مقدمة
في تشرين الأول/أكتوبر 2022، تقدم الدكتور رضا حجازي – وزير التربية والتعليم الفنى إلى البرلمان المصري بمشروع قانون لتقنين مراكز الدروس الخصوصية في مصر وإنشاء شركة تابعة للوزارة لإدارتها والرقابة عليها. وأوضح الوزير أنه على الرغم من إدراكه الخطورة التي تمثلها مراكز الدروس الخصوصية على منظومة التعليم، إلا أنها عرض لمرض ولا بد من معالجة المرض نفسه، وأن اقتراح تقنين مراكز الدروس الخصوصية هو تعامل مع الواقع المر. وأشار الوزير إلى أن مجموعات التقوية لم تعد مجدية في مواجهة الدروس الخصوصية، ومن ثَم فإنه سيسند إدارتها إلى شركات خاصة وتحويل اسمها إلى مجموعات دعم مدرسي لتقدم خدمات تعليمية على نحو أكثر جودة وبأسعار أقل بما يخفف العبء عن أولياء الأمور، وفى الوقت نفسه تنافس مراكز الدروس الخصوصية وتقضي عليها، وهو بالفعل ما حدث لاحقًا من خلال القرار الوزاري رقم 28 لسنة 2023.
وصرح الوزير أن ما يقرب من 47 مليار جنيه تُنفق سنوياً على الدروس الخصوصية، وبتقنينها ستحصل الدولة على حقها في هذه الأموال. ولدرء المخاوف، فقد أكد الوزير أن مراكز الدروس الخصوصية لن تحل محل المدرسة أبداً، وإنما ستتم حوكمتها للسيطرة عليها لصالح أولياء الأمور والطلبة، عبر فرض معايير وضوابط للمادة العلمية التي تدرّس، والكثافة العددية للفصول وغيرها.
وعلى الرغم من أن هذا التوجه نحو تقنين مراكز الدروس الخصوصية اعتبر قطيعة rupture في خطاب وزارة التربية والتعليم تجاه الدروس الخصوصية الذي اتّصف بالتجريم والوصم، إلا أنه في الوقت ذاته يعد امتداداً continuity لفكر جهات أخرى في الدولة من حيث تغليب البعد الاقتصادي على أبعاد أخرى لا تقل - إن لم تكن أكثر - أهمية كالأبعاد الأخلاقية والتربوية والتعليمية للقضية.
ففي العام السابق لمشروع القانون الذي تقدمت به وزارة التربية والتعليم، تحديدًا في تشرين الثاني/نوفمبر 2021، طالبت وزارة المالية القائمين على أنشطة الدروس الخصوصية التوجه إلى أقرب مأمورية ضرائب في نطاق محل النشاط، وإخطارها بممارسة الدروس الخصوصية، سواء من كان لديه ملف ضريبي أو لا، لتطالبه بفتح ملف ضريبي جديد لهذا النشاط، تجنبًا لتطبيق أحكام قانون الضريبة على الدخل وقانون الإجراءات الضريبية. هذا المنشور أثار قدرًا كبيرًا من الالتباس لتذييله بعبارة تفيد أن "إخطار المأمورية بنشاط الدروس الخصوصية وفتح ملف ضريبي لا يعد سنداً قانونياً لتقنين أوضاع مراكز الدروس الخصوصية"، ومن ثم ثار التساؤل عن كيفية تسديد ضرائب عن نشاط غير قانوني. وعلى الرغم من اعتبار أن تصريحات مستشار رئيس مصلحة الضرائب العامة ـسعيد فؤاد ـ زادت من اللغط حول الوضع القانوني للدروس الخصوصية، إلا أنها كانت كاشفة عن منطق الدولة. فقد صرح المستشار سعيد فؤاد أنه ستتم محاسبة نشاط الدروس الخصوصية بقانون المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر رقم 152 لعام 2020، أو بقانون ضريبة الدخل رقم 91 لعام 2005، وشبه التعامل مع الدروس الخصوصية كتعامل الدولة مع المخدرات المضبوطة، إذ "إنه يتم إخضاع تاجر المخدرات إلى ضريبة الدخل. كما أن المضبوطات تُخضع للضرائب كذلك، حيث تحاسبه مأمورية الضرائب كأنه ممول يزاول نشاطاً، حتى لو كان النشاط غير قانوني، وأن هذا لا يعني سماحاً من الدولة بممارسة الإتجار في المخدرات، فهذه تفصيلة أخرى تابعة لوزارة الداخلية"، وبالتالي فإن فرض ضرائب على المخدرات، لا يعني بأي حال من الأحوال تقنينها .
