي في الدوحة (أيلول/سبتمبر)، وأول قمة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في بروكسل (تشرين الأول/أكتوبر)، ومنتدى للأعمال في الدوحة (تشرين الثاني/نوفمبر). هذا بالإضافة إلى الاجتماعات الثنائية المتواصلة، والحراك الدبلوماسي، وتدشين مراكز جديدة مثل غرفة التجارة الأوروبية في الرياض (أيار/مايو).

وبناءً على هذا الزخم، ينبغي أن يكون عام 2025 عام العمل والتنفيذ. في حال عدم تحقيق إنجازات رئيسية في عام 2025، فإن الأجواء المحيطة بالعلاقة المتجددة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي قد تفقد زخمها. هذه ليست دعوة للتخلي عن قيمة التواصل المنتظم والاجتماعات رفيعة المستوى، ولكنها دعوة لإقرانها بخطوات عملية أكثر جرأة وقابلة للقياس. بعض هذه الخطوات جارية بالفعل، ولكنها لم تحظ بالاهتمام الكافي؛ أما الخطوات الأخرى فتظل مفقودة أو تواجه صعوبات لشق طريقها.

سأستعرض هذين النوعين من الخطوات في المجالات السياسية والاقتصادية و”الأمنية المتكاملة“، وأقترح مسارًا للمضي قدمًا نحو شراكة هادفة ومبنية على العمل الجاد بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في عام 2025، والتي يمكن أن تحقق نتائج ملموسة لكلا الكتلتين.

السياسات تلتقي مع الناس: تعاون هادف بشأن حل الدولتين

خطا الاتحاد الأوروبي خطوة كبيرة في عام 2024 لتعزيز علاقاته مع دول مجلس التعاون الخليجي والمنطقة العربية الإسلامية الأوسع من خلال التحالف مع المملكة العربية السعودية والنرويج في إطلاق التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين. ومن خلال اعترافه بحق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم في نهاية المطاف، يسعى الاتحاد الأوروبي بشكل استراتيجي إلى تصحيح ازدواجية المعايير التي شابت تصرفات بعض أعضائه خلال العدوان على غزة والضفة الغربية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول. من خلال هذه السياسة، يضرب الاتحاد الأوروبي عصفورين بحجر واحد، إذ تنسجم بذكاء مع كل من الروايتين الرسمية والشعبية في الخليج بشأن مركزية القضية الفلسطينية.

إن محاولة إحياء تحالف حل الدولتين وسط الموت والدمار في الأراضي الفلسطينية المحتلة ليس بالأمر السهل. ومع ذلك، يقدم التحالف نهجًا مبتكرًا، يهدف في نهاية المطاف إلى تحقيق المفاوضات التي طال انتظارها بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ولا يقتصر دور التحالف على تدويل المبادرة وممارسة الضغط عبر إبقاء القضية حاضرة من خلال عقد اجتماعات منتظمة منذ إطلاقه في أيلول/سبتمبر الماضي، بل يطلب أيضًا من كل دولة مشاركة في البحث عن سبل لدعم تفعيل حل الدولتين. ومن شأن هذا النهج أن يعزز من جدوى الجهود ويساعد على استقطاب الدول الغائبة والحاسمة إلى طاولة التحالف، وأبرزها الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن المقرر أن تتواصل الاجتماعات التي عُقدت حتى الآن في الرياض (تشرين الأول/أكتوبر 2024)، وبروكسل (تشرين الثاني/نوفمبر 2024)، وأوسلو (كانون الثاني/يناير 2025)، والقاهرة (شباط/فبراير 2025)، ولتبلغ ذروتها مع رئاسة السعودية وفرنسا لمؤتمر في الأمم المتحدة في حزيران/يونيو 2025.

