1. مقدمة
تمثل الحاجة إلى العدالة المائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديًا سياسيًا ملحًا، إذ تواجه الحكومات ضغوطًا نتيجة تغير المناخ الذي يهدد الموارد المائية. تعتبر المنطقة واحدة من بين الأكثر ندرة بالمياه في العالم، لكن تنوعها الجغرافي يعني أن مختلف البلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تواجه سلسلةً من التحديات عند تأمين المياه والغذاء لسكانها بطرقٍ عادلة ومستدامة. فبعض هذه البلدان مُطالب بمعالجة الاختلالات البنيوية في حوكمة المياه، بما فيها التوزيع غير العادل، وضعف البنية التحتية، وتفاوت فرص الوصول إلى المياه بين السكان في المناطق الحضرية والريفية وبين السكان المقيمين والنازحين. في المقابل، تواجه دول أخرى موجات جفاف متزايدة، تدفع مساحات واسعة من المناطق التي تعتمد على الزراعة كمصدر للدخل إلى أوضاع اجتماعية واقتصادية هشة. ويزيد تغير المناخ والنمو السكاني والتوترات المرتبطة بالمياه العابرة للحدود، من تعقيد الجهود الوطنية والإقليمية الرامية إلى ضمان إدارة عادلة ومستدامة للموارد المائية.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أطلقت منظمات المساعدات والتنمية الدولية مشاريع تعاون تقني ركزت في الغالب على إمدادات المياه في المناطق الريفية وأنظمة الري. خلال العقود الثلاثة الماضية، قاد البنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة، إلى جانب وكالات المساعدة الثنائية والاتحاد الأوروبي، هذه الجهود، ولعبت المؤسسات المالية الدولية (IFIs)، دوراً هاماً في تنمية قطاع المياه – من خلال الترويج لمقاربات مثل الإدارة المتكاملة للموارد المائية (IWRM)، وتقديم الدعم لإدارة المياه العابرة للحدود وحوكمة المياه. ويمكن تتبع هذا الدعم عبر كمٍ هائل من الوثائق والمؤتمرات التي تُبرز أشكال المساعدة التقنية والتمويل المخصصة لمشاريع تنمية المياه المختلفة؛ من ضمنها بناء السدود ومشاريع الري ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي، وارتبطت هذه المبادرات غالباً بادعاءات تتعلق بمبادئ الاستدامة والإدارة الرشيدة للمياه.
ومن منظور العدالة المائية، نؤكد أن عمليات وهياكل تنمية المياه المتعلقة بشفافية صنع القرار والمشاركة والديمقراطية، لا تقل أهميةً عن الإنصاف والعدالة في الوصول إلى المياه. في هذا السياق، يستدعي الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات المالية الدولية، في تمكين أو إعاقة العدالة المائية في مختلف بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التدقيق. يبحث هذا التقرير في الكيفية التي يمكن من خلالها للمؤسسات المالية الدولية أن تُسهم في إرساء مستقبل مائي عادل للمنطقة، عبر تحليل تأثير ممارساتها واستثماراتها وشراكاتها على العدالة في الوصول إلى المياه، والإنصاف والاستدامة والشفافية في حوكمة المياه.
1.1.المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: نظرة عامة سريعة
وفقًا للبنك الدولي، أدت محدودية الموارد المائية إلى اعتماد المزارعين في العديد من مناطق الإقليم على مصادر المياه الجوفية غير المتجددة، إلا أن هذه المصادر بدورها تتعرّض للاستنزاف بمعدلات غير مستدامة. فتعتمد أكثر من نصف بلدان المنطقة على المياه الجوفية لتلبية أكثر من 50 في المئة من احتياجاتها المائية. وعندما تتجاوز معدلات السحب قدرة المياه الجوفية على التجدد، فإن التهديد لا يقتصر على كمية المياه فحسب، بل يمتد ليشمل جودتها أيضًا بسبب تسرب مياه البحر إلى الطبقات الجوفية في المناطق الساحلية. ولا تُعدّ هذه الممارسات مجرد أفعال فردية، بل تكون غالباً نتاج سياسات اقتصادية لا تولي الاعتبارات البيئية الاهتمام الكافي. ففي شمال أفريقيا مثلاً، يُشجّع استخدام المزارعين للمياه الجوفية بشكلٍ غير مباشر من خلال سياسات التنمية الريفية التي تعطي الأولوية للمحاصيل عالية القيمة على حساب الاستخدام المستدام للمياه، ما يؤدي إلى آثار خطيرة على جودة المياه في فترات الجفاف عندما لا تتوفر المياه المخزّنة في السدود.
