بذور غير قابلة للخضوع: مقاومات صامتة في الريف التونسي

أيدي رجل تحمل بذور الشعير. تُستخدم بذور الشعير في مصانع الجعة لإنتاج البيرة. تونس. © majopez - شاترستوك

عرفت تونس خلال العقود الأخيرة تحوّلات عميقة مست قطاعات الزراعة كلها، بدءًا من طرائق الإنتاج مرورًا بأنظمة الإمداد بالبذور وصولًا إلى علاقة الفلاح بالأرض نفسها.1  تقارير حفظ الموارد الوراثية النباتية 2018–2023 INRAT. فمنذ نهاية الستينيات، اتّجهت السياسات الفلاحية نحو نموذج الإنتاج المكثف الذي يقوم على البذور الهجينة عالية الإنتاجية، وعلى اعتماد واسع على المواد الكيميائية من أسمدة ومبيدات، وهو النموذج الذي ارتبط عالميًا بما سُمّي "الثورة الخضراء". لكن هذا التحول لم يكن مجرد تحديث تقني أو تطوير لوسائل الزراعة، بل كان منعطفًا غيّر جوهر العلاقة التي تربط الفلاح التونسي بالأرض والمناخ والبذرة، وفتح الباب أمام أشكال جديدة من التبعية لشركات عالمية باتت تتحكم في سلاسل التوريد الزراعي.2  Kacem Chammakhi and Mohamed Ali Dridi, Actual Seed Situation in Tunisia: Agronomics Crops and Vegetables” http://q.datakultur.se/~svalofco/wp-content/uploads/2012/12/Tunisia-Seed-Sector-Status-Paper.pdf

ومع دخول برامج الإصلاح الهيكلي وتحرير السوق في الثمانينيات، تسارعت تلك التحولات. فقد سمحت الدولة، تحت ضغط المانحين وشعار "التحديث الفلاحي"، للشركات العالمية بالدخول القوي إلى السوق التونسية عبر تسويق أصناف هجينة مرتبطة بمنظومة إنتاجية مكلفة تعتمد على المدخلات المستوردة. وبالتوازي، تراجع الاستثمار العمومي في الأصناف المحلية،3  Ben Othman, S. (2017). Agricultural Heritage and Local Knowledge in Tunisia. University of Tunis. فتراجعت معها مساحات البذور المحلية التي كانت حتى وقت قريب أساس الأمن الغذائي للمجتمعات الريفية. بلغ هذا المسار ذروته مع صدور القانون عدد 99-42 المؤرخ في 10 ماي 1999، المتعلق بالبذور والشتلات والمستنبطات النباتية. فقد فرض القانون منظومة تسجيل صارمة للأصناف النباتية وربط التسويق بمعايير تقنية لا تراعي الخصوصيات المحلية، ومنح حقوق حماية قانونية للمستنبطين، الأمر الذي دفع البذور الأصلية إلى الهامش وأخرجها تدريجيًا من دائرة التعامل القانوني. ترافق ذلك مع خطاب رسمي يقدّم البذور الهجينة بوصفها الحل العلمي الأمثل لمعضلة ضعف الإنتاج،4World Bank (1995). Tunisia Agricultural Sector Adjustment Loan Report. https://tinyurl.com/3yeenbfc ما شجع على انتشارها الواسع خصوصًا في إنتاج الحبوب.

غير أنّ هذا التحول لم يمرّ بلا رد. فبعيدًا عن الخطاب الرسمي والوثائق القانونية، ولِدت مقاومات صامتة تتخذ أشكالًا متعددة، تُعيد للبذرة دورها الأول كحاملة للسيادة ومورد لا يمكن اختزاله في منطق السوق ولا تحجيمه بقوانين تُكتب داخل مكاتب بعيدة عن الأرض.

المقاومة الصامتة لحفظ البذور الأصلية

طوّر الفلاحون التونسيون أشكالًا من المقاومة الصامتة لقانون 10 ماي 1999 الذي نظم تسجيل وتداول البذور. فبدل الالتزام التام به، واصلوا إنتاج بذورهم المحلية اعتمادًا على خبراتهم المتوارثة، ورأوا أن قيمتها الزراعية والرمزية تتجاوز ما تقدمه الأصناف التجارية. أتاح ذلك لهم الالتفاف على القيود القانونية من دون مواجهة مباشرة مع الدولة. تمثّل هذه الممارسات وسيلةً لحماية البذور الأصلية، وتعكس هذه المقاومة قدرة الفلاحين على إعادة تأويل القانون وفق ثقافتهم الزراعية، واستثمار رأس مالهم الاجتماعي في مواجهة الهيمنة القانونية والاقتصادية المفروضة عليهم.

