تستعد الساحة المحلية العراقية لانتخابات تشريعية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وهي السادسة منذ 2005. وكما في الجولات السابقة، تجري هذه الانتخابات وسط هيمنة هاجسين رئيسيين: أولهما يتعلق بتعزيز بناء الدولة العراقية، وثانيهما بالتكيف مع الضغوط القادمة من البيئة الإقليمية. إلا أن الاضطراب الإقليمي الراهن يتميّز بكونه يعبر عن تنافس قوى تسعى لصياغة معادلات شرق أوسطية جديدة، من بينها كبح النفوذ الإقليمي لإيران، وترسيخ مبدأ احترام السيادة، وحصر السلاح بيد الدولة، وتهميش الميليشيات المسلحة.
ففي أول انتخابات تشريعية يشهدها العراق بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، يمكن النظر إلى هذه العملية الانتخابية ليس فقط كمجرد استحقاق محلي، بل كجزء من تفاعلات إقليمية أوسع تؤثر وتتأثر بمناورات صياغة شرق أوسط جديد، والتي تتم "عبر النار" على امتداد ساحات مشتعلة، إذ تنظر طهران إلى العراق على أنه ساحة النفوذ الأقل تضررًا ضمن ما كان يُعرف بـ"الهلال الشيعي" الممتد من بحر قزوين حتى سواحل البحر الأبيض المتوسط.
تعمل اليوم طهران على ترميم بنيتها الأمنية والاستخبارية التي كشفت حرب الـ 12 يوم حجم الاختراقات التي تعتريها، ناهيك عن وصول المفاوضات النووية إلى طريق مسدود "مؤقتاً"، وتفعيل آلية "سناب باك" "Snapback"، التي تعيد فرض العقوبات الأممية على إيران. تجعل هذه التطورات الانتخابات العراقية إحدى ساحات المواجهة والتفاوض التي قد تلجأ إليها طهران للإيحاء بقوة حضور وكلاءها في الإقليم، والتأكيد على أنها لم تخسر كامل ترسانتها الإقليمية، لا سيما أن العراق يكاد يكون المنفذ الجيوسياسي والاقتصادي الوحيد المتبقي لها.
رغم هذا الاضطراب الإقليمي واحتمال تداعياته على الساحة السياسية في العراق، تم إقرار إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري. وأعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات جهوزية الاستعدادات لضمان حسن سير العملية الانتخابية، وحدّث 21.4 مليون ناخب بياناتهم، وأعلن 31 تحالفًا و38 حزبًا سياسيًا مشاركتهم في الانتخابات التشريعية، والتي ستكون الأولى منذ إنهاك إيران وتفكيك "هلال" نفوذها في سوريا ولبنان.
يناقش هذا المقال أثر إضعاف إيران على الموقع السياسي للكتل السياسية المقربة منها في العراق، ويقيّم تفاعل هذه الكتل مع الظروف الجيوسياسية الناشئة. وتركز الورقة على القوى الشيعية تحديدًا، لأنها الأكثر ارتباطًا بالنفوذ الإيراني، ولما تملكه من وزن في المعادلة السياسية العراقيّة. فهذه القوى تلعب دورا أساسيا في اختيار رئيس البرلمان "السني"، في حين استقرّ العرف السياسي العراقي على إسناد منصب رئيس الوزراء إلى شخصية من الكتلة السياسية الشيعية، فضلا بالطبع عما تملكه من قدرة على التأثير في الشأنين الأمني والاقتصادي.
العراق كباروميتر للتوتر الأمريكي-الإيراني
شكّلت الانتخابات التشريعية للعام 2021 فرصة لحلفاء إيران في العراق لإعادة تنظيم صفوفهم بعد الانتكاسة التي تعرّضوا لها إثر مقتل نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في غارة أمريكية استهدفتهما عند مداخل مطار بغداد الدولي مطلع عام 2020. وقد جاءت هذه العملية لتعبّر عن الذروة القصوى التي بلغها التوتر بين إدارة ترامب وطهران. فمنذ أن أعلنت واشنطن انسحابها من خطة العمل الشاملة المشتركة المعروفة إعلامياً بالاتفاق النووي، وجد العراق نفسه في قلب التوتر الأمريكي-الإيراني، كونه الساحة التي تتشابك فيها مصالح وتهديدات الطرفين في المنطقة.
