تمتعت عملية الانتقال السياسي في سوريا ببداية سلسة بشكل مدهش إلى أن واجهت اضطرابات كبيرة في مارس/آذار. ففي 6 مارس/آذار، شنت الجماعات المسلحة الموالية للأسد هجمات منسقة على مواقع أمنية على طول الساحل، مما دفع الحكومة إلى شن هجوم مضاد انتهى بسقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين بما في ذلك عمليات قتل طائفي ضد العلويين. في الوقت نفسه، شنت القوات الإسرائيلية أعنف هجماتها على السكان في درعا واستولت على المزيد من الأراضي في جنوب البلاد، في حين اندلعت اشتباكات على طول الحدود السورية اللبنانية. وعلى الرغم من تصاعد العنف، تقدمت العملية السياسية إلى الأمام؛ تم اعتماد إعلان دستوري في 13 آذار/مارس، وشُكلت حكومة جديدة بحلول 29 آذار/مارس.
كان شهر أبريل/نيسان أكثر هدوءاً بالمقارنة. فقد كشفت زياراتي الأخيرة لدمشق والمناطق المحيطة بها عن علامات تقدم متواضعة: فقد تحسنت إمدادات الكهرباء في بعض المناطق، وأصبحت شرطة المرور وقوات الأمن أكثر وضوحاً، مما ساهم في خلق شعور بالأمان والعودة إلى حياة طبيعية. ولكن وراء هذه التقدمات، لا تزال هناك تحديات عميقة. فلا تزال المصاعب الاقتصادية قائمة، ولا تزال الخدمات الأساسية غير موثوقة وغير كافية
كانت العملية الانتقالية في سوريا ستكون دائماً صعبة، فقد أثقلتها سنوات من الحرب والعقوبات المعوقة والمؤسسات الضعيفة والاقتصاد المدمر. ومع ذلك، فإن النهج الشديد المركزية الذي اتبعه الرئيس أحمد الشرع – على الرغم من الجهود المبذولة على المستوى السطحي لإظهار طابع الشمولية – جعل الأمور أكثر صعوبة. وفي حين أن الاستراتيجية من أعلى إلى أسفل ربما ساعدت في البداية السلطات الجديدة على التحرك بسرعة واستعادة النظام الأساسي في وقت مبكر، إلا أن حدودها أصبحت واضحة اليوم. تفتقر الحكومة الانتقالية إلى القدرة على حكم البلاد بأكملها من المركز والاستجابة الفعالة للاحتياجات المحلية. وقد فشل هذا النهج الوحدوي أيضاً في كسب ثقة العديد من السوريين الذين لا يزالون متشككين في إدارة الشرع، نظراً لتاريخه وأيديولوجيته.
ومع ذلك، لا يزال الشرع يحتفظ بدعم سياسي كبير على الصعيدين المحلي والدولي. لكن التحديات المقبلة – التي تتراوح بين انعدام الأمن والانهيار الاقتصادي والعقوبات وضعف الحوكمة – لا يمكن حلها من خلال هذه المقاربة المركزية. فأفضل فرصة له في توجيه البلاد نحو التعافي تكمن في تمكين الحكومة الانتقالية وهياكل الحكم المحلي. ويجب منح هذه الهيئات سلطة حقيقية للاستجابة لمخاوف الشعب والبدء في إعادة بناء الثقة من الأساس. ولا يقل عن ذلك أهمية تشكيل هيئة تشريعية تمثيلية وشاملة للجميع بشكل حقيقي. إذ يمكن لمثل هذه المؤسسة أن تزيل الغموض القانوني الذي يعطل الإصلاحات، وتوفر الشرعية اللازمة للمضي قدمًا في العملية الانتقالية بوضوح وعزم.
الانتقال السياسي: مركزية السلطة
لقد ضرب خطاب الشرع العلني، وخاصة وعوده بالعملية السياسية الشاملة، على وتر حساس لدى العديد من السوريين. لكن الأيام المائة الأولى له في السلطة تروي قصة مختلفة. فخلف هذه اللغة الشمولية تكمن جهود مركزة لتركيز السلطة في يديه وفي أيدي أقرب حلفائه، لا سيما الشخصيات المرتبطة بهيئة تحرير الشام.
