عقدت مبادرة الإصلاح العربي طاولة مستديرة مغلقة في 19 كانون الأول/ديسمبر 2024، بعنوان ” إعادة الإعمار بعد الحرب: ضمان الوصول العادل إلى الكهرباء والطاقة النظيفة في لبنان “. ركزت المناقشة على إعادة بناء قطاع الطاقة والكهرباء، وسعت إلى التركيز على الخيارات السياسية – بعيدًا عن الحلول التقنية – وذلك لتحقيق عملية إعادة إعمار قطاع الطاقة والكهرباء بعد الحرب بشكل أكثر عدالة.
أدارت النقاش مديرة برنامج السياسات البيئية في مبادرة الإصلاح العربي، سارين كراجرجيان ، وشارك فيه كل من خبير الطاقة بيار الخوري، والمحامية وعضو اللجنة العالمية للقانون البيئي التابعة للاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة كريستينا أبي حيدر، والنائب إبراهيم منيمنة، ومستشار الطاقة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي كريم أوسيران، والمهندس البيئي في برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية جورج سعدة، وخبيرة سياسات الطاقة والجغرافيا السياسية لوري هايتايان.
تأطير أزمة الطاقة
لطالما عانى قطاع الطاقة في لبنان من عدم الكفاءة والإصلاحات قصيرة الأجل. وقد أدى النزاع الأخير إلى تفاقم هذه التحديات، مما زاد من حدة أزمة الكهرباء المتفاقمة أصلاً. فقد أجبرت تهالك البنية التحتية وضعف قدرات التوليد على الاعتماد المتزايد على المولدات الخاصة. وتطرح إعادة بناء قطاع الطاقة تحديات عديدة، لكنها توفر في الوقت ذاته فرصًا لإنشاء نظام طاقة يتميز بالاستدامة والمرونة والعدالة.
وأشار النائب منيمنة إلى أن القطاع لا يزال عالقًا في دائرة الحلول المرقعة. إن وجود رؤية سياسية واضحة وطويلة الأجل تستند إلى بيانات قوية وتخطيط تقني مستنير أمر بالغ الأهمية لكسر هذه الحلقة.
كما سلط المشاركون الضوء على أن لبنان لديه فرصة للاستفادة من هذه الأزمة الحالية لإعادة البناء على أساس ضمان الوصول العادل إلى الطاقة المتجددة واعتماد السياسات الخضراء. إلا أن ذلك يعتمد على تحديد مطالب وسياسات واضحة تتماشى مع التطورات السياسية القادمة، بما يتيح التأثير على إعادة الإعمار منذ البداية.
آثار الحرب والاعتبارات القانونية
بموجب القانون الدولي، يحظر استهداف البنية التحتية المدنية، بما في ذلك منشآت الطاقة. وتصنّف أطر عمل مثل البروتوكولين الإضافيين الأول والثاني (1977) واتفاقية لاهاي لعام 1954 مثل هذه الأعمال كجرائم حرب محتملة. وعلى الرغم من عدم تصديق إسرائيل على هذه البروتوكولات، إلا أن نظامها القضائي يقرّ بواجب الالتزام بالمعايير الدولية.
وذكر الخوري أن مصادر الطاقة المتجددة كانت من بين الأهداف الرئيسية خلال الحرب، حيث تشير التقديرات إلى تدمير ما بين 10-15% من ألواح الطاقة الشمسية، مع خسائر تقدر بما بين 150 إلى 300 مليون دولار أمريكي. تستلزم هذه الأوضاع إعادة بناء شبكة الكهرباء بالكامل، وهو ما يشكل فرصة لبناء شبكات ذكية بدلاً من الشبكات الموجودة قيل الحرب. كما يجب إعادة بناء المنازل مع مراعاة العزل المناسب، بما يقلل من الحاجة إلى التدفئة والتبريد. يجب على الحكومة ألا تركز على زيادة الإمدادات فحسب، بل يتعين عليها أيضا التركيز على خفض الطلب على الطاقة. وقد تعرض مركز التحكم الوطني للتدمير، ما يستدعي إعادة بنائه باستخدام أحدث التقنيات والتحديثات. ومن اللافت أن تكلفة بنائه من جديد ستكون أقل من تكلفة إصلاحه.
