أزمة الطاقة في لبنان في سياق إعادة الإعمار بعد الحرب والانقسامات السياسيّة

لقراءة الورقة كاملة، يُرجى تنزيل ملف الـ PDF من الجهة اليمنى.

عائلات نازحة من ضواحي بيروت الجنوبية تأوي في خيام وسط تصاعد الصراع بين حزب الله وإسرائيل – بيروت، لبنان – تشرين الأول / أكتوبر 2024. (c) شترستوك

مقدمة

عانى لبنان من العدوان الإسرائيلي على مدى عقود، كان آخرها الحرب التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2023، ودمرت بالكامل سبع بلدات وأحياء بأكملها في ما لا يقل عن 37 قرية جنوبية.1L’Orient Today, “Over 40,000 housing units destroyed in 37 devastated southern Lebanese villages”, 5 November 2024. حتى الآن، أودت الحرب بحياة أكثر من 4000 شخص، وشردت نحو 870 ألف شخص، كما دمرت نحو 361 مبنى في بيروت.2Reuters, “Israeli attacks have killed 4,047 people in Lebanon, Lebanese minister says”, 4 December 2024; Beirut Urban Lab, “Damage assessment in Beirut during the 2023–2024 conflict”, Online Platform, 2024. إلى جانب الخسائر البشرية، كان للعدوان تداعيات عميقة على المشهدين السياسي والمؤسساتي في لبنان. فلم يقتصر أثره على إضعاف نشاط حزب الله في مختلف المواقع والقطاعات (خصوصًا في مجال تقديم الخدمات)، بل أعاد أيضًا تشكيل الساحة السياسية الأوسع.3K. Alexander, “Hezbollah in decline: Between resistance rhetoric and strategic reality”, Manara Magazine, 2 June 2025. ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2024، طرأت أحداث كبرى أخرى غيّرت المشهد السياسي. انتُخب الرئيس الجديد جوزيف عون في 9 كانون الأول/يناير 2025، منهيًا فراغًا رئاسيًا دام لأكثر من عامين. تلا ذلك تعيين رئيس الوزراء الجديد نواف سلام في 13 كانون الأول/يناير 2025، وتشكيل الحكومة اللبنانية في 8 شباط/فبراير 2025. وبينما ينظر البعض إلى هذه التغييرات بتفاؤل حذر، يخشى آخرون من عدم اليقين، خصوصًا في ما يتعلق بسرعة إعادة الإعمار ونتائجها. أما السؤال الذي سيحدد، إلى حدٍ كبير، نجاح هذه الحكومة أو فشلها، فهو قدرتها على إنهاء الحرب وقيادة عملية إعادة إعمار موثوقة.

تمثل إعادة الإعمار تحديًا كبيرًا وفرصة نادرة لمعالجة التفاوتات الهيكلية المتجذرة في لبنان. ومن القضايا الأساسية في هذا السياق مسألة الحصول على الكهرباء، وهي خدمة أساسية اتسمت بعدم الاستقرار لعقودٍ طويلة. وتفاقمت أزمة الطاقة القائمة أصلاً بسبب الانهيار المالي الأخير، ما جعل قطاع الطاقة الرسمي عاجزًا عن توفير الطاقة بانتظام لغالبية السكان.4Human Rights Watch, “Lebanon: Electricity crisis exacerbates poverty, inequality”, 9 March 2023. وعلى مدى عقود أجبرت البنى التحتية غير الملائمة والشلل السياسي وعدم الاستقرار الاقتصادي معظم الناس على الاعتماد على مصادر طاقة غير رسمية ومكلفة وقصيرة الأمد وضارة، تتمثل أساسًا في مولدات الديزل الخاصة التي يديرها مزودون محليون غير رسميين.5 Human Rights Watch, “‘Cut Off from Life Itself’: Lebanon’s failure on the right to electricity”, Report, 9 March 2023.

مع بدء الأطراف المعنية عملية إعادة إعمار جديدة بعد الحرب، سيحتاجون إلى معالجة شبكة معقدة من قضايا الحوكمة، وتنفيذ سياسات طاقة شاملة، ووضع آليات تمويل مناسبة لضمان انتقال عادل ومستدام في قطاع الطاقة. ويعد التمويل الدولي أحد العناصر المالية الأساسية في هذه العملية.6وقد تعهدت مجموعة البنك الدولي بالفعل بتقديم 250 مليون دولار أمريكي، مع توقعات بأن يصل هذا الرقم إلى أكثر من مليار دولار أمريكي. وفي حين تشكّل المساعدات والقروض الأجنبية فرصة مهمة، أظهرت التجارب السابقة أنه من دون إصلاحات هيكلية وإعادة إعمار استراتيجية وإشراف وطني شفاف وآليات واضحة للمساءلة، فإن هذه المساعدات قد تُسهم في تعزيز الزبائنية السياسية والتفاوتات الاجتماعية بدلاً من تمكين التنمية العادلة.7M. Fawaz, “Aid, reconstruction, and the persistence of clientelism in Lebanon after the 2006 war”, Middle East Report, Vol. 251, pp. 24-29, 2009. وهناك حاجة إلى تحدي هذا الواقع عبر عمليات إعادة إعمار تراعي كفاءة استخدام الطاقة وتدمج مصادر الطاقة المتجددة في البيئات الحضرية لتقليل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري.

