مقدمة
يواجه السودان أزمة مركّبة: مزيج قاتل من الصراع والصعوبات الاقتصادية التي تتقاطع مع تغير المناخ، وتدهور البيئة وانهيار الحوكمة ودورات العنف المتكررة. وفاقم هذا التدهور البيئي وسوء إدارة النظم الإيكولوجية، ندرة الموارد والمخاطر على الصحة العامة، ما غذى المظالم الاجتماعية في بلدٍ يعاني أصلاً من الحروب الأهلية والاضطرابات السياسية منذ استقلاله. غير أن المقاربات الوضعية السائدة في تحليل السياسات، بتركيزها على المراحل الخطية والعقلانية التقنية وحل المشكلات بوصفها عمليات موضوعية، تعجز غالباً عن استيعاب الطابع المتنازع عليه والمبني اجتماعيًا والمشحون بعلاقات القوة للقضايا البيئية في سياقات هشة مثل السودان. فمن خلال التعامل مع المشكلات على أنها وقائع محايدة تنتظر الحلول، فإنها تحجب دور السرديات والشرعية والفاعلية في تشكيل أي القضايا يُعترف بها، ومن تُسمع أصواتهم ، وكيف تتطور النزاعات. لذلك، تجاوز هيمنة المقاربات الوضعية السائدة، يعتمد هذا التحليل منظورًا متعدد التخصصات متجذرًا في سوسيولوجيا المشكلات الاجتماعية لاستجواب كيف جرى تأطير الأزمات البيئية في السودان أو تجاهلها عبر الزمن، بما فيها المبررات المُقدّمة لذلك؛ وكيف شكل هذا التأطير الفعل السياسي (أو عدم اتخاذ إجراءات) وديناميات الصراع.
لا تمثل ديناميات المظالم البيئية في السودان مجرد تحديات تقنية؛ بل هي جزء لا يتجزأ من صراعات أوسع نطاقًا حول السرديات والأولويات والسلطة والشرعية والعدالة. وحوّل قمع المطالب المحلية القضايا البيئية إلى محفزات تُنتج أزمات أعمق، إذ تتراكم المظالم غير المحسومة وتظهر من جديد في شكل عنف. وبهذا المعنى، يوضح هذا التحليل تفسيرياً أن السياسة البيئية لا يمكن فصلها عن أسئلة الحوكمة الأوسع: من يحدد المشكلات ومن يتحمل المسؤولية، ومن يربح أو يخسر في معالجتها. إن فهم هذا التشابك أساسي لتصميم تدخلات لا تعالج الأعراض فحسب، بل تتصدى أيضًا للبنى الكامنة التي تُدام بها الهشاشة والإقصاء والنزاعات. تتتبع هذه الورقة المسار التاريخي والمؤسسي لأزمة الصراع البيئي في السودان عبر أربع مراحل: (1) التهميش والتجاهل (قبل تسعينيات القرن العشرين)، عندما جرى تجاهل القضايا البيئية أو قمعها؛ (2) الاعتراف الرسمي والتدويل (تسعينيات القرن العشرين- العقد الأول من الألفية)، حين حظيت المشكلات البيئية في السودان باعتراف رسمي متأخر بفعل السياقات العالمية (غالبًا عبر ارتباطها بالنزاعات)؛ (3) إدماج البيئة في السياسات (2000-2018)، عندما بدأ النظام بإدراج الاعتبارات البيئية في القوانين والمعاهدات، وإن كان ذلك شكلياً لا جوهرياً؛ و (4) إعادة التأطير بعد الثورة (2019-حتى الآن)، حين فتحت الانتفاضة الشعبية في السودان المجال لإعادة تعريف القضايا البيئية في إطار سردية العدالة والسلام، إلى أن اندلع النزاع من جديد. لا تعكس هذه المراحل تقدمًا خطيًا، بل دورات من الاعتراف من دون حل. وتكشف كل مرحلة محاولات معطّلة لتحويل المظالم إلى مطالب، ما يوضح كيف أعادت السلطوية والنزاع مراراً ضبط حوكمة البيئة من نقطة الصفر.
عبر هذه المراحل، تسلط الورقة الضوء على محطات مفصلية تكشف إخفاقات المطالب المتعلقة بالعدالة البيئية، من قضايا إلقاء النفايات السامة وغير السامة وفضائح المبيدات، إلى خطابات المناخ ونضالات المجتمعات المحلية من أجل الإنصاف. واستنادًا إلى تحقيقات صحف سودانية وتقارير منظمات غير حكومية ودراسات بحثية، يوضح التحليل كيف أُثيرت هذه القضايا مرارًا من قبل أصحاب المطالب، ليقابلوا بإعادة تأطير القضايا أو بالإنكار أو بالقمع أو بالحبس أو بتقاعس السلطات. تجادل هذه الورقة بأن السياسة البيئية لكي تكون فعالة، يجب أن تصمم استجابة لشكاوى ومطالب المجتمعات المحلية المشروعة، بدلاً من صياغتها بطرق تنزع الشرعية عن معاناتهم أو تتفادى حشدهم. وتؤكد الحالات المعروضة كيف أن اختلالات القوة وسياسات السرية أعاقت المساءلة بشكل منهجي. ووفق هذا الإطار، تُبيّن الورقة كيف حالت إخفاقات الحوكمة في كل مرحلة دون أن تدفع الأزمات البيئية إلى إصلاح السياسات، لتسمح بدلاً من ذلك بتحوّلها إلى محفزات لعدم الاستقرار والعنف. في نهاية المطاف، ومن خلال تحليل الظروف المجتمعية التي برزت في ظلها القضايا البيئية كشواغل اجتماعية، وتتبع تحولها إلى فعلٍ عام، تُبرز الورقة الديناميات الصراعية والقائمة على المطالب التي تشكل عملية إنتاج السياسات العامة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.