كما لم تكن مقاومة الفلاحين التونسيين للبذور الهجينة مجرد حنين إلى الماضي، بل كانت مبنية على دوافع اقتصادية ومعرفية وثقافية واجتماعية عميقة. فقد وجد أغلب الفلاحين أنفسهم مع مرور الوقت عالقين في حلقة من التبعية للأسواق العالمية. فالبذور الهجينة لا يمكن استرجاعها، وبالتالي وجوب شرائها كل موسم، إضافةً إلى حاجتها المستمرة إلى الأسمدة الكيميائية والمبيدات. جعل هذا النظام الفلاح يتحمل تكاليف مرتفعة، لا سيما في المواسم الجافة. وقد قال أحد الفلاحين: "البذرة الهجينة تعمل موسم وتخسرك ثلاثة مواسم"، في إشارة إلى الدورة الاقتصادية غير المتوازنة التي تفرضها تلك البذور.

الفلاح التونسي لم يقبل تجريده من بذوره، فالبذرة عنده ليست مجرد مُدخَل إنتاج، بل جزء من ذاكرة أرض ومعرفة متوارثة. ومع منع تبادلها تجاريًا، برزت أشكال من التعاون تمنح هذه البذور مسارات جديدة للحياة. ومن أهم هذه المسارات مسار التعاون غير المعلن بين الفلاحين والبنك الوطني للجينات. هذه المؤسسة الوطنية، المسؤولة عن حفظ التراث الوراثي، لا تملك أراضٍ خاصة بها لإعادة إكثار الأصناف المحلية. ولتجاوز هذا العائق، تعتمد على شبكة من فلاحين يوافقون على زرع ما تجمعه فرق البنك خلال حملات الاستكشاف في مختلف الجهات. يحصل الفلاح على كمية من البذور ليزرعها خلال الموسم، وفي نهاية الدورة يعيد للبنك الكمية نفسها، ويحتفظ بالباقي من دون مقابل. إذ يقول أحد الفلاحين في ولاية القيروان في هذا السياق: "نربّيو البذرة ونرجّعو الأمانة، والباقي رزق ربي." هذا النظام البسيط يضمن للبنك الحفاظ على خصوبة مخزونه البذري وتجديده دوريًا، ويمنح الفلاح في المقابل منفذًا قانونيًا جزئيًا واستفادة مباشرة من البذور من دون كلفة. وفي عمقه، يمثّل هذا التعاون مقاومة مزدوجة: المؤسسة تحمي الذاكرة الوراثية، والفلاح يحمي استقلاله.

وعلى مستوى آخر، تتجسد المقاومة في الفضاء الاجتماعي الجماعي داخل مهرجانات البذور التي تنظمها جمعيات ومنظمات بيئية وفلاحية. هذه الفعاليات، المنتشرة في الشمال الغربي والوسط والجنوب، تتحول إلى أسواق حرة للبذور غير المعترف بها رسميًا. يأتي الفلاح بحقائب وهدايا صغيرة من بذوره المحلية، ويتبادلها في فضاء احتفالي، بلا بيع معلن ولا عقود. التبادل هنا ليس اقتصاديًا فحسب، بل رمزيًا أيضًا، إنه إعلان جماعي بأن البذرة ملك للجميع، وأن القانون لا يستطيع أن يمحو المعرفة الجماعية أو يوقف تاريخًا عمره قرون. في هذه المهرجانات، تتحول البذور إلى روابط اجتماعية، وتستعيد قيمتها كمورد مشترك، لا كمنتج محكوم بالمعايير التقنية الدولية.

