الجزائر: عد الانتخابات الرئاسية، عودة النظام العسكري إلى الحياة المدنية؟

الرئيس الجزائري عبد العلم تيبون ، الذي أعيد انتخابه بـ 84.30 ٪ من الأصوات في الانتخابات التي عقدت في 7 سبتمبر ، يأخذ يمين منصبه ويبدأ فترة ولايته الثانية في الجزائرين ، الجزائريون في 17 سبتمبر 2024. (c) رجب جمال - شترستوك

تمر الجزائر حاليًا بمرحلة محورية في تاريخها السياسي، تتسم بعودة الجيش بشكل واضح إلى إدارة الشؤون المدنية. يعد هذا التطور جزءًا من عملية مستمرة منذ سقوط بوتفليقة في عام 2019، والتي شهدت تعزيز النظام العسكري قبضته تدريجيًا على المؤسسات المدنية مع الحفاظ على واجهة ديمقراطية تزداد هشاشة كل يوم.

ويستند هذا التحليل إلى ملاحظة ديناميكية مزدوجة: من ناحية، تعزيز سيطرة البريتوريين على الحياة السياسية والمدنية، ومن ناحية أخرى، تزايد عجز النظام عن الحفاظ على شرعيته وإدارة التحولات السياسية بفعالية. وتُعد فترة رئاسة تبون خير مثال على هذا الاتجاه، حيث عجزت الحكومة المدنية الضعيفة عن التحرر من السيطرة العسكرية والاستجابة للتطلعات الشعبية التي تم التعبير عنها خلال الحراك.

تبدو الولاية الثانية لتبون امتدادًا للوضع الحالي، الذي يتسم بتصاعد قمع الحريات، واستمرار الاقتصاد الريعي غير المستدام، وعجز النظام عن تجديد النخب السياسية. وينذر هذا الوضع باضطرابات سياسية جديدة، لا سيما فيما يتعلق بمسألة الخلافة الرئاسية، في سياق يبدو أن النظام قد استنفد قدرته على إعادة ابتكار نفسه مع الحفاظ على مقوماته السلطوية.

 

من سقوط بوتفليقة إلى انتخاب تبون: إعادة تشكيل النظام السياسي-العسكري

أدى سقوط نظام عبد العزيز بوتفليقة إلى إعادة تشكيل جزء من المعادلة السياسية الجزائرية. ففي عام 2019، ورغم تقدمه في السن وتدهور حالته الصحية، كان من المقرر أن يترشح الرئيس بوتفليقة آنذاك لولاية خامسة بتشجيع من حاشيته وأنصاره، لكنه اضطر إلى التخلي عنها، تحت وطأة الضغط الذي جسده الحراك الشعبي الذي انطلق في فبراير 2019.

وإذا كانت خطة العهدة الخامسة هذه قد نجحت في الانطلاق، فيرجع ذلك على الأرجح لعدم قدرة مختلف الفصائل التي تشكل النظام على الاتفاق على مرشح جديد. وقد تميز عام 2018 بالعديد من الاضطرابات السياسية والأمنية التي أظهرت خلافات النظام الداخلية.

ففي صيف 2018، هزت قضية كمال شيخي المعروف بـ”الجزار“ قطاعات واسعة من المؤسسة الأمنية الجزائرية. فقد اتُّهم مستورد اللحوم باستيراد شحنة من 700 كيلوغراما من الكوكايين عبر ميناء وهران. ونتيجةً لهذه القضية، تم اعتقال عدد من الشخصيات العسكرية، بما في ذلك خمسة جنرالات برتبة لواء وقائد الشرطة (وهو نفسه لواء)، على الرغم من رتبهم التي كانت تعتبر امتيازاً حتى ذلك الحين. ومن الطريف أن نجل عبد المجيد تبون سُجن أيضًا على خلفية هذه القضية، ليتم إطلاق سراحه بعد بضعة أشهر من انتخاب والده. في ذلك الوقت، فُسرت هذه الاعتقالات المختلفة على أنها رغبة من جانب رئيس الأركان آنذاك، الفريق أحمد قايد صالح، الذي كان موالياً لبوتفليقة قبل أن ينقلب عليه، في مسح صفحة جديدة من التهديدات المحتملة.