هذا الطرح لسياسة وزارة التربية والتعليم، ومن قبلها وزارة المالية، تجاه الدروس الخصوصية ينطوي على النظر إليها بوصفها مصدرًا من مصادر الدخل المهدورة والتي يجب استغلالها للصالح العام ولسد العجز في نقص التمويل الذي تحتاج إليه الدولة.
هذه الرؤية استدعت عدة خطابات تدعمها وتساندها بما يسبغ الشرعية عليها كالخطاب الاقتصادي المنادي بدمج الاقتصاد غير الرسمي بالقطاع الاقتصادي الرسمي نظرًا لارتفاع المخاطر المصاحبة له على القطاع الرسمي من حيث المنافسة غير المتكافئة نتيجة الأعباء المالية والإدارية التي يتحمّلها القطاع الرسمي دونًا عن القطاع غير الرسمي من جهة، ونتيجة عدم قدرة الاقتصاد الرسمي من الاستفادة من العوائد المتحققة من مخرجات القطاع غير الرسمي وفقد الدولة مصدراً هامًّا للإيرادات الضريبية والدخل القومي من جهة أخرى. وعلى الجانب الآخر، ظهرت خطابات معارضة لهذه الرؤية، انطلاقاً من مراوحة خصخصة التعليم وتسليع العلم في مقابل الحق في التعليم كمنفعة عامة، لتشتبك معها من خلال معتركات المجال العام ومجال السياسات وساحات السياسات الضيقة.
وفى هذا الإطار، تنقسم هذه الورقة إلى قسمين. يعرض القسم الأول منها تفصيل التحالفات الخطابية الداعمة لرؤية وزارة التربية والتعليم، ويتناول القسم الثاني معتركات السياسات العامة حيث تشتبك الخطابات المناوئة لخطاب السلطة مع الخطابات الداعمة.
أولًا: التحالفات الخطابية الداعمة لخطاب السلطة
مع إعلان الوزارة عن مقترحها لتقنين مراكز الدروس الخصوصية، تفاعل معها العديد من الأكاديميين وخبراء التربية والتعليم والإعلاميين، وأظهر بعضهم الدعم من خلال مقالات الرأي والتصريحات لوسائل الإعلام المختلفة. غلبت على الخطابات الداعمة لطرح الوزارة الاعتبارات العملية الواقعية والاقتصادية المتمثلة في الكفاءة والفعالية وتسويقها كمبرر لمساندة فكرة التقنين. فمن جهة، يتم الترويج للتقنين كآلية لتوليد مصادر للدخل سواء للدولة ككل من خلال الضرائب أو للمواطنين الذين تتيح لهم هذه المراكز فرص توظيف. ومن جهة أخرى، هناك أمل أن يكون التقنين سياسة أكثر فعالية عن سابقتها في التعامل مع الدروس الخصوصية التي لم تنجح في القضاء عليها، ومن ثم اللجوء إلى ضبطها كبديل من خلال إخضاعها للرقابة والإشراف والمساءلة.
أشار أحد المتخصصين في السياسات العامة أن منطق الوزير يدعمه توجه في حقل السياسات العامة يذهب إلى أن تقنين وتنظيم سلعة أو نشاط ما، حتى وإن كانت غير مشروعة، أفضل من استمرار تجريمها، حيث إن التجريم قد تنتج عنه تبعات تعقد المشكلة الأصلية مثلما حدث من ظهور سوق سوداء للخمور وعصابات منظمة لحمايتها أثناء فترة تجريمها في الولايات المتحدة الأمريكية ما بين 1920 و1933. وبالتالي، فهو يتفق مع ما ذهب إليه الوزير في أن مراكز الدروس الخصوصية هي سوق يحتاج إلى تنظيم ورقابة خاصًة في ظل الممارسات الاستغلالية الحالية والتي تثير نزعات طبقية، إلا أنها ليست سوقاً سوداء كما يرى الوزير، وإنما هي سوق موازٍ للتعليم الرسمي يعمل بشكل علني وتنافسي، وهو ما يعني فرض تحديات أكبر على السلطة تتجاوز مجرد تنظيم سوق الدروس الخصوصية لتشمل وضع منظومة متكاملة لإصلاح منظومة التعليم من حيث تدريب المعلمين، وإصلاح المدارس ومنظومة التقييم والمناهج.