بعد سقوط الأسد مباشرة، تحركت هيئة تحرير الشام بسرعة لترسيخ نفسها. فقد عيّنت رئيس وزراء حكومة الإنقاذ التابعة لها – الذي كان مسؤولاً في السابق عن شمال غرب سوريا – لرئاسة الحكومة الانتقالية الجديدة. وسرعان ما امتلأت سلطة تصريف الأعمال هذه بالموالين لهيئة تحرير الشام، الذين سرعان ما تولوا السيطرة على الجيش والأمن والقضاء والاقتصاد والمؤسسات الرئيسية للدولة. وقد أدى تعيين الشرع نفسه كرئيس مؤقت من قبل هيئة تحرير الشام والجماعات المسلحة المتحالفة معها إلى تعزيز هيمنة الدائرة الداخلية هذه، مما منح الشرع سلطات تنفيذية واسعة مع إبقاء عملية صنع القرار الرئيسية في قبضة الهيئة.
وجاء رد الفعل العنيف سريعاً. فقد أشار المنتقدون إلى الوجود البارز للشخصيات المرتبطة بالهيئة من مناطق المعارضة السابقة في المناصب الرئيسية، وما أثاره من مخاوف من الإقصاء وخطر الاستئثار السياسي. وردّ الشرع بأن التشكيلة التي ظهرت مباشرة بعد سقوط الأسد مؤقتة وتهدف إلى الحفاظ على الاستقرار، وتعهّد ببناء حكومة انتقالية أكثر شمولاً.
أثناء توطيد السلطة، أطلق الشرع سلسلة من المبادرات لدعم الانتقال السياسي – وهو ما اعتبره الكثيرون إيماءات رمزية تهدف إلى الإشارة إلى الاندماج دون تقاسم السلطة بشكل حقيقي. ومن بين هذه المبادرات الحوار الوطني، الذي يهدف إلى تحديد المسار السياسي في سوريا. وقد عيّن الشرع لجنة لتنظيم عملية الحوار، لكن سرعان ما تم انتقادها بسبب هيمنة شخصيات ذات روابط أيديولوجية أو سياسية مع جماعة الشرع نفسها، هيئة تحرير الشام. كما اعتُبر الحوار متسرعًا، حيث عُقد في أقل من أسبوعين، ولم يترك وقتًا كافيًا للنقاش الجاد. حتى أن بعض المدعوين لم يتمكنوا من الحضور بسبب الدعوات التي وجهت لهم في اللحظة الأخيرة، ما أثار مخاوف من أن الحدث أعطى الأولوية للمظهر على الجوهر. ومع ذلك، رأى مؤيدوه أن المؤتمر كان حدثًا تاريخيًا بارزًا – الأول من نوعه منذ عقود – وجادلوا بأن هناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات سريعة للحفاظ على الزخم والمضي قدمًا في عملية الانتقال.
الدستور والحكومة الانتقالية
تمثلت العملية الرئيسية الأخرى خلال الفترة الانتقالية في إصدار إعلان دستوري يهدف إلى وضع الإطار القانوني للحكومة الانتقالية والهيئة التشريعية. وقد شُكلت لجنة منفصلة لصياغة الوثيقة، التي وقعها الشرع بعد عملية سريعة مماثلة. وقد أثار الإعلان انتقادات شديدة بسبب منح الرئيس صلاحيات واسعة. فهو يلغي دور رئيس الوزراء، ويجعل السلطة التنفيذية مركزية في الرئاسة، ويجرد البرلمان من أي مهام رقابية ذات مغزى، ما يؤدي فعلياً إلى إنشاء نظام رئاسي صارم.
وفي حين يدعم الإعلان استقلال القضاء شكليًا، إلا أنه يمنح الرئيس السلطة الوحيدة لتعيين جميع أعضاء المحكمة الدستورية العليا السبعة، دون أي رقابة خارجية. كما أنه يسيطر أيضًا على السلطة التشريعية من خلال اختيار ثلث أعضاء البرلمان وتعيين اللجنة التي تختار البقية.
