بيروت على مفترق طرق: التحرّك السياسي المطلوب بعد الانتخابات البلديّة لعام 2025

الانتخابات البلدية لبنان - المرحلة 2 (c) نبيل منذر - EPA

بعد مرور شهرين على الانتخابات البلديّة في بيروت التي اعتبرها معظم المعلّقين مؤشراً على سقوط حركة "التغيير"، بسبب ضعف أداء اللائحة الرئيسيّة المرتبطة بالقوى المناهضة للمنظومة الحاكمة، يسعى هذا المقال إلى تناول الأسئلة المتعلّقة بمستقبل التشكيلات/الفعاليّات السياسية المعارضة في لبنان بشكلٍ نقدي. وعلى الرغم من أن هذه الجهات لا تزال غير مُتبلورة ومجزأة – علمانية، تقدمية، إصلاحية، راديكالية، شعبية مدينيّة/ريفية، وطنية، نسوية، بيئية، ديمقراطية – إلا أنها تملك فرصةً للتعلم من الهزيمة الانتخابية لاستعادة زخمها وتوضيح هويّتها ورؤيتها وإعادة تأصيل عملها السياسيّ والميداني.

كُتب هذا المقال من وجهة نظر باحثة متخصّصة بتنظيم المُدن ومرشّحة سابقة لانتخابات المجلس البلديّ لبيروت في أيار/مايو 2025.

بعد مرور ثلاثة أسابيع على الانتخابات البلديّة في بيروت، التي أجريت في 18 أيار/مايو 2025، وبينما بدأت المجموعات السياسية المناهضة للمنظومة بالتفكير في نتائجها الضعيفة، اندلعت حربٌ استمرّت 11 يومًا بين إسرائيل وإيران، وأعادت إشعال النقاشات حول مستقبل الشرق الأوسط، وخلقت انقسامات جديدة في المشهد السياسي اللبناني. فبدلاً من مواصلة المراجعة الداخلية في أسباب عجزها الأخير عن التواصل مع الناخبين المحليّين، وجدت هذه المجموعات نفسها منشغلةً في كيفية التعاطي مع الأحداث الإقليمية – وهي ساحة قلّما عبّرت فيها عن موقفٍ واضحٍ، كما تفتقر إلى النفوذ المطلوب الذي يُمكّنها من إحداث تأثيرٍ فعليّ على هذا المستوى.

هذا ليس أمراً جديدًا. فعلى مدى عقود، كان لبنان جزءًا من صراعاتٍ إقليميةٍ عطّلت مرارًا الحياة اليومية، وتسبّبت بفظائع لشرائح واسعة من المجتمع، وقوّضت الجهود السياسية لإصلاح النظام السياسي المحليّ أو تغييره. وفي حين حاول عدد قليل من الفاعلين السياسيين المُعارضين التنقّل بين تقاطعات السياسة المحلية والإقليمية والعالمية، حافظت الأحزاب الطائفية بثبات على حضورها في مختلف المستويات، مقدمةً لأنصارها خطابًا ونظرةً إلى العالم تربط بين تقديم الخدمات المحليّة واصطفاف القوى الإقليمية والسياسة الدولية.1Al-Manar (2024). The municipalities of the southern suburbs are removing the rubble of the aggression and awaiting the state's influence. https://archive.almanar.com.lb/12901033

إذا كان هناك درس واحد يمكن استخلاصه من نتائج انتخابات بيروت والجهود الأوسع نطاقاً لمعارضة الأحزاب الطائفيّة القائمة، فهو الآتي: من دون أحزاب وحركات سياسية منظّمة تبقى منخرطة محلياً بين الدورات الانتخابيّة، وتربط العمل السياسي المحليّ بتموضع ومقاربة واضحة للقضايا الإقليمية، يبقى العمل السياسي، تماماً كالأداء الانتخابي، هشًّا وغير مستدام.

برزت خلال الانتخابات البلدية وفي أعقابها بعض مظاهر هذا الغياب التنظيمي داخل المعسكر المناهض للمنظومة الحاكمة، وتمثّلت في: لامبالاة المؤيّدين وانفصالهم عنها؛ غياب خطاب سياسي واضح؛ العجز عن التواصل مع الناس بطرقٍ تعنيهم وتُخاطبهم؛ غموض آليات صنع القرار؛ محدودية الموارد؛ العمليات الانتخابية غير المنظّمة؛ والميل إلى إلقاء اللوم على الآخرين.

