تُفاقم الحرب أوجه عدم المساواة القائمة، ما يُعرّض السكان أصلاً لتأثيرها المدمر ولأشكال لا تعد ولا تحصى من الظلم. واتخذ البحث عن العدالة أشكالاً عديدة، مثل العدالة الاجتماعية والعدالة البيئية والعدالة التوزيعية. ومع ذلك، يُغفَل غالبًا جانب أساسي من هذا المسعى، وهو العدالة المكانية التي تهدف إلى الحد من أوجه عدم المساواة الناتجة عن (إعادة) التنظيم المكاني. يستكشف هذا المقال البعد المكاني للعدالة المكانية وآثارها خلال فترات الحرب وما بعدها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويسعى في جوهره إلى الإجابة عن سؤالٍ محوري: كيف يُفاقم تحمّل 13 شهرًا من الحرب واقع الظلم المكاني بالنسبة إلى السكان المُثقلين أصلًا بعدم المساواة المنهجية؟ وماذا الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى آفاق تعافيهم وإعادة الإعمار؟ لاستكشاف ذلك، قابلنا الباحث "ج. س." في "استوديو الأشغال العامة"، وهي جمعية لبنانية تُعنى بالبحث والتصميم متعدد التخصصات، و"تتعامل بشكلٍ نقدي وإبداعي" مع مختلف "القضايا الحضرية والعامة" في جميع أنحاء البلاد. يتناول هذا المقال مفهوم العدالة المكانية من خلال رؤى الباحثة في "الأشغال العامة،" واضعًا إياه في مواجهة الدمار الناجم عن الحرب وإعادة الإعمار بعدها.
فالعدالة المكانية مفهوم يتعامل مع "التوزيع العادل والمنصف في المكان للموارد ذات القيمة الاجتماعية، وفرص استخدامها”. وقد تطورت على مدى عقود، فقدم العديد من العلماء، مثل ديفيد هارفي وديفيد سميث وإيريس ماريون يونغ، مقاربات مختلفة للنقاشات حولها. لكن لم يتراكم مفهوم العدالة المكانية إلا في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وعلى الرغم من أن الجغرافي الجنوب أفريقي غوردون بيري صاغ المصطلح في ثمانينيات القرن العشرين، لكنه لم يكتسب زخمًا إلا لاحقاً عندما أعاد الجغرافي إدوارد سوجا صياغة مفهوم المكان الذي بنى عليه الباحث مصطفى دايكيتش مفهومه للعدالة. هكذا، لا يشير المصطلح - ولا المبادئ التي استغرق تطويرها عقودًا من الزمن - إلى تخطيط المدن فحسب، بل بات يشمل في عصر التحضّر المعولم جميع المناطق الجغرافية القابلة للسكن، ويوفر عدسة نقدية لتقييم مستويات المعيشة التي تنتجها عملية التحضر. إذًا، العدالة المكانية هي "المطالبة بمزيد من السيطرة على كيفية إنتاج المساحات التي نعيش فيها اجتماعيًا أينما كنا". وبعبارة أخرى، تعني التفاوت في جودة الحياة بين المساحات المختلفة. وللتوضيح، يمكن أن نأخذ مثلاً شارع الاستقلال في برج حمود، المعروف بالعامية باسم "جسر الأشرفية”.

لقطة من الفيلم الوثائقي "ليبرتاد بيروت" للمخرج غوتييه رعد © 2017.

لقطة من الفيلم الوثائقي "ليبرتاد بيروت" للمخرج غوتييه رعد © 2017.
يخترق الجسر، الظاهر في الصورة أعلاه، حيًا كاملًا في برج حمود، ويربط بين أحياء الدكوانة وبرج حمود والأشرفية في بيروت. ويمتد بين مبانٍ من 4 طبقات أو أكثر، ما يُثقل كاهل السكان بالضوضاء وتلوث الهواء، إلى جانب أضرار أخرى، تؤدي إلى تدهور جودة حياتهم. ويشرح الباحث في مجال الأشغال العامة، أن العدالة المكانية تسعى إلى "ضمان حصول جميع الأفراد، بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي والاقتصادي أو عرقهم أو خلفيتهم، على فرص متساوية في الوصول إلى الموارد الأساسية مثل السكن والنقل والرعاية الصحية والمساحات الخضراء، والمرافق العامة". ويمكن تطبيق هذا المفهوم، بالطبع، على مستويات مختلفة - داخل الأحياء والبلديات والدولة، وعلى الصعيد الدولي.
منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أنشأ "استوديو الأشغال العامة" خريطة على الإنترنت تهدف إلى "تتبع وتوثيق الهجمات [الإسرائيلية] لفهم تأثيرها التراكمي على بيئتنا المبنية والطبيعية، وعلى حياتنا كسكان”. ومن خلال الرصد اليومي للأخبار (عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الأخبار المتلفزة أو غيرها)، يجمع الاستوديو البيانات ويتحقق منها قبل تحديث الخريطة. ووفقًا لتوثيق "الأشغال العامة"، قصفت إسرائيل 429 قرية في لبنان منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى 31 تشرين الأول/أكتوبر2024 . وتسببت هذه الهجمات في مقتل 4,047 شخصاً وجرح 16,638، بحسب الصحة اللبنانية، وأجبرت نحو 1.2 مليون شخص على النزوح، وفقاً لتقديرات الحكومة اللبنانية. يثير الحديث عن (انعدام) العدالة المكانية في زمن الحرب في لبنان عدداً من المفاهيم، مثل "الإبادة البيئية" و"إبادة العمران" التي استُخدمت مرارًا لوصف الهجمات الإسرائيلية. لذلك، يتطلب تفكيك واقع (انعدام) العدالة المكانية التطرق أولًا إلى هذه المفاهيم.
بناء الإبادة البيئية والآثار القانونية المترتبة عليها
أنشأت المنظمة الدولية لوقف الإبادة الإيكولوجية لجنة مستقلة من المحامين الخبراء لتحديد الإبادة الإيكولوجية، وعرّفتها بأنها "الأفعال غير المشروعة أو الوحشية التي تُرتكب مع العلم بوجود احتمال كبير بأنها تُلحق بالبيئة أضراراً جسيمة وواسعة النطاق أو طويلة الأجل”. ومع ذلك، يُشار إلى أن الإبادة البيئية لم تُصنف بعد صراحةً وبشكل مستقل كجريمة حرب بموجب القانون الدولي. .وقُدم اقتراح لتعديل نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لإضافة الإبادة البيئية إلى الجرائم الدولية في 9 أيلول/سبتمبر 2024.كن حتى في حال إقرار التعديل، يتعين على كل دولة سنّ قوانين تعترف بالإبادة البيئية كجريمة يعاقب عليها القانون. وبما أن لبنان وإسرائيل ليستا من الدول المصادقة على نظام روما الأساسي، فلن يكون التعديل ملزماً، ما لم تُشرّع كل منهما الإبادة البيئية كجريمة مستقلة. لذلك، تعمل "الأشغال العامة" على تشجيع الاستخدام الدقيق لمصطلحات مثل "الإبادة البيئية"، واستخدمتها لوصف الهجمات الإسرائيلية على البلدات والغابات اللبنانية الحدودية.