أما على الصعيد السياسي، فقد كشف عام 2018 أيضًا عن عدم ارتياح جزء من الحزب الحاكم لتجديد ولاية بوتفليقة. فقد اقترحت حركة مجتمع السلم الإسلامية، وهي حزب معارض شارك في الحكومة حتى عام 2012، تأجيل الانتخابات الرئاسية وتنظيم ”مؤتمر وطني“ بخطوط عريضة غامضة. لم تحقق هذه المحاولة لكسر الجمود السياسي الذي تسببت فيه الحالة الصحية للرئيس بوتفليقة سوى نجاح محدود للغاية. كان للوضع القائم ميزة تجميد ميزان القوى الذي كان معروفًا للجميع.

اتسم عام 2019 بالاحتجاجات السياسية التي تبلورت في الحراك الشعبي. فمنذ شباط/ فبراير 2019 فصاعدًا، بدأت مظاهرات عديدة تهزّ البلاد، متحديةً خطة عشيرة بوتفليقة لولاية خامسة في الحكم، وطالبت بشكل أوسع بتغيير طبيعة الحكم الجزائري، ولا سيما الانتقال إلى ”دولة مدنية غير عسكرية.

وفي 26 آذار/ مارس 2019، دعا الفريق قايد صالح إلى تطبيق المادة 102 من الدستور الجزائري، والتي تعني ببساطة استقالة بوتفليقة أو إقالته من منصبه. واعتبارًا من أبريل 2019، أصبح الفريق قايد صالح بالفعل الرجل الأقوى في المشهد السياسية الجزائرية. وعلى الرغم من التأثير الكبير للجيش في صنع وتنفيذ القرارات السياسية، إلا أن القيادة العسكرية كانت دائمًا حرصة على التخفي وراء واجهة مدنية. وعلى الرغم من أن الدستور ينص على أن يتولى عبد القادر بن صالح، رئيس مجلس الأمة، منصب الرئيس للفترة الانتقالية، إلا أن الفريق قايد صالح هو الذي فرض إيقاع الحياة السياسية من خلال خطاباته المتلفزة، التي باتت شبه أسبوعية.

وقد كانت معرفة ما يطالب به الحراك في قلب التبادلات بين السلطات العسكرية والمجتمع المدني طوال عام 2019. بعد استقالة بوتفليقة في 2 نيسان/أبريل، ضغط الجيش، أو على الأقل الفصيل الذي يمثله الفريق قايد صالح، على الفور من أجل تنظيم انتخابات رئاسية ”في أقرب وقت ممكن“. واعتبرت أنه بما أن الهدف الرئيسي للحراك قد تحقق الآن، فإن المظاهرات لم يعد لها أي معنى، وحان الوقت لمواصلة الطريق نحو عملية انتخابية تقليدية، والتي كان من المقرر مبدئيًا أن تجري في يوليو 2019. وقد رفض المتظاهرون ”خارطة الطريق“ هذه على نطاق واسع، مما دفع الرئيس المؤقت بن صالح إلى إلغاء الاقتراع.

وخلال صيف 2019، تم تعيين كريم يونس، الرئيس السابق لمجلس الأمة، من قبل الحكومة لقيادة لجنة الحوار والوساطة. وستدعو هذه اللجنة، المكونة من شخصيات عامة، بعضها شغل مناصب حكومية، السلطات إلى إنهاء عنف الشرطة خلال المظاهرات وإطلاق سراح المتظاهرين المعتقلين. وإذا أبدى الرئيس المؤقت بن صالح استجابة لهذه المطالب، سيعلن الفريق قايد صالح أنه يرفض ”الإملاءات“ وسيأمر اللجنة بمواصلة عملها ويقترح إجراء انتخابات رئاسية جديدة، ما سيؤدي إلى اختتام ”حوار“ سيكون من جانب واحد إلى حد كبير.

في أيلول/سبتمبر 2019، وبعد الاستنتاجات التي أملتها هيئة الأركان، فرض الجيش تاريخ 12 ديسمبر/كانون الأول لإجراء الانتخابات. وسيكون تنظيم هذه الانتخابات بمثابة لحظة الحقيقة لتقييم ميزان القوى داخل مختلف فصائل النظام. والواقع أنه طوال فترة الانتخابات كان يُنظر إلى عز الدين ميهوبي، الوزير السابق في عهد بوتفليقة، على أنه مرشح جزء من الجيش، مدعومًا من الجنرال واسيني بوعزة، مدير الأمن الداخلي. وحتى اللحظة الأخيرة، كانت الانتخابات التي شهدت وصول تبون إلى السلطة غير محسومة. فبعد أيام قليلة فقط من انتخابه، شاهد تبون – بلا حول ولا قوة – وفاة قايد صالح، الراعي الرئيسي له داخل النظام.