ويجادل المنتقدون بأن الفترة الانتقالية التي تمتد لخمس سنوات تمنح الشرع وقتاً كافياً لتوطيد السلطة وبناء دولة عميقة موالية يمكن أن تشكل المشهد السياسي في سوريا لعقود. إلا أن المؤيدين يؤكدون أن هذه السلطة ضرورية للحفاظ على الاستقرار وإدارة مرحلة انتقالية منظمة.
وقد أدى انتهاء ولاية حكومة تصريف الأعمال إلى تجدد الأمل. ففي 29 آذار/ مارس ، تم الإعلان عن تشكيل حكومة جديدة، وهو ما يمثل تحولًا واضحًا بعيدًا عن الحكومة التي كانت تهيمن عليها هيئة تحرير الشام. وقد تم الترحيب على نطاق واسع، حيث ضمت وزراء أصغر سنًا وعدد كبير من التكنوقراط والمهنيين المستقلين. ومع ذلك، أثارت الحكومة أيضًا انتقادات. وكان من اللافت غياب شبه تام للنساء، حيث تم تعيين وزيرة واحدة فقط. كما أشار المراقبون إلى أن جميع الوزارات الرئيسية ظلت تحت سيطرة هيئة تحرير الشام، وأثاروا مخاوف بشأن الخلفيات المشكوك فيها لبعض المعينين. بالإضافة إلى ذلك، رفضت الجماعات السياسية الكردية في الشمال الشرقي والمجلس العسكري في السويداء ذات الأغلبية الدرزية الحكومة الجديدة بسبب استبعادهم من عملية التشكيل.
وعلى الرغم من الانتقادات، كشفت المحادثات التي أجريتها خلال رحلتي الأخيرة إلى سوريا عن شعور بالتفاؤل الحذر. فقد أعرب الكثير من الناس عن أملهم في أن تتمكن الحكومة الانتقالية من إحداث تغيير إذا ما مُنح وزراؤها سلطة حقيقية لتنفيذ تغييرات تحسن الظروف المعيشية وتنعش الاقتصاد.
الحوكمة المحلية: مساحة لمزيد من المشاركة
وعلى النقيض من النهج الذي تتبعه الحكومة المركزية من أعلى إلى أسفل، اتبع الحكم المحلي – على الأقل في المناطق التي زرتها – نموذجاً يحركه المجتمع المحلي. فبينما يتم تعيين المحافظين من قبل حكومة تصريف الأعمال، تمكنت المجتمعات المحلية من دور رئيسي في اختيار المسؤولين المحليين الآخرين. كان هذا واضحاً خلال زيارة قمت بها مؤخراً إلى عدة مناطق في ضواحي دمشق – بما في ذلك جرمانا وحرستا ودوما وداريا – وكذلك في محافظة السويداء. وتشارك المسؤولون المحليون الذين تمت مقابلتهم في هذه المناطق روايات متشابهة حول كيفية اختيار القيادات المحلية.
وفي كل حالة، قادت شخصيات مجتمعية مؤثرة عملية تسمية المرشحين لرئاسة المجالس البلدية ومجالس المدن. وبمجرد التوصل إلى توافق محلي في الآراء بين هؤلاء الأعيان المحليين، تم تقديم الأسماء المقترحة إلى ممثلي الحكومة المركزية، الذين صدّقوا على الاختيارات بعد ذلك.
ولم يقتصر هذا النهج على منح المجتمعات المحلية صوتاً في حكمها المحلي فحسب، بل خفف أيضاً من عبء إدارة هذه المناطق على السلطات المؤقتة التي تم تشكيلها حديثاً – والتي تفتقر إلى القدرات والخبرات المحلية. والأهم من ذلك أن هذا النهج سمح لهياكل الحكم المحلي بتعبئة الموارد المالية بشكل أفضل من داخل مجتمعاتهم ومن الشتات. وقد كان هذا الأمر بالغ الأهمية لاستعادة الخدمات الأساسية، خاصة في ظل عجز حكومة تصريف الأعمال عن تخصيص ميزانيات أو تمويل المؤسسات المحلية.
