مقدمة
تفاقمت بشكل كبير مؤشرات البطالة الهيكلية (Chômage structurel) في صفوف التجار الصغار والعاملين في القطاع غير المُهيكَل في مدينة الفنيدق منذ إغلاق معبر باب سبتة الفاصل بين المغرب وإسبانيا في وجه أنشطة التهريب المعيشي، الذي كان يعد مورد الرزق الأول لأكثر من 50 في المائة من السكان المحليين قبل كانون الأول/ديسمبر 2019. بعد نحو 60 سنة من "تسامح" السلطات مع هذا النشاط الذي تحول إلى نمط اقتصادي قائم بذاته جعله يشكِّل العصب المركزي لمدينة الفنيدق التي تحولت إلى عاصمة لتجارة التهريب المعيشي على الصعيد الوطني، وما لذلك من إسهامات على مستوى إنعاش الرواج الاقتصادي لجهة الشمال ككل ومن توفير الآلاف من الوظائف.
لتحليل هذه المشكلة، سنعتمد بشكل أساسي على المدخل البراغماتي في تحليل السياسات (L'approche pragmatique des politiques publiques)، بالنظر إلى أهميته في تتبع الأداء الخطابي للفاعلين وفي التعرف إلى مسارات الهيمنة على المجال العام من خلال بناء حجج تبرر المواقف من سياسات معينة تأييداً ورفضاً، وترويج سرديات معينة تروي وجهة نظر السلطة وأصحاب المصلحة باستخدام مختلف مساحات التأثير في الرأي العام كالإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي وفضاءات التأطير والتنشيط، مع رصد محاولات الأطراف الفاعلة في بناء تحالفات خطابية تسند حجتها بالتصحيح والإضافة والتدقيق، بما يمكن من اجتياز المعتركات الثلاثة للسياسات، انطلاقاً من الفضاء العام ومروراً بميدان السياسات؛ حيث يتدخل المتخصصون وذوو الخبرة في تشخيص المشكلات واقتراح البدائل، وانتهاء بالساحة الضيقة لصراع السياسات؛ حيث تلعب الأطر السياسية الرسمية والشعبية دوراً حاسماً في صناعة المطالب، وفي ترجيح حلول دون غيرها تبعاً لاعتبارات متعددة ذات أبعاد سياسية واقتصادية تراعي عناصر التكلفة والمردودية في البناء المشترك للسياسات العامة.
تكمن الغاية من توظيف هذا المدخل في تحليل مشكلة التهريب المعيشي في الإحاطة بالسياقات المؤُسسِّة والمُواكِبة لقرار الإلغاء في ضوء التصريحات والبيانات الحكومية، التي سعت إلى تدعيم أدائها التدبيري على الأرض بأداء خطابي يبرر التدابير المُتَّبعة ويستوعب الخطابات الرافضة، في ضوء تصاعد حالات الرفض الشعبي لقرار الإغلاق، وما تبعه من إجراءات بديلة لتوفير فرص شغل للعاطلين عن العمل من المشتغلين سابقاً بهذا القطاع غير المهيكَل. كما يفيد هذا المدخل في معرفة ردود الفعل الرسمية على الأداءات الخطابية للأطراف المتضررة من محاصرة ظاهرة التهريب المعيشي، عبر إجراء تعديلات على السياسات والخطابات المروّجة لها ضمن نهج تواصلي يسعى إلى تسويق الحلول الحكومية وبيان فعاليتها من جهة، وتفكيك السرديات النقيضة التي تشكك في الطابع السيادي للرواية الحكومية.
تأسيساً على ذلك نتساءل: ماهي الحجج التي استندت إليها السردية الرسمية في تبرير قرار إغلاق معبر باب سبتة في وجه تهريب السلع، وكيف كان أداؤها الخطابي في مواجهة أصحاب المصلحة الذين روّجوا لسردية تنفي الطابع التشاركي وتغيب اعتبارات التكلفة الاجتماعية في مواجهة ظاهرة التهريب المعيشي في مدينة الفنيدق؟
للإجابة عن هذا السؤال، سنقسم الورقة إلى ثلاثة محاور: في البداية سنحاول إبراز حجة السلطة من وراء التدابير المتعلقة بإغلاق معابر التهريب المعيشي، على أن نناقش في محور ثانٍ ما أثاره ذلك من ردود فعل في إطار تحالفات موضوعية بين جبهة السلطة وجبهة أصحاب المصلحة، لنختم بمحور المعتركات الخطابية الذي خصصناه لتتبع المسار الذي قطعته محاولات حل هذه المشكلة، من المجال العام إلى ميدان السياسات ثم الساحة الضيقة لصراع السياسات. معتمدين في التحليل على تتبّع التصريحات والبلاغات في المواقع الرسمية للحكومة والصحف الدولية والوطنية والمحلية وعلى منصات التواصل.