كان من المفترض أن تكون هذه العملية الانتخابية المغلقة، التي شارك فيها خمسة مرشحين جميعهم مقربون من الحكومة، لحظة إعادة إضفاء الشرعية على النظام. إلا أنه ثبت أنها كانت الانتخابات الأكثر مقاطعة في تاريخ الانتخابات التعددية في الجزائر.

وفي اليوم التالي لـ ”فوزه“، شكر عبد المجيد تبون ”الحراك المبارك“ الذي حرر البلاد من” العصابة" (في إشارة إلى بوتفليقة وحاشيته) وخصص عطلة رسمية جديدة للتلاحم بين الجيش والشعب. ويوضح هذا الخطاب الطريقة التي حاولت من خلالها السلطة هضم مطالب الحراك ونفي أي شرعية للمظاهرات التي استمرت بعد انتخابات كانون الأول/ديسمبر 2019.

وانتهى زخم الحراك في شباط/فبراير 2020 مع قدوم جائحة كوفيد-19 التي جعلت أي احتمال للتظاهر مستحيلاً ومهدت الطريق أمام القمع الشرس. وطوال عام 2019، نجح الحراك في تحقيق توازن سلمي حقيقي بين التظاهرين والسلطة. وللأسف، أدى التاريخ الطويل من الاختراق السياسي والتلاعب بالحركات الاجتماعية، وانعدام الثقافة السياسية لدى الجيل الجديد من النشطاء، إلى رفض الحراك لكل أشكال التمثيل، حتى داخل الهيئات الوسيطة التي كان من المفترض أن تلعب هذا الدور عادة. وقد حال هذا الرفض دون ترجمة ميزان القوى في الشارع إلى فعل سياسي. فعّال.

عبد المجيد تبون و"الجزائر الجديدة“: استيلاء النظام الاستبدادي على السلطة

من الصعب وصف سجل عبد المجيد تبون بغير كونه حفاظا على الوضع الراهن المهين، المقترن باستيلاء سلطوي على المجال السياسي. فتاريخيًا، كانت لحظات التغيير في الواجهة المدنية للنظام فرصًا لإعادة تشكيل موازين القوى. ورغم أنها لم تكن تغيّر الطبيعة البريتورية للنظام، فإنها كانت تعيد ترتيب التوازنات العشائرية داخله، وهو توازن يظل غامضًا إلى حد كبير.

فمنذ انتخابها، واجهت الحكومة المدنية الجديدة، التي يجسدها الرئيس تبون وحاشيته، صعوبات في إيجاد قاعدة سياسية. وعلى عكس الرئيس بوتفليقة، الذي رفض أن يكون ”رئيسًا من ثلاثة أرباع “، يبدو أن تبون لا يرغب في منافسة البريتوريين على صدارة القرار السياسي. فهو يظهر بانتظام مع رئيس الأركان الجديد، سواء خلال التدريبات العسكرية أو، بشكل غير متوقع، خلال الانتصارات الرياضية، مثل الاحتفالات بفوز الجزائر بكأس العرب لكرة القدم.

ولا يخفي انصياع الرئيس عدم قدرته على الاعتماد على القوى السياسية الموالية له، بما في ذلك داخل الأجهزة المرتبطة تقليديًا بالنظام. وفي حين أن بوتفليقة حظي بدعم جميع المنظمات التابعة للنظام، إلا أن أكثرها رمزية، مثل المنظمة الوطنية للمجاهدين والاتحاد العام للعمال الجزائريين، لم تدعم تبون في ولايته الأولى. وتعود الصعوبة التي واجهها تبون في الاعتماد على هذه القوى الموالية له إلى أن انتخابه لم يلقَ إجماعًا داخل الجيش.[i] وهذا ما يفسر الموقف الحذر الذي تتخذه الزبائنية التقليدية في انتظار أن تهدأ الصراعات الخافتة بين مختلف فصائل ”أصحاب القرار“.