يعد هذا إنجازًا سياسيًا كبيرًا، لكنه غالبًا ما يُغفل في الأوساط السياسية والإعلامية كمثال ناجح للتعاون بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي. وقد يكون الطابع العالمي للمبادرة قد قلل من أهمية الدور الذي لعبه الاتحاد الأوروبي والمملكة العربية السعودية والنرويج في إطلاقها في أيلول/سبتمبر 2024، على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة. كما أن قمة الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، التي عُقدت بعد شهر، لم تغتنم الفرصة لتسليط الضوء الكافي على هذا التعاون الهادف في بيانها الختامي، حيث اكتفت بإشارة مقتضبة إلى تحالف حل الدولتين في نهاية قائمة طويلة من المطالب المتعلقة بفلسطين، بدلاً من أن تكون محورا رئيسيا في هذا البيان. يجب على الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي أن يركزا على هذا الإنجاز المهم، حتى لو لم يُحدث تغييرًا ملموسًا على أرض الواقع حتى الآن. فمثل هذا النوع من العمل الذي يفيد العلاقات المشتركة: كونه يمسّ اهتمامات الشعوب ويتجاوز ذهنية الاهتمام السياسي الكلي حول مجموعة واسعة من القضايا بهدف إظهار مقاربة مركزة.

يتطلب التعامل مع الملفات السياسية مقاربة أكثر جرأة حيث تتضافر المنطقتان لتقديم حلول عملية للقضايا الساخنة الحساسة وذات الاهتمام المشترك، دون انتظار توجيهات من القوى الأخرى، وتحديداً الولايات المتحدة. ويشكل التحالف العالمي لحل الدولتين مثالا على ذلك، إلى جانب جهود الوساطة الناجحة التي تبذلها دول مجلس التعاون الخليجي بين روسيا وأوكرانيا. وهناك حاجة لاعتماد نهج مماثل في التعامل مع إيران ولبنان والسودان وسوريا. فالقرار الأوروبي الأخير برفع العقوبات عن سوريا، على سبيل المثال، جدير بالثناء، وهو نتيجة لتفاهمات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي. وبالمثل، لا يقل التعاون في الملف اليمني أهمية. فبينما تهدف بعثة الاتحاد الأوروبي الدفاعية في البحر الأحمر (أسبيدس) إلى حماية الشحن وحرية الملاحة، فإن تعزيز التعاون مع مجلس التعاون الخليجي لمعالجة جذور الصراع اليمني (النزاع الداخلي) بدلًا من التركيز على تداعياته (الهجمات البحرية) سيحقق فائدة أكبر لكلا الطرفين. إن مثل هذه الشراكات القائمة على تركيز العمل على بعض الملفات السياسية المحددة ستُسهم في تعزيز العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي وإضفاء زخم جديد عليها.

” إنه الاقتصاد...!" قدرات كامنة ينميها التعاون المشترك

إن الشعار الجذاب الذي أطلقه الرئيس بيل كلينتون في حملته الانتخابية عام 1992 يلخص أهمية تطوير الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي. فالاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الثاني لدول مجلس التعاون الخليجي بعد الصين بقيمة 170 مليار يورو من السلع المتداولة في عام 2023. ولا تقل الاستثمارات المتبادلة أهمية عن التجارة، إذ بلغت الاستثمارات الخليجية 178 مليار دولار أمريكي، ما يمثل 38% من الاستثمارات الأجنبية في أوروبا في عام 2022. وعلى الجانب الآخر، تستثمر أوروبا في دول مجلس التعاون الخليجي بمبلغ يقارب 234 مليار دولار أمريكي، وهو ما يشكل نسبة 41% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في المنطقة.

ونظراً لقربهما الجغرافي، يمكن للكتلتين زيادة ترابطهما بطرق غير متاحة في مناطق أخرى. ومن الأمثلة البارزة على ذلك الغاز القطري المسال الذي يملأ الفراغ الذي خلفه غياب الغاز الروسي. وتتمثل إمكانية أخرى في استخدام مجلس التعاون الخليجي كمحور ربط أو ممر تجاري يربط الأسواق الأوروبية بآسيا، وفقًا لمنطق مخطط ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا.