الحجج الرسمية لمنع التهريب المعيشي بين الهواجس السيادية والاجتماعية
تعاملت السلطات العمومية مع إغلاق معبر سبتة في وجه عمليات تهريب السلع كإجراء سيادي يندرج ضمن المساعي الرامية إلى بناء أفق أكثر ندّية في مسار إعادة العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسبانيا في سياق احتدام التنافس الجيوسياسي حول الريادة الاقتصادية في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط، وكإجراء ضروري لحماية الاقتصاد الوطني الذي يفقد سنوياً نحو نصف مليار دولار جراء دخول السلع بدون دفع الرسوم الجمركية، ومن أجل سد الجيوب المجالية التي تُضعف من تنافسية السلع المغربية، وهو القرار الذي صاحبه نقاش عمومي واسع حول تجارة التهريب.
إلى جانب الحجج السياسية والأمنية التي شكلت أساس الموقف الرسمي، تم الاستناد كذلك إلى حجج أخرى ذات طابع اجتماعي وإنساني، للتخفيف من وقع التأثيرات المباشرة لإغلاق المعابر على المعيش اليومي للمواطنين، من خلال وصم الإعلام الرسمي للتهريب المعيشي بأوصاف سلبية تبرز المظهر البائس لظاهرة "تحمَّالت"، حيث إن نصيب ممتهني التهريب المعيشي من "الحمَّالة" أو "البْراكْدِية" باللهجة المحلية يقتصر على أربعة أيام في الأسبوع بقيمة لا تتجاوز 600 درهم وسط أخطار التدافع والاكتظاظ وشبح الإصابة أو الموت، إذ يتم تسجيل وفيات سنوية للنساء مُمتهنات التهريب بسبب التدافع على بوابات الولوج إلى معبر باب سبتة.
التحالفات الخطابية: حدود التَّماس بين الشعبي والرسمي في التصدي لظاهرة التهريب
- تحالف السلطات
انصبّ الخطاب الرسمي على تبرير قرار منع ظاهرة تهريب السلع بين المغرب وإسبانيا انطلاقاً من خلفيات أمنية شكَّلت أساساً لوضع سياسة جديدة في تدبير المدن الحدودية، كما مثلت مصدر استلهام لمواقف عدة هيئات مدنية وسياسية محلية تقاطعت توجهاتها من الناحية الموضوعية مع خطاب السلطة.
تمثلت البُؤرة المركزية للخطاب الرسمي في تصريحات ممثلي الحكومة حول الموضوع، إذ أكد رئيس الحكومة سعد الدين العثماني في مجلس المستشارين في 12 شباط/فبراير 2019 أن التدابير الجمركية الواردة في قانون المالية لا تهدف إلى التضييق على التجار بقدر ما تستهدف مكافحة التهريب. كما عبر وزير الداخلية في أول أيلول/سبتمبر 2020 -على هامش لقائه مع ممثلات الأحزاب السياسية في الهيئة المكلفة بتعزيز تمثيل المرأة - عن نهاية عهد التهريب المعيشي لإضراره بالاقتصاد المحلي والوطني وبصورة المغربيات، موضحاً أن الحكومة بصدد بحث البدائل الملائمة لإدماج المتضررين. كما عبرت الإدارة العامة للجمارك والضرائب غير المباشرة في بيانها المنشور على موقع القناة الأولى (Snrtnews) بتاريخ 12 أيار/مايو 2022 عن اتخاذ جميع التدابير اللازمة للقطع النهائي مع مختلف أنواع وأشكال التهريب بعد توصل المغرب وإسبانيا إلى اتفاق حول إعادة فتح معبر سبتة في وجه المسافرين . أما وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، فقدت اعتبرت - خلال تصريحها في الجلسة العامة لمجلس النواب المنعقدة في 6 حزيران/يونيو 2022- أن إدماج العاملين سابقاً في التهريب المعيشي ضمن منطقة مندمجة للأنشطة الاقتصادية، سيشكل تجربة نموذجية للخروج من الاقتصاد غير المهيكل في مناطق أخرى.
أما على المستوى المحلي، فقد دعت التمثيليات الإدارية لوزارة الداخلية مختلف الأطراف إلى الالتفاف حول الطرح الحكومي، وخاصة ولاية طنجة- تطوان - الحسيمة وعمالة المضيق - الفنيدق، وذلك بتنظيم سلسلة من اللقاءات التواصلية مع مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، مع حث مكونات المجتمع المدني والهيئات القريبة من الفئات المُتضرِّرة على الانخراط في تنفيذ الحلول البديلة المضمنة بالمخططات القطاعية وبالبرنامج المندمج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لعمالة المضيق-الفنيدق .
لإسناد الخطاب الرسمي، تجندت المجالس المحلية المنتخبة لتعزيز مصداقيته لدى الرأي العام المحلي، فأعلن مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة في بلاغه الصادر بتاريخ 30 آذار/مارس 2001 عن قرب إحداث ألف مقاولة يتوقع أن توفر 5 آلاف منصب شغل من ضمنها تشغيل نحو ألفي امرأة من ممتهنات التهريب المعيشي في السابق. كما صرح رئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة تطوان الحسيمة بأن منطقة الأنشطة الاقتصادية بالفنيدق ستُمكِّن من إحياء الطابع التجاري للمدينة.