وعلى الرغم من أن العديد من المجموعات المُعارضة لم تدرك أهميّة بناء الحركات والأحزاب السياسية إلا مؤخرًا، لكنها لا تزال تفتقر إلى رؤية سياسية طويلة الأمد: رؤية ترى العمل السياسي أكثر من مجرد فوزٍ في الجولة المقبلة من الانتخابات، سواء أكانت برلمانية أو بلدية أو نقابية. فربط أي انتخابات بالتي تليها، بدلًا من ربطها بحركات سياسية متشعّبة، يُعدّ في حدّ ذاته فشلًا سياسيًا. يعكس ذلك منح الأولويّة للقيادة والوصول إلى السلطة لأفرادٍ معيّنين على حساب التنظيم والتفكير الجماعي. وفي حين يُفترض أن يرتبط التمثيل السياسي ببناء الحركات السياسية، أظهرت تجربة القوى المناهضة للمنظومة خلال السنوات الثلاث الماضية انفصالًا مستمرًا بين الاثنين. السؤال المطروح الآن هو: كيف نتعلّم من هذا الواقع ومؤشّراته لبناء مسارات مجدية للمضي قدمًا؟

أولاً، يجب أن تتحدّى المجموعات المناهضة للمنظومة سردية الفشل المنبثقة عن الإخفاقات الموقّتة. ثانياً، عليها أن تتعامل مع الهوامش المدينيّة والريفيّة كمواقع للاستراتيجية السياسية. ثالثًا، عليها الاعتراف بهياكل السلطة الاقتصادية القائمة كعقبات أساسيّة للعمل السياسي المناهض للمنظومة، والاستمرار في مواجهتها طالما تُهيمن على السرديّات السياسية. وأخيرًا، يتوجّب على هذه المجموعات وضع عملها المحلي ضمن أطر سياسية وطنية وإقليمية وعالمية أوسع نطاقًا، تتيح ترجمة قيمها ومبادئها إلى مشاريع سياسية متماسكة. بالطبع، تتطلب هذه الصيغة جهدًا كبيرًا وتفكيكاً مفصّلاً.

طعن سرديّة الفشل: العمل السياسي في مسار النضوج

لا تعني نهاية حقبة "التغيير" نهاية السياسة المناهضة للمنظومة الحاكمة. فـ"التغيير" لم يكن يوماً هويةً ذاتيةَ التعريفِ بالنسبة إلى معظم هذه القوى، بل كان توصيفاً صاغته وسائل الإعلام السائدة وتبنّاه لاحقًا بعض الفاعلين السياسيين.

إن تأطير جميع القوى المناهضة للمنظومة كجزء من "حركة تغيير" واحدة ومتماسكة طرحٌ مضلّل. فعلى الرغم من وجود نبرةٍ اعتراضية في مصطلحي "التغيير" و"مناهضة المنظومة" ، إلا أن كلاهما يفتقران إلى الوضوح فيما يتعلّق بالرؤية طويلة الأمد، والأهداف والمسارات. تحتاج المجموعات السياسية إلى النضج وتجاوز لغة المعارضة، إذا أرادت الاستجابة لحالة الإحباط المتزايدة لدى قاعدتها التي يعاني الكثير من أفرادها من إحباطٍ سياسي وخمول وتعب.

ينطوي جزء من هذا النضج السياسي على الاعتراف بأن التراجع هو مرحلة طبيعيّة في دورة حياة أي حركة سياسية. كما يتطلّب تقبّل التراجع استعداداً للنضج وليس لإعادة الابتكار. وهذا لا يعني بالضرورة إعادة صياغة هوية سياسية معيّنة، أو بناء كيانات جديدة بالكامل، أو إعادة تدوير مبادراتٍ قديمة. ففي بيروت مثلاً أدت الجهود المبذولة في إعادة صياغة الهوية السياسية وتجديد الهيكلة إلى تجزئة الجهود السياسية (مثل تغيير اسم "بيروت تقاوم" إلى "مجموعة عمل"2LBeirut (2023). Majmouat A’amal launches its political program to “regain initiative”. https://lbeirut.com/2023/07/23/ أو إعادة تدوير "بيروت مدينتي" من عام 2016 إلى عام 2025).3Edde, N. (2025). ‘Beirut Madinati 2025’ presents its list ‘against coalition of parties’. L’Orient Today. https://today.lorientlejour.com/article/1459222/ بدلًا من ذلك، تبرز الحاجة إلى تحديد أهداف سياسية واقتصادية واجتماعية واضحة، يمكنها إضفاء مضمونٍ فعليٍّ على الهياكل و"العلامات السياسية" القائمة أو تبرّر إنشاء كيانات جديدة قبل التوجه إلى الجمهور أو العودة إلى الشارع لاستعادة مساحات الاحتجاج التقليدية (مثل ساحة الشهداء)، أو فرض وجودها في مساحات جديدة داخل المجتمعات المهمّشة حيث تكمن النضالات السياسية والاقتصادية الحقيقية.

