مقدمة والتحديات الرئيسية
يواجه العراق عقبات هائلة في التحول إلى نظام طاقة أنظف وأكثر عدالةً. ففي عام 2023، احتل العراق المرتبة الثالثة عالميًا في حرق الغاز – بعد روسيا (نحو 59 مليار متر مكعب) وإيران (20.4 مليار متر مكعب) – إذ أحرق نحو 17 مليار متر مكعب من الغاز المصاحب، وفقًا لمرصد البنك الدولي لحرق الغاز. ولا يؤدي هذا الحرق إلى هدر الوقود والإيرادات المحتملة فحسب، بل يلوّث الهواء ويُفاقم تغير المناخ. ويتعلق معظم هذا الحرق بالغاز المصاحب المُنتج مع النفط الذي يمكن احتجازه واستخدامه. أما الحرق غير المصاحب فهو أقل بكثير ويرتبط عادةً بخللٍ تشغيلي، ما يعني أنه يمكن تجنب الحرق الأكثر انتشارًا في العراق إلى حد كبير إذا سُدَّت الفجوات في السياسات والبنى التحتية. ويأتي جزء كبير – نحو 20 في المئة من الغاز المحروق في البلاد – من إقليم كردستان شبه المستقل في الشمال. على عكس الصحاري النائية، تقع العديد من حقول النفط في الإقليم بالقرب من المدن والقرى، ما يُعرّض السكان المحليين لمستويات عالية من التلوث. يُقدّر أن 1.19 مليون عراقي (معظمهم في الشمال) يعيشون ضمن نطاق كيلومتر واحد من مواقع حرق متعددة، ويواجهون بالتالي مخاطر صحية مرتفعة. وتُبرز هذه الظروف قضايا العدالة البيئية: تتحمل المجتمعات الريفية والأقليات القريبة من مواقع النفط العبء الأكبر من التلوث وآثاره الصحية. وفي الواقع، يحرق العراق غازًا يفوق ما يستورده من إيران لتشغيل شبكته الكهربائية، ما يسلط الضوء على مفارقة أمن الطاقة: تهدر البلاد غازًا محليًا، بينما تعتمد على استيراد مكلف.
بالإضافة إلى الحرق، ينبع التحدي الأوسع للانتقال الطاقوي في العراق من اعتماده الشديد على النفط كمصدر للإيرادات ولتوليد الطاقة، ومن ضعف البنية التحتية لاحتجاز الغاز، ومن عقود من الصراعات وقلة الاستثمارات. وتعجز الشبكة الوطنية العراقية عن تلبية الطلب فيُستكمل الإنتاج غالبًا بمولدات الديزل ، فيما لا تزال الطاقة المتجددة في بداياتها. والأهم أن الانقسام السياسي بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان أدّى إلى سياسات طاقة غير منسجمة. لكن ما هو أعمق من هذا الانقسام الإقليمي هو الطابع المغلق لصنع القرار في قطاع الطاقة العراقي. فتهيمن مجموعة ضيقة من الفاعلين على القرارات المتعلقة بالنفط والغاز، مع رقابة برلمانية شبه معدومة وغياب إطار قانوني شامل، ما يخلق "نظام وصول محدود" يعوق الاستثمار والشفافية وقدرة الجهات التنظيمية على فرض القوانين في كل من العراق والإقليم. يركز هذا التقرير على أبرز تحديات الانتقال الطاقوي في العراق وديناميات السلطة التي تعرقل التقدم، مع التركيز على إقليم كردستان. كما يبحث الآثار المترتبة على سياسات حرق الغاز، ويقدّم توصيات – من ضمنها إشراك التحالفات الإقليمية – لتعزيز انتقال عادل للطاقة يتسم بالعدالة والشمول والشفافية.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.