في تونس، الغذاء والماء هما سؤالان سياسيان لا ينفصلان. شح الماء يحدد ما يمكن للمزارعين أن يزرعوه، وما يمكن للأسرة الواحدة أن تصل إليه، وما تركز عليه الدولة. وفي الوقت نفسه، سياسات الزراعة، بما في ذلك الاستراتيجيات الموجهة للتصدير والاتفاقيات التجارية، تشكل كيفية استخدام الأراضي والمياه، ومن يستفيد، ومن يتم استبعاده. لهذا السبب، تدرس مبادرة الإصلاح العربي سيادة الغذاء والعدالة المائية معًا، ولذلك ننظر إلى "المقاربات المجزأة" كجزء من المشكلة، وليس الحل.

الوضع اليوم: ندرة المياه ذات طابع هيكلي

  1. تونس تقع بالفعل تحت العتبة الدولية لما يُعرف بـ«الندرة المطلقة للمياه»: إذ تُقدَّر الموارد المائية المتجددة بحوالي 400 متر مكعب للفرد سنويًا، مما يضع البلاد في حالة ندرة مزمنة.
  2. أدى تغيّر المناخ والجفاف المطوّل إلى تفاقم الأزمة. فقد واجهت تونس عدة سنوات متتالية من الجفاف، وأظهرت التقارير الرسمية انخفاضًا حادًا في واردات السدود مقارنة بالمتوسطات التاريخية.
  3. الإجهاد المائي ليس مناخيًا فقط؛ بل هو أيضًا بنيوي ومؤسسي. فقد أشارت تقارير دولية لحقوق الإنسان إلى تقادم شبكات المياه، ونقص الصيانة، وارتفاع معدلات التسرب كعوامل رئيسية وراء الانقطاعات المتكررة للمياه. واستجابةً للنقص الحاد، فرضت تونس قيودًا ليلية على التزويد بالمياه («حظر المياه») في عام 2023.

لماذا تحتل الزراعة مركز قضية المياه

عدّ الزراعة المجال الذي تتجلى فيه علاقة الغذاء بالمياه بشكل أوضح. إذ يذهب جزء كبير من سحب المياه في تونس إلى الري، حيث تشير التقديرات إلى أن الزراعة تستهلك نحو ثلاثة أرباع إجمالي السحوبات.

وهذا يعني أن النقاشات حول الأمن الغذائي، ونماذج الزراعة، وسبل العيش الريفية، لا يمكن فصلها عن قضايا حوكمة المياه: من يحصل على المياه، وبأي تكلفة، وبأي صوت في اتخاذ القرار، وما هي التضحيات البيئية طويلة الأمد.

ما الذي سعت إليه مبادرة الإصلاح العربي

تماشيًا مع نهجنا الأساسي، عملنا في شراكة وثيقة مع باحثين تونسيين يرتكز عملهم بعمق في سياقاتهم المحلية، وهم باحثون يفهمون المجتمعات والقضايا التي يدرسونها، ويجمعون بين التحليل الدقيق والانخراط العملي على أرض الواقع.

إيمان اللواتي هي باحثة ومديرة برامج بيئية متخصصة في سياق شمال أفريقيا. تحمل دكتوراه في علم البيئة والتطور، ويتموضع عملها عند تقاطع الأنظمة البيئية والتحولات السوسيوقتصادية والسياسية، حيث تتناول تحديات إقليمية حاسمة تشمل السيادة الغذائية، وندرة المياه، وإمكانات الطاقة المتجددة، وتداعيات الاتفاقيات التجارية، واقتصاديات التنمية.

ياسر السويلمي هو مدير مشاريع يتمتع بخبرة تفوق 6 سنوات في قيادة المنظمات غير الحكومية والمبادرات البيئية. يمتلك سجلًا مثبتًا في تطوير الخطط الاستراتيجية، وتعزيز الكفاءة التشغيلية، ودفع تفاعل المانحين. وهو متخصص في إدارة الموارد المائية، والحلول البيئية المستدامة، والدعوة إلى السياسات. كما يتميز بشغفه بإحداث أثر إيجابي من خلال قيادة مبتكرة واستراتيجية.

صُمّم هذا العمل لتحقيق ثلاثة أهداف:

  1. توثيق الواقع في حوكمة الغذاء والمياه من منظور قائم على العدالة، يرتكز على التجارب المعيشة.
  2. إبراز العوامل الهيكلية، بما في ذلك أنظمة التجارة واختلالات القوة، التي تشكّل حيز السياسات.
  3. تحديد مسارات عملية نحو حوكمة أكثر عدالة وتشاركية وقابلة للاستدامة بيئيًا، بما يتماشى مع الكرامة والحقوق والمرونة على المدى الطويل.