ضعف تقديم الخدمات
أدت الصعوبات المالية التي تواجهها السلطات السورية الجديدة إلى تراجع حاد في الخدمات الأساسية. فقد أفاد السكان في المناطق التي كان يسيطر عليها النظام السابق أن الحصول على الخدمات الأساسية – وخاصة المياه والكهرباء – قد تدهورت مقارنة بعهد الأسد. ورغم أن توفير الكهرباء قد تحسّن مؤخراً في بعض الأماكن، لا سيما في دمشق، إلا أن جودة الخدمات لا تزال أقل بكثير من احتياجات وتوقعات السكان.
وفي حين أن فشل حكومة تصريف الأعمال في تحسين الخدمات يعود جزئياً إلى محدودية الموارد والعقوبات ونقص الدعم الخارجي، إلا أن الإحباط الشعبي تفاقم بسبب الوعود التي لم يتم الوفاء بها. وكانت السلطات قد تعهدت بتحسينات شاملة، بما في ذلك زيادة الرواتب بنسبة 400% وإيجاد حلول سريعة لنقص الكهرباء – وهي وعود لم يتحقق أي منها.
بالإضافة، كان الفصل الجماعي لعشرات الآلاف من موظفي القطاع العام مصدرًا رئيسيًا آخر للغضب الشعبي، حيث تُرك العديد منهم دون وظائف أو دعم مالي. وقد أدت إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية إلى تعطيل الوظائف البيروقراطية الأساسية، ما زاد من صعوبة الحياة اليومية للسكان. ولا يزال النقص في الموظفين والتمويل والقدرات الإدارية يقوض فعالية مؤسسات الدولة، خاصة على المستوى المحلي، الأمر الذي يؤجج الاستياء الواسع النطاق من القيادة الجديدة.
الظروف الاقتصادية والمعيشية
وعلى الرغم من تحقيق حكومة تصريف الأعمال بعض المكاسب الاقتصادية المبكرة، إلا أن أداءها العام تعرض لانتقادات شديدة. ففي أعقاب الإطاحة بالأسد، خففت السلطات من القيود المفروضة على الواردات وخفضت الرسوم الجمركية، مما جعل السلع الأجنبية متاحة بشكل أكبر وبأسعار معقولة. كما خفت حدة النقص المزمن في الوقود، حيث أصبح الغاز والديزل متاحين على نطاق أوسع. وعلى الرغم من أن الأسعار ظلت أعلى من الأسعار القديمة المدعومة، إلا أنها ظلت أقل من مستويات السوق السوداء، والتي كانت لفترة طويلة المصدر الرئيسي للإمدادات. أدت هذه التغييرات إلى جانب التحسن القصير في قيمة الليرة السورية، إلى زيادة القوة الشرائية مؤقتاً وجعل السلع الأساسية في متناول الجميع.
ومع ذلك، سرعان ما تدهور الوضع. وتمثلت إحدى المشاكل الرئيسية في فشل حكومة تصريف الأعمال في تحقيق الاستقرار في الليرة التي شهدت تقلبات حادة في منتصف فبراير/شباط – حيث انخفضت بأكثر من 30% في غضون أيام من 12000 إلى حوالي 7500 ليرة للدولار الواحدوقد خلق هذا التقلب حالة من عدم اليقين الاقتصادي وتعطيل الأسواق وردع الاستثمار.
ويقع في قلب الأزمة نقص حاد في السيولة، الذي تفاقم بسبب سياسات البنك المركزي التقييدية. فحتى وقت قريب، كان بإمكان الأفراد سحب 200,000 ليرة فقط في اليوم (حوالي 20 دولارًا أمريكيًا)، وبضع مرات فقط في الشهر. وتنطبق هذه القيود أيضًا على الشركات والمؤسسات الخيرية، ما يحد بشدة من عملياتها. وإلى جانب التأخر في دفع الرواتب والفصل الجماعي لعشرات الآلاف من العمال، أجبرت هذه السياسات العديد من السوريين على الاعتماد على المدخرات أو الاستدانة.