وجاءت انتخابات 2021 لتقر بهذا التوتر، إذ استماتت القوى المجتمعية والسياسية المحسوبة على طهران في السعي للظفر بأكبر نسبة من المقاعد، ولكن جاءت النتائج لتعبّر عن سابقة انتخابية، بعدما حصل التيار الصدري على 73 مقعدًا، سالبًا من هذه القوى الكثير من رصيدها الانتخابي. حاول التيار الصدري عقب ذلك تشكيل حكومة أغلبية وكسر مبدأ الحكومات التوافقية (وهو المبدأ الذي يقوم على التوصّل إلى صيغة غير مرفوضة من قبل كل الكتل البرلمانية الرئيسية)، إلا أن التعنّت السياسي عرقل هذا المسعى، الذي كان موجهًا لإضعاف الدور الإيراني في العراق وتعزيز السيادة ومكافحة الفساد بمختلف أنواعه. كما لعبت المحكمة العليا في العراق دوراً في إحباط تشكيل حكومة أغلبية بقيادة الكتلة الصدرية، باشتراطها أغلبية الثلثين في البرلمان، بدلاً من الأغلبية البسيطة، لتشكيل الحكومة.
بعد ذلك استقال كل نواب التيار الصدري في مشهد دراماتيكي ليخلفهم نواب من كتل تتبع للإطار التنسيقي، وهو مظلة للقوى السياسية الشيعية العراقية تأسّس عقب انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2021، في ظروف سياسية محتقنة، بهدف الحفاظ على وحدة الموقف الشيعي في مواجهة "ثورة" التيار الصدري. وبعد إحلال نواب الإطار التنسيقي، انسابت العمليّة السياسية وفقاً لمنظور القوى السياسية المقرّبة من طهران، إذ أحكمت سيطرتها، بشكل أو بآخر، على السلطات الثلاث بما فيها السلطة القضائية، وتم التوافق المعتاد بين الكتل البرلمانية على رئيس الوزراء "الشيعي" ورئيس البرلمان "السني" ورئيس الدولة "الكردي". كما تم تأسيس "شركة المهندس العامة" التي يُنظر لها على أنها ذراع استثماري للحشد الشعبي وقد تكون النسخة العراقية من شركة "خاتم الأنبياء" التابعة للحرس الثوري الإيراني.
وتدل نتائج الانتخابات المحلية التي جرت في كانون الأول/ديسمبر 2023 على الثقل الذي تتمتع به قوى الإطار التنسيقي، إذ كانت المستفيد الأكبر من هذه الانتخابات التي أجرت للمرة الأولى منذ 10 سنوات. ولا تقل مجالس المحافظات في النظام الإداري العراقي أهميةً عن مجلس النواب، لما لها من دور في إقرار الخطط التنموية وما تتمتع به من صلاحيات وموازنة مرتفعة تمكن الجهة المسيطرة عليها من تعزيز نفوذها واكتساب مزيد من الدعم الشعبي، عبر توجيه إنفاق المجالس للحاضنة الشعبية المؤيدة.
وعليه، يمكن القول إن السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 جاء في لحظة كانت فيها الكتلة الشيعية المقربة من طهران تتمتع بحضور قوي في العراق، إلا أن ما تلى ذلك من هندسة لشرق أوسط جديد يلقي بظلاله على هذا الحضور، لأن هذه الهندسة تستند على حصر السلاح بيد الدولة، وتقويض سلطة الميليشيات، واحتكار السلطة الشرعية لحق استخدام القوة، وبالتالي تتعارض مع البنية السياسية العراقية. ورغم ذلك، يجري الاستعداد للانتخابات القادمة في ظروف محلية هي الأكثر أمنًا مقارنةً بجولات انتخابية سابقة جرت في ظروف يسودها الإرهاب والعنف الانتخابي. كما أن هذه الجولة الانتخابية تنفرد إلى حد ما في كون أن سجالها الرئيسي ليس فقط سني-شيعي وإنما أيضًا شيعي-شيعي، كما يتضح من "مقاطعة الصدر" ومن طبيعة التنافرات والتجاذبات داخل الإطار التنسيقي.
الصدر: الغائب الحاضر وأسباب المقاطعة
اتخذ الصدر قراره بمقاطعة الانتخابات المقبلة استكمالاً لنهج الانسحاب من العملية السياسية الذي استنه في حزيران/يونيو 2022 وهو في أوج حضوره في المجتمع السياسي الشيعي العراقي. ولا تزال الأسباب الموجبة لعدم الانخراط في العملية السياسية سارية، ومن أبرزها انفلات السلاح والميليشيات، والاختراق الأمني، وسوء الخدمات العامة، والتساهل في مكافحة الفساد، وتسييس التطرف؛ كلها مشكلات لا تزال قائمة وترتبط بنخبة تسخّر مقدرات العراق لا للصالح العام، وإنما لنفعها المادي والاجتماعي.