ومن منطلق واقعي عملي، ذهب بعض الخبراء التربويين، مثل د. بثينة عبد الرؤوف، الخبيرة التربوية والحاصلة على دكتوراه في فلسفة التربية ود. عاصم حجازي ـالأستاذ في كلية التربية بجامعة القاهرة، أنه على الرغم من عدم تأييدهم لأي شكل من أشكال خصخصة التعليم ورفض فكرة إسناد الإدارة إلى شركات خاصة، والاتفاق على أن التقنين يعني شرعنة أوضاع خاطئة، لكن يمكن قبوله كحل مؤقت لاستحالة القضاء على الدروس الخصوصية في الوقت الحالي. وبالتالي، فإن الواقع يفرض فكرة تجريب سياسات جديدة بخلاف تلك المتبعة من عشرات السنين لضبط عشوائية الدروس الخصوصية وخضوعها لمراقبة ومساءلة الوزارة، كما أنه بحصيلة الدولة من الضرائب على الأموال التي تنفق على الدروس الخصوصية ستتمكن الوزارة من تطوير مدارس النجوع والقرى ومن بناء مدارس جديدة في المدن الجديدة، وصيانة وترميم المباني التعليمية، وتعيين مدرّسين جدد لمواجهة العجز في أعداد المعلمين. ووصف الدكتور حسن شحاتةـ أستاذ التربية في جامعة عين شمس ـ مقترح التقنين بأنه "واقعي وحكيم" إذ إنه سيخفف من الأعباء المالية على أولياء الأمور لتحديد الوزارة رسوم الدروس الخصوصية بما يتناسب مع قدراتهم، فضلًا عن توفيرها للرقابة التربوية الجادة على المراكز وأنشطتها بما يحمي الطلاب من أي نشاطات مضرة بالطلاب خصوصاً من تلك التي تمارسها مراكز "بير السلم" على حد قوله.
من المنطلقات الواقعية نفسها، صرح العديد من أعضاء مجلس النواب تأييدهم لفكرة تقنين مراكز الدروس الخصوصية بالدوافع ذاتها التي أشار إليها الوزير والخبراء التربويون من حيث أهمية حصول الدولة على حقها في حصيلة الضرائب المهدرة من إيرادات الدروس الخصوصية وتوظيفها لتحسين الخدمات التعليمية ودفع أجور ومرتّبات المعلمين. كما أشار وكيل لجنة الخطة والموازنةـ النائب ياسر عمر ـ أن التقنين يمثل فكراً جديداً أكثر واقعية ويبتعد عن البوليسية من خلال الملاحقة التي اتسمت بها السياسات السابقة ولم تجدِ نفعاً على مدار ثلاثين عاماً، وأن الدروس الخصوصية ستنتهي تدريجيًّا بشكل تلقائي في غضون سنوات قليلة عندما يصل الطلبة الذين تعرضوا للمناهج المطورة من رياض الأطفال إلى المرحلة الاعدادية .
ومن جانب آخر، أشار بعض أصحاب مراكز الدروس الخصوصية أنه من الأفضل لهم تقنين أوضاعهم لأنه سيحميهم من المساءلة القانونية ومن حملات الإغلاق التي يتعرضون لها من قبل وزارة الداخلية وهو الأمر الذي أدى إلى تفضيل أولياء الأمور وبعض المدرسين لتكوين مجموعات منزلية بسعر أعلى، ما أضر بميزانية الأسرة، متفقين مع الوزارة على أن التقنين سيضع حداً لأسعار الدروس المبالغ فيها. هذا وقد أشار بعض أصحاب مراكز الدروس الخصوصية إلى قضية أخرى وهي التوظيف ومساهمة هذه المراكز في تقليص البطالة، فعلى حد قول أحدهم "السناتر دي فاتحة بيوت ناس كتير". ومن ثم، فهناك أضرار أخرى يمكن أن تقع إذا ما تم إغلاقها وأنه من الأفضل تقنينها .
