بينما تُحيي مبادرة الإصلاح العربي عامها العشرين، تقف المنطقة مرة أخرى عند منعطف تاريخي حاسم. فقد وُلدت المبادرة في أعقاب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وهي اللحظة التي كانت فيها الولايات المتحدة تروِّج لأول مرة لفكرة "شرق أوسط جديد" من خلال التدخل العسكري والتحولات المدفوعة من الخارج. وقد وعدت الولايات المتحدة بتجديد ديمقراطي يقوم على خلفية غزو عسكري، لكنها بدلاً من ذلك أطلقت العنان لدورات متتالية من التفكك والاستقطاب والعنف والانقسامات المجتمعية العميقة التي ترددت أصداؤها في أنحاء المنطقة. واستغلت إيران هذا التفكك لتعزيز نفوذ وكلائها المسلحين الذين باتوا يهيمنون على الحياة السياسية في لبنان والعراق. وعلى مدى أكثر من عقدين، تَشكَّل النظام الإقليمي من خلال هذا التنافس بين محور نفوذ تقوده إيران وإطار أمني تدعمه الولايات المتحدة ويتحالف مع إسرائيل ودول عربية رئيسية.
اليوم، تتكشف محاولة أخرى لإعادة تشكيل المنطقة بالقوة. فبينما أُعلنت ملامحها الأولية مع هزيمة حزب الله وسقوط نظام الأسد في عام 2024، فإن الفصل الرئيسي يتجلى في الحرب الجارية التي تشمل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. وما سيسفر عنه هذا المسار في النهاية لم يتضح بعد بشكل كامل، غير أن الخطوط العريضة المرسومة توحي بنظام إقليمي جديد يتمحور حول هيمنة أمنية إسرائيلية–أميركية، يصفه البعض بأنه عودة لـ"السلام الأميركي" (Pax Americana)، أو بالأحرى "سلام إسرائيلي" (Pax Israelica) مدعوم بالكامل من الولايات المتحدة المنصاعة.
ويُبنى هذا النظام الجديد في غياب حتى التظاهر أو الادعاء بوعود شكلية للدفع بالحوكمة الديمقراطية، بل هو يُقام بشكل صريح على أساس الطموحات التوسعية لإسرائيل، وتلوثه بصورة لا يمكن تبرئتها الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في غزة. وفي السياق الراهن، تتعرض دول المنطقة وشعوبها لضغوط تدفعها إلى خيارات حادة: إما الاصطفاف مع إسرائيل والولايات المتحدة، أو مواجهة خطر الحرب والعقوبات وعدم الاستقرار المطول.
وفي الوقت ذاته، لم تقدّم السياسات الإقليمية لإيران مساراً بديلاً حقيقياً. فمن خلال شبكتها من الحلفاء والوكلاء المسلحين، دأبت طهران على تعزيز مصالحها الاستراتيجية الخاصة على حساب سيادة الدول والتماسك الاجتماعي في بلدان مثل لبنان والعراق، ما ساهم في تعميق التدهور السياسي والاقتصادي. كما أن قرار إيران الأخير باستهداف البنية التحتية الحيوية في دول الخليج عمّق بشكل كبير مشاعر عدم الثقة والاستياء تجاه دورها الإقليمي. وقليلون في المنطقة سيحزنون على تآكل النفوذ الإيراني. غير أن ذلك لا يعني القبول بنظام إقليمي جديد تهيمن عليه إسرائيل ويُفرض من خلال التفوق العسكري.
حتى دول الخليج، التي طالما اعتُبرت محصنة بفضل نفوذها الاقتصادي ودبلوماسيتها الاستراتيجية، تجد نفسها اليوم مكشوفة ومقيدة استراتيجياً؛ وقد ذكّر الهجوم الإسرائيلي على الدوحة الجميع بهذا الواقع الجديد. أما الدول الأصغر والمتأثرة بالنزاعات، مثل لبنان وسوريا، فتواجه هوامش مناورة أضيق بكثير.