ومع ذلك، فإن تحقيق العدالة ينطوي على تحديات. إذ يجب على لبنان توثيق الانتهاكات، والتعاون مع المنظمات الدولية، وبناء قضايا قوية قائمة على الأدلة لمحاسبة المخالفين، كما حثّت أبي حيدر: ”بينما يبقى التنفيذ محدوداً، يمكن للانتصارات الرمزية أن تحافظ على الضغط الدولي وتردع الانتهاكات المستقبلية. “
لقد ارتكبت إسرائيل جرائم حرب متعددة في لبنان، بما في ذلك استهداف البنى التحتية المدنية الحيوية مثل المستشفيات ومحطات الطاقة والصرف الصحي والمياه، ويجب تقديمهم إلى المحكمة الدولية. ومع ذلك، فإن المجتمع الدولي غير راغب في القيام بذلك. فقد تسببت إسرائيل ذات مرة في تسربٍ نفطي خلال إحدى هجماتها في حرب تموز/يوليو 2006، وكان بإمكان مجلس الأمن الدولي، الذي تُعد قراراته ملزمة، أن يشكل سابقةً لبلدان أخرى لمقاضاة إسرائيل على الجرائم البيئية من خلال إعلانها أن إسرائيل ارتكبت جريمة. ولكنها استخدمت حق النقض للالتفاف على المساءلة.
وعليه، يحتاج لبنان إلى بناء قضية مفصلة والبحث عن الخروقات والثغرات في القانون الدولي بالتعاون مع الوزارات والهيئات الحكومية والمنظمات الدولية للدفاع عن نفسه.
السياسة والحوكمة
أكد المشاركون على أن أزمة الطاقة في لبنان تنبع من الإخفاقات السياسية بقدر ما هي ناجمة عن أوجه القصور التقنية. وشدّد الخوري على الحاجة إلى رؤية سياسية واضحة وطويلة الأمد مدعومة ببيانات قوية. ودعت أبي حيدر إلى دمج السياسات المستدامة في الإطار السياسي الأوسع منذ البداية.
لقد أعاق النهج المجزأ الذي يتبعه لبنان في الحوكمة التقدم في هذا الملف. وفي حين وضعت الحكومة استراتيجية للطاقة المتجددة، فإن ضعف التنفيذ يسلط الضوء على الحاجة إلى قيادة أقوى وتخطيط متكامل.
برزت اللامركزية كموضوع رئيسي. ومن شأن تطبيق القانون 462 لإضفاء اللامركزية على الطاقة المتجددة أن يمكّن البلديات من إنتاج الطاقة، مما يخفف الضغط على مؤسسة كهرباء لبنان. ويمكن أن يؤدي تمكين البلديات من قيادة مبادرات الطاقة المتجددة المحلية إلى إحراز تقدم على مستوى المجتمع المحلي قبل التوسع على المستوى الوطني. ومع ذلك، فإن اللامركزية تنطوي أيضاً على مخاطر الازدواجية والتوزيع غير المتكافئ للموارد، وهو ما يجب الانتباه إليه ومعالجته.
وشدد المشاركون على أهمية إنفاذ القوانين القائمة أثناء العمل على قوانين جديدة. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن تقوم هيئة مراقبة أو فريق عمل، مثل المجلس اللبناني للأبنية الخضراء، بتنسيق الجهود وتبسيط العمليات لتجنب أوجه القصور.
وعلى الرغم من أن أنظمة الطاقة المرنة التي يقودها المجتمع المحلي قد ظهرت بدافع الضرورة، إلا أنها ساهمت أيضًا في اتباع نهج مجزأ. ومن الضروري وضع استراتيجية موحدة ومنسقة للمضي قدمًا.