إشراك الهوامش المدينيّة والريفيّة كاستراتيجية سياسية

من أبرز الملاحظات التي طُرحت بعد الانتخابات البلدية لعام 2025، هي أن الخطاب السياسي للمجموعات المناهضة للمنظومة أصبح منفصلاً عن الواقع الميداني. فوفقًا لنقاشات مع نشطاء وناخبين وناخبات، عبّر كثيرون عن شعورهم بأن مصالحهم الاقتصادية أُهملت إلى حدٍ كبير خلال السنوات الثلاث الماضية. فأُنجز القليل في ما يتعلق بتلبية احتياجاتهم الأساسية (معظمها السكن وفرص العمل)، واسترداد الحقوق التي سُلبت منهم خلال الأزمة (مثل انخفاض قيمة المعاشات التقاعدية، واحتجاز المصارف لأموال المودعين). تفاقم هذا الوضع نتيجة غياب التواصل المباشر مع الناس، على الرغم من أن الفاعلين المعارضين كانوا ينشطون في معالجة هذه القضايا، في محاولةٍ للتخفيف من آثار الأزمات والحرب. يُظهر هذا الواقع حاجة المجموعات المناهضة للسلطة إلى التواصل مع قاعدة شعبيّة أوسع، تبدأ أولاً بإعادة تعريف "المجتمعات المهمّشة"، لا سيّما في مركزٍ حضري مثل مدينة بيروت، حيث يتشكّل الهامش على المستوى المكاني والاجتماعي. كما يستدعي الأمر فهمًا أوضح لما يُقصد بـ"الواقع الميداني" الذي يجب معالجته، خصوصاً في لبنان، حيث لا يُحدّد الناخبون والناخبات بناءً على مكان إقامتهم، بل وفقاً لمسقط رأس عائلاتهم. ويمكن مقاربة هذه الأسئلة بالاعتماد على التفاعلات والديناميات الاجتماعية-المكانية التي ظهرت خلال الانتخابات وبعدها في مدينة معقدة ومتعدّدة الطبقات مثل بيروت.

تتكوّن المدن الكبرى مثل بيروت من مجتمعات وأحياء صغيرة ومتميّزة (يشار إليها هنا بالهوامش المدينيّة)، وتعمل غالباً كمدن مستقلّة.4Jacobs, J. (1961). The Death and Life of Great American Cities; Castells, M. (2011). The rise of the network society. John wiley & sons لكل منها هويّتها الخاصّة ومعاييرها الثقافية وشبكاتها الاجتماعية. فلا تقتصر الهوامش على العمّال المهاجرين واللاجئين، بل تشمل أيضًا مواطني الطبقة الوسطى إلى ذوي الدخل المحدود الذين وصفهم علماء الاجتماع بـ"الطبقة الوسطى المفقودة".5ILO (2003). Extension of Social Security to All. لا يتمتّع هؤلاء الأشخاص بامتيازات تكفيهم للاستفادة من النظام الاجتماعي والاقتصادي القائم، وليسوا محرومين بما يكفي ليتأهلوا للحصول على المساعدات. ونتيجة لذلك، يقعون خارج تغطية شبكات الأمان الاجتماعي. تعيش هذه الفئات أو تنزح إلى "جيوب الفقر الحضرية" أو ـ"الأحياء الشعبية" (ما تكشفه الإشارات المتكررة إلى منطقة "الطريق الجديدة" خلال الانتخابات) أو ضواحي المدن وأطرافها (مثل مناطق "بشامون" و"عرمون" و"الزلقا") التي بقيت إداريًا خارج الحدود الرسمية لمدينة بيروت.6Harb el-Kak, M. (2000). Post-war Beirut: resources, negotiations, and contestations in the Elyssar Project. The Arab World Geographer, 3(4), 272-288. على المجموعات المناهضة للمنظومة الانخراط مع هذه المجتمعات المحلية ليس كقاعدة انتخابية فحسب، بل باعتبارها فئات مهمّشة بنيوياً، تشكل جزءاً محورياً من التفكير السياسي والتنظيم والتغيير؛ خصوصاً في ظل نجاح الأحزاب السياسية الطائفية في استقطابها عبر شبكاتها الزبائنية والتحريض الطائفي.

