العطش إلى العدالة المائية في تونس

لقراءة الورقة كاملة، يُرجى تنزيل ملف الـ PDF من الجهة اليمنى.

امرأة تحمل الماء في منطقة ريفية في تونس (c) عبد الرزاق إليوش - شترستوك

ملخص

يتناول هذا البحث مشهداً متعدد الأوجه للعدالة المائية في تونس، وهي بلد يعاني من ندرة مزمنة في المياه، وتفكك مؤسساتي، وتوترات اجتماعية وسياسية متزايدة حول توزيع الموارد. ويُحلِّل البحث تأثير عدم المساواة في الوصول إلى المياه وإدارتها بشكل غير متناسب على سكان الريف وصغار المزارعين والفئات المهمشة من خلال إطار عمل يركز على العدالة ويشمل أبعاد التوزيع والإجراءات والاعتراف بالحقوق ومجال القدرات. وتكشف هذه الدراسة عن اختلالات في التوازن في القوة النظامية والخيارات السياسية التي تشكل أولويات تونس في مجال المياه من خلال الجمع بين المراجعات المكتبية للدراسات القانونية والمؤسساتية والسياساتية، مع الأساليب التجريبية. ويسلط البحث الضوء على التأثير المحدود لمنظمات المجتمع المدني في صنع السياسات الرسمية، على الرغم من جهود المناصرة الهامة التي تنظمها. في نهاية المطاف، تُجادل هذه الدراسة بأن تحقيق العدالة المائية في تونس يتطلب التحول والابتعاد عن الحلول التكنوقراطية المدفوعة من طرف الجهات المانحة، وتوجه نحو حوكمة شاملة مراعية للسياق، وتضع في صميمها المساواة والمشاركة العامة واحتياجات المجتمع.

مقدمة

تقف تونس عند مفترق طرق في إدارتها لمورد حيوي يزداد ندرة: الماء. تقع البلاد في منطقة مناخية تتراوح بين قاحلة وشبه قاحلة، وتواجه ضغوطًا حادة على المياه تفاقمت بسبب تغير المناخ وتدهور البنية التحتية والتفاوت في الوصول إلى المياه حسب المناطق الجغرافية. في حين أن الروايات الرسمية غالبًا ما تقدم تحديات المياه على أنها ذات طبيعة تقنية أو بيئية، فإن هذا البحث يجادل أن هذه التحديات سياسية عميقة ومتأصلة في أنماط تاريخية إقصائية وتشكلها قرارات تُفضِّل النمو الاقتصادي والاحتياجات الصناعية على الوصول العادل للمياه.

تتبنى هذه الدراسة إطار عمل للعدالة المائية لتقييم كيف يوزع نظام إدارة المياه الموارد، وكيفية إشراكِه أصحاب المصلحة، والاعتراف باحتياجات السكان المهمشين. استنادًا إلى مقابلات مع جهات فاعلة في المجتمع المدني، وصغار المزارعين، ومسؤولين حكوميين، بالإضافة إلى مراجعات مكتبية للبيئة التنظيمية والمؤسساتية، تكشف الدراسة عن تجارب غير عادلة تتجاوز نطاق الندرة. من خلال تسليط الضوء على التفاوتات بين المناطق الحضرية والريفية إلى تسليع المياه من خلال الزراعة التصديرية وصناعات المياه المعبأة في زجاجات، تكشف هذه الدراسة عن نمط متكرر: الأشخاص الأقل مسؤولية عن ضغوط المياه هم الذين يتحملون أثقل أعبائها.

وبذلك، لا تسعى هذه الدراسة إلى توثيق الظلم المائي فحسب، بل إلى تحديد سُبُل تحقيق حوكمة أكثر إنصافًا. وتؤكد أن العدالة المائية في تونس لا يمكن تحقيقها إلا من خلال إعادة توجيه سياسة المياه بشكل ديمقراطي، أي تحقيق سياسة تركز على الأصوات المحلية، وتكسر التسلسلات الهرمية الراسخة، وتتحدى الإدماج الرمزي للمجتمع المدني لصالح تقاسم حقيقي للسلطة. إن ما هو على المحك ليس فقط توزيع مورد آخذ في التناقص، بل تحقيق الكرامة وحقوق الأجيال الحالية والمستقبلية والرفاهية الجماعية في وقت يتعمق فيه عدم الاستقرار البيئي والاجتماعي.

ولهذه الغاية، ستبحث هذه الدراسة في كيفية وضع سياسات المياه في تونس في الوقت الراهن، وأسباب فشل الاستراتيجيات السابقة، ومن يستفيد أو يُستبعد من الممارسات الحالية. كما تدقق في مدى وشكل مشاركة المجتمع المدني، وكيف تتصور منظمات المجتمع المدني المشاركة الفعالة والموارد التي ستحتاجها، وكذلك الشكل الذي يمكن أن يتخذه "الانتقال العادل" في إدارة المياه. وأخيراً، ستُقيّم الدراسة دور الجهات الفاعلة الدولية، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، في تشكيل قطاع المياه في تونس، وتستكشف الخطوات الملموسة والقابلة للتطبيق سياسياً التي يمكن اتخاذها لضمان إشراك المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني بشكل حقيقي في بناء حوكمة مائية أكثر إنصافاً.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.