مقدمة
لا تزال عمليات حرق الغاز وغيرها من أشكال التلوث المرتبطة بالنفط تضر بجودة الهواء والصحة العامة في العراق، في حين تبقى عائدات النفط الركيزة الأساسية للنشاط الاقتصادي في البلاد ولمداخيل الأسر. هذا التوتر بين الاعتماد الاقتصادي على النفط والأضرار البيئية الناتجة عنه معترف به على نطاقٍ واسع، لذلك تعهدت الحكومات المتعاقبة بالحد من الحرق، وتنظيف قطاع النفط، وحتى إدماج مصادر الطاقة المتجددة. ومع ذلك، يرى المواطنون والمنظمات البيئية أن التقدم الملموس في إصلاح قطاع الطاقة كان محدودًا، فالعقبات ليست تقنية فحسب، بل تعكس أيضًا مشاكل أعمق في الحوكمة وتثير تساؤلات حول العدالة التي تقع في صميم النقاشات حول مستقبل الطاقة في العراق.
هل ثمة مسارات واقعية للخروج من هذا المأزق؟ إحدى هذه المسارات يتمثل في إعادة تصور مستقبل الطاقة في العراق من خلال منظور التحول العادل للطاقة. يدّعي أنصار هذا النهج أن التحول عن الوقود الأحفوري يجب أن يُصمم بما يصمن حماية سبل عيش ورفاه الفئات الهشّة، بما فيها المجتمعات الأكثر تعرضًا للأضرار البيئية. في حالة العراق، تواجه رؤية التحول العادل للطاقة تحديات كبيرة. فبعد أربعة عقود من الحروب نشأ اقتصاد سياسي يمثل فيه النفط 90 في المئة من إيرادات الدولة، ويُوزع معظمه عبر رواتب القطاع العام والعقود الحكومية. والمستفيدون الرئيسيون من هذا الترتيب هم بلا شك الأحزاب السياسية والنخبة الحاكمة التي تسيطر على إنتاج النفط وتوزيع العائدات، بالإضافة إلى شركات النفط الدولية التي تدير الإنتاج. أما المجتمع ككل فيعاني من ضعفٍ هيكلي. شجع تعظيم عائدات النفط قصيرة الأمد لصالح الأحزاب السياسية المهيمنة على تجنب الاستثمارات الكبيرة طويلة الأمد اللازمة لتطوير البنية التحتية الضرورية للحد من حرق واحتجاز الغاز المصاحب، فضلاً عن تخصيص التمويل اللازم للخدمات العامة الأساسية. ونتيجة لذلك، يعيش المواطنون تحت سماء ملوثة ويعانون من سوء الخدمات بشكلٍ عام.
ومع ذلك، يستمر اعتماد المجتمع بدرجةٍ كبيرة على الرواتب الممولة من عائدات النفط لضمان الأمن الاقتصادي. حتى ذوو الدخل المنخفض يستفيدون ولو جزئيًا من تداول عائدات النفط داخل المنظومة الاقتصادية، ما يخلق مأزقًا ترتبط فيه سبل عيش المواطنين بالبنى نفسها التي تقوض الاستدامة البيئية والصحة العامة. تكشف المقابلات التي أجريناها مع نشطاء بيئيين من أجل هذا التقرير عن تناقضٍ عميق: فهم قلقون للغاية من التلوث الناجم عن النفط، لكنهم يدركون أيضًا أن إنتاج النفط هو المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي في بلد لا يزال يتعافى من أربعة عقود من الحرب. تُخفف الرواتب العامة المدعومة بالنفط والبنية التحتية للدولة من حدة المعارضة للوضع القائم المتمثل في تعظيم مستويات الإنتاج، حتى وإن كانت هذه البنية الاقتصادية تُقوّض جوانب أخرى من الصحة والرفاه. وفي ظل هذا المأزق الهيكلي، يجب دراسة مبادئ التحول العادل للطاقة وإعادة صياغتها لتناسب السياق العراقي.
عند صدور الفيلم الوثائقي "تحت سماء مسمومة" (Under Poisoned Skies) في أيلول/سبتمبر 2022 الذي تناول تحقيقًا محليًا حول التلوث المرتبط بالنفط في البصرة، أثار اهتمامًا واسعًا في جميع أنحاء العراق. ومع ذلك، لم تؤدِ هذه الضجة إلى مطالبات واسعة النطاق بوقف استخدام الوقود الأحفوري على المدى القصير. بدلاً من ذلك، استخدم نشطاء البيئة العراقيون الفيلم كوسيلة للضغط من أجل إصلاحات تجعل قطاع النفط أكثر خضوعًا للمساءلة وأقل ضررًا، مع الاعتراف بأن عائداته تمثل وستبقى المصدر الرئيسي للنشاط الاقتصادي لسنواتٍ مقبلة. وتتوافق رؤيتهم مع نهج تدريجي لتحقيق انتقال عادل للطاقة. فعلى المدى القصير، تدعو منظمات المجتمع المدني العراقية إلى الحد من الأضرار البيئية والآثار الصحية العامة، خصوصًا عبر إنهاء الحرق الروتيني للغاز. أما على المدى المتوسط والطويل، فيشددون على الحاجة إلى تحسين المساءلة في قطاع الطاقة وبناء القدرات المؤسسية والتقنية اللازمة لدمج الطاقة المتجددة ضمن مزيج الطاقة في العراق. يؤكد هذا التقرير أن الانتقال العادل للطاقة في العراق يجب أن يبدأ بالحد من الأضرار داخل قطاع النفط. وسيتحقق ذلك فقط عبر تعزيز المساءلة والشفافية، ما يتطلب فتح "الصندوق الأسود" الخاضع لرقابة مشددة لوضع سياسات الطاقة من أجل إتاحة الشفافية والرقابة داخل الحكومة ومشاركة الجمهور.