وعلى صعيد الدعم، يواصل عبد المجيد تبون الاعتماد على الأحزاب التقليدية للنظام، مثل جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، رغم فقدانها مصداقيتها إلى حد كبير، وذلك بدعم من التيار الإسلامي المدجن. وقد حصل هذا الأخير على امتيازات مريحة: من بينها منح امتيازات لأعيانه، وإلغاء اللغة الفرنسية لصالح اللغة الإنجليزية، والإبقاء على الأزمة الدبلوماسية المتكررة مع فرنسا. فالنظام غير قادر على خلق لحظات وفرص جديدة كما في الماضي، مما يجعله في مأزق هيكلي. وغالبًا ما يعزو المعلقون[ii] هذا العجز عن إعادة الهندسة السياسية إلى رحيل العديد من قيادات الجيش، بمن فيهم الجنرال توفيق، رئيس جهاز المخابرات السابق، الذي كان المنظم الرئيسي للحياة السياسية منذ بداية التسعينيات.

أما على صعيد العمل السياسي، فإن السلطات المدنية تبشر بمجيء ”الجزائر الجديدة“، وهي العلامة التجارية لعبد المجيد تبون، في مقابل جزائر بوتفليقة، وذلك لتمييز تصرفات الرئيس عن تصرفات سلفه. ومع ذلك، يصعب على المراقب الفطن أن يجد أي مضمون في هذا الشعار. فمن وجهة نظر الحكومة، تتجلى هذه القطيعة مع الماضي في اختفاء أعيان النظام القديم، وفي إعلان محاربة الفساد والرغبة في استعادة الأموال التي نهبتها القلة الحاكمة في عهد بوتفليقة. في الواقع، وعلى الرغم من أن بعض رموز النظام السابق يقبعون الآن في السجون، إلا أن الفساد لا يزال منتشرًا على نطاق واسع، ولم يتغير سوى المستفيدين منه. وعلاوة على ذلك، وبخلاف الأرقام المعلنة على شاشات التلفزيون، لم يتم تقديم أي دليل على حجم رؤوس الأموال التي اختلسها الأوليغارشيون والتي يُزعم استرجاعها.

كان من المفترض أن تتجسد ”الجزائر الجديدة“ في تاريخين رئيسيين. أولاً، على الصعيد الداخلي، من خلال تنظيم استفتاء دستوري في عام 2020. وشملت التعديلات الرئيسية التكريس الرسمي لدور "الحراك المبارك" في ديباجة الدستور، وتعزيز صلاحيات الأغلبية البرلمانية عبر منصب الوزير الأول، إلى جانب فرض قيود على الحريات، ولا سيما حرية الضمير، التي لم تعد مكفولة كما كانت في الدستور السابق. جاءت هذه المراجعة الدستورية—الأحدث في سلسلة طويلة من التعديلات، كان آخرها في 2016—كتعبير عن استيعاب النظام لمطالب الحراك، لكن الاستفتاء الذي أقرها لم يحقق نجاحًا يُذكر، إذ لم تتجاوز نسبة المشاركة الرسمية 23%.ثانيًا، على الصعيد الدولي، سعت الجزائر إلى الانضمام إلى مجموعة البريكس، وكان من المقرر أن يتحقق ذلك في عام 2023. غير أن هذه المحاولة، التي انتهت بالفشل، كشفت عن ارتجالية الطبقة الحاكمة وحدود السياسة القائمة على الشعارات.

وبعيدًا عن الكليشيهات الرسمية حول ”الجزائر الجديدة، يبدو أن الواجهة المدنية الجديدة للنظام عاجزة عن ممارسة أي تأثير حقيقي على الإدارة. انتقد الرئيس تبون في خطاباته المتكررة الانسداد الإداري، خاصة في ما يتعلق بالاستثمار المنتج، ما يعكس صورة قائد طائرة لا تستجيب له لوحة التحكم.

