مقدمة
عانى لبنان من العدوان الإسرائيلي على مدى عقود، كان آخرها الحرب التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2023، ودمرت بالكامل سبع بلدات وأحياء بأكملها في ما لا يقل عن 37 قرية جنوبية. حتى الآن، أودت الحرب بحياة أكثر من 4000 شخص، وشردت نحو 870 ألف شخص، كما دمرت نحو 361 مبنى في بيروت. إلى جانب الخسائر البشرية، كان للعدوان تداعيات عميقة على المشهدين السياسي والمؤسساتي في لبنان. فلم يقتصر أثره على إضعاف نشاط حزب الله في مختلف المواقع والقطاعات (خصوصًا في مجال تقديم الخدمات)، بل أعاد أيضًا تشكيل الساحة السياسية الأوسع. ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2024، طرأت أحداث كبرى أخرى غيّرت المشهد السياسي. انتُخب الرئيس الجديد جوزيف عون في 9 كانون الأول/يناير 2025، منهيًا فراغًا رئاسيًا دام لأكثر من عامين. تلا ذلك تعيين رئيس الوزراء الجديد نواف سلام في 13 كانون الأول/يناير 2025، وتشكيل الحكومة اللبنانية في 8 شباط/فبراير 2025. وبينما ينظر البعض إلى هذه التغييرات بتفاؤل حذر، يخشى آخرون من عدم اليقين، خصوصًا في ما يتعلق بسرعة إعادة الإعمار ونتائجها. أما السؤال الذي سيحدد، إلى حدٍ كبير، نجاح هذه الحكومة أو فشلها، فهو قدرتها على إنهاء الحرب وقيادة عملية إعادة إعمار موثوقة.
تمثل إعادة الإعمار تحديًا كبيرًا وفرصة نادرة لمعالجة التفاوتات الهيكلية المتجذرة في لبنان. ومن القضايا الأساسية في هذا السياق مسألة الحصول على الكهرباء، وهي خدمة أساسية اتسمت بعدم الاستقرار لعقودٍ طويلة. وتفاقمت أزمة الطاقة القائمة أصلاً بسبب الانهيار المالي الأخير، ما جعل قطاع الطاقة الرسمي عاجزًا عن توفير الطاقة بانتظام لغالبية السكان. وعلى مدى عقود أجبرت البنى التحتية غير الملائمة والشلل السياسي وعدم الاستقرار الاقتصادي معظم الناس على الاعتماد على مصادر طاقة غير رسمية ومكلفة وقصيرة الأمد وضارة، تتمثل أساسًا في مولدات الديزل الخاصة التي يديرها مزودون محليون غير رسميين.
مع بدء الأطراف المعنية عملية إعادة إعمار جديدة بعد الحرب، سيحتاجون إلى معالجة شبكة معقدة من قضايا الحوكمة، وتنفيذ سياسات طاقة شاملة، ووضع آليات تمويل مناسبة لضمان انتقال عادل ومستدام في قطاع الطاقة. ويعد التمويل الدولي أحد العناصر المالية الأساسية في هذه العملية. وفي حين تشكّل المساعدات والقروض الأجنبية فرصة مهمة، أظهرت التجارب السابقة أنه من دون إصلاحات هيكلية وإعادة إعمار استراتيجية وإشراف وطني شفاف وآليات واضحة للمساءلة، فإن هذه المساعدات قد تُسهم في تعزيز الزبائنية السياسية والتفاوتات الاجتماعية بدلاً من تمكين التنمية العادلة. وهناك حاجة إلى تحدي هذا الواقع عبر عمليات إعادة إعمار تراعي كفاءة استخدام الطاقة وتدمج مصادر الطاقة المتجددة في البيئات الحضرية لتقليل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري.