لغة الحتمية تعود من جديد إلى الواجهة: الفكرة القائلة إن مستقبل المنطقة سيُقرَّر في أماكن أخرى؛ والافتراض بأن المجتمعات، المنهكة أصلاً من الحروب المتكررة والاضطرابات الاقتصادية، ليس أمامها سوى استيعاب عواقب حروب لم تخترها.
لكن التاريخ يشير إلى عكس ذلك. فكل مشروع "لـشرق أوسط جديد" صُمّم من الخارج اصطدم في النهاية بالواقع السياسي المحلي. وقد عاشت إسرائيل ذلك بعد غزوها للبنان عام 1982، كما عاشته الولايات المتحدة بعد غزوها العراق لاحقاً. فالقوة العسكرية قد تعيد رسم التحالفات وتغير موازين القوى، وقد تُخمد مؤقتاً المطالب بالكرامة والفاعليّة المحليّة والعدالة، لكنها لا تستطيع محوها في النهاية.
لذلك، إذا كان هناك نظام إقليمي جديد يتشكل بالفعل، فإن استدامته لن تعتمد فقط على النتائج العسكرية، بل أيضاً على ما إذا كان يفتح المجال أمام حوكمة خاضعة للمساءلة وشاملة، ومشاركة مجتمعية حقيقية.
ثمة مسارات متعددة أمام المنطقة. أحدها هو تثبيت الاستقرار عبر العسكرة، حيث تهيمن الاتفاقات الأمنية وسياسات الردع على الحياة السياسية من خلال نخب مُستتبعة وقوة صلبة مدعومة بالتكنولوجيا. أما المسار الثاني، وهو أكثر صعوبة اليوم لكنه أكثر استدامة على المدى البعيد، فيتمثل في إصرار المجتمعات والفاعلين المدنيين والإصلاحيين على أن الأمن الإقليمي لا يمكن فصله عن إصلاح الحوكمة وتحقيق العدالة الاجتماعية. إنها رؤية لمنطقة تُعطى فيها الأولوية للمصالح المحلية ويُعزز فيها الازدهار والرخاء لصالح الكثرة وليس للقلة.
هناك أبعاد للتصعيد الحالي تتجاوز قدرة الفاعلين المحليين على التحكم بها. غير أن مستقبل المنطقة ليس محدداً بالكامل سلفاً. وقد تتخذ الفاعلية اليوم أشكالاً أكثر هدوءاً: حماية الفضاء المدني، ودعم البحث والحوار المستقلين، وربط النقاشات الأمنية بإصلاح الحوكمة، والتمسك بالمطالبة بالعدالة حتى عندما تبدو الآفاق القريبة غير واعدة، وإرساء النقاشات السياسية على واقع التجارب المُعاشة.
والتمسك بهذه الفاعلية أمر بالغ الأهمية. فالشرق الأوسط الذي سيخرج من هذه اللحظة لن يتحدد بناءً على الدول التي ستنتصر عسكرياً فحسب، بل سيتشكل بناءً على ما إذا كانت المجتمعات ستحتفظ بقدرتها على المشاركة في رسم مستقبلها.
وفي نهاية المطاف، لن يصمد أي ترتيب إقليمي من دون إشراك المجتمعات. وبصفتنا مؤسسة بحثية متجذرة في المنطقة العربية، فإن التزامنا هو البقاء منخرطين في أفعال جذرية من الخيال السياسي، والتذكير بأن شعوب هذه المنطقة ليست مجرد متفرجين على التاريخ. بل يمكنهم ويجب عليهم أن يظلوا صانعيه، خاصة في لحظة تمر فيها المنطقة بتحولات عميقة بهذا الحجم.
نحن ندرك حجم التحديات التي ينطوي عليها هذا المسار. فقد أعادت موجات التصعيد العنيف تشكيل حياة موظفينا وشركائنا بصورة مؤلمة ومباشرة. لكن هذا الانكشاف المباشر جعلنا أيضاً نشهد كيف أن المشاريع المدفوعة من الخارج غالباً ما تستخف بتعقيدات الواقع المحلي. كما رأينا وعايشنا كيف يستمر الانخراط المدني حتى في ظل القمع والصراع.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.