وتنوعت هذه الضربات بين استهداف المناطق المدنية والمواقع التراثية والغابات والأراضي الزراعية. فمنذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبحسب "الأشغال العامة"، كانت غابات الجنوب اللبناني خلال الأشهر الأولى من الحرب، هدفًا مباشرًا للعدوان الإسرائيلي. وأدى هذا الاعتداء البيئي إلى "إحراق أكثر من 2,000 هكتار من الأراضي، من بينها 1,200 هكتار من الغابات"، وفقًا للمجلس الوطني للبحوث العلمية. وبحسب الباحث في "استديو الأشغال العامة" فإن "الهجمات دمرت آلاف أشجار الزيتون، ومئات البيوت الزجاجية والبلاستيكية والبنية التحتية لريّ المياه". كما يشير "ج. س." إلى أن القوات الإسرائيلية تعمدت استهداف الغابات والأراضي الزراعية بالفوسفور الأبيض، مستغلةً بشكل استراتيجي طبيعة جنوب لبنان الصخرية التي تُعيق الوصول إلى الأراضي المتضررة والمحروقة، وتصعّب إخماد الحرائق في الوقت المناسب. كما "استهدفت رجال الإطفاء الذين كانوا يحاولون إخماد النيران"، ما أبطأ الاستجابة للحرائق. ووفقًا لرصد "الأشغال العامة"، استُخدم الفوسفور الأبيض بكثافة في الغابات والأراضي الزراعية والقرى المتاخمة للحدود مع إسرائيل، ما أثر بشكلٍ كبير على المزارعين والسكان "سواء عبر تدمير المحاصيل وتلويث التربة، أو من خلال منعهم من الوصول إلى أراضيهم ومحاصيلهم”. كما يوضح "ج. س." أن الضرر طويل الأمد للفوسفور الأبيض ناتج عن إطلاق حمض الفوسفوريك الذي يتسرب إلى التربة والمياه الجوفية، أو يتشتت في الهواء. وهو يبقى في التربة لسنواتٍ عديدة، فيلوّث المحاصيل ويقلل من خصوبة التربة، ويجعلها "غير صالحة لزراعة المحاصيل في المستقبل"، ويزيد خطر تآكل التربة، بحسب ما ذكر المشارك في المقابلة. وتنعكس بقايا هذا المكون، على المدى الطويل، سلباً على الدورات الإيكولوجية المحلية، فتظهر إمكانية تلوث المحاصيل ومصادر المياه لفترةٍ طويلة، ما يؤثر على "الحيوانات والبشر الذين يعتمدون عليها". وتضيف الباحثة أنه في الفترة بين 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و31 تشرين الأول/أكتوبر 2024، استخدمت إسرائيل "قنابل الفوسفور الأبيض 316 مرة في لبنان، فيما لم يُوثّق عدد القنابل التي ألقيت في كل مرة”. وتُعد هذه واحدة من حالات الإبادة البيئية، فإسرائيل تتعمد الإخلال "بتوازن الطبيعة والقضاء على وسائل العيش البيئية والثقافية والزراعية المحلية".
ربط الإبادة البيئية بسياق (انعدام) العدالة المكانية
يشرح الباحث في "الأشغال العامة" أن فهم (انعدام) العدالة المكانية في سياق الحرب ينطوي على مراقبة البلدات التي فُجّرت على حدود جنوب لبنان. ويقول "ج. س.": "نرسم خرائط للبلدات المفجّرة وننظر في علاقتها بالحدود، فالحدود نفسها تُشكل خط ترسيم للظلم الاجتماعي، والهدف من تفجير البلدات الحدودية هو خلق منطقة مكانية تقتل فيها الحياة نفسها”. ويُضيف "ج. س." أن الهدف المكاني للهجمات الفوسفورية هو إبادة الحياة الطبيعية في هذه المناطق المتضررة. وفي هذه الحالة، تصبح الإبادة البيئية محفزاً يُفاقم الظلم المكاني. ويكشف المشارك في المقابلة عن عدة ملاحظات مقلقة:
أولًا، تمثل الحدود بحد ذاتها نقطة انطلاق للعنف المشرّع. فالاعتداء البيئي لا يقتصر على التدمير المادي، بل هو محاولة لإعادة تشكيل الحيز الجغرافي نفسه. إذ تؤدي الحرب، من خلال تحويل هذه الأراضي إلى مناطق غير صالحة للعيش أو للزراعة، إلى خلق مناطق إقصاء وموت. وينتهك ذلك مبادئ العدالة المكانية التي تدعو إلى ضمان بيئات آمنة وصالحة للسكن ومواتية لرفاه الإنسان والبيئة. ثانيًا، نظرًا لأن هذه المساحات الخضراء أصبحت أهدافًا متعمدة، فإن المجتمعات البشرية وغير البشرية داخلها تتعرض لمستويات لا حصر لها من الضعف، وأمامها خياران لا ثالث لهما: المغادرة أو المخاطرة بالموت. وبما أن الهجمات الإسرائيلية لم تستثنِ المستشفيات ومنشآت الدفاع المدني وفرق الإسعاف في الجنوب، فإن السكان الذين قرروا البقاء عاشوا في ظل ضعف كبير في الموارد اللازمة لتلبية احتياجاتهم الطبية أو اليومية. وهذا، إلى جانب الآثار طويلة الأمد لقنابل الفوسفور الأبيض التي تُحوّل المناظر الطبيعية إلى مساحات خطرة وعقيمة، وتدمر أي إمكانية لسبل عيشٍ مستدامة، أو تعافٍ بيئي. وثالثًا، بالإضافة إلى الأضرار المادية والبيئية، يُمثّل الاستهداف المتعمد لهذه المساحات إبادة رمزية وطمساً للتاريخ والهويات المتجذرة في الأرض.