في السنوات الأخيرة، واجه النشطاء المعارضون صعوبةً في الانخراط بشكل فعال مع هذه المجتمعات. فكان يُنظر إليها إما كمعاقل للأحزاب السياسية الطائفية التقليدية التي تحتفظ بشبكات زبائنية واسعة لتقديم الخدمات داخلها، أو كمناطق يغلب عليها التفكير المحافظ، وقد ترفض بعض القيم الليبرالية الاجتماعية التي يمثلها العديد من النشطاء المعارضين. ومع ذلك، فإن توسيع القاعدة السياسية لتشمل هذه المجتمعات ليس أمراً صعباً إذا أدرك النشطاء السياسيّون أن هذه المجتمعات تضم أفرادًا مناهضين للمنظومة (ما يتضح من نتائج الانتخابات النيابية لعام 2022) لم يُدعَوا بعد إلى الدوائر السياسية. ويتطلب ذلك مواجهة المفاهيم الخاطئة القائمة، لا سيما المرتبطة بشبكات العائلة وديناميات الجندرة والطبقة الاجتماعية. فبينما تُعتبر العائلات الممتدّة في كثيرٍ من الأحيان مُعزِزة للهياكل الأبوية وعدم المساواة الاقتصادية، إلا أنها تعمل أيضًا كنظم للمساعدة المتبادلة والتضامن،7ومن الأمثلة على ذلك ترحيب إحدى جمعيّات العائلات البيروتية البارزة بمرشحين من القائمة المناهضة للسلطة خلال الانتخابات البلدية. خصوصًا في مكان مثل لبنان.8Simone, A. M. (2004). For the city yet to come: Changing African life in four cities. Duke University Press; Bayat, A. (2013). Life as politics: How ordinary people change the Middle East. Stanford University Press. يتطلب الفهم الأعمق لهذه الديناميات انفتاحًا ذهنيًّا يسمح للنشطاء السياسيين المعارضين بالتواصل مع هذه الشبكات، وتحديد الحلفاء المحليين والنشطاء المحتملين القادرين على التنقّل ضمن هذه الشبكات التقليدية.

إن إعادة قراءة المدينة كمجموعة من المجتمعات المتداخلة لا تعني تهميش النشطاء السياسيين من الطبقتين الوسطى والعليا المنخرطين أصلاً في العمل السياسي، بل تدعو إلى توسيع نطاقه ليشمل فاعلين سياسيين جددًا من خلفيات اجتماعية واقتصادية متنوعة، تمامًا كما سعت بالفعل إلى إشراك أشخاص من خلفيّات طائفية ودينية متعددة ضمن فضاءات علمانية. فهذا النوع من الشمول لا يقتصر على بناء تحالفات انتخابية، بل هو عنصر أساسي في التنظيم السياسي الشامل.

مواجهة هياكل السلطة الاقتصادية القائمة

لا تقلّ أهمية مواجهة هياكل السلطة الاقتصادية القائمة عن الفوز في الانتخابات، بقدر ما تُعد ضرورية لبناء حركة تقدمية فاعلة. فعلى الرغم من اعتبار القيم العلمانية والليبرالية التي تُعلي من شأن الحريات الفردية (مثل حرية التعبير)، من المسلّمات داخل المجموعات المُعارضة، إلا أن الأفراد المنضوين فيها ما زالوا منقسمين بين من يسعون إلى تحدّي الأنظمة الاقتصادية الراسخة، ومن لا يعارضون النموذج الاقتصادي القائم في لبنان. وظهر هذا الانقسام جلياً خلال الانتخابات البلدية في بيروت.