بالموازاة مع ذلك، عبرت العديد من المكونات المدنية عن موقف وسطي في تعاطيها مع المشكلة، من خلال التعبير عن تضامنها مع ضحايا التهريب المعيشي من جهة، وتعبيرها من جهة أخرى عن أهمية المكاسب الجيواستراتيجية لقرار الإغلاق؛ فعقب الندوة الصحفية للناطق الرسمي للحكومة حول الموضوع، أصدر مرصد الشمال لحقوق الإنسان بلاغاً في 6 كانون الأول/ ديسمبر 2019 دعم فيه قرار الحكومة بمنع التهريب المعيشي لكونه لم يعد معيشياً بل أصبح شوكة في خاصرة الاقتصاد المغربي، معتبراً أن إيقاف نشاط التهريب سيحرم إسبانيا من رقم معاملات يصل إلى 700 مليون دولار سنوياً، وسيعزز من السيادة الاقتصادية للمغرب. لكن تأخر البدائل الحكومية جعل المرصد يعدل من مواقفه، حيث أدلى رئيسه بتصريح للجزيرة في شباط/فبراير 2021 نبه فيه إلى تفاقم التكلفة الاجتماعية لمنع التهريب المعيشي في غياب بدائل تخفف من وطأته الاقتصادية.
كما عبرت هيئات محلية أخرى في مدينة الفنيدق عن تأييدها لحجج الحكومة، بحكم ارتباط تهريب المواد المعيشية بظواهر أخرى تؤثر على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية؛ كالقطاع التجاري غير المهيكل الذي يُؤثر سلباً على التجارة المنظمة. كما يشكل تهريب البضائع منفذاً لتهريب المخدرات والمهاجرين، إضافة إلى تغذيته ظواهر أخرى لها تداعيات مُربِكة على الأمن السياسي والاقتصادي للمملكة كشبكات الإرهاب والتجارة بالبشر، حيث نظم اتحاد العمل النسائي محاكمة رمزية لتأنيث الفقر من خلال نموذج النساء الحمّالات، حيث تم استعراض شهادات نساء يعانين من ظروف عمل غير إنسانية في هذا القطاع غير المهيكل. كما أنجزت جمعية السيدة الحرة بتطوان فيلماً وثائقياً حول آثار التهريب المعيشي على صحة وكرامة النساء اللواتي يشتغلن كـ"حمَّالات" (femmes-mulets) للسلع المهربة عبر معبر باب سبتة.
- جبهة أصحاب المصلحة
تبلورت تحالفات موضوعية بين مكونات مجتمعية متباينة المشارب سارعت إلى تكثيف خطاباتها حول تفكيك السردية الرسمية ونقد الحجج السيادية المبررة لقرار غلق المنافذ الخارجية للتهريب
المعيشيla contrebande) vivrière):
- المنظمات الحقوقية: انتقدت العصبة المغربية لحقوق الإنسان الطابع الفوقي والمفاجئ لقرار الإغلاق، معتبرة أنه كان بالإمكان الاعتماد على النهج التشاركي والتدريجي في أن يخفف من الآثار السلبية للقرار في أفق توفير بدائل مناسبة للمتضررين، خاصة وأن القضاء على هذا النشاط الاقتصادي تزامن تقريباً مع جائحة كورونا التي فاقمت من الأزمة الاجتماعية، الأمر الذي يعني أن كل محاولة لاستئصاله تتطلب سن إصلاحات انتقالية وتدابير تعويضية بما يكفل الأخذ في الاعتبار الاحتياجات الاجتماعية بدل اللجوء إلى الحلول الأمنية. كما طالب بيان المكتب التنفيذي للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان بتاريخ 8 شباط/فبراير 2021 الحكومة بتسريع وتيرة المشاريع التنموية البديلة عن التهريب المعيشي قصد امتصاص أفواج العاطلين من النساء والشباب ممن وجدوا أنفسهم بدون أي مورد رزق طيلة سنة ونصف.
- النسيج الجمعوي: انتقدت عدة جمعيات محلية المقارنة مع إسبانيا معتبرة أنها لا تصح، على اعتبار أن حكومة مدريد خصصت ميزانية تفوق 200 مليون أورو لتمويل برنامج "سبتة تقاوم" (Ceuta Resiste) الذي أطلقته الحكومة المحلية في مدينة سبتة لمواجهة تداعيات القرار المغربي بخصوص القطع مع تجارة المواد المهربة التي كانت تشكل العمود الفقري للاقتصاد "السبتي"، عبر مشاريع متعددة لدعم الأسر الفقيرة والمقاولات المتضررة. وفي المقابل لم تخصص السلطات المغربية أية موارد وخطط استباقية لمعالجة المعضلة .
