التحولات الأمنية في جنوب سوريا: السلطة والشبكات المسلحة والتدخل الأجنبي

دبابات إسرائيلية في منطقة الحمادية بالقرب من مرتفعات الجولان في القنيطرة، سوريا في 16 يناير 2025 (c) إرسين إرتوك - صور الأناضول

ملخص

لطالما كان جنوب سوريا، المؤلف من محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، منطقة حدودية مضطربة. ومع انهيار نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، ساد في البداية قدرٌ من التفاؤل بإمكانية استعادة الاستقرار، غير أن المنطقة ما لبثت أن دخلت في مرحلة من التحولات السياسية والأمنية العميقة. ويكشف النظر في سياق تاريخي أوسع أن العديد من التحديات الأمنية الراهنة في المنطقة الجنوبية ليست وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى فترة الحرب وسياسات القمع والتلاعب التي اتبعها نظام الأسد بعد عودته إلى المنطقة في تموز/يوليو 2018، وإن كانت اليوم تتجلى بأشكال وأنماط يعاد تكوينها وإنتاجها. كما أن التدخل الأجنبي ليس مستجدًا، إذ مارست الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية منذ زمن طويل تأثيرًا في الجنوب، ما فاقم حالة عدم الاستقرار فيه.

في هذا السياق التاريخي والجيوسياسي، وبالاعتماد على نهج بحثي مختلط يتضمن مقابلات مع مجموعة متنوعة من الفاعلين المحليين، إضافة إلى مجموعتين من البيانات الأصلية توثقان الجماعات المسلحة والحوادث العنيفة، تقدّم هذه الورقة البحثية تحليلًا دقيقًا وسياقيًا للديناميات الأمنية المعقدة في محافظات درعا والقنيطرة والسويداء. تسعى الورقة إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسة. أولاً، تقديم نظرة تاريخية عامة عن البيئة الأمنية في ظل نظام الأسد، منذ عودته إلى المنطقة في عام 2018 حتى انهياره في كانون الأول/ديسمبر 2024. ثانياً، استعراض التحديات الأمنية الحالية في المحافظات الثلاث خلال المرحلة الانتقالية السياسية في سوريا، مع تركيز خاص على أشكال التدخل الإسرائيلي وتأثيراته، والأسباب الكامنة وراء العنف وأنماطه، والظروف التي تسهل استمرار تهريب المخدرات من جنوب سوريا إلى الأردن. ثالثًا، استكشاف الحوافز والقيود والتفضيلات الاستراتيجية للجهات الفاعلة المحلية والإقليمية والدولية فيما يتعلق بنهجين خارجيين لتحقيق الاستقرار: إعادة انتشار محتملة للقوات الروسية في الجنوب، وآفاق التوصّل إلى اتفاق أمني سوري-إسرائيلي بوساطة أمريكية.

تكشف نتائج البحث أن المشهد الأمني في درعا والقنيطرة والسويداء يتشكل بقدر متقارب بفعل العوامل المحلية والخارجية وأنماط سلطة الدولة. ويعيد التدخل الإسرائيلي رسم البيئة الأمنية، ويقيد سلطة الدولة، ويمكّن الفاعلين المحليين. في ظل هذا المشهد المجزأ، تعكس عودة العنف تفاعلاً بين إرث الحرب، والتنافسات العالقة، والشبكات المسلحة المرنة، وانتشار الأسلحة. وتواجه جهود الدولة الرامية لتفكيك الشبكات المسلحة وفرض سيطرتها تحديات كبيرة؛ ففي بعض الحالات، تظل التدخلات محدودة، أو تولّد مظالم، أو تثير مقاومة محلية. في الوقت نفسه، تستغل شبكات تهريب المخدرات ضعف حضور الدولة، وتوافر مخزونات المخدرات، وأساليب التهريب القابلة للتكيف، للحفاظ على عملياتها عبر الحدود إلى الأردن. ولا يزال التدخل الأجنبي عاملاً حاسمًا، إذ يولّد عدم الاستقرار من جهة، ويعيد تشكيل أي نهج مقترح لتحقيق الاستقرار، من جهة أخرى. وفي هذا السياق، توفر المحادثات الإسرائيلية-السورية برعاية أمريكية وإعادة انتشار محتملة للقوات الروسية فرصًا للحد من التقلبات في جنوب سوريا، لكن كلاهما يورث اعتمادًا على الوساطة الخارجية ويؤثر في ممارسة سلطة الدولة. تنتج هذه الديناميات المتداخلة بيئة بالغة الاضطراب، يعزز في ظلها كل عامل العوامل الأخرى، بما يجعل تحديات تحقيق الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية مستمرة ومستعصية.