تتناول هذه الورقة التحديات والفرص المتعلقة باستعادة قطاع الطاقة في مرحلة إعادة إعمار لبنان بعد الحرب عبر دراسة ثلاثة عناصر مترابطة: (1) الجهات الفاعلة في قطاع الطاقة واستراتيجياتها المجزأة التي تؤثر في توفير الطاقة عبر ثلاث مراحل زمنية (قبل الأزمات، أثناء حالة الطوارئ الحالية، وفي المستقبل القريب)؛ (2) قوانين التخطيط في مجال الطاقة، مع التركيز على كيفية تأثير القوانين القائمة والمقترحة في إعادة بناء أنظمة الطاقة وفي إمكانية اعتماد أو إعاقة التقنيات المستدامة؛ و(3) الاقتصاد السياسي والفجوات المالية في عملية التعافي الحالية. وتجادل الورقة بأن عملية استعادة الطاقة في لبنان يجب أن تتجاوز الحلول قصيرة الأمد وإعادة الإعمار على النحو السابق، وأن تتبنى أجندة إصلاح شاملة تدمج الإصلاحات في مجالات الحوكمة، والقانون والاقتصاد والمالية.
ولإرساء التحليل على أرضٍ واقعية، تقدم هذه الورقة دراسة حالة عن بيروت الإدارية وضواحيها الجنوبية (انظر الشكل 1). فتضررت هذه الضواحي بشدة جراء الحرب الأخيرة (إذ دُمر ما لا يقل عن 417 مبنى)، في حين تعرضت بيروت الإدارية، العاصمة المجاورة، لأضرار أقل نسبيًا (دُمر مجمعان من المباني). ويعد استكشاف هاتين المنطقتين وعلاقتهما ببعضهما البعض أمرًا ضروريًا لفهم احتمال وجود جهود منسقة لتحسين الخدمات في منطقة بيروت الكبرى (التي تشمل ضواحيها). وتشترك المنطقتان بشبكات طاقة غير رسمية وأنظمة مولدات ديزل محتكرة. تُبرز هذه الدراسة التحديات المرتبطة بالحوكمة والسياسات والاقتصاد التي تواجه تحقيق العدالة في مجال الطاقة وسط المشهدين السياسي والاقتصادي المتقلبين في لبنان. وبهدف هذا البحث إلى استثمار الفرصة التي تتيحها عملية إعادة الإعمار لوضع أطر عملية تسعى إلى تحقيق تعافٍ فعال للطاقة على مستوى البلاد. ويهدف البحث وإشراك أصحاب المصلحة الذي أُجري طوال الدراسة إلى المساهمة في إعادة إعمار أكثر عدالة وشموليةً لقطاع الطاقة في لبنان بما يضمن عدم ترك الفئات المهمشة خارج مسار عملية تعافي البلاد.
المنهجية
تألفت منهجية البحث في هذه الورقة من: مراجعات مكتبية للتقارير والمقالات الإخبارية والقوانين والمراسيم القائمة والمقترحة (مثل قوانين البناء وتشريعات إعادة الإعمار ومشاريع القوانين المقترحة)؛ زيارات ميدانية إلى بيروت الإدارية وضواحيها الجنوبية؛ مقابلات معمقة مع 13 من أصحاب المصلحة الرئيسيين؛ ومحادثات مع فاعلين غير رسميين في المنطقة موضوع الدراسة. وشملت المقابلات ممثلين عن القطاع العام والنقابات ومراكز الأبحاث والمنظمات غير الحكومية والهيئات المعنية بوضع المعايير (انظر الملحق للاطلاع على القائمة الكاملة). حُلّلت البيانات التي جُمّعت وفق منهجية تحليل موضوعي استنادًا إلى الإطار المُوضّح أدناه (انظر الشكل 2). وفي قسم الحوكمة، استُخلصت الروابط بين مختلف الجهات الفاعلة في قطاع الطاقة من المقابلات، فوصف أصحاب المصلحة أشكال التنسيق التي كانت قائمة بينهم أو التي كانت غائبة.
تم التحقق من صحة نتائج البحث من خلال حوار سياساتي شارك فيه الأشخاص الذين تمت مقابلتهم، وأعضاء المجلس الاستشاري لقطاع الطاقة التابع لمبادرة الإصلاح العربي، وأصحاب مصلحة آخرون معنيون بالقطاع. كما ساهم هذا الحوار في تطوير التوصيات وصقلها.

الشكل 2 : إطار التحليلي للدراسة خلال إعادة الإعمار بعد الحرب والتحول السياسي ((من تصميم المؤلفة).
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.