ولم يكتفِ الصدر بمقاطعة الانتخابات ترشيحا وانتخابًا، إذ أصدر بيانًا تبرأ فيه من أعضاء في تياره ترشّحوا لخوض الانتخابات مرسّخًا موقعه كتيار "سيادي عراقي" ضمن الاجتماع السياسي الشيعي، وهو الأمر الذي يمكن اعتباره رسالةً حادة لجمهوره الخاص والعام بأن التيار يتبرّأ مسبقًا من نتيجة هذه الانتخابات ولا يسمح باستغلال اسمه في العملية السياسية قبل إدخال إصلاحات جذرية.
وقد تفاءل المجتمع المدني بأن حراك تشرين 2019 يمكن أن يفضي إلى هذه الإصلاحات الجذرية، إلا أن "النخبة العميقة" المستفيدة من الوضع القائم عمدت إلى التراجع عن كثير من استحقاقات هذا الحراك، وفي مقدمتها تعديل قانون الانتخابات والعودة إلى صيغة سانت ليجو لاحتساب المرشح الفائز. فبعد نجاح حراك 2019 في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 في إقرار نظام الفائز الأعلى ضمن دوائر متعددة – أدى هذا القانون إلى نجاح 73 نائب من الكتلة الصدرية ضمن مناطق يغلب عليها سيطرة المكون الشيعي بالإضافة إلى عدد من المستقلّين – أعاد مجلس النواب في أذار/مارس 2023 العمل بطريقة التمثيل النسبي التي تهدف إلى ضبط "الهندسة الانتخابية" بما يخدم مصالح وموقع الكتل الكبيرة ويقوّض قدرة المستقلين والكتل محدودة التنظيم والتمويل على الوصول الفعّال إلى السلطة التشريعية، فالنظام ذو الدائرة الواحدة يعطي أفضلية للكتل السياسية الكبيرة.
كما أصبحت المفوضية تقتصر في إحصائها الانتخابي على من حدّث وسجل بياناته الانتخابية، وليس على كل من يحق له التصويت، وذلك من أجل "المناورة" على حالة المقاطعة العقابية الصامتة الآخذة بالازدياد كما تظهر نسب الاقتراع في الانتخابات التي جرت في العقد الماضي. فمثلاً، بلغت نسبة التصويت الرسمية في انتخابات 2021 قرابة 41%، إلا أن النسبة الفعلية تقل عن 30% إذا أُخذ بعين الاعتبار جميع من يحق له التصويت، وليس فقط من حدّث بياناته. وفي الانتخابات القادمة أعلنت المفوضية أن من يحق له التصويت هو 29 مليون شخص أما آخر تحديث لأرقام الناخبين فهو 21.4 مليون ناخب، مما يعني أن هنالك 7.6 مليون ناخب لم يقوموا بتحديث وتسجيل بياناتهم كناخبين وبالتالي لن يكونوا مؤثرين إحصائيا في نسبة الاقتراع.
وشابت عملية تسجيل المرشحين بعض الانتقادات على خلفية استبعاد أكثر من 600 مرشح، فضلا عن ضعف الرقابة على نزاهة الدعاية الانتخابية وسط سيطرة انطباع بتفشي "المال السياسي" دون وجود إجراءات عقابية رادعة.
وكان "المال السياسي" عنوانًا لانسحاب ائتلاف «النصر» بزعامة رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي، الذي انضم إلى التيار الصدري في مقاطعة الانتخابات لنفس الأسباب إلى حد ما. غير أن الفارق يتمثل في أن العبادي، بائتلافه، يعد جزءًا أصيلًا من "آل البيت الشيعي" وواجهةً لكثير من الدعم الشيعي، بحكم موقعه كرئيس حكومة سابق وشبكته الواسعة من الحضور الاجتماعي، فهو يشكل مكونًا أساسيًا في الإطار التنسيقي الذي يواجه تحديات محلية وانتخابية متعددة.