مقدمة

لطالما كان جنوب سوريا، المؤلف من محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، منطقة حدودية مضطربة. فبعد اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011 وما أعقبها من عسكرة، تكبّد نظام الأسد خسائر إقليمية كبيرة في درعا والقنيطرة، حيث فرضت جماعات المعارضة المسلحة سيطرتها على مساحات شاسعة من المحافظتين. أما في السويداء، ذات الغالبية الدرزية، فقد حافظ أبناؤها على موقفٍ محايد إلى حد كبير، ما حدّ من قدرة النظام على فرض سيطرته الكاملة وأتاح ظهور درجة من الاستقلالية، وإن تخللتها أحياناً فترات من تصاعد التوتر . وجاءت عودة النظام في تموز/يوليو 2018، بدعم من روسيا وإيران، لتدشن مرحلة جديدة اتسمت المحافظات الثلاث خلالها بمجموعة من السمات المشتركة، أبرزها ضعف سيطرة النظام، وتزايد التدخلات الأجنبية، ولا سيما من إيران وروسيا وإسرائيل، الى جانب انتشار الأسلحة والجماعات المسلحة، واندلاع أعمال عنف متفرقة، وتوسع الأنشطة الإجرامية، وظهور أنماط متقطعة من حركات المقاومة المدنية ضد النظام. في كثير من النواحي، عكست المنطقة الحدودية الجنوبية صورة مصغرة لتفكك البلاد، حيث طغت على الحياة اليومية الفوضى والعنف وعدم اليقين. وفي السنوات الأخيرة من حكم نظام الأسد، بات الجنوب السوري رقعة مبرقشة من مساحات التنازع، تعايش فيها الإكراه والمقاومة والتفاوض.

حين شنت هيئة تحرير الشام هجوماً عسكرياً حاسماً ضد النظام في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2024، توحّدت العديد من الجماعات المسلحة المحلية في درعا والسويداء والقنيطرة تحت مظلة غرفة عمليات الجنوب، وتمكنت من القضاء على ما تبقى من سيطرة النظام في المنطقة. وافتتح انهيار نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 فصلاً جديداً في الجنوب السوري. ورغم أن نهاية الحكم الاستبدادي أثارت آمالًا بإمكانية تحقيق الاستقرار، سرعان ما واجه الجنوب مجموعة معقّدة من التحديات السياسية والأمنية.

ففي القنيطرة، يسفر الوجود العسكري الإسرائيلي في مواقع استراتيجية متعددة، إلى جانب التوغلات البرية والدوريات المنتظمة، عن نمط من السيطرة غير المتكافئة للدولة. وفي درعا، تغذّي فوضى السلاح والشبكات المسلحة المرنة العنف المتقطع، فيما جعل الوجود الإسرائيلي المحدود في حوض اليرموك، والتهديد بشن غارات جوية محددة الأهداف لفرض نزع السلاح، سلطة الدولة لا هي بالمستتبة كلياً ولا هي بالمُسلَّم لها. وفي السويداء، أثارت محاولات الدولة لتعزيز سيطرتها مقاومة صريحة من قبل الجماعات المسلحة الدرزية وتدخلاً رادعاً من قبل إسرائيل. وأسفرت الاشتباكات التي تلت ذلك في تموز/يوليو 2025، والتي اتسمت بمواجهات دامية وعمليات قتل خارج نطاق القضاء وتهجير للمدنيين، عن تقليص سلطة الدولة الفعلية الى نطاق محدود في معظم أنحاء المحافظة. وقد أتاح ضعف سيطرة الدولة في أجزاء من جنوب سوريا الشبكات الإجرامية اللامركزية، بعدما توقفت مؤقتاً عن العمل بعد سقوط النظام السابق، من استئناف تهريب المخدرات إلى الأردن. وعليه، يكشف الوضع الراهن في الجنوب عن بيئة مجزأة ومتقلبة يتعيّن على السلطات الجديدة التعامل معها، وهي بيئة لها جذور تاريخية تتطلب تحليلاً دقيقاً وسياقياً لفهمها ومعالجتها.

يُظهر النظر في سياق تاريخي أوسع أن العديد من التحديات الأمنية في المنطقة الجنوبية اليوم ليست حديثة، بل تضرب جذورها بعمق في فترة الحرب وسياسات القمع والتلاعب التي أتبعها نظام الأسد بعد عودته إلى المنطقة، ولئن تتبدى بعد انهياره بأشكال وأنماط يعاد تشكيلها وتكوينها. وبالمثل، ليس التدخل الأجنبي ظاهرةً حديثة العهد. فقد مارست الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية منذ فترة طويلة تأثيراً في الجنوب وفي بعض الأحيان فاقمت حالة عدم الاستقرار فيه. ويخلق هذا الواقع معضلة بنيوية يواصل بها التدخل الخارجي – على الرغم من زعزعته المحتملة للاستقرار – أداء دور مركزي في أي نهج مقترح لتحقيق الاستقرار في الجنوب السوري بعد الأسد.

