الملخّص التنفيذي
مرّ قانون العمل الجديد بمرحلةٍ طويلة من الصياغة بدأت في عام 2014 وصولاً لتمريره عام 2025، في ضوء ما يبدو أنّه قد ساد تلك المرحلة من حرص، من ناحية، على السير بخطوات حذرة تعبر عن تعديلات محدودة تهدّئ الأطراف المختلفة المترقّبة لإصلاحٍ قانوني يتماشى مع توقعاتها، والتوافق مع معايير "منظمة العمل الدولية" ومع تشريعاتٍ محلية من ناحية أخرى، بالاضافة الى سعي السلطة لاتخاذ إجراءاتٍ لـ"ضبط" المجتمع.
وتعكس نصوص القانون الجديد السياق الشائك الذي تمّت في ظلّه صياغة النصوص المتعلقة بكل من أنماط العمل الجديد، الحوار الاجتماعي، تشغيل النساء، ونظم الأجور وعقود العمل والإضراب، بالإضافة إلى فرض فحوص المخدرات الإجبارية، في ظل الاعتبارات الثلاثة التي سبق ذكرها، والتي قد تتناقض في بعض الأحيان.
مقدمة
مرّر مجلس النواب المصري في منتصف أبريل/نيسان الماضي قانون العمل الجديد بعد عشر سنوات كاملة من بدء العمل على صياغة هذا القانون، والذي مرّ بصياغات متعدّدة وبفترات متتالية من تجميد النقاش حوله.
بدأ المسار الطويل لمشروع القانون عام 2014، واستغرقت صياغته نحو ثلاث سنوات، حتى صدر عن الحكومة عام 2017، ثم أُحيل إلى مجلس النواب، لتناقشه لجنة القوى العاملة، وتحيله إلى الجلسة العامة للتصويت في نفس العام، قبل أن تتوقف مناقشة مشروع القانون في الجلسة العامة. كما ارتبط "تعرّج" المسار كذلك بتعديلات الدستور المصري عام 2018 التي أسست الغرفة الثانية في البرلمان المصري وهي مجلس الشيوخ. وبناءً عليه، أحيل المشروع إلى مجلس الشيوخ في الدورة البرلمانية اللاحقة، ومرّره المجلس وأحيل إلى مجلس النواب مجدداً قبل أن تتوقف مناقشته للمرة الثانية، بناء على توجيه من رئيس الجمهورية، وتعلن الحكومة عن سحب المشروع في يناير من عام 2023 للعمل على تعديلات جديدة. وبذلك، بدأت "دورة" ثالثة من هذا المسار المتعرّج لصياغة مشروع القانون.
يشمل هذا القانون في الأساس العاملين بالقطاع الخاص، في الوقت الذي يتمدد فيه دور هذا القطاع في التشغيل وقد استعرض رئيس الوزراء تقريرًا يوثق 500 إصلاح لتعزيز دور القطاع الخاص في مصر (2022–2024)، 2025. ،
وتبرز أهميته الخاصة في هذا التوقيت، لتبنّي النظام السياسي سياسةً معلنة تسعى لـ"تمكين القطاع الخاص" بحسب التعبير الحكومي المتكرّر ، وهي سياسة نجد صداها بوضوح في خطاب السلطة التي يستعرض بشكل مكثف اجراءاته لدعم القطاع الخاص، على نحوٍ يتقاطع مع التزاماته أمام صندوق النقد الدولي في إطار الاتفاق الحالي.
ويرى صندوق النقد الدولي إن القطاع الخاص يجب أن يلعب دور المحرّك لنمو الاقتصاد المصري.
ويعني ذلك، أن الاقتصاد المصري لا يكفيه أن يحقق معدلات معقولة من النمو في الناتج المحلي الإجمالي وإنما يجب أن يعتمد في هذا النمو على القطاع الخاص وهو ما استلزم من الحكومة أداءً علنياً شديد الحرص على استعراض الجهود في هذا السياق خاصة في ظل التعثّر الذي واجهه الاتفاق مع ظهور أي بادرة لتلكؤ الدولة في تنفيذ التزامها بما يسميه الصندوق "تقليص بصمة الدولة في الاقتصاد".
يسعى هذا المقال إلى فهم وتفكيك التحولات في قانون العمل الجديد قياساً للوضع السابق في قانون العمل الملغي، بتحليل نصوصه، عبر عدد من "العدسات" التي تمثل أنماطاً متكررة في السياسات العامة: التوافق مع المعايير والشرعية، الميل للتدرّج واتخاذ خطوات بطيئة وتجنّب استقطاب أصحاب المصالح وهو ما قد يصل حتى لتعديلات لا تُحدث عملياً أي تأثير أو يحجب أي تغيير، والسعي لـ"ضبط" المجتمع والسيطرة عليه.
ويمثل التنازع بين تلك المحركات المتعددة للسياسة العامة والتي توافرت - كل منها في موضعه - في عمليتي وضع أجندة السياسة العامة وصياغتها في حالة قانون العمل الجديد، سبباً في صعوبة إقرار القانون وإعادة صياغته طوال عشر سنوات.
وعبر عدسة التوافق مع المعايير والشرعية، يمكن بسهولة فهم نصوص "أنماط العمل الجديد" و"الحوار الاجتماعي" في الأساس بالاضافة للنصوص التي عدّلت في القانون - قياسا للقانون السابق - بغرض التوافق مع مقتضيات قانون النقابات الصادر عام 2017، وهو ما يأتي كلّه تماشياً مع سياسات منظمة العمل الدولية في الأساس.
بينما عدسة الميل للتدرج والخطوات البطيئة وتجنب استقطاب أصحاب المصالح، تبدو صالحة في المقابل لفهم النصوص المتعلقة بتشغيل النساء - بالرغم من الاصلاحات التي يتضمنها النص الجديد - في ظل ضعف تأثيرها المحتمل على مستويات التشغيل المنخفضة للغاية للنساء، وكذلك بالنسبة لسياسات الأجور والأمان الوظيفي.
إذ تمثّل سياسات الأجور في القانون الجديد، نموذجاً على الجمود إلى حد الوصول ربما إلى "اللاسياسة"، بالرغم من مقتضيات مواجهة تآكل الأجور الحقيقية المصاحبة لسياسة تحرير سعر العملة، التي أدت إلى انفلات معدلات التضخم.
وكذلك الحال فيما يتعلق بالأمان الوظيفي فيما يتصل بعقود العمل التي عُدّلت بعض تفاصيلها بالفعل، لكن دون أن تمس التعديلات جوهرها الذي يسمح بإنهاء عقد العمل غير محدد المدة. وفي المقابل، فعدسة "الضبط" تلك يمكن من خلالها فهم نصوص "الإضراب"، إذ كرّس القانون الجديد نفس وجهة نظر القانون السابق حياله من حيث التقييد الشديد الذي يصل عملياً إلى حد الحظر، بالإضافة إلى نصوص فحوص المخدرات الإجبارية على العاملين.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.