وفى السياق ذاته، يرى بعض المدرسين الخصوصيين أن التقنين هو خطوة نحو الطريق الصحيح، لأن الرقابة الحكومية ستحدّ من ظاهرة انتشار غير التربويين وغير المتخصصين في مجال التعليم ممن تستعين بهم هذه المراكز، وأنه طالما هناك إشراف ورقابة، فإن هذه المراكز ستزيد من فرص المدرّسين المجتهدين وستمثل مكسبًا للطالب والعملية التعليمية.
ثانياً: معتركات السياسات العامة
في مقابل الخطاب الاقتصادي الداعم لسياسة تقنين مراكز الدروس الخصوصية، ظهرت خطابات حقوقية وتربوية مناهضة لخصخصة التعليم وتسليع العلم، تنادي بالحق في التعليم وإتاحته لكل المواطنين بعدالة دون تمييز، وتؤكد على أهمية دور الدولة في تقديم الخدمات التعليمية ودور المدارس التربوي والتنموي الهام من خلال التنشئة الاجتماعية وبناء مجتمع متحضر ومتقدم.
تجسدت هذه الخطابات في تصريحات العديد من الإعلاميين، والمتخصصين في مجال التربية والتعليم، وأولياء الأمور، وأصحاب مراكز الدروس الخصوصية أنفسهم، لتشتبك مع طرح الوزارة والخطابات الداعمة من خلال ساحات المجال العام المختلفة كالصحف والبرامج الحوارية ووسائل التواصل الاجتماعي. كما امتد هذا السجال في مجال السياسات (policy atrium) متجسداً بشكل أساسي في لجان التعليم بمجلسي النواب والشيوخ بحضور عدد من عمداء كلية التربية. هذا بالإضافة إلى معترك ساحات السياسات الضيقة، حيث تمت مناقشة جدوى تقنين مراكز الدروس الخصوصية في مقابل إلغائها وتجريمها ما بين الأكاديميين والخبراء المتخصصين في ساحات الدوريات العلمية المتخصصة.
- معترك المجال العام
أبدى العديد من الإعلاميين والتربويين والمتخصصين في شؤون التربية والتعليم وأولياء الأمور اعتراضهم الشديد على مقترح التقنين، واعتبروا أنه بمثابة استسلام من الحكومة لهذه الظاهرة وشهادة إعلان وفاة للمدارس الحكومية العامة. واشتبك المعارضون مع الحجج التي ساقتها الوزارة والمؤيدون لمقترحها وقاموا بتفنيدها والرد عليها.
فقد أعرب أولياء الأمور عن اضطرارهم للجوء إلى الدروس الخصوصية خوفًا من تدني مستوى أبنائهم الدراسى في ظل تدهور المنظومة التعليمية في المدارس، وعبروا عن تخوفهم من أن التقنين سوف يؤدي إلى زيادة أسعار الدروس الخصوصية التي يستطيعون دفعها بالكاد حيث سيقوم أصحاب مراكز الدروس الخصوصية بتحميلهم الضرائب التي سيتم فرضها عليهم. وطالبوا بإيجاد حل لإنهاء هذه الظاهرة لما تمثله من حمل يلتهم جزءاً كبير من دخل الأسرة وضرورة قيام الوزارة بوضع خطة لتطوير التعليم وإحياء دور المدرسة مرة أخرى.
وتشكك بعض أصحاب مراكز الدروس الخصوصية من امكانية تنفيذ هذه السياسة المعلنة. فعلي الرغم من موافقتهم على خضوعهم للإشراف التربوي، إلا أنهم يتشككون في مدى قدرة الوزارة على إخضاع كل المراكز للتقنين والرقابة بشكل محكم نظراً لعددها الكبير جداً وانتشارها في كل محافظات وقرى مصر.
وهاجم عدد من الإعلاميين مقترح الوزير، حيث اعتبر الإعلامي – عمرو أديب أن بيان الوزير هو إعلان عن نهاية المدارس كمؤسسة تعليمية، وفشل الوزارة في مواجهة الظاهرة خلال الثلاثين عاماً الماضية. واستنكر الإعلامي عمرو أديب توجه الوزير في تحويل الوزارة إلى مؤسسة ريعية تدر دخلًا على حساب التعليم وتساءل ماذا لو تم تعميم المنطق نفسه على بقية الوزارات الخدمية كالصحة والداخلية، واصفًا الأمر بالكارثي، وأن المقترح غير دستوري لأنه يخلّ بمجانية التعليم المنصوص عليها دستورياً حيث إن شرعنة هذه المراكز وإسناد مجموعات التقوية لشركات خاصة تعني أن التعليم لن يكون متاحاً أمام غير القادرين.