الإطار التنسيقي: المكوّن الشيعي تحت التهديد
ما إن وقعت صدمة السابع من أكتوبر حتى توجهت الأنظار إلى العراق، البقعة التي تتقاطع فيها إيران والولايات المتحدة. ورغم حساسية الوضع وانفلات فائض القوة الإسرائيلي في استهداف الميليشيات الإيرانية أينما وجدت، يسجل لحكومة السوداني نجاحها في تحييد العراق عن أتون هذا التنازع الجيوسياسي. فقد انهارت سلطة الأسد في سوريا، وتعرض حزب الله في لبنان إلى ضربة أنهت الصف القيادي وهشّمت سلسلة السيطرة والتحكم؛ وحتى إيران نفسها تم تحييد ثقل برنامجها النووي وإنهاك منظومة دفاعها الجوي خلال حرب الـ 12 يوم.
ويدرك قادة المجتمع الشيعي العراقي مدى جدية وخطورة التهديدات الخارجية التي تحيط بكل ما له صلة بنفوذ إيران الإقليمي، وهي تهديدات تمس "وجود" هذا النفوذ. كما تدرك طهران أهمية العراق القصوى في حساباتها الاستراتيجية، فبعد أن خسرت نفوذها في سوريا ولبنان ومعاناة حلفاءها في اليمن؛ تبرز العراق كساحة أخيرة دالّة على الحضور الإيراني الإقليمي.
في المقابل فإن إيران معنية بإثبات حسن نيّتها في أنها على طريق تغيير سياساتها الإقليمية التدخلية، وخصوصًا في العراق، تماشيًا مع متطلبات إقليمية ودولية ترهن عودتها إلى المنظومة الدولية بمجموعة من المعايير أبرزها ما هو متصل بالشق الإقليمي. لذلك، ووفق تقارير محلية فقد قلّصت طهران من ظهورها في إدارة تشكيل تحالفات القوى السياسية المرتبطة بها، محاولةً إيصال رسالة بأنها تحترم سيادة العراق، وتكتفي في هذه المرحلة بالتعامل مع وضعها الداخلي وإحداث تحول في منطق إدارة سياستها الخارجية. كما أن طهران منشغلة بمعالجة المأزق التفاوضي النووي وعودة فرض العقوبات الأممية "Snapback"، بالإضافة إلى ترميم بنيتها الاستخبارية الأمنية بعد حرب الـ 12 يوم وما أحدثته من أزمة ثقة بهذه المنظومة.
ويقرّ المشهد الانتخابي للقوى المحسوبة على إيران بهذا الواقع الحساس، والذي يمكن إرجاعه إلى سابقة "تمرد" التيار الصدري في انتخابات عام 2021، فكان هذا التمرد كاشفًا لأزمة تمثيل وأزمة شرعية فيما يتعلق بالاجتماع السياسي الشيعي. ويعتبر الإطار التنسيقي واجهة هذا التحالف في الانتخابات القادمة، حيث يشارك عبر قوائم متعددة، على أن تعود القوائم للالتئام تحت مظلة واحدة بعد إعلان النتائج. ويرجع ذلك إلى رغبة كل قائمة في تحديد وزنها السياسي الذي يتحدد تبعًا له موقعها في الإطار وما يترتب على ذلك من مكاسب شرعية مرتبطة بتمثيل المكون الأكبر في الاجتماع السياسي الشيعي. بمعنى آخر، تجري عملية "محاصصة" فرعية ضمن المحاصصة الأكبر التي يقوم عليها النظام السياسي ككل. كما أن من صالح الإطار المشاركة في الانتخابات بأكثر من قائمة لزيادة حظوظه في حصد أكبر كتلة تصويتية انسجامًا مع طبيعة القانون الانتخابي الذي لا يخدم الائتلافات الضخمة جدًا ولا الصغيرة، وبالتالي فإن خوض الإطار الانتخابات القادمة بأكثر من قائمة هو تكتيك انتخابي محسوب ولا يعبّر عن صدام.
على النقيض من ذلك، فإن تمحيص طبيعة التفاعلات بين قوى الإطار يظهر حالة لا يستهان بها من عدم الانسجام لأسباب عديدة أدّت إلى إحداث تباعد نسبي ضمن الإطار التنسيقي، كبعض القوانين التي فشل إقرارها داخل البرلمان استجابةً لضغوط خارجية كمشروع قانون الحشد الشعبي الهادف إلى دمج قوات الحشد ضمن المنظومة العسكرية الرسمية للدولة، ومنحها صلاحيات تنظيمية وأمنية واسعة، وإعادة تعريف موقعها في هيكل الدولة، ناهيك عن ضبابية العلاقة مع واشنطن. فبينما بعض مكونات الإطار تتواصل سياسياً عبر قنوات ما مع واشنطن، إلا أن هنالك مكونات أخرى تتبنى موقف متطرف في العلاقة أمريكا والغرب عموما. كما أسهم السجال حيال مسألة حصر السلاح بيد الدولة في إضعاف روابط الإطار التنسيقي نظرًا لتباين مواقف القوى المنضوية فيه حول هذه القضية.