في هذا السياق التاريخي والجيوسياسي، تسعى هذه الورقة البحثية الى توضيح المشهد الأمني في جنوب سوريا منذ عودة نظام الأسد في عام 2018 وحتى انهياره في كانون الأول/ديسمبر 2024. ومع مراعاة التباينات الزمنية والمكانية في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، تركّز الورقة على دراسة التحديات الأمنية الراهنة، مع تركيز خاص على أشكال التدخل الإسرائيلي وتأثيراته، والأسباب الكامنة وراء العنف وأنماطه، والظروف التي تتيح استمرار تهريب المخدرات. كما تشكِّل مفارقة التدخل الأجنبي في جنوب سوريا بعداً تحليلياً مركزياً، إذ تهدف الورقة إلى استكشاف الحوافز والقيود والتفضيلات الاستراتيجية للجهات الفاعلة المحلية والإقليمية والدولية ذات الصلة، خصوصاً فيما يتعلق بإعادة انتشار محتملة للقوات الروسية في الجنوب، واحتمالات التوصل إلى اتفاق أمني سوري-إسرائيلي بوساطة أمريكية.

تستند هذه الورقة البحثية إلى أبحاث سابقة مكثفة أجراها المؤلف حول ديناميات الأمن على المستوى الجزئي والإقليمي في الجنوب السوري أثناء فترة الحرب وما بعدها. وتعتمد الورقة نهجاً بحثياً مختلطاً، يدمج الأدلة النوعية والكمية. يستند التحليل النوعي إلى مقابلات مع مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة المحلية منذ عام 2018، من بينها مدنيين ونشطاء وقادة جماعات مسلحة، ويستفيد من أبحاث سابقة لمتخصصين في المنطقة، إلى جانب تغطية من وسائل إعلام سورية وإقليمية ودولية. يستند التحليل الكمي إلى مجموعتين من البيانات الأصلية جمعهما المؤلف: الأولى توثق هيكلية أكثر من 200 جماعة مسلحة في محافظة درعا بين عامي 2018 و2024، بما يشمل أفرادها وانتماءاتها ومناطق عملياتها؛ أما المجموعة الثانية فتتبع منهجياً أكثر من 5000 حادث عنيف في درعا (من تموز/يوليو 2018) والقنيطرة (من كانون الأول/ديسمبر 2024)، مع تسجيل الأطراف الفاعلة المعنية، إذا أمكن ذلك، والتوزيع المكاني والزماني، والشدة، والحجم، والوفيات والإصابات المرتبطة بكل حادث عنيف.

تكشف نتائج البحث أن المشهد الأمني في درعا والقنيطرة والسويداء يتشكل بقدر متقارب بفعل العوامل المحلية والخارجية وأنماط سلطة الدولة. ويؤثر التدخل الإسرائيلي في البيئة الأمنية، ويقيد سلطة الدولة، ويمكّن الجهات الفاعلة المحلية. في ظل هذا المشهد المجزأ، تعكس عودة العنف تفاعلاً بين إرث الحرب، والتنافسات العالقة، والشبكات المسلحة المرنة، وانتشار الأسلحة. وتواجه جهود الدولة لتفكيك الشبكات المسلحة وفرض سيطرتها تحديات كبيرة؛ ففي بعض الحالات، تكون التدخلات محدودة، أو تولّد مظالم، أو تثير مقاومة محلية. وفي الوقت نفسه، تستغل شبكات تهريب المخدرات المسلحة ضعف حضور الدولة، ومخزونات المخدرات، وأساليب التهريب القابلة للتكيف، للحفاظ على عملياتها عبر الحدود إلى الأردن. ولا يزال التدخل الأجنبي عاملاً حاسماً، إذ يولّد عدم الاستقرار من جهة، ويعيد تشكيل أي نهج مقترح لتحقيق الاستقرار من جهة أخرى. في هذا السياق، توفر المحادثات الإسرائيلية-السورية برعاية أمريكية وإعادة انتشار محتملة للقوات الروسية فرصاً للحد من التقلبات، لكن كلاهما يعزز الاعتماد على جهات خارجية ويؤثر في ممارسة سلطة الدولة. تنتج هذه الديناميات المتداخلة بيئة بالغة الاضطراب، يعزز فيها كل عامل العوامل الأخرى، فتظل التحديات أمام تحقيق الاستقرار ماثلة ومستعصية طوال المرحلة الانتقالية.

تتكون هذه الورقة من الأقسام التالية: يقدم القسم الأول لمحة تاريخية عن الوضع الأمني في الجنوب السوري من عام 2018 إلى عام 2024. ويبحث القسم الثاني التحديات الأمنية في المنطقة منذ كانون الأول/ديسمبر 2024. ويحلل القسم الثالث مفارقة التدخل الأجنبي في جنوب سوريا، مع التركيز على المحادثات الأمنية السورية-الإسرائيلية برعاية أمريكية وإعادة انتشار القوات الروسية المحتملة. تلخص الخاتمة النتائج وتقيّم احتمالات تحقيق الاستقرار.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.