ويرى خبراء تربويون ومتخصصون في شؤون التعليم أن توجه الوزارة نحو الخصخصة بتنويعاتها وتشكيلاتها لن يؤدي بالأوضاع سوى إلى المزيد من التردي والتخبط والانهيار. فيذهب الدكتور مجدي حمزة إلى أن تصريحات الوزير تغلب عليها النظرة الاستثمارية البحتة حيث تستهدف استغلال "بيزنس الدروس الخصوصية المقدر بـ47 مليار جنيه" لزيادة دخل وزارته، وهو ما انتقده بشدة إذ أوضح أن مستقبل طلاب مصر يجب عدم قياسه بالمال، وقام بتشبيه تقنين أوضاع مراكز الدروس الخصوصية بإباحة الإتجار في المخدرات حيث إن كليهما يخرب عقول الطلاب في مصر. وأشار إلى أنه بمنح الوزارة رخصة مزاولة المهنة لأصحاب مراكز الدروس الخصوصية، وليس المدرسين، سيعطي الفرصة لدخول عدد أكبر من غير المعلمين التربويين إلى المهنة والذين دخلوها بطرق ملتوية في السابق، حيث إن 80% من العاملين في مراكز الدروس الخصوصية ليسوا معلمين وغير متخصصين في تعليم الطلاب، ولا يملكون الطرق التربوية في التعامل معهم، لكن الوزير بقراره الجديد سيجعلهم مدرسين وفق الرخصة الجديدة. بالإضافة إلى ذلك، فإنه في مقابل الايرادات التي تهدف الوزارة في الحصول عليها من تقنين المراكز، سيكون هناك إهدار للأموال التي أنفقتها الدولة على السياسات التي اتبعها الوزير السابق ـ دكتور طارق شوقي ـ لتطوير التعليم والقضاء على الدروس الخصوصية، والتي بلغت 8 مليارات جنيه مصري.
وأشار الخبراء إلى أنه بدلاً من تقنين أوضاع مراكز الدروس الخصوصية، وسعي الوزارة لتعبئة موارد كفرع من وزارة المالية ومصلحة الضرائب لسد العجز في الميزانية، لابد من توجيه مخصصات جديدة للاستثمار في المدارس وتوظيف المعلمين والمعلمات (وبذلك يتم تخفيض البطالة وضخ الأموال في الاقتصاد)، كما يجب تجريم الدروس الخصوصية وإغلاق هذه المراكز ووضع خطة تطوير شاملة للنهوض بمستوى المدرسين في المدارس والخدمات التعليمية وانتظام الطلاب والاهتمام بمجموعات التقوية بالمدارس بحيث تصبح المدارس جاذبة للطلاب.
وبخصوص عدم قدرة الدولة على تقديم الخدمات التعليمية بجودة عالية من حيث بناء المدارس وتطويرها وتوظيف عدد أكبر من المدرسين وغيره، فقد أثارت الأستاذة سامية عبدالله ـ مديرة إحدى المدارس الحكومية ـ في أحد البرامج الحوارية، قضية الإرادة السياسية التي إن توافرت سوف تتوفر المخصصات المالية كما توفرت لتطوير قطاعات أخرى كالنقل. وأشارت إلى أن القضية هي استسلام من قبل الوزارة وسيطرة شبكات مصالح يقودها أصحاب مراكز الدروس الخصوصية.
- معترك مجال السياسات Policy Atrium
مثَل مجلس النواب عمومًا ولجنة التعليم تحديدًا معتركًا أقل علنية ولكن أكثر قوة وتأثيرًا للنقاش والسجال حول سياسة تقنين مراكز الدروس الخصوصية. فقد عبر العديد من البرلمانيين ـ سواء المستقلين أو الممثلين لأحزاب سياسية ـ عن رفضهم مشروع القانون جملًة وتفصيلًا، وهو ما دفع أعضاء لجنة التعليم في مجلس النواب إلى تقدمهم بطلب إحاطة واستجواب لوزير التربية والتعليم.