يجادل التقرير بأن صنع السياسات في قطاع الطاقة العراقي خلال مرحلة ما بعد غزو عام 2003 أصبح خاضعًا لسيطرة مجموعة ضيقة من الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين، وهم قادة الأحزاب السياسية الرئيسية وبعض الهيئات الحكومية الأساسية، مثل وزارة النفط ومكتب رئيس الوزراء، ما استبعد ليس فقط المجتمع المدني، بل أيضًا بعض المؤسسات الحكومية الحيوية مثل وزارة البيئة. وصعّب هذا التركيز للسلطة تطبيق رقابة فعالة، فضلاً عن مشاركة عامة أوسع في صنع القرار. وتماشيًا مع ما أطلق عليه الباحثون "نظام الوصول المحدود"، تُحتكَر السلطة السياسية والاقتصادية في العراق من قبل نخبة محدودة من الفاعلين، وتُحافظ على هذا النظام عبر اتفاقات بين النخب والتحكم في الوصول إلى العوائد. في حين تؤكد مبادئ التحول العادل للطاقة على الشفافية والحوكمة التشاركية للطاقة، فإن نظام الوصول المحدود في العراق يؤدي إلى سيطرة مُحكمة على صنع القرار، تمتد من استخراج النفط وصولاً إلى تطبيق مشاريع الطاقة المتجددة. وعلى الرغم من صغر حجم قطاع الطاقة المتجددة، شهدت الفترة الأخيرة اتفاقات في مجال الطاقة الشمسية بين الحكومة العراقية وشركات النفط الدولية الكبرى تعكس نفس استبعاد الفاعلين وانعدام الشفافية الذي يسود في قطاع النفط والغاز. ويخلص التقرير إلى أن الجهود الرامية إلى الحد من أضرار قطاع النفط على المدى القصير وتعزيز الاستدامة عبر الطاقة المتجددة على المدى الطويل ستبقى متوقفة ما لم يُفتح مسار صنع سياسات الطاقة الخاضعة لرقابةٍ صارمة. وينبغي أن يشمل ذلك الرقابة داخل الحكومة على الأقل، ويُفضّل أن يوفر مساحةً لمشاركة المجتمع المدني.
يتكون التقرير من ثلاثة أقسام:
- يُوضح تحديد "مفهوم التحول العادل للطاقة في العراق" الحاجة إلى رؤية متوافقة مع السياق تستند إلى واقع الاقتصاد السياسي الريعي والتعافي بعد النزاع. ويقترح إطارًا لفهم معنى العدالة في سياق الطاقة في العراق، ويركز على الصحة والمساءلة والعدالة الاقتصادية على المدى القصير، وتنويع الطاقة والطاقة المتجددة على المدى الطويل.
- يبحث قسم "الحد من الأضرار" في حرق الغاز كحالة اختبار مركزية للإصلاحات قصيرة المدى. ويقيّم التكاليف البيئية والصحية لهذا الحرق ويحلل أسباب صعوبة إحراز تقدم ملموس في مجال احتجاز الغاز، على الرغم من التزامات الحكومة المتكررة. ويوضح القسم كيف يعكس استمرار الحرق القيود الهيكلية لنظام الوصول المحدود في العراق.
- يتناول قسم "فتح الصندوق الأسود" أبعاد الحوكمة والمساءلة في صنع سياسات الطاقة في العراق. ويجادل بأن الإصلاحات التقنية وحدها، ومن ضمنها احتجاز الغاز، لن تنجح من دون إصلاحات سياسية تسمح بمشاركة أوسع نطاقًا ورقابة مؤسسية. ومن دون إشراك فعال للفئات المهمشة، ومن ضمنهم الهيئات التنظيمية والمجتمع المدني، سيبقى قطاع الطاقة بعيدًا عن الرقابة العامة، ما يعوق تنفيذ الإصلاحات.
يستند البحث إلى 60 مقابلة مع أعضاء من المجتمع المدني (مثل النشطاء البيئيين ورؤساء منظمات المجتمع المدني البيئية) ومسؤولين حكوميين من مختلف الهيئات (مثل وزارة النفط ووزارة البيئة والبرلمان) وخبراء في مجال الطاقة. وأجريت جلستان تشاوريتان مع منظمات المجتمع المدني (15 مشاركًا في كل جلسة) لتحديد أولويات البحث. وعلى الرغم من وضع التقرير إطارًا سياسيًا أوسع للانتقال العادل للطاقة في جميع أنحاء البلاد، إلا أن جمع البيانات تركز في محافظتين منتجتين للنفط – البصرة وكركوك – لتحديد الصلات بين السياسة الوطنية والواقع المحلي. لم تُذكر أسماء النشطاء والمقابلات إلا بعد الحصول على إذن بذلك. كما تتوافق الدراسة مع أخلاقيات البحث والمبادئ التوجيهية التي وضعتها لجنة المراجعة المؤسسية في الجامعة الأمريكية في العراق، السليمانية.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.