غالباً ما يتطلّب الانخراط مع الهوامش الحضريّة العمل مع مجتمعات محلية مستفيدة من الشبكات الزبائنية الطائفية-الاقتصادية القائمة، أو المندمجة في إنتاجها، سواء بشكلٍ مباشر (عبر المساعدات) أو غير مباشر (من خلال التوظيف). بناءً على ذلك، يجب على المجموعات المُعارضة توضيح آليات معالجة أوضاع الفئات المهمشة اقتصادياً، كما يتعيّن عليها أن تشمل وتحشد طبقات اجتماعية مستعدّة لتحدّي هذه البُنى القائمة، بدلاً من تعزيزها.

الاعتراف بأن هذه الهياكل الاقتصادية النافذة متجذّرة بعمق في البُنى الاجتماعية الطائفية وتشكّل عنصراً أساسياً منها، هو خطوة ضرورية نحو مواجهتها. وقدمت الانتخابات البلدية في بيروت عدة دروس في هذا الصدد. فأثارت مثلاً قضية شركة "سوليدير"، وهي شركة عقارية تولّت إعادة إعمار وسط بيروت بعد الحرب الأهلية، الجدل مجدداً بين المرشحين المُعارضين في انتخابات مجلس بلدية بيروت، بغض النظر عن كونهم ضمن اللائحة الانتخابية نفسها.9استنادًا إلى النقاشات بين المرشحين والحملات السلبية على وسائل التواصل الاجتماعي. فجادل بعضهم بضرورة تجديد الاتفاق الذي يُتيح لـ"سوليدير" إدارة قلب المدينة، بسبب النجاح الصوري الذي حققته في عملية إعادة إعمار معظم المباني. ورأى آخرون أن هذا التجديد يعني خصخصة غير مرغوب فيها للمساحات العامة ومرافق المدينة، خصوصاً في ضوء فشل "سوليدير" في إعادة الحياة إلى وسط المدينة، ودورها التاريخي في تهجير السكان وأصحاب المحال إلى أطراف المدينة.10Makdisi, S. (1997). Laying claim to Beirut: Urban narrative and spatial identity in the age of Solidere. Critical inquiry, 23(3), 661-705.

لمعالجة هذه القضايا الخلافية بشكلٍ نقدي، من المهم الاعتراف بنجاحات هذه المؤسسات وإخفاقاتها على حدٍ سواء. فقضية "سوليدير" تُشبه إلى حدٍ كبير المعركة المستمرة ضد لوبي المصارف في لبنان.11Noureddine, A. (2022). Of Money and Policymaking: Examples from the Banking Sector. Fanack. وتُعتبر إثارة الجدل حول هذه البُنى الاقتصادية النافذة في حد ذاتها نجاحاً للحراك، وهي إنجاز يجب البناء عليه عبر بلورة رؤية واضحة للمضي قدمًا. غير أن المواجهة تتطلب تنظيمًا سياسيًا يملك الموارد الكافية لمواجهة الحملات السلبية التي تقودها الطبقة الحاكمة، والأهم من ذلك، تستلزم وجود رؤية سياسية واقتصادية أوسع نطاقًا وأطول أمدًا تحدد أسس المعارضة وتطرح بديلًا يلقى صدى لدى شرائح واسعة من المجتمع. فعندما يتوفر هذا النوع من التنظيم والرؤية السياسية، تصبح كيفية الاستجابة لقضايا مثل "سوليدير" جزءًا من مشروعٍ سياسي- اقتصادي طموح وشامل.

إدراج العمل المحلي ضمن السياسات الوطنية والإقليمية والعالمية

تُشكّل البلديات والعمل على المستوى المحلي عنصرين أساسيين لتحقيق الأهداف السياسية الوطنية والإقليمية والعالمية.  وقد يجادل البعض بضرورة تركيز البلديات على دورها الإنمائي بدلاً من السياسي، إلا أن هذا التمييز مضلّل. فالإنماء المحلي هو عمل سياسي بطبيعته. وسواء تعلّق الأمر بنموذج الحوكمة الذي تعتمده البلدية أو بنهجها في استعادة الخدمات العامة أو بأنواع الفعاليات التي تدعمها أو تنظّمها أو بالمشاريع التي تختار الاستثمار فيها، أو بالشركاء الذين تتعامل معهم (سواء كانوا منظّمات غير حكومية أو مجموعات سياسية أو أفراداً أو حكومات أجنبية)، فإن جميع هذه القرارات سياسية بامتياز.