يرى المعارضون لمشروع القانون، أن تقنين مراكز الدروس الخصوصية يعد تخلياً من الدولة عن دورها في دعم وضبط العملية التعليمية بالمدارس الحكومية من ناحية، وعن دورها في تقديم وإدارة الخدمات التعليمية من ناحية أخرى. هذا بالإضافة إلى اعتباره أن هذه المراكز تمثل ضغطاً مالياً على أولياء الأمور، وهذا الاقتراح سيزيد من ضغوطهم المالية ويجعلهم تحت رحمة الشركات التي تتولى إدارتها،"ما قد يحوّل التعليم إلى سلعة لا يقدر على شرائها إلا من يملك المال اللازم لها".
وأوضحت النائبة جيهان البيومي ـ عضو لجنة التعليم والبحث العلمي في مجلس النواب – أن "مقترح تقنين الدروس الخصوصية للتحكم في هذه المراكز وطبيعة القائمين على التدريس فيها مرفوض تماماً من قبل أعضاء لجنة التعليم، وأن اللجنة تسعى إلى دعم دور المدرسة وجذب الطلاب إليها، بدلاً من مساعدة الطلاب عن العزوف عنها" . وفي طلب الإحاطة الذي تقدم به النائب ـ علاء عصام عن تنسيقية شباب الأحزاب ـ أوضح أنه بدلًا من تقنين أوضاع مراكز الدروس الخصوصية التي تختزل العملية التعليمية في الحفظ والتلقين، لا بد من الاهتمام بانتظام العملية التعليمية في المدارس بوصفها المكان الأساسي للتعلم والتنشئة الاجتماعية للطلاب وبناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم من خلال الرياضة والثقافة والفنون وغيرها والتي من خلالها نضمن " بناء جيل قادر على تنفيذ استراتيجية الدولة في التنمية والتقدم ".
وأعرب نواب عن حزب مستقبل وطن والحزب المصري الديمقراطي عن رفضهم القاطع لتبرير مشروع القانون بحصيلة الضرائب والدخل الذي ستستفيد منه الدولة، وخاصةً أن أولياء الأمور هم من سيتحمل تكلفة هذه الحصيلة فعليًا وليس المدرسين أو أصحاب المراكز، إذ أشاروا إلى أنه مهما بلغت هذه الحصيلة فهي لن تساوي مطلقًا الحق في التعليم، ومن سيكون المتضرر الأكبر من انتهاكه هم أبناء القرى والنجوع الذين لا يملكون المقدرة على دفع تكلفة الدروس الخصوصية. كما أن التقنين يعني إهدار كل الأموال التي أنفقت على تطوير منظومة التعليم التي استهدفت القضاء على ظاهرة الدروس الخصوصية في عهد وزير التعليم السابق ـ الدكتور طارق شوقي، فضلًا عن إعدامها مهنة المدرس التربوي، لأن التقنين سيؤدي إلى شرعنة التدريس من قبل غير التربويين الذين يقومون بالتدريس بالفعل في هذه المراكز.
- معترك ساحات السياسات الضيقة
في ساحة أضيق ولكن أكثر تخصصًا، ناقش الأكاديميون إشكالية التعامل مع مراكز الدروس الخصوصية من خلال دراسات أكاديمية استندت إلى الدراسات الميدانية والدراسات المقارنة. وعلى الرغم من أن هذه الدراسات كانت سابقة لمشروع القانون الذي تقدم به الوزير، إلا أنها عكست نفس الحجج المؤيدة والمعارضة لفكرة التقنين التي تمت مناقشتها في معتركي المجال العام ومجال السياسات.
فقد أشارت عدد من الدراسات إلى أن الدول تتباين في التعامل مع ظاهرة الدروس الخصوصية ما بين التجاهل، والتقنين والتنظيم، والتشجيع، والمنع. وأن التوجه نحو سياسة من هذه السياسات يتوقف على السياق من حيث مدى قوة الحكومة وقدرتها على السيطرة على الظاهرة، مدى انتشار الظاهرة وتداعياتها السلبية والإيجابية.