فاستهداف الأراضي الزراعية يعزل السكان المهتمين باحتياجات الأرض، ما يجعل ممارساتهم الثقافية بالية ويخدم بدوره ارتباطهم بأرضهم. ويوضح المشارك في المقابلة، أن الإبادة الإيكولوجية "هي تدمير شامل ومتعمد للبيئة، يؤدي إلى إبادة ثقافية من خلال محو الطرق التقليدية”. فتدمير التوازن البيئي للحيز الجغرافي يعطل الروتين الحتمي للحفاظ على هذا التوازن. فتَخلق طقوس مثل موسم قطف الزيتون، نشاطًا بشريًا معينًا يتطور إلى ممارسات ثقافية. وبالتالي، لا تدمّر الإبادة البيئية النظم الإيكولوجية فحسب، بل تُسهم في تآكل النسيج الاجتماعي والثقافي، ما يُعمق الظلم المكاني، ويحرم الناس من الحق في الوجود والازدهار ضمن بيئاتهم الخاصة.
مفهوم الإبادة الإيكولوجية: من التعريفات والاستخدامات العالمية إلى الوطنية
في شباط/فبراير 2024، انخفض عدد الهجمات بالفوسفور الأبيض على الجنوب "مع ارتفاع وتيرة قصف الأحياء والمنازل المدنية". تشكل هذه التفجيرات، وفقًا لـ"ج. س."، إحدى حالات القتل الحضري، وهو مصطلح يعني "قتل المدينة". ويشير ذلك إلى العنف ضد "البيئة المبنية"، أو كما قال المشارك في المقابلة: "التدمير المسبق والمنهجي والصريح للمناطق الحضرية من خلال العنف المتعمد واسع النطاق". ومن الأمثلة على هذه الأفعال التدمير الكامل لبلدات، مثل كفركلا ويارين، حيث سُوّيت المباني والأحياء بالأرض، ما أدى إلى "تعطيل الشبكات الاجتماعية والثقافية، وتشريد السكان، ومحو الذاكرة الجماعية". وبالتالي، يحدث قتل المدن حين تدمر الهجمات أو الاعتداءات المتعمدة البنية التحتية الأساسية التي تشكل النسيج الاجتماعي والثقافي للحياة في المدينة، فيؤثر ذلك على رأس مالها البشري. وتضيف المحاورة أنه منذ 23 أيلول/سبتمبر 2024 - وهو اليوم الذي شهد تصعيدًا في الأعمال العدائية - تعرضت الضاحية الجنوبية لبيروت للقصف المتواصل. ويمكن اعتبار ذلك أحد أشكال إبادة المدن. تُظهر هذه الهجمات "استراتيجية محسوبة للقضاء على المساحات المدنية وتثبيت الرعب بين السكان"، فتُجسد "اعتداءً متعمداً على نسيج الحياة المجتمعية نفسه، عبر استهداف المباني السكنية الرئيسية أو المباني متعددة الاستخدامات".
من الناحية الفنية، تُعدّ الإبادة الحضرية فعل تدمير المدن، إلا أن تأثيرها المضاعف يتجاوز حالة الدمار المادية المحضة. ويشير الباحث إلى أن "تحويل المنازل والشركات والخدمات العامة إلى ركام يقطع الروابط بين الناس وأحيائهم، والروابط الاجتماعية التي تشكل المجتمع". وبالتالي، يتعدى الضرر في المناطق المستهدفة المجال المادي ليصل إلى "تفكّك اجتماعي عميق"، فلا يواجه السكان "توتراً شديداً" فحسب، بل "يشهدون أيضًا محو ثقافتهم وروابطهم المادية [والرمزية] بأرضهم".