ولعل إحدى السمات الرئيسية لـ ”الجزائر الجديدة“ هذه هي على الأرجح الاستيلاء بقوة على المجالات السياسية والإعلامية والمدنية. ففي مواجهة الاحتجاجات السلمية الكبرى خلال الحراك، قلّص النظام بشكل كبير من نطاق مختلف مجالات التعبير والحريات العامة. فعلى سبيل المثال، أعلن المجلس الأعلى للأمن، وهو هيئة استشارية مكونة من وزارات الحكومة وممثلين عن الجيش، أن الحركتين السياسيتين ”رشاد“ (الإسلامية) و”الماك“ (حركة تقرير مصير منطقة القبائل، وهي حركة استقلالية قبائلية) إرهابيتين، على الرغم من أن أعمالهما كانت غير عنيفة، كما تم حل الأحزاب القانونية مثل حزب العمال الاشتراكي والحركة الديمقراطية والاجتماعية.

لم يقتصر هذا الاستيلاء الأمني على السياسة الحزبية، بل امتد أيضًا إلى المجالين النقابي والإعلامي. فقد تم حل العديد من الجمعيات مثل ”تجمع العمل الشبابي"، والرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، وجمعية كاريتاس الكاثوليكية الخيرية. كما تم ترويض العديد من وسائل الإعلام التي كانت تعتبر مستقلة، مثل "لوسوار د'الجيري"، الوطن، و"ليبيرتي"، من خلال الإعلانات العامة، أو تم دفعها إلى الانهيار، كما حدث مع "ليبيرتي".

وأخيرًا، لا يزال علي غديري، اللواء المتقاعد الذي دعا علنًا قايد صالح إلى عدم دعم بوتفليقة في 2018، والمرشح في الانتخابات الرئاسية المجهضة في نيسان/أبريل 2019، في السجن منذ حزيران/يونيو 2019. ويظهر هذا التصلب مدى توتر النظام الذي اعتاد على تسوية الخلافات في الخفاء، تجاه شخصية من صفوفه دخلت في شكل من أشكال المعارضة العلنية.

إن عودة النظام إلى السيطرة الأمنية هي بالأساس انعكاس لرغبته في السيطرة على المجال السياسي والاجتماعي، بعد عام من الاضطرابات الشديدة في 2019. وفي حين تميزت فترة حكم بوتفليقة بمساحة كبيرة للتعبير النقدي، فإن القائمين على السلطة يدركون ضعف التجسيد الذي وفره تبون وهشاشة موقفهم. ويفسر هذان العاملان تقليص نطاق الحريات العامة وتكميم كل الأصوات المنتقدة للحكومة.

وأخيرًا، وبما أن النظام أثبت عجزه عن إدارة التحكيم الهيكلي، مثل اختيار رئيس الجمهورية القادم، فإن هذا التضييق يسمح أيضًا بتركيز السلطات في يد حفنة من الجنرالات المسؤولين عن شؤون الأمن الداخلي.

هذا الاستيلاء على السلطة من قبل البريتوريين، الذي يعكس حالة من الحمى في النظام، وجد تعبيره أيضًا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وقد أظهر التسلسل السياسي الذي بلغ ذروته في انتخابات أيلول/سبتمبر الماضي كلاً من (1) عودة البريتوريون إلى السيطرة على الحياة المدنية و(2) عجز النظام عن إعادة خلق توافق بين مختلف مراكز صنع القرار.

 

انتخابات سبتمبر 2024: تعطُّل آلة التزوير

من السمات الخاصة لانتخابات أيلول/سبتمبر 2024 أنها ستكون انتخابات رئاسية مبكرة. ففي آذار/مارس 2024، أعلن الرئيس عن نيته تقديم موعد الانتخابات بشهرين. في ذلك الوقت، رحبت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية بـ” العودة إلى الحياة الطبيعية الانتخابية والمعايير الديمقراطية“ ، والتي كان الهدف منها أن تكون بمثابة ”نهاية الأزمة"  للنظام.

وأدخل هذا القرار قطاعًا واسعًا من الطبقة السياسية والمراقبين في حالة من عدم الفهم، مما أدى إلى تكهنات مطولة حول الأسباب الكامنة وراء هذا الخيار. وقد رأى محللون متمرسون مثل الأستاذ علي بن يسعد أنه مؤشر على استيلاء العسكر على الحياة المدنية، وانتخاب رئيس من صفوف الجيش على غرار مصر تحت حكم السيسي.[iii] وقد اتضح أن هذا التوقع كان خاطئًا، لكنه مع ذلك كان ذا مصداقية حين صدره.