على صعيد استخدام المياه، تعد الزراعة أكبر مستهلك لها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ تستحوذ في معظم الحالات على ما يصل إلى 80 في المئة من إجمالي استخدام المياه. وفاقم التحول نحو زراعة المحاصيل النقدية خلال الستين أو السبعين عامًا الماضية الوضع. فرضت المحاصيل التي تتطلب كميات كبيرة من المياه، مثل القمح والأرز والفواكه كثيفة الاستهلاك للمياه، أو الخضروات المزروعة للأسواق الخارجية، ضغوطاً إضافية على إمدادات المياه المتاحة. علاوة على ذلك، يضيف النمو السكاني السريع وتزايد التحضر، مزيداً من الأعباء على الموارد المائية. ومع استمرار استراتيجيات إدارة المياه الحالية، يُتوقّع أن يرتفع الطلب على المياه، فستحتاج المنطقة إلى 25 مليار متر مكعب إضافي سنويًا بحلول عام 2050 لتلبية احتياجاتها.
حتى الآن، ركزت حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكلٍ أساسي على زيادة الإمدادات، من خلال بناء المزيد من السدود واستغلال المياه الجوفية وتحلية المياه، مع إيلاء اهتمام أقل بكثير للكفاءة أو تحسين الحوكمة. ويأتي ذلك بكلفة مالية وبيئية باهظة. وأتاح الإفراط في استخدام المياه الجوفية واللجوء إلى تحلية المياه لصناع السياسات تأجيل اتخاذ إجراءات بشأن خيارات الري الفعالة. وتهيمن هذه الحلول التقنية على الخطط والإجراءات الراهنة في بلدان المنطقة، متجاهلة استراتيجيات الاستدامة وصنع السياسات طويلة الأمد. علاوة على ذلك، أبلغت مرافق المياه في أكثر من نصف مدن المنطقة عن خسائر في المياه غير المُدِرّة للدخل (NRW) تصل إلى 30 في المئة. ووفقًا للبنك الدولي، تضاعف الاعتماد على المياه الافتراضية – أي المياه المستخدمة في إنتاج السلع الأساسية، مثل القمح والحبوب المستوردة إلى المنطقة – خلال العقدين الماضيين، ما يعرض دول المنطقة إلى صدمات في الإمدادات. ويؤدي ذلك إلى عدم استقرار اقتصادي وسياسي وتراجع القدرة على المرونة الغذائية عند ارتفاع أسعار المواد الغذائية؛ ما ينذر بآثار سياسية خطيرة في بعض أنحاء المنطقة.
ويعكس واقع إدارة المياه في المنطقة بعدين رئيسيين؛ الأول هو السعي إلى تحقيق الحداثة الاقتصادية الذي يتجلّى في الزراعة المكثفة الموجهة إلى أسواق التصدير ومشاريع توسيع الإمدادات المائية على نطاقٍ واسع، بما يحمله ذلك من آثار خطيرة على الاقتصادات الريفية والبيئة. أما الثاني، فيتمثّل في ضعف أو عدم فاعلية حوكمة المياه، ما يُفاقم أوجه القصور في إدارتها. ففي السياقات التي تتركّز فيها عملية صنع القرار، تصبح القرارات الضرورية لتوزيع عادل وكفؤ للمياه بين الاحتياجات المتنافسة، غير شعبية سياسياً، ما يؤدي في بعض الحالات إلى تقاعس الحكومة وبالتالي إلى مزيد من سوء إدارة الموارد المائية.
تشكل المياه العابرة للحدود في المنطقة مصدراً إضافياً للتوتر الجيوسياسي، لا سيما على طول حوض نهر النيل وحوض دجلة والفرات وحوض نهر الأردن فضلاً عن التوترات القائمة بين الدول المتجاورة. ويتطلب ذلك إجراء مفاوضات وإبرام اتفاقيات عادلة لضمان وصول منصف إلى المياه وتحقيق العدالة الاجتماعية للمجتمعات المتأثرة مباشرة بمناطق الأحواض المشتركة. وفي حين تتجاوز حوكمة المياه العابرة للحدود نطاق هذا التقرير، فمن المهم الإشارة إلى التعقيدات التي تضيفها إلى أنظمة إدارة المياه الهشة أصلاً، وما يترتب على ذلك من آثار على استقرار وأمن المنطقة.
إضافة إلى ذلك، يُتوقّع أن تفاقم آثار تغير المناخ – ومن ضمنها الارتفاع المتوقع في درجات الحرارة وتقلبات معدّلات هطول الأمطار وتكرار فترات الجفاف - ندرة المياه. فسيؤدي ارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الجفاف إلى تراجع تدفقات المياه السطحية في الأحواض الرئيسية، مثل نهر الأردن وحوض دجلة والفرات، كما سينتج عن الارتفاع المتوقع في مستوى سطح البحر إلى تملّح طبقات المياه الجوفية الساحلية. وتهدد هذه الضغوط البيئية الإنتاجية الزراعية والأمن الغذائي وسبل العيش الريفية، ما يعمق التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية ويزيد الضغط على استقرار الدول الهش أصلاً.