وهنا يصبح السؤال: ما الرابط بين قتل المدن والعدالة المكانية؟
استكشاف تداعيات قتل الحواضر: التهجير
خلال الحرب، أجبر القصف المكثف السكان على الفرار بحثًا عن الأمان. لكن غياب خطة طوارئ حكومية وتأخرها عرّضهم لظروفٍ قاسية. ومنح غياب التنظيم في رسوم الإيجارات أصحاب العقارات القدرة على استغلال حاجة الناس الماسة إلى السكن، ما أدى إلى ارتفاع التكاليف وغياب العدالة في فرص الحصول على سكن للنازحين. ولجأ كثيرون إلى المدارس والمؤسسات الرسمية في مناطق مختلفة - مثل زحلة والبقاع وصور وبعلبك - الهرمل وبيروت ومحيطها وطرابلس – بعد إصدار وزير الداخلية والبلديات بسام مولوي تعميماً إلى المحافظين للتعاون في مساعدة النازحين. ووفقًا لتقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة، أصبحت بيروت الوجهة الرئيسية للنازحين داخلياً الذين بلغت نسبتهم 16 في المئة. فتوزعوا بين العيش في ملاجئ جماعية تستضيفها العائلات أو الأصدقاء، أو استئجار وحدات سكنية، أو سكنوا في مبانٍ فارغة، أو ناموا في سياراتهم. وللتوضيح، أفادت المنظمة الدولية للهجرة في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 أن قضاء بيروت استضاف 138,211 نازحاً توزعوا على 12 مركزاً سكنياً، بينما استقبل قضاء الشوف 155,942 نازحاً توزعوا على 84 مركزاً سكنياً.
ويعكس هذا التوزيع غير المتوازن للنازحين بين المحافظات ضغطاً على المناطق المكتظة بالسكان التي تواجه مستويات معيشية متدهورة، تتسم بمحدودية الوصول إلى الموارد أو الخدمات، وارتفاع الضوضاء وتلوث الهواء الناتج عن الاكتظاظ المروري. وتؤدي هذه الظروف المعيشية إلى إدامة دورات من المشقة، وتولّد توترًا بين المجتمعات النازحة والمجتمعات المضيفة، ما يُعقّد جهود جميع المعنيين لتحقيق الاستقرار والسلامة والأمن والرفاه.
ويقول كوارد (2009) إن "العنف السياسي هو استخدام العنف للتأثير على طبيعة الوجود مع الآخرين في سياق معين. وبالتالي، فإن تدمير المباني يُجسّد شكلًا أساسيًا من أشكال العنف السياسي". يسلط هذا الطرح الضوء على أن قتل المدن يتجاوز كونه مجرد تدمير مادي للمباني، فتأثيره غير المباشر يعوق تماسك المجتمعات. فالتهجير يُشتّت السكان في أثناء بحثهم عن مأوى، ما يقوض نسيج التماسك المجتمعي نفسه. وفي هذا الإطار من العنف السياسي والمادي والبيئي، يتفاقم الظلم المكاني، ويصبح تمزق النسيج الاجتماعي الذي يمكن أن يتحول إلى شريان حياة في أوقات الأزمات، ناتجاً ثانوياً ومحفزاً لتفكّك المجتمعات.
العدالة المكانية في سياق ما بعد الحرب
وباختصار، يُعدّ تفكيك النسيج الاجتماعي نتيجةً شائعةً للإبادة البيئية والإبادة الحضرية. وبعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 - بصرف النظر عن شرعيته والالتزام به - برز سؤال ملحّ هو: كيف يمكن استعادة النسيج الاجتماعي المفقود وضمان مستوى معيشي مستدام للجميع؟ تتمحور الإجابة المختصرة حول العدالة المكانية.