وفي حين أنه من الواضح أن الجيش الجزائري لا يزال المركز الرئيسي لصنع القرار السياسي في نظامٍ مشفر وبريتوري؛ فقد استعاد الجيش الجزائري مساحات واسعة من الحياة المدنية التي خرجت من يده، على الأقل رسميًا، منذ تشرين الأول/أكتوبر 1988. ففي 27 حزيران/يونيو 2024، على سبيل المثال، عمم مرسوم رئاسي إعارة العسكريين إلى الإدارات العامة المدنية في القطاعات الحساسة والاستراتيجية. وعلى الرغم من أن المرسوم لم يحدد هذه القطاعات، إلا أنه تم تعيين العديد من العسكريين على رأس شركات عامة مثل الجزائرية للعبارات والهيئة العامة للطيران المدني (المطارات).

ومن وجهة نظر سياسية، وعلى الرغم من طرح العديد من المرشحين، إلا أنه لم يتم اختيار سوى ثلاثة مرشحين فقط. ووفقًا للأسباب المطروحة، لم تتمكن شخصيات معروفة في الحياة السياسية الجزائرية، مثل مرشحة حزب العمال لويزة حنون (التي سبق لها الترشح في ثلاث انتخابات رئاسية)، من جمع توقيعات التزكية اللازمة للترشح. وقد تعرض مرشحون آخرون للملاحقة القضائية بسبب شراء التوكيلات، مما حد من الخيارات الانتخابية في أبسط تعبيراتها منذ عام 1999. والواقع أن حزبين منظمين فقط هما جبهة القوى الاشتراكية (علماني اشتراكي) وحركة مجتمع السلم (إسلامي) هما اللذان سُمح لهما بتقديم مرشحين لا يملكان أي مكانة في الساحة السياسية ولا من غير المحتمل أن تنجح حملتهما في حملة انتخابات تجري على جهاز تنفس اصطناعي.

كانت نتائج الانتخابات غريبة بشكل خاص. فقد أعلنت الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات عن الموجة الأولى من النتائج، والتي منحت عبد المجيد تبون الفوز بنسبة 94.65% من الأصوات، مقابل 3.17% و2.16% للمرشحين الآخرين. وأُعلن عن” متوسط نسبة مشاركة“ بلغت 48%، في عملية حسابية جعلت المراقبين يبتسمون. وقد أبطلت المحكمة الدستورية لاحقًا هذه الأرقام، وصححتها بأكثر من عشر نقاط، حيث أُعلن عن فوز الرئيس تبون بنسبة 84% من الأصوات.

يوضح هذا الإجراء غير المألوف في تاريخ الجزائر المستقلة أنه حتى التزوير الانتخابي، الذي يتم عادةً ببراعة، أصبح عملية حساسة. أحد التفسيرات المحتملة لذلك هو عدم وجود إجماع بين صانعي القرار على إعادة انتخاب الرئيس-المرشح. أما الفرضية الأخرى فهي ببساطة الرغبة في الحفاظ على جبهة مدنية ذات شرعية ضعيفة وبالتالي تابعة بشكل واضح للبريتوريين.

في كل الأحوال، فإن انتخابات 2024 توضح عجز فريق عبد المجيد تبون عن ترك بصمته، بما في ذلك على الزبائن التقليديين للنظام، لا سيما في أوساط الجمعيات والنقابات والمنظمات التابعة له (الاتحاد الوطني للعمال الجزائريين، الاتحاد العام للعمال الجزائريين، اتحاد أرباب العمل، جمعيات الشباب، الزوايا). وكما أشار حسني عبيدي، الأستاذ في جامعة جنيف، وهو محق في ذلك، ” لم يحصل (تبون) إلا على 319 ألف صوت فقط منذ عام 2019 ولم يستقطب سوى ما يزيد قليلاً عن 5 ملايين ناخب من أصل 24 مليون مسجل، أي أقل من الربع. وهو فشل يستدعي إجراء إصلاح شامل لسياساته“.