المنشورات

تربط هذه الحملة بين ثلاث دراسات متكاملة:

  1. السيادة الغذائية والانتقال العادل في تونس – إيمان اللواتي
  2. نحو اتفاق شراكة عادل في القطاع الفلاحي بين تونس والاتحاد الأوروبي – إيمان اللواتي
  3. العطش إلى العدالة المائية في تونس – ياسر السويلمي

الغذاء: بين «الأمن» والسيادة

لطالما تشكّلت السياسة الزراعية في تونس حول توترٍ أساسي: تشجيع الصادرات (زيت الزيتون، التمور، الحمضيات، والأسماك) مع محاولة تقليل الاعتماد على واردات المواد الغذائية الأساسية (مثل الحبوب). في الواقع، أدى هذا التوتر إلى خلق هشاشة، بما في ذلك التعرّض لتقلبات الأسعار العالمية، واضطرابات سلاسل الإمداد، وضغوط كبيرة على المالية العمومية.

السؤال الذي تطرحه مبادرة الإصلاح العربي لا يقتصر على «كيفية إنتاج المزيد»، بل يتعداه إلى من يسيطر على النظام الغذائي، ولصالح من يعمل، وما إذا كان يمكن تحويله بطريقة مستدامة وعادلة وقادرة على الصمود، خاصة مع تسارع تأثيرات التغير المناخي.

في هذه الحلقة من سلسلة البودكاست «جلسة بيئية»، تناقش الصحفية كريستين مهنا موضوع السيادة الغذائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع الزميلة غير المقيمة في مبادرة الإصلاح العربي، الدكتورة جوليا شقير، ومع الكاتبة المشاركة إيمان اللواتي.

العدالة المائية: ما وراء الندرة

يجادل عمل مبادرة الإصلاح العربي حول العدالة المائية بأن أزمة المياه في تونس لا يمكن فهمها على أنها مجرد نقص تقني. فهي تتشكل بفعل خيارات الحوكمة، والتوزيع غير المتكافئ، وفجوات الاعتراف، والحواجز أمام المشاركة، حيث غالبًا ما تتحمل المجتمعات الريفية، والمزارعون الصغار، والفئات المهمشة الأعباء الأثقل.

هذا يحوّل النقاش السياسي بعيدًا عن الحلول التقنية الضيقة نحو العدالة والمساءلة وتقاسم السلطة الحقيقي في حوكمة المياه.

شاهد هذه الحلقة من أحدث سلسلة البودكاست الخاصة بنا «جلسة بيئية» مع الكاتب المشارك ياسر السويلمي حول العدالة المائية والحوكمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للغوص بعمق في هذه القضية متعددة الأبعاد.

كيف أُجريت البحوث: الانطلاق من الواقع الميداني

يعتمد منهج مبادرة الإصلاح العربي على التعاون مع الخبرات المحلية والمساءلة تجاه الأشخاص الأكثر تأثرًا بخيارات السياسات.

بين أبريل وديسمبر 2025، جمعت المبادرة والباحثون بين المقابلات وثلاث جلسات تشاركية صُممت لصقل أسئلة البحث والتحقق من النتائج الناشئة:

  • طاولة مستديرة مع المزارعين: ركّزت على المزارعين الصغار، والنقابات المحلية، ومجموعات التنمية الزراعية، والفاعلين في المجتمع المدني، ووسائل الإعلام المحلية.

  • طاولة مستديرة حول الغذاء والمياه (19 ديسمبر 2025): جلسة مخصصة جمعت الممارسين والخبراء لدراسة العلاقة بين الغذاء والمياه وتداعياتها على السياسات.

لقد ساهمت الرؤى المستخلصة من هذه النقاشات مباشرة في جميع المنشورات الثلاث، بما في ذلك تحليل إيمان اللواتي لعلاقات الزراعة بين الاتحاد الأوروبي وتونس. وقد ضمنت هذه اللقاءات أن يعكس البحث الواقع المعيشي، ويعطي الأولوية لاحتياجات المجتمع، ويضع تحديات تونس في مجال الغذاء والمياه ضمن سياقها الأوسع للحوكمة والتجارة.

نرحب بأسئلتكم وانطباعاتكم حول هذا العمل. وإذا رغبتم في التفاعل بشكل أوسع، يمكنكم التواصل مباشرة مع الباحثين عبر البريد الإلكتروني.