- ممثلو التجار والمهنيين: دعت الجمعيات الممثلة للتجار بالفنيدق (جمعية تجار قيسارية بن عمر، جمعية قيسارية المسيرة...) إلى المحافظة على الهوية التجارية التي تميز مدينة الفنيدق، بحيث يتعين جعل التجارة دعامة أساسية للاقتصاد المحلي وعنصر إنعاش لباقي الأنشطة غير التجارية وخاصة السياحة الداخلية، داعية إلى توفير بدائل حقيقية بعد توقف الأنشطة المرتبطة بالتهريب المعيشي، كمنح امتيازات وتدابير تفضيلية للتجار الصغار المرتبطين سابقاً بأنشطة اقتصاد التهريب كالإعفاء من بعض الرسوم والضرائب، ومواكبة الشباب حاملي المشاريع الراغبين في تأسيس مقاولات صغرى وأنشطة التشغيل الذاتي. كما طالبت باستعادة امتياز أبناء مدينة الفنيدق الذي كان يخولهم الولوج إلى مدينة سبتة بدون تأشيرة فيزا من أجل تسهيل إجراءات الاستيراد والتصدير بالنسبة للراغبين في القيام بأنشطة الجمارك التجارية.
المعتركات الخطابية: مسارات حلحلة مشكلة التهريب المعيشي في مدينة الفنيدق
- المجال العام (public forum): انبرت مختلف الأطراف لتقوية أدائها السردي والحججي عبر فعاليات متنوعة:
- التظاهرات: كرد فعل على تباطؤ وعدم تناسب البدائل الحكومية مع حجم الأضرار والمطالب، فقد تصاعدت وتيرة احتجاجات السكان المحلييين بخروج المئات إلى الشوارع للمطالبة بإعادة فتح معبر سبتة، كما هدد ممثلو المحتجين بتنظيم مسيرات ضخمة إلى معبر سبتة بُغية اقتحامه، فيما عبر العديد من الشباب العاطلين عن العمل عن عزمهم على تنظيم قوافل للهجرة الجماعية نحو إسبانيا.
وأدى اشتداد التطويق الأمني إلى حدوث بعض "الانفلاتات" بالمسيرات الليلية نجم عنها أحداث عنف خلال ليلة 5 شباط/فبراير 2021. وكرد على حملة الاعتقالات التي طالت المحتجين أصدر الفرع الجهوي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان في جهة الشمال بلاغاً في 7 شباط/فبراير 2021 اعتبر فيه أن الاحتجاج وسيلة لإسماع أصوات المتضررين، وأن تدابير القمع والاعتقال تنذر بتأجيج الوضع الأمني. كما طالبت جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان في بيان لها بتاريخ 6 شباط/فبراير 2021 رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية بتغيير أسلوب التعاطي مع قضايا الفنيدق عن طريق مخططات تنموية وتعيين مسؤولين أكفاء يعول عليهم في استعادة النشاط الاقتصادي في المدينة، مع توجيه رسالة إلى السلطات المحلية طالبت من خلالها بإطلاق سراح المعتقلين وبفتح حوار مع ممثلي المجتمع المدني حول التدابير العاجلة لوقف نزيف الهجرة وتدهور سبل العيش بالمدينة الحدودية، وهو ما عجل بقيام والي جهة طنجة – تطوان - الحسيمة بتحركات مكثفة من أجل تطويق حالة الغضب والتذمر الشعبي في المنطقة، حيث ترأس في مقر عمالة المضيق الفنيدق ثلاثة اجتماعات مع كل من الأحزاب السياسية ورؤساء المجالس المنتخبة وممثلي المجتمع المدني والنشطاء المحليين والاتحاد العام لمقاولات المغرب وعدد من الفاعلين الاقتصاديين. إلى جانب ذلك تم تسريع وتيرة انعقاد اللجان المكلفة باستيعاب العاطلين عن العمل، وبإدماج ممتهني التهريب في أنشطة اقتصادية مهيكَلة، حيث تعهدت السلطات المغربية باتخاذ إجراءات لتحقيق نهوض اقتصادي في الفنيدق والمدن المجاورة.
في ظل اقتصار الحلول الحكومية على مواجهة تداعيات الإغلاق في مدينة الفنيدق، فقد عبر سكان المناطق المحيطة عن شعورهم بالحيف والإقصاء رغم أنهم متأثرون كذلك بقرار منع التهريب المعيشي، كما هو الحال مع مدن المضيق ومارتيل وتطوان، حيث تصاعدت الدعوات إلى تنظيم وقفات احتجاجية، وفي بعض المراكز القروية القريبة من الفنيدق مثل "بليونش"، حيث ترتب على هذا الإغلاق إرباك الوضع الاقتصادي لسكان المنطقة، وتجميد حركة التنقل بين سبتة ومركز "بليونش"، ما أدى إلى قطع أواصر التواصل بين الأسر المغربية القاطنة بين طرفي الحدود الفاصلة بينهما .
- الصحافة: حرصت الحكومة على إرفاق النشرة الرئيسية في التلفزيون الرسمي بسلسلة تقارير حول صوابية قرار الإغلاق وتبرير عوائده السياسية والتنموية. كما صدرت مقالات في الصحف المحلية وفي شبكات دولية نقلت وجهة النظر الرسمية، بالتركيز على خسائر الاقتصاد المغربي من تهريب المواد والسلع والتي تفوق 7 مليارات درهم سنوياً، وبطرح السبل الممكنة للانتقال من اقتصاد التهريب إلى اقتصاد منتج ، مع الإشادة بالمشاريع التنموية البديلة الواردة ضمن البرنامج المندمج للتنمية الاقتصادية للمحور الحضري المضيق-الفنيدق.