هناك عدد من الأسباب وراء هذه النتيجة الهزيلة. أولاً، من وجهة نظر سياسية، من الواضح أن تبون يواجه صعوبة في صياغة مشروع مبتكر ورؤية متماسكة يمكن أن تجذب الدعم. فمعظم التدشينات التي تمت خلال فترة ولايته الأولى كانت مرتبطة بمشاريع بدأت في عهد بوتفليقة، مع طول مدة الإنجاز، مما يدل على عجز النظام عن صياغة مشاريع بنية تحتية مهيكلة. ومع ذلك، فإن هذه الإنجازات تعد أحد العناصر الرئيسية التي يتم طرحها في الدعاية الرسمية لتبرير التقدم الاقتصادي الذي تحقق في الجزائر.

أما على الصعيد الاقتصادي، وعلى الرغم من أن تبون قد فتح أبواب إعادة توزيع الإيجارات (منح للعاطلين عن العمل، وإطلاق برنامج جديد للإسكان المدعوم، وما إلى ذلك)، إلا أن الوضع الاقتصادي اليومي للجزائريين لا يزال يتدهور. في الواقع، عليهم أن يتأقلموا مع التضخم المرتفع الذي يؤثر على عملتهم، فضلاً عن صعوبة الحصول على مختلف السلع الاستهلاكية مثل السيارات، بسبب القيود المفروضة على الاستيراد ونقص البدائل المعروضة. وأخيرًا، من المشكوك فيه أن يحظى عبد المجيد تبون بإجماع داخل الأجهزة العسكرية والأمنية، وهو ما يفسر أن الجهات الداعمة المعتادة للنظام لا تقدم له سوى دعم خجول.

ما هي آفاق الولاية الثانية لعبد المجيد تبون؟

بعد إعادة انتخابه، لا يزال عبد المجيد تبون يتعهد للجيش بأنه لن يتدخل في الإدارة العسكرية للشؤون السياسية للبلاد. وفي هذا الصدد، يُظهر الاستعراض الأخير الذي نُظِّم في الفاتح تشرين الثاني/نوفمبر للاحتفال بالذكرى السبعين لاندلاع الثورة ضد الاستعمار الفرنسي، مدى الهيمنة التي يحتفظ بها البريتوريين داخل النظام. وتضم الحكومة الجديدة التي أُعلن عنها في 18 تشرين الثاني/نوفمبر رئيس الأركان سعيد شنقريحة، نائبًا لوزير الدفاع الوطني، وهي سمة من سمات تشكيلة الحكومة التي يبدو أنها كانت غائبة عند تولي شنقريحة منصبه، عندما كان يشغل منصب رئيس الأركان بالنيابة فقط.

وعلى الرغم من إطلاق سراح عدد من سجناء الرأي في أعقاب احتفالات بالفاتح من نوفمبر، إلا أن العديد منهم لا يزال يقبع في سجون النظام. وتدفع أسس الميثاق الريعي، القائم على اقتصاد منغلق غير تنافسي واعتماد هيكلي على الهيدروكربونات، البلاد أكثر فأكثر إلى مأزق اقتصادي.

وفي ظل غياب نجاحات محلية كبيرة، يواصل النظام استخدام السياسة الدولية لتعزيز شرعيته. وبالتالي، فإن خطاب ”يد الأجانب“ التي تهدد البلاد أو الحاجة إلى ”تعزيز الجبهة الداخلية" (دون أن يكون واضحًا أي جبهة هي) يمثل إعادة تدوير لغة مهملة إلى حد كبير. ويتمثل ذلك في تطوير خطاب سياسي يستند إلى ”عقلية المحاصرين“،[iv] من أجل بناء رأس مال سياسي داخلي. في عام 2023، حظي تسلسل محاولة الانضمام إلى مجموعة البريكس بدعم سياسي شخصي من الرئيس. وقد أظهرت هذه المحاولة الفاشلة التناقض بين واقع الوزن الدولي للجزائر وتصورات قادتها الذين كانوا هم أنفسهم رهينة خطاب العالم الثالث الذي لم يتم تحديثه منذ سقوط جدار برلين. وما زاد الطين بلة هو انضمام الجزائر إلى بنك التنمية الجديد لدول البريكس برأسمال قدره 1.5 مليار دولار، رغم أن البلاد لم تلجأ قط إلى الاستدانة الخارجية. باختصار، كانت تلك عملية تسويقية مكلفة للغاية لمحو الصفعة التي لحقت بالدبلوماسية الجزائرية ورئيسها.