فهمت الأحزاب السياسية الطائفية في لبنان منذ فترةٍ طويلةٍ التفاعل بين مختلف مستويات السياسة وأتقنت ربطها والتعامل معها. في المقابل، ينبغي أن تبذل المجموعات المُعارضة جهداً أكبر في ترجمة رؤاها العالمية أو الإقليمية إلى مشاريع ملموسة على المستوى المحلي. في ما يأتي، أقدم أمثلة عن كيفية وضع العمل السياسي المحلي ضمن الأطر الوطنية والإقليمية والعالمية، من خلال مقاربات تشمل اللامركزية ومناهضة الخصخصة ومناهضة الاستعمار، والنسوية.

يتطلّب تحسين البنية التحتية وأنظمة النقل في بيروت تنفيذ الإصلاحات المقترحة في اللامركزية والحوكمة التي تُنشئ منطقة بيروت الكبرى (وهي مزيج من بيروت الإدارية وضواحيها)، ما يُزعزع الانقسامات الطائفية الحالية في المدينة والتجزئة، والتقسيمات المناطقية. ولطالما فشلت البلديّات الواقعة حالياً ضمن الحدود المتخيّلة لبيروت الكبرى في تحسين النقل والبنية التحتية، ويرجع ذلك إلى عدم قدرتها على الاتفاق على المسؤوليات، إذ تُعطي كل منها الأولوية لمصالح مجموعتها الاقتصادية الخاصة. إن إنشاء مدينة موحّدة وشاملة تُدار بواسطة مجلس بلدي واحد هو محاولة لإضعاف قبضة الأحزاب الطائفية على بيروت. وفي حين يؤدي ذلك إلى تداعيات وطنية ومناطقية واضحة، إلا أنه يحسّن أيضًا عمل قطاع الخدمات. وفي هذا السياق، يتطلب إصلاح الخدمات العامة أيضًا تبنّي نهجٍ سياسي يتحدّى النماذج الاقتصادية الوطنية كما ذكرنا سابقًا (مثل الشيوعية والاشتراكية الديمقراطية).

وعلى غرار إصلاح الحوكمة الذي يؤثر على توفير الخدمات والسياسات الوطنية والإقليمية، تبرز حاجة ملحّة، كما ذكرنا سابقًا، إلى تحديد النموذج الاقتصادي الذي سيوجه العمل المحلي. يتجاوز ذلك مجرد مواجهة هياكل السلطة الاقتصادية القائمة. فهو أمر ضروري لأنه سيحدد أنواع الخدمات التي تُوفَّر وكيفية تقديمها وإلى من تُوجَّه. بالإضافة إلى أنه يحمل تداعيات عالمية: إذ يمكن أن يحدّ من مشاركة المؤسسات المالية والمستثمرين أو يحدد وجهتها، من خلال توضيح من سيستثمر، وتحت أي شروط، ومن هم الشركاء الدوليّون. وهذا ليس أمرًا مهماً لاستعادة الخدمات العامة فحسب، بل أيضًا لبناء تحالفات دولية استراتيجيّة تحقق أهدافاً عالمية. وقد تجلى ذلك في دور الفاعلين الدوليّين في إعادة الإعمار بعد الحروب، وينطبق المنطق نفسه على أي تمويل موجَّه إلى قطاع الخدمات.

ومن بين القضايا الإقليمية والعالمية التي يمكن أن يلعب فيها العمل المحلي دورًا هاماً، مناهضة الاستعمار والتضامن مع فلسطين. ويلبي ذلك حاجة عبّرت عنها مختلف المجتمعات المحلية التي تسعى إلى الانخراط في هذه النضالات السياسية من دون التورّط في الصراع المسلّح. في مدينةٍ مثل بيروت، يمكن أن تدعم البلدية الفعاليات والفضاءات الثقافية المناهضة للاستعمار، وبناء تحالفات مع الفاعلين الدوليين الذين ظهر العديد منهم خلال العامين الماضيين، وهم يتشاركون الالتزام بمناهضة الاستعمار والتضامن مع فلسطين. وفي حين كانت التأثيرات قصيرة الأجل محدودة حتى الآن، تبرز حاجة ملحّة إلى بناء هذه التحالفات كجزء من استراتيجية تحرير طويلة الأمد.