واستجابةً للضغط الشعبي، تم رفع حد السحب الأسبوعي في نهاية المطاف إلى 500,000 ليرة (حوالي 50 دولارًا)، ومؤخرًا إلى 1.8 مليون ليرة (حوالي 180 دولارًا). كما استقر سعر الصرف في السوق السوداء عند حوالي 10,000 ليرة للدولار الواحد، وهو لا يزال أقل بكثير من السعر الرسمي البالغ 13,200. وفي حين وفرت هذه الخطوات إغاثة محدودة، إلا أن التحديات الاقتصادية الأوسع نطاقاً لا تزال شديدة. وعلى الرغم من أن الانهيار المالي الموروث من نظام الأسد هو عامل رئيسي، إلا أن العديد من السوريين يلقون باللوم على سياسات الانسحاب التقييدية التي تتبعها حكومة تصريف الأعمال. وقد أدى غياب الشفافية حول هذه الإجراءات إلى تغذية التكهنات بأن السلطات تحد من السيولة بشكل متعمّد لتحقيق استقرار في الليرة.
وفي حين أن السياسة النقدية السورية قد تكون ساهمت في محدودية الوصول إلى الودائع، إلا أن العقوبات الدولية تبقى العامل الأكبر في تدهور الحالة الاقتصادية للبلاد خلال المرحلة الانتقالية. أكسبت جهود الشرع لإعادة الانخراط مع الغرب حسن النية من قبل العديد من الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية. فقد استأنفت العديد من الدول علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، وخفف كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بعض عقوباتها من خلال تدابير مؤقتة أو إعفاءات. ومع ذلك، فإن المدة المحدودة للإعفاءات من العقوبات الأمريكية والمخاوف بشأن الآثار القانونية المحتملة في المستقبل جعلت الحكومات والشركات مترددة في تقديم دعم كبير أو الاستثمار في سوريا.
ولا تزال المفاوضات جارية لرفع العقوبات الإضافية، لكن التقدم يعتمد على استعداد الشرع لمعالجة مخاوف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وتشمل هذه المخاوف تفكيك مخزونات الأسلحة الكيميائية المتبقية، ومكافحة الإرهاب، وضمان الحكم الشامل، وحماية حقوق الأقليات. وفي حين أظهر الشرع بعض الاستعداد للتعاون في بعض القضايا، إلا أن حكومته تنظر إلى قضايا أخرى على أنها انتهاكات لسيادة سوريا وثمن باهظ للغاية مقابل التنازلات المحدودة التي تقّدم في المقابل.
ويبقى وضع المقاتلين الأجانب الذين دعموا الشرع في المعركة ضد الأسد من بين النقاط الشائكة الرئيسية. فالشرع ينظر إليهم كحلفاء يستحقون الاعتراف والحماية، بينما ترى الولايات المتحدة وآخرون أنهم يشكلون تهديداً بسبب أيديولوجياتهم المتطرفة وعدائهم للدول الغربية. وسيكون إيجاد أرضية مشتركة حول هذه القضية أمرًا حاسمًا لمعالجة المخاوف الدولية وتمهيد الطريق لرفع العقوبات المفروضة على سوريا على نطاق أوسع.
الوضع الأمني
وكما هو الحال بالنسبة للاقتصاد، كان الوضع الأمني في سوريا مستقراً نسبياً في البداية، لكنه تدهور منذ ذلك الحين. وقد ساعد انخفاض مستوى العنف أثناء الإطاحة بالأسد على تجنب نشوب صراع واسع النطاق، باستثناء مناطق في الشمال الشرقي. كما لعب الانضباط الذي أظهره الجيش وقوات الأمن في الأسابيع التي أعقبت المرحلة الانتقالية دوراً رئيسياً في الحد من الانتهاكات ومنع عمليات القتل الانتقامية.
وسرعان ما أقنع الرئيس المؤقت الشرع معظم الفصائل المسلحة بالاندماج تحت مظلة وزارة الدفاع. وفي الآونة الأخيرة، توصل إلى اتفاقات أولية مماثلة مع قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والفصائل الدرزية – وكلاهما لم ينضم إلى اتفاق التوحيد الأصلي.