وركز الخطاب الصحفي المناصر لأصحاب المصلحة على توصيف الخلفيات المحركة لاحتجاجات المتضررين من إغلاق معابر التهريب الذي تسبب في عطالة أكثر من 380 ألف شخص في شمال المغرب. ونقل هواجس الفئات الهشة التي كانت تعيش من التجارة الحدودية في وقت سابق وخاصة الشباب والنساء. ورصد معاناة ممتهنات التهريب بعد شملهن بأنشطة بديلة، فقد كنَّ يتقاضين 150 درهماً كدخل يومي متوسط، وأصبحن يتقاضين بعدما تم توظيفهن كمنظّفات ألف درهم شهرياً.
- شبكات التواصل الاجتماعي: أثار إغلاق معابر التهريب المعيشي في شمال المغرب تفاعلاً مكثفاً من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ركزت معظم تدوينات المؤثرين في شبكة الفايسبوك على تفكيك حجة الحكومة، معتبرة أن على الدولة قبل أن تقرر إغلاق المعابر الحدودية، أن تبلور حلولاً معقولة ومقبولة للمواطنين. وفي المقابل تلاقت موضوعياً تدوينات أخرى مع الطرح الرسمي، بتركيزها على التكلفة الإنسانية لظاهرة التهريب المعيشي، وخاصة في ما يتعلق باستغلال المئات من النساء الفقيرات والمعدمات في نقل السلع المهربة. كما عمل شباب المدينة على تنظيم حملات ترافع إلكترونية في شبكة التواصل الاجتماعي فايسبوك تخللها وسم " # خصنا حل" (نريد حلاً). و "#أجي نتحاسبو" (حان وقت الحساب) التي اكتسحت مواقع التواصل الاجتماعي في مدينة الفنيدق للمطالبة بالتعجيل بإيجاد البدائل الاقتصادية الناجعة لمصلحة المتضررين من قرار إغلاق المعبر الحدودي باب سبتة وتوقيف تجارة التهريب المعيشي.
وفي المقابل انتشرت بعض الصفحات في موقع الفايسبوك المناصرة للرؤية الحكومية، بنشر تصريحات وتقارير تشكك في نوايا المحتجين واصفة إياهم بأنهم مجرد أدوات بيد مافيات التهريب التي تقدم شباب المنطقة كدروع بشرية في صراعها مع السلطات العمومية، وأن مظاهرات الفنيدق مخترقة من طرف المخابرات الإسبانية التي تلجأ إلى أساليب ملتوية لتحريك بعض المغاربة للاحتجاج على منع أنشطة التهريب المضر بالاقتصاد الوطني والمفيد للاقتصاد الإسباني (صفحة شوف تطوان، مجموعة أبناء الشمال...).
- ميدان السياسات (Policy Atrium): صدور عدة وثائق عن السلطات الحكومية والجهات المناصرة للمتضررين تضمنت تقديم معطيات موثقة حول تداعيات المشكلة ومبررات الحل على لسان الخبراء والمتخصصين:
- المؤسسات الرسمية: أصدرت بعض المؤسسات الدستورية عدة تقارير موضوعاتية دافعت من خلالها عن خطاب الدولة، حيث اعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن التهريب تحول من نشاطٍ معيشي إلى حركة منظمة ومُهيكَلَة، الأمر الذي يفرض على السلطات العموميّة الإسراع بتقديم الإجابات الملائمة لمعالجة عُمق المشكلة وأسبابها البنيويّة، بإيجاد فرص للأشخاص الذين فقدوا عملهم، سواء كتجّار أو كممتهنين للتهريب المعيش،. مع وضع خطة بعيدة المدى للنّهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية في مدينة الفنيدق وتحسين جاذبيتها، إضافة إلى إشراك المجتمع المدني في وضع استراتيجيات التنمية وتنفيذها وتتبعها وتقييمها، وتعزيز دوره في تحسيس ومواكبة الأشخاص الذين فقدوا عملهم من أجل تحديد مؤهلاتهم قصد إدماجهم في الدينامية التنموية الجديدة.
كما دخلت مؤسسات عمومية أخرى على الخط من أجل إسناد الخطاب الرسمي بطرح سيناريوات مناسبة للحل في ظل ضعف مصداقية وعود السلطات العمومية بوضع حلول ملائمة للمعضلة، حيث تعهدت وكالة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعمالات وأقاليم الشمال في بيان لها بدعم الحلول الحكومية للتهريب، معربة عن نيتها في المساهمة بتمويل المشاريع التي من شأنها تحسين قابلية التشغيل وتحفيز ريادة الأعمال للفئات الهشة، خاصة النساء والشباب. إضافة إلى هيئات أخرى ساهمت في طرح البدائل الرسمية لاقتصاد البضائع المهربة كالوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات ووكالة التنمية الاجتماعية.