وكما يشير "ج. س." ستتطلب مرحلة إعادة الإعمار والتأهيل "تكلفة مادية وبيئية كبيرة". وتعتمد هذه المرحلة بشكل كبير على الإسمنت لإعادة بناء ما دُمّر. وفي لبنان، يحظر قانون صدر عام 1993، استيراد الإسمنت ، وهذا ما يجعل البيئة مصدرًا أساسيًا لإعادة بناء البلدات المتضررة من القصف الإسرائيلي، ما يثير مخاوف بشأن الاستدامة والأضرار البيئية والصحية بعيدة المدى، "فمصانع الإسمنت تلوث التربة والنهر والهواء، ما يؤثر سلباً على المجتمعات البشرية وغير البشرية على حد سواء". ويتابع المشارك في المقابلة أن "شركات الإسمنت اللبنانية تستخرج ما لا يقل عن ثلاثة ملايين متر مكعب من الحصى والرمل سنوياً، ما يُعادل تحويل 50 هكتاراً من الأراضي والجبال إلى محاجر سنوياً. أما على الصعيد الوطني، فاستُخرج أكثر من 15 مليون متر مربع من الأراضي منذ عام 2022، أي ما يقارب 75 في المئة من مساحة بيروت. ويُرجّح أن ترتفع هذه الأرقام خلال فترة إعادة الإعمار، ما يُفاقم حدة الدمار البيئي الطبيعي". كما ستواجه المساحات التي تتحمل عبء هذه الصناعة الاستخراجية، غير المنظمة في معظمها، تدهورًا بيئيًا حادًّا، ينعكس تراجعاً في المستوى المعيشي والصحي للسكان.
يعرّض توزيع العبء غير المتكافئ للضرر البيئي الذي تفرضه هذه الممارسة غير المنظمة، السكان لمخاطر صحية متزايدة وتلوث المياه وتدهور التربة؛ ما يُضعف نوعية الحياة والقدرة على العيش المستدام. ويدعو تركيز العدالة المكانية في هذا الإطار إلى تحديد الأولويات البيئية، بما يضمن رفاه السكان من البشر وغير البشر.
ويضيف المشارك في المقابلة أن ضمان العدالة المكانية يستلزم خطوات مختلفة منها:
- إعطاء الأولوية لاستعادة الحياة الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب إعادة الإعمار المادي;
- تمكين السكان من العودة بكرامة ومن دون تأخير;
- تطبيق معايير الإدماج لضمان إمكانية الوصول إلى جميع الفئات؛
- ضمان السكن المستدام لجميع الفئات عبر مسارات وصول مختلفة، وتوفير إيجارات عادلة ومعقولة في المناطق التي أعيد تأهيلها.
ويعني ذلك بالتالي، إزالة العقبات التي قد تعوق إصلاح النسيج الاجتماعي الممزق. وفي حال أُخذت هذه الخطوات في الاعتبار خلال مرحلة إعادة الإعمار، سيتمكن النازحون من العودة إلى بلداتهم الأصلية واستئناف ممارساتهم اليومية التي ارتبطوا بها دائماً كمجتمع محلي.
الخاتمة
خلّفت الأعمال العدائية الإسرائيلية بلدات وغابات وأراضي زراعية لبنانية غير صالحة للسكن. وأثار البحث في العدالة المكانية ضمن هذا السياق موضوعي "الإبادة البيئية" و"الإبادة الحضرية" اللذين كشفا عن حجم الدمار الذي تجاوز البُعد المادي ليطال النسيج الاجتماعي للمجتمعات المتضررة. وفي سياق تصوّر فترة ما بعد الحرب، نفضت العدالة المكانية الغبار عن المظالم القائمة التي كانت في حاجة إلى معالجة. وبالتالي، استُخدم مفهوم العدالة المكانية كعدسة مكبرة لتحليل تداعيات الحرب بشكلٍ نقدي، وكأداة يجب أن تُصاغ بها خطط إعادة التأهيل. بعبارة أخرى، تشكل العدالة المكانية إطاراً يُنظر من خلاله بشكلٍ نقدي إلى "الظلم في المكان" و"ظلم المكانية"، ولضمان سبل عيش آمنة ومستدامة للمجتمعات البشرية وغير البشرية. كما يؤكد "ج. س." عن حق: "من المهم أن ندرك أن العدالة المكانية... تنطوي على تحدي السلطة الكامنة والممارسات المكانية التي تُنتج عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية".
https://www.citymonitor.ai/analysis/urbicide-killing-city-attack-human-condition-3617/?cf-view
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.