فلاحة خارج الأوراق: اقتصاد ظلّ يحمي البذور

لا تقف المقاومة عند المؤسسات أو الفضاءات التنظيمية وحدها، بل إن الجزء الأكبر منها ينمو داخل الاقتصاد غير الرسمي السائد في الريف التونسي. فالفلاحة، رغم كل محاولات "التحديث" وفرض آليات التتبع والرقمنة، بقيت خارج القدرة الفعلية للدولة على التنظيم الكامل. لم تستطع الدولة، منذ الاستقلال، أن تدمج الفلاحين الصغار في نظام فلاحي رسمي قابل للقياس والمراقبة، لأن الفلاحة في جوهرها تقوم على شبكات اجتماعية مرنة يصعب ضبطها، وعلى منطق اقتصادي موازٍ لا يخضع للضرائب ولا سجلات الإنتاج. هذه "اللامنظومية" ليست ثغرة، بل بُنية اقتصادية متجذرة تشكّل ما يسميه العديد من الباحثين "العمود الفقري للاقتصاد الحقيقي"،5بلعربي عبد القادر وعبداللاوي محمد إبراهيم، "القطاع غير الرسمي، العمود الفقري للاقتصاد الجزائري"، دفاتر MECAS، العدد7/1، 2011. متاح علىhttps://asjp.cerist.dz/en/article/9612 أي الاقتصاد الذي يستمر حين تتعطل مؤسسات الدولة.

في هذا الفضاء الموازي، تتحرك البذور المحلية بحرية لأن الدولة نفسها لم تنجح في بناء نظام يمكنه مراقبتها. فحين تكون السلاسل الإنتاجية غير رسمية، وحين يجري البيع والشراء والمقايضة خارج دفاتر الدولة، يعجز القانون عن فرض منطقه. البذور تنتقل من يد إلى أخرى عبر هدايا موسمية، أو عبر مقايضات لا يسجَّل منها شيء، أو عبر شبكات عائلية تربط بين القرى والمناطق. وفي حين تطالب القوانين بتسجيل كل صنف وكأنه وحدة اقتصادية معزولة، يعيش الفلاحون داخل منظومة لا تعترف بهذا المنطق أصلًا. هنا تسمعهم يقولون: "الفلاحة ما تتقراش في الأوراق… تتقرا في الأرض."

تُخزَّن البذور في البيوت والمخازن الترابية والمطامير، تمامًا كما كانت دائمًا، لأنه لا يوجد مسار رسمي يفرض عليهم غير ذلك. فالاقتصاد الفلاحي ظل غير قابل للتتبع: لا فواتير، لا تصاريح إنتاج، لا بيانات دقيقة حول الكميات المزروعة أو المتداولة. وهذا ما يجعل من تداول البذور المحلية جزءًا طبيعيًا من جهاز اقتصادي “لا مرئي” للدولة، لكنه فعّال جدًا عند الفلاحين. قد ترى الدولة في هذا عدم تنظيم، لكن يراها الفلاح ضمان للاستمرار. وبهذا لا يغدو الاقتصاد غير الرسمي مساحة بقاء فحسب، بل مساحة مقاومة سياسية أيضًا، لأنه يحافظ على البذور خارج سلطة الشركات والقوانين الدولية. إن عدم قدرة الدولة على "تأطير" الفلاحة وتحويلها إلى منظومة رسمية تُراقب من الزرع إلى البيع، خلق البيئة التي تسمح للبذور المحلية بالبقاء. فحين يفشل الإطار القانوني في اختراق واقع الإنتاج اليومي، تتحول اللامنظومية إلى حاضنة للتنوع البيولوجي ودرع يحمي التراث الزراعي من الاندثار. وبين ما هو رسمي وما هو موازٍ، تستمر البذور في الحركة، وتستمر معها السيادة التي لم تستطع الدولة ولا الشركات تحويلها إلى بيانات قابلة للضبط.

ذاكرة تنبت من جديد: قصص فلاحين مع البذور الأصلية

مقاومة الفلاحين التونسيين ليست مجرّد اعتراض تقني على نمط إنتاج جديد، بل هي معركة متعددة الطبقات، يتداخل فيها الاقتصادي بالثقافي، والاجتماعي بالإيكولوجي. هذه المقاومة تنبع من إدراك عميق بأن البذور الأصلية ليست مجرد وحدات بيولوجية، بل هي أدوات سيادة، وشرط من شروط الاستقلال الفلاحي. فقد أدرك الفلاح، بخبرته اليومية، أنّ التخلي عن البذور المحلية يعني التخلي عن زمام القرار، وعن القدرة على التحكم في الموارد بعيدًا عن احتكار الشركات وشروط السوق التي لا ترحم. ولذلك، تحولت استعادة البذور إلى فعل دفاع ذاتي، ووسيلة لإعادة رسم علاقة الإنسان بالأرض خارج منطق التبعية.