أما النضال النسوي، فيعتبر أيضاً من النضالات العالمية التي يمكن ربطها بالعمل السياسي المحلي. فيمكن لبلدية بيروت مثلاً، إنشاء ملاجئ للناجيات من العنف الأسري، ومساحات عامة آمنة، وزيادة توظيف النساء في إداراتها (خصوصاً في شرطة البلدية)، كجزء من الأهداف النسوية العالمية الأوسع نطاقًا. ولا يستجيب ذلك للاحتياجات المحلية العاجلة (مثل الملاجئ والأمن) فحسب، بل يتماشى أيضًا مع الحركات النسوية الإقليمية والدولية.

قدم هذا القسم أمثلة على كيفية ربط العمل المحلي بالأهداف الوطنية والإقليمية والعالمية. ومع ذلك، لا يُقصد أن يُشكل دليلاً إرشاديًا ثابتًا يجب أن تتبناه المجموعات السياسية المعارضة بشكلٍ كامل، بل هو مثال توضيحي لما يُمكن تحقيقه عندما يُوجّه العمل المحلي بأجندة سياسية متعددة المستويات.

سبل المضي قدمًا: التحول السياسي الرؤيوي

ما كُتب حتى الآن يشكّل خطة لإعادة تصوّر السياسة المحلية، وإعادة تموضعها ضمن أطر سياسية أوسع. هو بيان سياسي يقول: إن الحضور الرمزي لا يكفي، ويحوّل التركيز من "التمثيل" إلى بناء حركات سياسية أقوى وأكثر تماسكًا. يتحقّق ترابط هذه الحركات السياسية جزئيًا من خلال مواءمة أقوى وتفاعل أعمق مع المجتمعات المحلية، وتموضع أوضح على مستويات متعددة لتوفير مقاربة أكثر اتساقًا في التعامل مع القضايا الخلافية. يمكن أن يُسهم التموضع الذي يتسم بالرؤية والمواجهة ويترجم المبادئ والقيم إلى مشاريع سياسية تستهدف مجموعات ذات مصالح محددة بوضوح، في بناء حركة تقدّم حلولًا وبدائل ملموسة تستند إلى رؤية متماسكة طويلة الأمد.

لا تنظر هذه الرؤية إلى أفراد الهوامش المدينية والريفية على أنهم مجرّد ناخبين يجب حشدهم خلال الانتخابات، بل كعناصر أساسية في الحياة السياسية: حياة سياسية تتفاعل محليًا مع التحديات الوطنية والإقليمية والعالمية، عبر تقديم مشروع واضح المعالم، لا تكون السياسة المحلية فيه معزولة أو محددة بالإنجازات السريعة، بل جزءًا من تحول سياسي أوسع.

يمثل هذا النهج أحد السبل أمام المجموعات المعارضة للنضج بما يتجاوز الموقف التفاعلي القائم على "الرفض" فقط. هو مسار نحو بناء حضور سياسي مستدام يرتكز على الرؤية والقدرة على الحكم بشكلٍ مختلف.

Endnotes

Endnotes
1 Al-Manar (2024). The municipalities of the southern suburbs are removing the rubble of the aggression and awaiting the state's influence. https://archive.almanar.com.lb/12901033
2 LBeirut (2023). Majmouat A’amal launches its political program to “regain initiative”. https://lbeirut.com/2023/07/23/
3 Edde, N. (2025). ‘Beirut Madinati 2025’ presents its list ‘against coalition of parties’. L’Orient Today. https://today.lorientlejour.com/article/1459222/
4 Jacobs, J. (1961). The Death and Life of Great American Cities; Castells, M. (2011). The rise of the network society. John wiley & sons
5 ILO (2003). Extension of Social Security to All.
6 Harb el-Kak, M. (2000). Post-war Beirut: resources, negotiations, and contestations in the Elyssar Project. The Arab World Geographer, 3(4), 272-288.
7 ومن الأمثلة على ذلك ترحيب إحدى جمعيّات العائلات البيروتية البارزة بمرشحين من القائمة المناهضة للسلطة خلال الانتخابات البلدية.
8 Simone, A. M. (2004). For the city yet to come: Changing African life in four cities. Duke University Press; Bayat, A. (2013). Life as politics: How ordinary people change the Middle East. Stanford University Press.
9 استنادًا إلى النقاشات بين المرشحين والحملات السلبية على وسائل التواصل الاجتماعي.
10 Makdisi, S. (1997). Laying claim to Beirut: Urban narrative and spatial identity in the age of Solidere. Critical inquiry, 23(3), 661-705.
11 Noureddine, A. (2022). Of Money and Policymaking: Examples from the Banking Sector. Fanack.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.