إلا أنه منذ أواخر كانون الأول/ ديسمبر، ازدادت هجمات الكر والفر ضد القوات الحكومية، لا سيما في المنطقة الساحلية. ورداً على ذلك، ارتكبت القوات الحكومية والميليشيات التابعة لها عمليات قتل انتقامية وانتهاكات لحقوق الإنسان، خاصة في المناطق الوسطى والساحلية. كما ارتفعت الجريمة، بما في ذلك عمليات الخطف والسرقة. وتنبع حالة عدم الاستقرار هذه من عدة عوامل: تفكيك قوات الأمن التابعة للنظام السابق، والقدرة المحدودة لقوات حكومة تصريف الأعمال على تأمين المناطق التي كانت تحت سيطرة النظام السابق، وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
ومن المسببات الرئيسية الأخرى غياب محاسبة النظام السابق. فلم تتم محاكمة أي مسؤول، ولم تبدأ أي عملية عدالة انتقالية، ولم يتم الإعلان عن أي آليات للتعويض. ولم تتمكن الغالبية العظمى من النازحين داخليًا من العودة إلى ديارهم بسبب الدمار ونقص الخدمات و فرص كسب الرزق. وفي الوقت نفسه، لا يزال المئات من ضباط النظام في منازلهم دون أن تدخل.
وجاء التحدي الأمني الأخطر حتى الآن من الهجمات المنسقة في اللاذقية التي أسفرت عن مقتل أكثر من 13 من أفراد الأمن. ورغم سحق التمرد بسرعة، إلا أن بعض القوات الحكومية ارتكبت انتهاكات جماعية لحقوق الإنسان خلال هذه العملية. وتُصور مقاطع الفيديو المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي استخدام القوة المفرطة والإعدامات الميدانية وعمليات القتل الجماعي بدافع الانتقام والنعرات الطائفية، خاصة في اللاذقية وطرطوس. وقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان حتى الآن مقتل 803 أشخاص على الأقل في اللاذقية وحماة وطرطوس وحمص في الفترة ما بين 6 و10 آذار/مارس. وشملت الخسائر البشرية 172 قتيلاً من القوات الحكومية و 211 مدنياً قتلوا على يد القوات الموالية للأسد، إلى جانب ما لا يقل عن 420 مدنياً و "مقاتلين منزوعي السلاح" قتلوا على يد القوات المسلحة الموالية لدمشق.
وقد سلّط ذلك الضوء على نقاط الضعف في قدرة حكومة تصريف الأعمال على الاستجابة بشكل متناسب، وأثار تساؤلات حول انضباط القوات التابعة لها. ومع ذلك، بدا ردّ الشرع واعداً حتى الآن، حيث اعترف بالانتهاكات وأنشأ لجنة للتحقيق ومحاسبة الجناة. ولكن يبقى أن نرى ما إذا كان ذلك سيفضي إلى اتخاذ إجراءات ذات مغزى، وهو ما سيكون حاسمًا في بناء ثقة الرأي العام وتعزيز المكانة الدولية للإدارة الجديدة. حتى الآن، كان الانخراط الغربي مع حكومة الشرع إيجابياً وحذرًا، مع إشارات أولية بالقبول والتخفيف التدريجي للعقوبات. لكن الفشل في معالجة الانتهاكات الأخيرة التي ارتكبتها الجماعات التابعة للسلطات السورية الجديدة يمكن أن يوقف أو يعكس هذا التقدم.
وفي الأسابيع الأخيرة، زادت حكومة تصريف الأعمال من الانتشار الأمني للتصدي للجريمة المتزايدة، لكن بناء قوة موحدة ومنضبطة لا يزال يشكل تحدياً كبيراً. ولا تزال العديد من الفصائل المسلحة تعمل تحت هياكلها القيادية الأصلية وتتلقى التمويل من مصادر خارج وزارة الدفاع. كما أن التدريب في حده الأدنى، وآليات ضمان المساءلة ضعيفة - كما يتضح من الأحداث الأخيرة في المنطقة الساحلية.
يمثل حل اللواء الثامن بزعامة أحمد العودة في 13 نيسان/أبريل تحولاً كبيراً في المشهد الأمني في سوريا. فقد أزاح أبرز منافس للواء العودة في الجنوب، وفتح الباب أمام دمشق لإحكام سيطرتها على درعا. وقد ربط بعض المراقبين بين حل اللواء وزيارة الشرع الأخيرة إلى الإمارات العربية المتحدة، وهي دولة معروفة بعلاقاتها مع العودة. وفي حين أن الديناميكيات الإقليمية قد تكون ساعدت في تسهيل هذه الخطوة، إلا أنه من الأرجح أن استراتيجية الشرع على الأرض هي التي كانت العامل الحاسم.