- الخبراء المحليون: مبادرة قطاع من النخبة المحلية المثقفة بمختلف مكوناتها إلى التفكير في صياغة أرضية لمشروع اقتصادي جديد للمدينة الحدودية عوض انتظار المشاريع الجاهزة المقترحة مركزياً. وفي هذا السياق بادر نشطاء أكاديميون ومدنيون إلى تأسيس مجموعة التفكير من أجل الفنيدق التي اعتبرت أن القرار لا يعدو كونه مجرد معالجة سطحية للمشكلة بدون النفاذ إلى الأسباب الهيكلية التي كانت وراء تطور تجارة التهريب والتي تعود أساساً إلى ضعف توزيع فرص التنمية وغياب أنشطة اقتصادية كافية لاستيعاب الطلب المتنامي على الشغل، ولبلورة رؤية متماسكة حول جذور المشكلة وسبل حلها بادرت إلى تنظيم ندوة وطنية في كانون الأول/ديسمبر 2020 تحت عنوان: "مدينة الفنيدق ورهان تأسيس هوية اقتصادية جديدة"، بمشاركة مختصين من أبناء المنطقة من داخل المغرب ومن المهجر، حيث تم تقديم أرقام حول الوضع المعيشي بالمدينة في ظل إغلاق نحو 600 محل تجاري في مختلف أسواق المدينة وتوقف مصدر عيش لنحو 9000 من ممتهني وممتهِنات التهريب المعيشي وكذلك 3600 من العمال القانونيين. كما أجمع المشاركون في الندوة على ضرورة تأسيس هوية اقتصادية جديدة لمدينة الفنيدق لكي تتجاوز وضعها السوسيوـ اقتصادي الصعب، مع تقديم حزمة من المقترحات لاستعادة الحركة التجارية بين الفنيدق وسبتة، مع التفكير في بديل اقتصادي جذري ومُهيكَل يندرج ضمن هوية اقتصادية تجارية مرتبطة عضوياً بميناء طنجة- المتوسط.
- الباحثون الجامعيون: أكدت دراسة أنجزها طلبة باحثون بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة عبد الملك السعدي في مدينة تطوان أن المستفيدين الفعليين هم لوبيات التهريب المنظم مقابل محدودية دخول "الحمَّالين" والتجار الصغار الذين يضطر الكثير منهم إلى أخذ سلفات أو المماطلة في أداء واجبات الكراء في ظل عدم كفاية ما يحصلون عليه من مقابل نظير قيامهم بأشغال "السُّخرة" (travail forcé)، وخرجت الدراسة بمجموعة من التوصيات لإدماج هؤلاء بالتركيز على إنعاش الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في مجالات المنتوجات المجالية والصناعة التقليدية، وكذا تنويع فرص الإدماج المهني عبر دعم المقاولات الناشئة والمشاريع المُدِرَّة للدخل، مع إعطاء الفئات الهشة الأولوية في الإصلاحات الجاري تفعيلها بخصوص التحويلات النقدية المباشرة لمصلحة الفقراء.
- الساحة الضيقة لصدام السياسات Narrow Policy Arena)): دخلت المشكلة في معترك حاسم تتحدد فيه صيغة تكييفها ومقاربات حلها، من خلال التداول حولها بمنصات القرار السياسي على الصعيدين المركزي والمحلي:
- البلديات: عبَّر مسؤولو بعض المجالس المنتخبة في مدينة الفنيدق والمدن المحيطة كالمضيق ومارتيل من خلال مداخلات في ندوات وبرامج إعلامية، عن مواقف متباينة. فمنهم من ناصر الرواية الرسمية، باعتبار أن قرار الدولة بتوقيف التهريب المعيشي كان منتظراً، بالنظر إلى تأثيره السلبي على الاقتصاد الوطني والخزينة العامة للدولة، على اعتبار أن الجار الإسباني هو المستفيد الأول من موارده المالية الضخمة التي أنعشت ميزانية مدينة سبتة المحتلة. ومنهم من تبنى خطاباً وسطياً بالتأكيد على أن البديل عن نشاط التهريب يكمن في التسريع بتهيئة منطقة الأنشطة الاقتصادية بالفنيدق، وأن تجاوز المرحلة الانتقالية الصعبة يتطلب تدخلاً من الدولة المركزية لتأسيس منظومة اقتصادية قانونية ومستقرة. فيما حاولت بعض الهيئات المرتبطة بمجلس مدينة الفنيدق لفت الانتباه إلى التكلفة الاجتماعية الفادحة لقرار الإغلاق، إذ اعتبرت القيادية النسائية مريم الزموري منسقة الهيئة الإقليمية للمساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بعمالة المضيق الفنيدق، من خلال رصدها ارتفاع معدلات الجريمة والطلاق والعنف ضد النساء في المنطقة، التي ارتفعت، بحسب دراسات ميدانية 30 في المائة بفعل ضغط الأزمة الاقتصادية وتداعيات جائحة كوفيد -19.