واليوم، يسعى الرئيس تبون جاهداً لصياغة رؤية خماسية تتجاوز التوزيع الصارم للريع. وقد وافق البرلمان للتو على الميزانية بأعلى مستوى من العجز العام في تاريخه، مما يؤكد الاندفاع المتهور للحكومة. والأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لبقائه هو حقيقة أن النظام لم يعد قادرًا على إنتاج كوادر سياسية تستطيع ضمان حسن إدارة الأمور.

فمنذ وصوله إلى السلطة، لم يتمكن عبد المجيد تبون من إنتاج شخصيات سياسية قادرة على القيام بدور الوساطة، إن لم يكن في المجتمع، فعلى الأقل بين الزبائن المعتادين لمن هم في السلطة. فهو لا يزال يعتمد على إطارات قديمة، مثل أحمد عطاف، 71 عامًا، وزير الخارجية في عهد الرئيس زروال، أو دحو ولد قابلية، 91 عامًا، وزير الداخلية السابق، المسؤول عن إصلاح الجماعات المحلية.

وفي ظل عجزه عن تجديد نفسه، لا يزال النظام يعتمد على عوامل ثابتة مثل ”الجيش، واستتباع المعارضة، وتفتيت المجتمع المدني، والريع والقمع“.[v] ويبدو أن هذه الخطوات، وإن كانت لا تزال فعالة، إلا أنها يبدو أنها توقفت عن العمل. والسبب في ذلك هو أن السلطة لم تتمكن من إعطاء أي تعبير سياسي لمطالب الحراك، حتى ضمن منطق البقاء الصارم. وعلى الرغم من أن الحراك يعتبر الآن قد اختفى، إلا أن الأسباب التي أدت إلى الانتفاضة الشعبية لا تزال حاضرة بقوة في المشهد السياسي الجزائري.

في كانون الأول/ديسمبر 2024، تم منح عفو رئاسي واسع النطاق، مما سمح بالإفراج عن أكثر من 2400 سجين، بما في ذلك العديد من سجناء الرأي. وفي حين أنه يجب الاحتفاء بهذه الإفراجات، إلا أنه سرعان ما تم تفسيرها على أنها علامة على تغيير في السياسة القمعية التي اختارتها الحكومة. لكن سرعان ما أعقبت عمليات العفو هذه اعتقالات جديدة كان أكثرها رمزية اعتقال الكاتب بوعلام صنصال. وسرعان ما بلورت قضية بوعلام صنصال، التي تمت التضحية بها على مذبح الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا، استياء العديد من الحركات السياسية تجاه الجزائر. وفي حين أن مسألة سجن كاتب يمكن أن تثار بشكل مشروع، بل ويجب أن تثار بشكل مشروع، فإن المزايدات الإعلامية والسياسية التي أعقبت ذلك في فرنسا مكنت النظام الجزائري من حشد أكثر من قاعدته التقليدية حوله، مما أتاح الفرصة لتعبئة خطاب المحاصرين مرة أخرى.

وفي حين حافظت الولاية الأولى لتبون على الوضع الراهن، لا يوجد ما يوحي بأن الولاية الثانية ستكون مختلفة. ومما لا شك فيه أنه ستكون هناك اضطرابات سياسية في المستقبل القريب، حيث سيواجه النظام مسألة خلافته، حيث لا يسمح الدستور نظريًا إلا بفترتين رئاسيتين فقط. وفي حين يبقى الشعب متفرجًا عاجزًا، يبدو أن النظام قد تبنى مقولة ”غيّر كل شيء حتى لا يتغير شيء“.

[i] Bensaad, A., 2024. « Abdelmadjid Tebboune est très contesté au sein de l’armée », RFI.

[ii]Hachemaoui, M., 2016. « Qui gouverne (réellement) l’Algérie ? », Politique africaine, n° 142(2).

[iii] Bensaad, A., 2024. « Que cache l’anticipation des élections présidentielles en Algérie ? » Mediapart.

[iv] Mohammedi, A. 2002. « L’Algérie et le monde : diversions et malentendus », Institut pour les Sciences Sociales et la Recherche sur l’Algérie.

[v] Ghanem, D., 2022, Understanding Competitive Authoritarian Persistence in Algeria, Palgrave MacMillan.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.