وُينظر للائتلاف الانتخابي الذي شكّله رئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، على أنه الأكثر تباينًا ضمن منظومة الإطار، فالائتلاف المسمى بـ"ائتلاف الإعمار والتنمية" يضم العقد الوطني (بقيادة فالح فياض، رئيس هيئة الحشد) وائتلاف الوطنية (بقيادة إياد علاوي، أول رئيس حكومة مؤقت في العراق بعد 2003) وبلاد سومر (بقيادة وزير العمل الحالي، أحمد الأسدي، الذي طرح برنامج جاذب للحماية الاجتماعية) وحلول (بقيادة محمد الدراجي، رئيس هيئة التصنيع العسكري ونائب سابق عن تحالف ميليشيا الفتح) وإبداع كربلاء (بقيادة نصيف الخطابي، محافظ كربلاء الذي حقق نجاحات نوعية) بالإضافة إلى 50 نائب مستقل أو منشق عن كتل محسوبة على الإطار التنسيقي، ناهيك عن زعامات عشائرية.
تُظهر تركيبة ائتلاف الإعمار والتنمية تنوعه وشموله مختلف أركان الطيف السياسي الشيعي. فخلال سنوات رئاسته للحكومة حاول السوداني أن يقدم بديلاً لأعضاء الإطار التنسيقي الراغبين بالابتعاد عنه دون الانفصال عن كونهم جزءًا من الاجتماع السياسي الشيعي، فجاء ائتلافه ممثلاً لقوى ميليشياتية رئيسية، ومسؤولين حكوميين بارزين قدموا خدمات مجتمعية مؤثرة بسبب زيادة الإنفاق الحكومي العراقي في عهد حكومته، بالإضافة إلى زعامات مجتمعية لها حضورها العشائري. وبذلك يحاول هذا الائتلاف استقطاب الطبقة الوسطى الشيعية من موظفي الدولة وصغار التجار، ما يجعل قوى الإطار تتخوف من استئثار ائتلاف الإعمار والتنمية بحصة الأسد بطريقة تجعله راجحًا في مفاوضات تشكيل الحكومة، منفردًا في رؤيته بطريقة قد تعيد الاستعصاء الذي حصل مع التيار الصدري في انتخابات 2021.
واللافت في قائمة السوداني – والذي وصل لرئاسة الوزراء بتنسيب الإطار التنسيقي وحزب الدعوة بقيادة المالكي تحديداً قبل أن تدب الخلافات بين السوداني والمالكي، الشخصية الأكثر قربًا من إيران – أنها تأتي في خضم سعي السوداني لإعطاء العراق خصوصية جيوسياسية تبعده عن "لعنة" المحاور والاصطفافات الإقليمية، وتحديدًا ما كان يُطلق عليه "الهلال الشيعي". فقاد السوداني مناورة دقيقة للنأي بالعراق عن التبعات المباشرة للاضطراب الإقليمي الحالي، فعقد القمة العربية في بغداد، والتقى الرئيس السوري أحمد الشرع، وسنّ تشريعات مالية رقابية تقلّص من إمكانية استغلال كيانات إيرانية النظام البنكي العراقي للالتفاف على العقوبات الأمريكية.
وقد حاولت قوى محسوبة على الإطار ومقربة من إيران استباق ترشح السوداني في ائتلاف منفرد عبر مهاجمته إعلاميًا، إذ تم رصد أكثر من 20 هجوم خلال شهر نيسان/أبريل 2025 عبر وسائل إعلام تتبع لهذه القوى مركزةً على "تعرية" السوداني سياسيًا على خلفية انفتاحه على سوريا الجديدة دون التنسيق مع الإطار بهذا الشأن، ناهيك عن مهاجمة بعض القرارات الحكومية والخدمية التي أصدرتها الحكومة.
بهذا الاتجاه يتعين مراقبة ائتلاف السوداني ومراقبة سلوكه ما بعد الانتخابات لأن ابتعاده النسبي عن مركز الإطار التنسيقي قد يمهّد لمفاجآت في تشكيل الحكومة المقبلة، كأن تتشكل أول حكومة أغلبية في تاريخ عراق ما بعد 2003.