ومع ذلك، لا يزال الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي يعملان بأقل من وزنهما المؤسسي من حيث تحقيق الإمكانات الكاملة للعلاقات الاقتصادية. فنادرًا ما ينظر الاتحاد الأوروبي إلى الاعتبارات الاقتصادية بمعزل عن الشروط التنظيمية والحقوقية. وعلى سبيل المثال، كما يتضح في اقتراحه الأخير الذي يلوّح بإمكانية فرض غرامات على الغاز القطري بموجب قوانين التدقيق المتعلقة بـ ”العمل القسري والأضرار البيئية“ ، وهو ما قد يهدد برد فعل قطري يمكن أن يعيق تعزيز العلاقات الاقتصادية. وعلاوة على ذلك، فإن عدم القدرة على إبرام اتفاقية تجارة حرة بعد عقود من المناقشات والانقطاعات يشير إلى أحد التحديات الرئيسية التي تواجه العلاقة، ولا سيما الجمود البيروقراطي المحتمل الناجم عن إدارة تكتل يضم 27 عضوًا (الاتحاد الأوروبي) و6 أعضاء (مجلس التعاون الخليجي).

فالتجارة الثنائية بين الدول الأوروبية الرئيسية ودول مجلس التعاون الخليجي مستمرة وتشهد نموًا متزايدًا. ومع ذلك، فإن إبرام اتفاقية تجارية شاملة من ِشأنه أن يرتقيَ بالعلاقة إلى مستوى أفضل. ويبدو أن هناك جدلًا داخليًا متصاعدًا بين النهج متعدد الأطراف والنهج الثنائي. وهو ما يشير له في بيان قمة تشرين الأول/أكتوبر 2024 :

سوف نهدف إلى المضي قدماً في مناقشاتنا على المستوى الإقليمي بهدف التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة إقليمية بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك فصل خاص بالاستثمار. وفي ضوء ترتيبات التعاون الموقعة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، سنواصل استكشاف اتفاقيات مصممة خصيصاً لدعم التجارة والاستثمارات. (البند أولاً-أ (3))

قد تشير عبارة ”اتفاقيات مصممة خصيصاً“ إلى مساعي الإمارات العربية المتحدة للمضي قدماً في اتفاقية تجارة حرة ثنائية مع الاتحاد الأوروبي في ضوء الجمود الذي أصاب مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي. إذا كان الأمر كذلك، فعلى الاتحاد الأوروبي أن يكون واضحًا بشأن خياراته: هل سيتخلى عن اتفاقية على مستوى الكيانين لصالح اتفاقيات ثنائية أم سيمهد الطريق لاتفاقية تجارة حرة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي من خلال البدء بالإمارات العربية المتحدة؟ هذا سؤال داخلي لكل من مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي. وسيكون من الأفضل للجانبين أن يطرحا خياراتهما على الملأ للتفكير في مزايا وعيوب النهج الثنائي مقابل النهج المتعدد الأطراف. لا ينبغي أن يكون الاتحاد الأوروبي أو مجلس التعاون الخليجي في وضع يسمح له بالتدخل في أعمال الدول الأعضاء في الكيان الآخر وإلا خاطر بمظهر الإضرار بالتماسك الداخلي للاتحاد الأوروبي أو مجلس التعاون الخليجي. فالعلاقات الثنائية هي أساس العلاقات بين الدول. والموازنة بينها وبين العلاقات بين الكتل أمر بالغ الأهمية.

ومن الضروري إجراء مناقشات صريحة حول الملف التجاري وطريقة العمل الملائمة. وإذا كانت بعض الدول أكثر استعدادًا من غيرها للدخول في منطقة تجارة حرة.، فيمكن لذلك أن يؤدي إلى إدراج بقية الدول الأعضاء لاحقًا في إطار منطقة تجارة حرة أوسع. فقد يكون هذا إحدى الخيارات العملية للمضي قدمًا.