- الأحزاب السياسية: عبرت العديد من الأحزاب السياسية عن موقفها من إغلاق منافذ التهريب المعيشي، كما هو الحال مع أحزاب الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والحزب الاشتراكي الموحد، التي طالبت عبر بيان مشترك بفتح المعبر الحدودي بين المدينتين وفق شروط محددة في وجه السكان، وبالتعجيل بإقامة الورشات المبرمجة لإدماج الفئات الأكثر تضرراً مع التخفيف من الرسوم الضريبية التي أثقلت كاهل التجار. كما أصدر الفرع المحلي لحزب العدالة والتنمية بياناً طالب من خلاله بطرح مشاريع تنموية جديدة لخلق دينامية اقتصادية بديلة في المنطقة، خصوصاً بعد تنامي الهجرة السرية في الإقليم. خلال المدة نفسها، وجه المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية مذكرة إلى رئيس الحكومة حمّله فيها مسؤولية البلورة العاجلة للبدائل الاجتماعية والاقتصادية المناسبة بالنسبة للآلاف من الأسر التي يعد التهريب المعيشي مصدر رزقها الوحيد. على النهج نفسه، صِيغ بيان اللجنة المركزية لحزب الطليعة الديموقراطي الاشتراكي (8 شباط/فبراير 2021) الذي دعا إلى وضع مخططات تنموية محلية بديلة عن التهريب المعيشي بدل إشهار سيف المتابعات في حق السكان.
- الحكومة: في مواجهة الاحتجاجات المتواصلة، أكد العديد من الوزراء (وخاصة وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت) أن القضاء على تهريب البضائع عبر معبر سبتة خيار لا رجعة عنه، لأنه لطالما شكل هذا النشاط إحراجاً للمغرب، نظراً للظروف اللاإنسانية التي كان يشتغل فيها المهربون، وغالبيتهم من النساء، إضافة إلى ما يتكبده الاقتصاد من خسائر فادحة جراء توريد السلع المهربة غير الخاضعة للضريبة. وبالموازاة طورت الحكومة - بالتنسيق مع المؤسسات العمومية والهيئات المحلية المعينة والمنتخبة - حزمة من البرامج لتجاوز الركود الذي تعرفه المدينة، كبرنامج التنمية المندمج لعمالة المضيق-الفنيدق الذي تضمن سلسلة من المشاريع التعويضية عن أنشطة التهريب بميزانية تفوق 45 مليون دولار. وبرنامج دعم النساء في وضعية صعبة الذي اشتمل على 450 مشروعاً لإدماج مُمتهِنات التهريب المعيشي، إضافة إلى مشاريع أخرى لإيجاد بدائل للاقتصاد غير المهيكَل كإحداث مناطق للأنشطة الصناعية والمهنية والتجارية، وفضاءات مجهزة للصناعيين التقليديين والصيادين، مع تنويع الحلول الموجهة لإيجاد فرص الشغل (تمويل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية للمشاريع المدرة للدخل، مشاريع الإنعاش الوطني للعمالة المؤقتة، دعم التشغيل المباشر عبر تمويل مصاريف اليد العاملة لمصلحة المقاولات الصغيرة والمتوسطة ودعم الشباب حاملي المشاريع...).
- البرلمان: بادر مجلس النواب إلى تنظيم عدة فعاليات حول الموضوع، من بينها قيام لجنة الخارجية والدفاع الوطني بمهمة استطلاعية مؤقتة للوقوف على الوضع الحاصل في المعبر الحدودي باب سبتة، حيث تم تجميع المعطيات والمقترحات التي جرى التوصل إليها ضمن تقرير تركيبي. وهو التقرير الذي كان موضوع مناقشة طيلة سنة بحضور الوزراء المعنيين انطلاقاً من الأسبوع الأول من شهر كانون الثاني/يناير 2020. وتضمن التقرير المذكور معطيات حول الوجه اللاإنساني لأنشطة التهريب المعيشي، إذ كانت نحو 3500 امرأة يحمل السلع الإسبانية في أكياس ضخمة فوق ظهورهن في وضع يحط من الكرامة الإنسانية ويضر بسمعة المغرب، إضافة إلى 200 طفل قاصر في معبر سبتة. كما أشار التقرير إلى أن النساء الممتهنات للتهريب المعيشي في معبر سبتة يعشن وضعاً مأسوياً، بعد أن أصبحن بدون عمل وبدون مدخول، ومعهن تجار ومرافق كانت تدور في فلك التهريب. كما تضمن التقرير توصيات للحكومة حول سبل التعاطي مع المشكلة بتوازن بين مختلف الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
أما فيما يخص ممثلي عمالة المضيق- الفنيدق في مجلس النواب، فقد صدرت عنهم مواقف متباينة، موقف مؤيد للقرار الحكومي، كالبرلماني عبد النور الحسناوي الذي اعتبر عبر عدة تصريحات ومداخلات، أن التهريب المعيشي حال دون تبلور الهوية التجارية والسياسية لمدينة الفنيدق، فضلاً عن تأثيره على البنية الاجتماعية، لمساهمته في نمو ديموغرافي مختلّ وبناء أحياء عشوائية. وعلى النقيض من ذلك، انتقد البرلماني محمد قروق قرار إغلاق معبر باب "تاراخال" (Tarajal) لكونه كان يوفر الآلاف من فرص الشغل لسكان الفنيدق والمناطق المجاورة، وهو الموقف نفسه الذي عبرت عنه البرلمانية خديجة الزياني التي تساءلت عن مصير الآلاف من ممتهني التهريب المعيشي بعد إغلاق معبر سبتة، الذي نتجت عنه خسائر جمة وأوقف دينامية المدينة، حيث تضرر إلى جانب ممتهني التهريب المعيشي، العمال القانونيون الذين كانوا يشتغلون بعقود عمل في سبتة، كما أدى إلى إغلاق مجموعة كبيرة من المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم.