المؤكد في هذا السياق أن طهران تفتقر إلى البعد الكاريزمي لقاسم سليماني، الذي كان يدير نفوذها في العراق. والملاحظ منذ مقتله أن ثمة صعوبة في الحفاظ على تماسك الكتلة الشيعية، والأمر لا يقتصر على تمرد الصدر الواضح. ففي تفاصيل المشهد ثمة تنافرات تدلل أن حتى لو تمت إعادة التماسك للحمة الإطار بعد الانتخابات – وهو الأمر المرجح – فإنه سيظل مفتقرا للروح الدافعة، لذلك لم تسفر زيارة قائد فيلق القدس، إسماعيل قاني، للعراق في تموز/يوليو 2025 عن نتائج نوعية على صعيد ضبط علاقة أركان الإطار.
وبكل الأحوال يظل تشظي الإطار بعد الانتخابات مستبعدًا لاعتبارات منها أهمية العراق في المنظور الاستراتيجي الإيراني، فهو، بخلاف سوريا ولبنان، يقع ضمن مجالها الحيوي وفي عمقها الجيوسياسي، وهو سوقها التجاري الأوسع، والساحة الخلفية للإفلات من "العقوبات القصوى". كما أن مكونات الإطار التنسيقي تدرك تماما أن قدرتها وقوتها منفردة ستكون حتمًا أضعف سياسيًا، وخصوصًا أمام القوى السنية التي تبدو في حالة تماسك أفضل.
الخاتمة: استعادة السيادة لانتخابات ذات جدوى
سلّطت هذه الورقة الضوء على واقع الكتل الشيعية في ظل أزمة النفوذ الإقليمية التي تواجهها طهران. ومن الضروري الإشارة إلى أنه من المضلل افتراض أن للظروف الخارجية دور حاسم في رسم ملامح المشهد الانتخابي؛ فرغم تأثيرها الواضح، يظلّ الرهان الرئيسي على قناعات العراقيين وإيمانهم بأهمية المساهمة في بناء عراق ما بعد 2003. أما "شرق أوسط ما بعد 7 أكتوبر" فهو مجرد تفصيل أساسي ضمن مجموعة من التفاصيل الأساسية الأخرى التي تشكل السياسة الداخلية الراهنة.
فالاقتصاد العراقي المتخم بثروة نفطية في طريقه إلى أزمة على خلفية توسع الإنفاق الحكومي وضعف أداء الاقتصاد غير النفطي (حذّر صندوق النقد الدولي من مخاطر مستقبلية مترتبة على ذلك). كما أن حالة حقوق الإنسان لم تتحسن رغم انحسار التهديدات الإرهابية؛ إذ لم يعد كثير من النازحين إلى قراهم، ولم يكشف بعد عن مصير عدد كبير من المفقودين. وتدلّل الأزمات المركّبة التي يعاني منها العراق على ضرورة إيجاد مخرج بنيوي يعزز من الحوكمة، ويرمّم الشرعيّة السياسية، ويعيد رسم خارطة الاصطفافات السياسية لتكون أكثر محلية وقادرة على تقديم برامج عملية، لا بروباغندا أيديولوجية، لأن ذلك هو ما يحتاجه الناخب العراقي الآخذة نسبة مشاركته في كل انتخابات بالانخفاض مقارنةً بالانتخابات التي تسبقها.
وأياً كان شكل الحكومة المقبلة (حكومة توافقية كما جرى العرف أم حكومة أغلبية ستكون هي الأولى) فإن أمامها استحقاق التعامل مع معطيات إقليمية جديدة عمادها استرداد الدولة للسيادة وحصر السلاح بيد الدولة، وهو الأمر الذي يحمل في طياته تحديات وفرص يتعين التعامل معها بحصافة وسط تناقضات دولية تتجمع فوق الجغرافيا العراقية.
بهذا الاتجاه، وعلى صعيد تعزيز العراق لسيادته، فإن الانتخابات التشريعية القادمة تختلف عن سابقاتها في أنها الأولى التي تجري في سياق إقليمي انتقالي "تُنزع فيه شوكة إيران الإقليمية" لتُعاد هندسة المنطقة وفق أُسس احترام السيادة وعدم التدخل وحصر السلاح بيد الدولة، مما يضع التيار السّيادي العراق أمام فرصة قد لا تعوّض لإحداث انتقال حقيقي نحو سيادة القانون وتعزيز دولة المواطنة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.