تعزيز الأمن المتكامل

كما هو الحال في الملفين السياسي والاقتصادي، لا ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يسعى إلى الشمولية والتنافس مع القوى العالمية الأخرى في مجلس التعاون الخليجي في المجال الأمني أيضًا. وبدلاً من ذلك، يجب أن تركز الكتلتان على نموذج أمني جديد يحتضن مراكز التميز والعروض المبتكرة ويدمج بينها. بالإضافة لذلك، يمنح القرب الجغرافي ميزة فريدة للاتحاد الأوروبي مقارنة بالولايات المتحدة والصين، حيث تشكل الممرات المائية حلقة الوصل الرئيسية، ما يجعل الأمن البحري في الصدارة. سيتيح دعم البعثات المشتركة وبناء القدرات المركزة نوعاً مختلفاً من الشراكة. ويجب أن يشمل التواجد البحري المنسق في شمال غرب المحيط الهندي منذ عام 2022 التعاون مع العديد من دول مجلس التعاون الخليجي المجاورة، كما هو الحال مع سلطنة عمان. وهناك إمكانية أخرى تتمثل في تبسيط مهام الاتحاد الأوروبي البحرية المختلفة في المنطقة وربطها بدول مجلس التعاون الخليجي على غرار توقيع بروتوكول التنسيق والتعاون بين عملية أتالانتا التابعة لقوة الاتحاد الأوروبي البحرية والبحرية العمانية في حزيران/يونيو 2024.

المستوى الثاني من هذا النموذج الأمني هو الطاقة البديلة، حيث يسعى كلا الطرفين إلى تنويع مصادر الطاقة بعيداً عن مصادر الطاقة التقليدية. ويعكس الإعلان عن شراكة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي بشأن التحول الأخضر في نيسان/أبريل 2024 هذا الطموح. هذا إلى جانب خطة الإمارات العربية المتحدة لاستثمار 50 مليار دولار أمريكي في مجال الذكاء الاصطناعي في فرنسا، مما يجعلها أكبر مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في أوروبا. إن الجمع بين رأس المال والابتكار يمكن أن يعزز زيادة المنتجات المشتركة وتدفقات الاستثمار المتبادلة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، مما يسهم في تأمين انتقال سلس إلى عصر ما بعد النفط.

وأخيراً، تمثل الشعوب الضلع الثالث في ديناميكية الأمن المتكامل. فالاستثمار في القدرات وزيادة التفاعل بين شعوب الكتلتين من خلال الإعفاءات المتبادلة من تأشيرات الدخول، وتوأمة المدن، وبرامج التبادل التعليمي المستدام سيسهم بشكل كبير بناء روابط طبيعية تعزز بدورها قنوات التعاون الرسمي، بغض النظر عن الإدارات القائمة.

المخاطر التي تعترض الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي

إن الارتقاء بالعلاقة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي إلى مستوى متقدم في عام 2025 أمر ممكن، من خلال نهج عملي يستند إلى التركيز على المسار السياسي والتجارة والنموذج الأمني المتكامل. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه البنود لا يخلو من المخاطر، إذ ينبغي أخذ ثلاثة مخاطر ومفسدات رئيسية بعين الاعتبار:

(1) الخطاب الغير واضح: يجب تجنب اللغة الغامضة والموجهة نحو المستقبل دون التزامات وإجراءات محددة. فالتوصل إلى اتفاق حول بيانات القمة والإعلانات المشتركة يتطلب عملًا شاقًا وتنازلات. لكن ذلك أدى أيضًا في بعض الأحيان إلى تجريد النصوص بطرق تجعلها خالية من التأثير. ومن الأمثلة على ذلك بعض العبارات في بيان قمة أكتوبر/تشرين الأول 2024 المكون من اثنتي عشرة صفحة. وبصرف النظر عن عدم إعلان القمة عن انفراجة محددة بخلاف الشكليات المهمة المتمثلة في وجود قيادة الجانبين على طاولة المفاوضات، فإن اللغة المستخدمة مثيرة للقلق: ”لا يزال الاتحاد الأوروبي ملتزمًا بالمناقشات... استكشاف المزيد من الخيارات... دراسة... مراجعة... متابعة... منفتح على.“ إن تكرار هذا النوع من الخطاب في البيانات المستقبلية سيؤدي إلى استنزاف الثقة والاهتمام بالشراكة الصاعدة. ويمكن تخفيف هذا الخطر من خلال استهداف قضايا أقل محددة زمنيا وقابلة للقياس والتنفيذ.