وبدا أن الشرع يتبع قواعد اللعبة المألوفة: تعزيز مراكز القوى المنافسة، وعزل وإضعاف اللواء بشكل منهجي، ثم ممارسة الضغط في اللحظة المناسبة – أي الجمع بين التهديد بالقوة والضغط الذي يقوده المجتمع المحلي. وقد تُوجت هذه الجهود باتفاق تم التفاوض بشأنه وأدى إلى تفكيك اللواء دون دماء إلى حد كبير، وهي طريقة تذكرنا بالتكتيكات التي استخدمت سابقاً لتحييد خصوم هيئة تحرير الشام في شمال غرب سوريا.
ويشير تفكيك اللواء الثامن إلى إمكانية تكرار هذا النموذج في أماكن أخرى لحل الفصائل المسلحة الأخرى. وفي حين أن هذه الاستراتيجية قد تنجح في بسط سيطرة الدولة الشكلي، إلا أنها لا تفعل الكثير لمعالجة المشاكل الهيكلية الأعمق التي تقوّض العملية الانتقالية. لا يمكن حل المظالم التي أثارتها الفصائل المترددة – من المطالبات باللامركزية، ورفض هيمنة هيئة تحرير الشام، والدعوات إلى تقاسم حقيقي للسلطة – من خلال الإكراه وحده.
إن إنشاء قوة أمنية محترفة ومتماسكة ومنضبطة سيستغرق وقتاً ويتطلب موارد - وكلاهما الأمرين تفتقر إليهما السلطات الجديدة على مدى الأشهر الثلاثة الماضية. ومع ذلك، وبالنظر إلى حجم التحدي ومخاطر التقاعس عن العمل، فإن إحراز تقدم على هذه الجبهة أمر ملح ولا يمكن تأجيله.
الوفاء بالولاية
وعلى الرغم من بوادر التقدم التي ظهرت مؤخراً، لا تزال سوريا هشة وغير مستقرة إلى حد كبير. ومع بدء ولاية الحكومة الجديدة ودخول المرحلة الانتقالية مرحلة جديدة، فإن هذه لحظة حاسمة بالنسبة للشرع وإدارته. لن يتحدد مستقبل سوريا بالتصريحات أو المظاهر، بقدر ما يتحدد بقدرة الحكومة الجديدة على تقديم إصلاحات مجدية وشاملة ودائمة في جميع القطاعات.
ومن أجل المضي قدماً، يجب أن تتجاوز عملية الانتقال السياسي الإيماءات الرمزية وتتجه نحو الإدماج الحقيقي. وتكمن أفضل فرصة للشرع لتوجيه البلاد نحو التعافي في تمكين الحكومة الانتقالية وهياكل الحكم المحلي على حد سواء.
يجب أن يفي بتعهده بالتمثيل والمشاركة على نطاق واسع. وفي حين أن تعيين التكنوقراط خطوة إيجابية، إلا أنه من الضروري إجراء إصلاحات أعمق. ويجب منح الوزراء السلطة والاستقلالية والموارد اللازمة لتنفيذ تغيير حقيقي. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الحكومة الانتقالية أن تعيد النظر في القرارات الأولى التي اتخذتها حكومة ما بعد الأسد الأولى – لا سيما الفصل الجماعي لموظفي الخدمة المدنية الذي ترك الآلاف من الموظفين بدون عمل وبدون دعم. إن الحوكمة الشفافة وصنع السياسات التشاركية أمران حاسمان لاستعادة ثقة الجمهور.
ولا يقل أهمية عن ذلك إنشاء هيئة تشريعية شاملة وتمثيلية بشكل حقيقي. فمثل هذه المؤسسة يمكن أن تساعد في حل الغموض القانوني الذي يعرقل حالياً جهود الإصلاح وتوفر الشرعية اللازمة للمضي قدماً في عملية الانتقال بوضوح .