وقد جعل هذا الوعي تجارب الفلاحين اليومية مصدرًا لإحياء أصناف كانت قاب قوسين من الاختفاء، وبناء رؤية جديدة للسيادة الغذائية تقوم على المعرفة المتوارثة واحترام بيئة البلاد وخصوصياتها المناخية. وهكذا أثبتت المقاومة أنّ الفلاح التونسي ليس مجرد منفّذ لخطط الدولة أو خريطة طريق المانحين، بل فاعل اجتماعي يملك خبرة متجذرة وقدرة على حماية تراثه الزراعي واستدامة أرضه. وما تأتيه هذه التجارب اليوم يُعد أحد أهم الردود العملية على القانون 42-1999 والمنطق التجاري الرامي إلى تحويل البذور إلى ملكية محصورة.

من بين النماذج البارزة، تجربة "ع.أ" في الجنوب التونسي الذي أصبح رمزًا لمقاومة البذور الهجينة. فقد أعاد زراعة أكثر من 67 صنفًا من القمح المحلي، بعضها اختفى منذ عقود، وأثبت من خلال تجربته قدرة هذه الأصناف على مقاومة الجفاف والآفات، وتحقيق مردودية لا تقل عن الأصناف التجارية. إذ يردد دائمًا: "الأرض هي المدرسة الأولى، والبذرة المحلية هي روحها. ينجم القانون يمنعك من البيع، أما خبرة الأجداد ما تتمنعش". تلخّص هذه الجملة فلسفة كاملة في مواجهة منطق التسليع: الأرض مصدر معرفة، والبذور المحلية امتداد حي لهذه المعرفة المتوارثة.

وفي منطقة المنستير، يبرز "ح.ك" كنموذج لفلاح أعاد الحياة إلى أصناف تكاد تتلاشى. فقد ركز على إنقاذ بذور بطيخ "تاج الملك" وأنواع من الشعير المحلي، وعمل على توزيعها مجانًا على الفلاحين، غير آبه بمنطق السوق أو حسابات الربح السريع. فأسهم بذلك في بناء شبكة اجتماعية واسعة لحفظ التراث الزراعي، تنتقل البذور فيها من يد إلى يد كما تنتقل القصص والعادات. إذ يقول: "كل بذرة أصلية نحتفظ بها هي رسالة لأولادنا: هذي هويتنا، وهذي أرضنا". إنها مقاومة ناعمة، لكنها قوية بما يكفي لكسر دائرة الاندثار.

ومع تتبّع هذه التجارب، يتضح أن المقاومة لا يمكن فهمها من دون إدراك البعد الرمزي العميق للبذور الأصلية. فالفلاح الحقيقي لا يرى في البذرة وسيلة إنتاج فحسب، بل هي جزء من تاريخ العائلة ومن الذاكرة الجماعية للريف. كل صنف محلي يحمل قصة: موسم جفاف نجا منه، امرأة حفظت بذوره في “العلاّلي”، رجل حمله من قرية إلى أخرى. زرع الأصناف المحلية شكل من أشكال تكريم الأجداد، وجزء مما يمكن تسميته “رأس المال الثقافي الريفي” الذي تحرص المجتمعات الفلاحية على نقله من دون انقطاع. ومع صعود خطاب السيادة الغذائية في المجتمع المدني، اكتسب هذا البعد الثقافي بعدًا سياسيًا جديدًا. أصبح الحفاظ على البذور الأصلية فعلًا نضاليًا يطالب باسترجاع السيطرة على الموارد الزراعية، وربط المعرفة المحلية بالاستدامة البيئية والاجتماعية. فالفلاح الأصلي حين يزرع بذرة، لا يقوم بعملية تقنية فحسب، بل يعلن، بطريقة هادئة، ولكن ثابتة: "نحن نزرع ما نريد… لا ما يُفرض علينا".

Endnotes

Endnotes
1   تقارير حفظ الموارد الوراثية النباتية 2018–2023 INRAT.
2   Kacem Chammakhi and Mohamed Ali Dridi, Actual Seed Situation in Tunisia: Agronomics Crops and Vegetables” http://q.datakultur.se/~svalofco/wp-content/uploads/2012/12/Tunisia-Seed-Sector-Status-Paper.pdf
3   Ben Othman, S. (2017). Agricultural Heritage and Local Knowledge in Tunisia. University of Tunis.
4 World Bank (1995). Tunisia Agricultural Sector Adjustment Loan Report. https://tinyurl.com/3yeenbfc
5 بلعربي عبد القادر وعبداللاوي محمد إبراهيم، "القطاع غير الرسمي، العمود الفقري للاقتصاد الجزائري"، دفاتر MECAS، العدد7/1، 2011. متاح علىhttps://asjp.cerist.dz/en/article/9612

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.