الاستثمارات والقيود الاقتصادية
تتطلب إعادة بناء قطاع الطاقة في لبنان استثمارات كبيرة، إلا أن عدم الاستقرار الاقتصادي ومشاكل الحوكمة تعيق المستثمرين المحتملين. ويعتمد الاستثمار على وجود بيئة مستقرة، وقوانين واضحة، وقطاع مصرفي فعال، وقضاء قوي، وإصلاحات اقتصادية. وفي الوقت الحالي، تظل بيئة لبنان عالية المخاطر غير جاذبة للمستثمرين.
وقد أشار المشاركون إلى أن المشاريع التي اقترحتها الأمم المتحدة والبنك الدولي قبل الحرب كانت تفتقر إلى استراتيجية حكومية متماسكة، مما يحد من فعاليتها. ومن الآن فصاعداً، لا يمكن للبنان قبول المزيد من الديون من دون هياكل مناسبة وفوائد واضحة.
وذُكر أن وزير البيئة الدكتور ناصر ياسين، خلال فترة توليه منصبه، سلط الضوء على إمكانات الطاقة المتجددة على الرغم من طبيعتها المتقطعة، مما يستلزم حلولاً للتخزين تتطلب المزيد من الاستثمار. وسيستغرق بناء البنية التحتية للطاقة الخضراء وقتًا أطول من مجرد إصلاح البنية التحتية الحالية المعطلة حتى الآن، ولكنه يوفر فوائد طويلة الأمد.
كان هناك جدل واضح حول ما إذا كان القطاع الخاص يستفيد من النظام الحالي. فقد أشار أوسيران إلى خسارة 40% من استثمارات القطاع الخاص في مجال الطاقة، في حين جادل آخرون بأن قوة القطاع الخاص يمكن أن تدفع التقدم أو تعطل الإصلاح. وبغض النظر عن ذلك، اتفق المشاركون على أن الوضع الراهن غير مستدام.
الطريق إلى الأمام: بناء قطاع طاقة مرن
حددت المائدة المستديرة الخطوات الرئيسية لمستقبل مستدام ومنصف للطاقة:
- الاستفادة من الحلول اللامركزية: تمكين المجتمعات المحلية بحلول محلية للطاقة لتخفيف الضغط على مؤسسة كهرباء لبنان.
- تعزيز الشفافية واستخدام البيانات: إعطاء الأولوية للبيانات الدقيقة والحوكمة الإلكترونية، والتي تعتبر ضرورية للتخطيط المنسق وتخصيص الموارد بكفاءة.
- تعزيز المشاركة التعاونية لأصحاب المصلحة: إنشاء فريق عمل لمواءمة الجهود الحكومية والدولية والمجتمعية في إعادة الإعمار.
- إعادة البناء من أجل المرونة: دمج معايير البناء الموفرة للطاقة والوصول العادل إلى الطاقة المتجددة في خطط إعادة الإعمار.
الخاتمة
تمثل إعادة إعمار لبنان بعد الحرب فرصة محورية لإعادة تصور مستقبل الطاقة في لبنان. ولتجاوز الحلول قصيرة الأجل، يجب على البلد أن يسعى إلى إيجاد حلول مستدامة وعادلة وقادرة على التكيف مع المناخ. ويتطلب تحقيق هذه الرؤية عملاً منسقاً بين صانعي السياسات والشركاء الدوليين والمجتمع المدني. وكما قالت أبي حيدر: ”لقد انتظرنا طويلاً للحصول على حقوق الإنسان الأساسية مثل الكهرباء. ويمكننا الانتظار لفترة أطول قليلاً إذا كان ذلك يعني بناء مستقبل مستدام للطاقة الخضراء. نحن لا نريد أن نضع علامة في خانات - نحن نريد بناء دولة “.
في نهاية المطاف، يتوقف النجاح على معالجة الأسئلة الأساسية: من سيقود عملية إعادة الإعمار؟ ومن سيموّلها؟ ومن سيستفيد من مشهد الطاقة الجديد؟
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.