(2) التركيز على ردم فجوة القصور البيروقراطي: يعد الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي كيانين بيروقراطيين ضخمين، لهما آليات تفصيلية وذاكرة مؤسسية قد يكون من الصعب التعامل معها في بعض الأحيان. ويحتاج كلا الكيانين إلى الانتباه إلى الديناميكيات الداخلية التي يمكن أن تعرقل التقدم أو تثنيه عن غير قصد. تتجلى الحاجة الماسة لتبني موقف واضح بشأن استخدام النهج المتعدد الأطراف مقابل النهج الثنائي. لقد كان المزيج السليم من كليهما هو الوضع الافتراضي في العلاقة، وسيستمر ذلك.. إن التوصل إلى اتفاق حول القضايا المتبقية من شأنه أن يُقلّل من مخاطر التجزئة ويُخفف من حدة الإحباط

وينبثق توتر بيروقراطي محتمل آخر من داخل الاتحاد الأوروبي. فقد عيّنت دائرة العمل الخارجي الأوروبي مبعوثاً خاصاً لمنطقة البحر الأبيض المتوسط (الذي شغل سابقاً منصب سفير في ثلاث عواصم خليجية) في كانون الأول/ديسمبر 2023 بعد سبعة أشهر فقط من تعيين مبعوث للخليج. وفي شباط/فبراير 2025، أعلنت المفوضية الأوروبية عن إنشاء مديرية عامة جديدة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج مع منصب آخر: مفوض البحر الأبيض المتوسط. ويعني التشكيل الحالي أن الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية تقسم بين الخليج والبحر الأبيض المتوسط من خلال مبعوثين اثنين، بينما تجمع المفوضية الأوروبية بين المنطقتين تحت المديرية العامة المنشأة حديثًا. وتعبر المديرية المنشأة حديثًا عن التزام الاتحاد الأوروبي تجاه الشرق الأوسط، لكنها قد تؤدي إلى الارتباك وتكرار الجهود، إذا لم يتم تحديد خطوط العمل والأنشطة مقدمًا في الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية وبين مبعوثيها من جانب، وبين الدائرة الأوروبية والمديرية العامة الجديدة للمفوضية الأوروبية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا من جانب آخر، وإبلاغ الشركاء الخليجيين بها.

(3) العربة قبل الحصان؟ عندما وقعت الكتلتان اتفاقية تعاون في عام 1988، كان مجلس التعاون الخليجي الناشئ آنذاك يتطلع بشكل خاص إلى تعزيز علاقاته مع الاتحاد الأوروبي. وبعد مرور بضعة عقود، تغيرت مجريات الأمور. فدول مجلس التعاون الخليجي أصبحت أقوى. ويحرص الاتحاد الأوروبي الآن على توثيق العلاقات مع مجلس التعاون الخليجي. ويتعين على الاتحاد الأوروبي التفكير في هذا الواقع وتعديل موقفه وفقًا لذلك. لم يعد الاتحاد الأوروبي القوة الاقتصادية التي كان عليها في السابق. فبينما كان يضاهي الاقتصاد الأمريكي في عام 2008، كان الاقتصاد الأمريكي أكبر بنسبة 50% من الاتحاد الأوروبي في عام 2023.  ويتناول تقرير دراجي الصادر في أيلول/سبتمبر 2024 بعض هذه المخاوف، ويطرح طرقًا لتعزيز الاتحاد الأوروبي. مجلس التعاون الخليجي ليس غافلًا عن هذه التطورات ويمكنه مساعدة الاتحاد الأوروبي على تحقيق أهدافه.

تتركز أنظار القوى العالمية المختلفة على مجلس التعاون الخليجي. لماذا يجب أن يكون الاتحاد الأوروبي أولوية لدول مجلس التعاون الخليجي إذا لم يقدم الاتحاد الأوروبي منافع ومشتركات مقنعة؟ هذه الروح يجب أن تقود تفكير مسؤولي الاتحاد الأوروبي عند التخطيط لمجموعة الإجراءات التالية لعام 2025 وما بعده بالتنسيق مع نظرائهم في مجلس التعاون الخليجي.

تحمل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي الكثير من الآمال. فالعمل والتركيز والتواصل البناء سيحقق أفضل ما لدى الشريكين. ويمكن أن يكون النجاح في إنجاز المهام المعقدة في مسرحية شكسبير "العبرة بالخواتم" مصدر إلهام للشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في عام 2025.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.