كما عبر برلمانيون آخرون من خارج المناطق الشمالية عن مواقف مناصرة للمتضررين، فاستنكر النائب عن فدرالية اليسار الديموقراطي مصطفى الشناوي - في سؤال مكتوب إلى وزير الداخلية - الاستخدام المفرط للمنطق الأمني عوض المقاربة الديموقراطية والتنموية في التعامل مع المحتجين. فيما طالبت البرلمانية نهى الموسوي الحكومة – خلال الجلسة الأسبوعية للأسئلة الشفوية بمجلس النواب في 6 حزيران/يونيو 2022- بالإبقاء على التهريب المعيشي بين سبتة والفنيدق ضمن حدود معقولة يقبلها الجانبان المغربي والإسباني. كما وجه فريق التقدم والاشتراكية في مجلس النواب طلباً إلى رئيس لجنة القطاعات الإنتاجية من أجل القيام بمهمة مؤقتة لزيارة منطقة الأنشطة الاقتصادية بالفنيدق للوقوف على آثارها الاقتصادية والاجتماعية بعد الشروع في تشغيلها بالكامل.
خاتمة
يُظهِر تتبع الأداءات الخطابية للسلطات العمومية في تعاطيها مع أزمة إغلاق معابر التهريب المعيشي، حرصها على تغليب السردية السيادية على النقاش العام المرتبط بالموضوع، انطلاقاً من خلفيات سياسية تعتبر القرار إجراءً ضرورياً لحماية التراب الوطني من مختلف التهديدات التي تواجهه ضمن نطاق حدودي مطبوع بتوترات متزايدة مع الجار الإسباني، وبتفاقم عدة ظواهر طالما أثرت على الأمن السياسي والاجتماعي في شمال المغرب ككل، كالهجرة غير النظامية وتهريب البشر والمخدرات والمواد غير المشروعة وتبييض الأموال، إلى جانب التداعيات السلبية على الاقتصاد الوطني، في ظل انتقال كميات كبيرة من السلع من دون استيفاء الرسوم الجمركية، ما يحرم الخزينة العامة للمملكة من موارد مهمة، ناهيك عن إضعاف تنافسية الاقتصاد الوطني وكساد البضائع المصنّعة محلياً، إضافة إلى إنعاش الجذور المغذية للاقتصاد غير المُهيكل وما له من انعكاسات اقتصادية واجتماعية.
في المقابل، ركزت التحالفات الخطابية لذوي المصلحة في سعيها لتفكيك السرديات الرسمية، على الطابع المفاجئ واللاتشاركي للتدابير الحكومية بدون أي تنسيق أو تشارك مع الأطراف المتضررة. كما تمحورت خطابات المتضررين والجهات المساندة والمتعاطفة معهم على الترويج للتكلفة الاجتماعية للسياسة الحكومية التي رجحت الحسابات السياسية والنقدية على الاعتبارات الاجتماعية، معتبرة قرار الإغلاق بمثابة إعدام لمدينة ذات هوية تجارية ارتبط نسقها الاجتماعي والاقتصادي بالتهريب المعيشي، الذي تحول إلى اقتصاد قائم بذاته، يوفر الآلاف من الوظائف وينعش باقي القطاعات.
حاولت السلطات العمومية تعديل خطابها حول المشكلة بمراعاة أكبر للكلفة الاجتماعية، من خلال الاهتمام أكثر بملاءمة البدائل الحكومية مع خصوصيات المنطقة، مع التركيز على الفئات الاجتماعية الأكثر تضرراً كالنساء والشباب في البرامج الرامية إلى توفير فرص العمل والإدماج المهني والاجتماعي للعاملين في السابق بتجارة الحدود. كما اهتم الخطاب الرسمي بتطعيم السردية السيادية بأبعاد سوسيولوجية، عبر إيراد معطيات كمية تظهر بالملموس معاناة النساء ممتهنات التهريب وضعف أرباحهن مقارنة بكبار المهربين الذين كانوا يستخدمون الفئات الهشة كـ"دروع بشرية" في نقل البضائع في إطار أعمال "السخرة".
Valletta, Rob, & Katherine, Kuang. Is Structural Unemployment on the Rise? . FRBSF Economic Letter 34.8 (2010) . p.2.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.