أما بالنسبة للحالة المصرية، فقد اتفقت العديد من الدراسات على أن الأسباب التي أدت إلى تفشي ظاهرة الدروس الخصوصية لتصبح نظاماً تعليمياً موازياً أو بديلاً عن التعليم النظامي، وليس مجرد مكمل له، ترجع بدرجة كبيرة إلى تدني جودة التعليم من حيث ضعف التدريس وتحصيل الطلاب في المدارس الحكومية لعدة أسباب مرتبطة بملاءمة البنية التحتية للمدارس وارتفاع كثافة الفصول وانخفاض مهارات المعلمين ودوافعهم للإتقان نتيجة ضعف الرواتب، وعدم تناسب مخصصات الإنفاق مع المطلوب تحقيقه نتيجة لتغير دور الدولة في العديد من القطاعات التي يعد التعليم من بينها من جهة، وللضغوط التي تعاني منها ميزانية الدولة وتوافر التمويل من جهة أخرى.
وفي إطار كيفية مواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية في مصر، فعلى الرغم من تقدير إحدى الدراسات لحجم الضرائب التي يمكن تحصيلها من دروس طلبة الثانوية العامة فقط في حالة تقنين الدروس الخصوصية كأحد أشكال الاقتصاد غير الرسمي بـمليار وخمسمائة وخمسة وتسعين ألف وأربعمائة جنية مصري سنويًا، إلا أنها أوصت بضرورة مكافحتها إعمالًا بمبدأي "الضرر يُزال"، و"درء المفاسد مقدم على جلب المنافع" على أن يتم تصميم واتباع مجموعة من الإجراءات لمعالجة أسباب المشكلة. ومن ضمن المقترحات التي تقدمت بها الدراسات لترشيد ظاهرة الدروس الخصوصية: الالتزام بنسبة الإنفاق المحددة دستوريًا للإنفاق على التعليم والتي يجب ألا تقل عن 4 في المئة من الناتج القومي الإجمالي، وأن يتم توجيه مخصصات لتطوير هياكل الأجور والرواتب الخاصة بالمعلمين وكذلك إنشاء مدارس جديدة وتطوير بنية المدارس القائمة، بالإضافة إلى الاهتمام بجودة ونوعية التعليم من خلال التركيز على المهارات بدلًا من الاختبارات وتغيير منظومة الامتحانات وبخاصة في مرحلة الثانوية العامة، هذا مع ضرورة تفعيل نظام مساءلة صارم للحد من أي مخالفات للوائح والقوانين.
الخاتمة
هدفت هذه الورقة إلى تناول التحالفات الخطابية التي تنشأ حول سياسة تقنين الدروس الخصوصية في مصر لإيضاح كيفية اكتساب سياسات معينة الشرعية التي تدعم تنفيذها، وكيف يمكن في المقابل ظهور خطابات معارضة تشتبك وتفند حجج الخطابات المؤيدة لتنزع عن هذه السياسات شرعيتها من خلال الاشتباك معها من خلال معتركات السياسات المتعددة. ومن خلال الورقة، اتضح أن معترك مجال السياسات هو الأكثر قوة وتأثيرًا، وإن كان هذا لا ينفي بدوره تأثره بسجالات معترك المجال العام ومعترك الساحات الضيقة. فمع الرفض الشديد لأعضاء البرلمان، فقد أسفرت المناقشات حول مشروع القانون إلى رفضه وسحب الوزير له من البرلمان وإعلانه أن طرحه فكرة تقنين مراكز الدروس الخصوصية هو مجرد مقترح لإثارة الحوار المجتمعي حوله وليس قرارًا ينفذ على الفور.
- د.أحمد زينهم نوار، ود.عدنان محمد قطيط، "ترشيد ظاهرة الدروس الخصوصية بالتعليم قبل الجامعي في مصر: تدابير تنظيمية مقترحة"، مجلة كلية التربية ببنها، العدد (124) تشرين الأول/أكتوبر ج(5) 2020.
- رضا عبدالعظيم ابراهيم محمد العادلى، "القضاء على الدروس الخصوصية بمراحل التعليم ما قبل الجامعى كمدخل لجودة التعليم (مشروع مقترح)"، المجلة العلمية لكلية تربية نوعية، العدد (6) نيسان/أبريل 2016 ج (1).
- د.المأمون على عبدالمطلب جبر، "الاقتصاد غير الرسمي في مصر: نموذج الدروس الخصوصية بين التقنين والإلغاء"، المجلة العلمية لقطاع كليات التجارة-جامعة الأزهر، العدد (13)، كانون الثاني/يناير 2015.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.