ويتطلب الإطار الدستوري المراجعة. فالإعلان الحالي يمنح الرئاسة صلاحيات واسعة ويفتقر إلى الضوابط والتوازنات الكافية. وقد رفضت كل من الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي والطائفة الدرزية في السويداء – وهي مناطق لا تزال خارج سيطرة دمشق – الإعلان. ويمكن أن يوفر تعديله الضمانات التي تحتاجها هاتان الجماعتان لإلقاء السلاح والانضمام إلى العملية السياسية الوطنية.
وعلى الرغم من أن الشرع متردّد في تعديل الإعلان الدستوري، إلا أنه قد يرى فيه السبيل الوحيد القابل للتطبيق لتحقيق الوحدة الوطنية. والجدير بالذكر أن الإعلان نفسه يسمح للهيئة التشريعية بتعديل مواده، ما يعني أنه يمكن إجراء إصلاحات دون إعادة كتابة الوثيقة ككل.
وعلى الصعيد الاقتصادي، هناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة. يجب على الحكومة تحقيق استقرار العملة، وتخفيف القيود المفروضة على السيولة، وتحسين تقديم الخدمات الأساسية. وفي حين أن العقوبات الدولية والانهيار المالي الموروث من نظام الأسد يشكلان عوائق حقيقية، لا يمكن للحكومة أن تنتظر حلولاً خارجية. ويجب عليها البدء في إدخال تحسينات ملموسة على الحياة اليومية، بدءاً بالكهرباء والمياه.
لا يزال الأمن التحدي الأكثر إلحاحاً وتقلباً أمام سوريا. إنّ تصاعد العنف والخروج على القانون وانتهاكات حقوق الإنسان لا يعكس فقط نقص القدرات والعناصر البشرية، بل يعكس أيضاً الفشل في إنشاء هيكلية قيادة موحدة وفرض المساءلة. ومن الضروري بناء قوة أمنية محترفة ومنضبطة وشاملة للجميع. وهذا يعني تفكيك الفصائل المسلحة المتنافسة، وإنهاء الإفلات من العقاب، وضمان الرقابة المدنية، وإطلاق عملية عدالة انتقالية ذات مصداقية لمعالجة الإنتهاكات الجسيمة التي ارتكبت في الماضي وتمكين المصالحة الوطنية.
ومع ذلك، لن تنجح هذه الجهود إلا إذا تمت معالجة مخاوف الجماعات المسلحة المحلية - خاصة في شمال شرق سوريا والسويداء. ويجب أن تؤخذ مطالبها المتعلقة بالإدماج، ونموذج الحكم المختار، وطبيعة الدولة السورية في المستقبل على محمل الجد. فمن دون ضمانات ذات مصداقية، من غير المرجح أن تنزع هذه الجماعات سلاحها، لأنها لا تزال تعتبر أسلحتها هي وسيلتها الوحيدة للحماية.
وفي نهاية المطاف، يتوقف نجاح العملية الانتقالية على ما إذا كان السوريون سيرون تحسينات حقيقية وملموسة في حياتهم اليومية. فبدون إحراز تقدم على الأرض، سيزداد الإحباط، وستتعمق الانقسامات، وسيرتفع خطر تجدد الاضطرابات.
ومع ذلك، يجب الاعتراف بأن الشرع لا يمكنه تحقيق هذا التغيير بمفرده. فالدعم الإقليمي والدولي سيكون حيوياً لإعطاء سوريا فرصة عادلة للتعافي. فتخفيف العقوبات، والمساعدات غير الإنسانية المستهدفة (لدعم بناء القدرات في مجال الحوكمة الأمنية والإدارة الاقتصادية والسياسة المالية)، ودعم إعادة الإعمار، كلها أمور بالغة الأهمية لمساعدة البلاد على تحقيق الاستقرار وإعادة البناء.
تقف سوريا الآن على مفترق طرق. فالفرصة متاحة لإرساء أسس دولة جديدة أكثر عدلاً وشمولاً للجميع، لكن الوقت قصير، والتوقعات عالية، وتكلفة الفشل باهظة. فالخيارات التي سيتم اتخاذها في الأسابيع والأشهر القادمة لن تحدد مسار سوريا فحسب، بل ستحدد أيضاً استقرار منطقة المشرق بأكملها.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.