1.2.النطاق والمنهجية
لا تعود التحديات المتعلقة بأمن المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى العوامل الجغرافية وتأثير تغير المناخ فحسب، بل أصبحت بشكلٍ متزايد مشكلة إدارة وحوكمة. يركز هذا التقرير على مفهوم العدالة المائية، أي ضمان الوصول إلى المياه وحوكمتها بشكلٍ عادل ومستدام بما يحمي سبل عيش الناس ورفاههم. نحن نفترض أن اعتماد العدالة المائية، كمقاربة، يمكن أن يدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوكمة الرشيدة للمياه في بلدان المنطقة من خلال تسليط الضوء على مبادئ الإنصاف والشفافية والمساءلة وإشراك المجتمعات المحلية. إلى جانب إعادة ترتيب أولويات إدارة المياه، يساعد إطار العدالة المائية على مساءلة ديناميات القوة القائمة ويحثنا على طرح أسئلة جوهرية مثل: من يملك حق الوصول إلى المياه؟ ومن يتحكم في هذا الوصول؟ وأي أصوات أو آراء يُعتدّ بها في إدارة الموارد المائية وحوكمتها؟ ونظراً للدور الكبير الذي تؤديه المؤسسات المالية الدولية (عبر المنح أو القروض) في تمويل برامج ومشاريع تنمية المياه، يقدم هذا التقرير الموضوعاتي لمحة عامة عن واقع تنمية المياه في المنطقة، مع التركيز على دور هذه المؤسسات وتحديد ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى العدالة المائية. ويحلل التقرير تأثير المؤسسات من خلال التوسع في العناصر الرئيسية: (أ) الإنصاف والوصول، بما يشمل القدرة على تحمل الكلفة وسياسات التسعير؛ (ب) إشراك المجتمعات المحلية والمشاركة؛ (ج) الإصلاحات القانونية والإدارية اللازمة لحوكمة مائية سليمة.
وتستند منهجية البحث إلى تحليل السياسات ومقابلات مع مصادر معلومات رئيسية من الفاعلين المنخرطين حالياً في تنمية قطاع المياه في المنطقة. ويمكن وصف أدوارهم على النحو الآتي:
- أكاديميون وباحثون من مختلف التخصصات في إدارة المياه وحوكمتها وصنع السياسات.
- مديرون أو مسؤولو برامج في مراكز أبحاث أو منظمات تُعنى بتنمية المياه أو إدارة الموارد الطبيعية.
- مديرو البرامج ومسؤولوها في المؤسسات المالية الدولية، ومن ضمنها وكالات الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي.
- مستشارون وخبراء مياه يملكون خبرة في العمل في مشاريع مائية ممولة من المؤسسات المالية الدولية.
- قادة المشاريع القائمة في قطاع المياه التي تقيّم آثار هذه المشاريع على المستفيدين.
استكشفت هذه المقابلات تعريفات مختلف الفاعلين لمفهوم العدالة المائية، من خلال تبريراتهم وتجاربهم في العمل في قطاع المياه وآرائهم بشأن دور المؤسسات المالية الدولية في دعم الممارسات التي تفضي إلى العدالة المائية، بما فيها إشراك المجتمع المحلي وإصلاحات السياسات وآليات المساءلة. كانت المقابلات شبه منظمة، واستندت إلى مجموعة من الأسئلة، لكنها كانت طبيعية، ما سمح بإجراء حوارات مفتوحة وتكرارات وطرح أسئلة أو استفسارات عفوية. أجريت المقابلات في الغالب عبر الإنترنت، وكان الهدف منها التقاط تصورات وروايات متنوعة حول تطورات قطاع المياه في المنطقة لتقييم الدور المحتمل الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات المالية الدولية في تحقيق العدالة المائية.
عُقد ما مجموعه 21 اجتماعًا ومقابلة بين آب/أغسطس 2024 وآذار/مارس 2025. واختير المشاركون باستخدام تقنية "كرة الثلج"، بناءً على شبكات المؤلف ومبادرة الإصلاح العربي في المنطقة. بالإضافة إلى المقابلات والمراجع، استفاد المؤلف من ورشة نقاش مع باحثين آخرين في مبادرة الإصلاح العربي عملوا على إعداد تقارير المياه لبلدانهم في المنطقة.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.