تتناول هذه الورقة التحديات والفرص المتعلقة باستعادة قطاع الطاقة في مرحلة إعادة إعمار لبنان بعد الحرب عبر دراسة ثلاثة عناصر مترابطة: (1) الجهات الفاعلة في قطاع الطاقة واستراتيجياتها المجزأة التي تؤثر في توفير الطاقة عبر ثلاث مراحل زمنية (قبل الأزمات، أثناء حالة الطوارئ الحالية، وفي المستقبل القريب)؛ (2) قوانين التخطيط في مجال الطاقة، مع التركيز على كيفية تأثير القوانين القائمة والمقترحة في إعادة بناء أنظمة الطاقة وفي إمكانية اعتماد أو إعاقة التقنيات المستدامة؛ و(3) الاقتصاد السياسي والفجوات المالية في عملية التعافي الحالية. وتجادل الورقة بأن عملية استعادة الطاقة في لبنان يجب أن تتجاوز الحلول قصيرة الأمد وإعادة الإعمار على النحو السابق، وأن تتبنى أجندة إصلاح شاملة تدمج الإصلاحات في مجالات الحوكمة، والقانون والاقتصاد والمالية.

ولإرساء التحليل على أرضٍ واقعية، تقدم هذه الورقة دراسة حالة عن بيروت الإدارية وضواحيها الجنوبية (انظر الشكل 1). فتضررت هذه الضواحي بشدة جراء الحرب الأخيرة (إذ دُمر ما لا يقل عن 417 مبنى)، في حين تعرضت بيروت الإدارية، العاصمة المجاورة، لأضرار أقل نسبيًا (دُمر مجمعان من المباني).8The New Arab, “Lebanon ceasefire: What dangers do Dahiyeh’s residents face?”, 2 October 2024. ويعد استكشاف هاتين المنطقتين وعلاقتهما ببعضهما البعض أمرًا ضروريًا لفهم احتمال وجود جهود منسقة لتحسين الخدمات في منطقة بيروت الكبرى (التي تشمل ضواحيها). وتشترك المنطقتان بشبكات طاقة غير رسمية وأنظمة مولدات ديزل محتكرة.9Ebla Research Collective, “‘I am, as you can see, the local government, the electricity company and much more’: Building committees as space of social organizing in Beirut”, Research report, 2024 (Ebla Research Collective, “‘I am, as you can see’”). تُبرز هذه الدراسة التحديات المرتبطة بالحوكمة والسياسات والاقتصاد التي تواجه تحقيق العدالة في مجال الطاقة وسط المشهدين السياسي والاقتصادي المتقلبين في لبنان. وبهدف هذا البحث إلى استثمار الفرصة التي تتيحها عملية إعادة الإعمار لوضع أطر عملية تسعى إلى تحقيق تعافٍ فعال للطاقة على مستوى البلاد. ويهدف البحث وإشراك أصحاب المصلحة الذي أُجري طوال الدراسة إلى المساهمة في إعادة إعمار أكثر عدالة وشموليةً لقطاع الطاقة في لبنان بما يضمن عدم ترك الفئات المهمشة خارج مسار عملية تعافي البلاد.

المنهجية

تألفت منهجية البحث في هذه الورقة من: مراجعات مكتبية للتقارير والمقالات الإخبارية والقوانين والمراسيم القائمة والمقترحة (مثل قوانين البناء وتشريعات إعادة الإعمار ومشاريع القوانين المقترحة)؛ زيارات ميدانية إلى بيروت الإدارية وضواحيها الجنوبية؛ مقابلات معمقة مع 13 من أصحاب المصلحة الرئيسيين؛ ومحادثات مع فاعلين غير رسميين في المنطقة موضوع الدراسة. وشملت المقابلات ممثلين عن القطاع العام والنقابات ومراكز الأبحاث والمنظمات غير الحكومية والهيئات المعنية بوضع المعايير (انظر الملحق للاطلاع على القائمة الكاملة). حُلّلت البيانات التي جُمّعت وفق منهجية تحليل موضوعي استنادًا إلى الإطار المُوضّح أدناه (انظر الشكل 2). وفي قسم الحوكمة، استُخلصت الروابط بين مختلف الجهات الفاعلة في قطاع الطاقة من المقابلات، فوصف أصحاب المصلحة أشكال التنسيق التي كانت قائمة بينهم أو التي كانت غائبة.

تم التحقق من صحة نتائج البحث من خلال حوار سياساتي شارك فيه الأشخاص الذين تمت مقابلتهم، وأعضاء المجلس الاستشاري لقطاع الطاقة التابع لمبادرة الإصلاح العربي، وأصحاب مصلحة آخرون معنيون بالقطاع. كما ساهم هذا الحوار في تطوير التوصيات وصقلها.

الشكل  2  : إطار التحليلي للدراسة خلال إعادة الإعمار بعد الحرب والتحول السياسي ((من تصميم المؤلفة).

Endnotes

Endnotes
1 L’Orient Today, “Over 40,000 housing units destroyed in 37 devastated southern Lebanese villages”, 5 November 2024.
2 Reuters, “Israeli attacks have killed 4,047 people in Lebanon, Lebanese minister says”, 4 December 2024; Beirut Urban Lab, “Damage assessment in Beirut during the 2023–2024 conflict”, Online Platform, 2024.
3 K. Alexander, “Hezbollah in decline: Between resistance rhetoric and strategic reality”, Manara Magazine, 2 June 2025.
4 Human Rights Watch, “Lebanon: Electricity crisis exacerbates poverty, inequality”, 9 March 2023.
5  Human Rights Watch, “‘Cut Off from Life Itself’: Lebanon’s failure on the right to electricity”, Report, 9 March 2023.
6 وقد تعهدت مجموعة البنك الدولي بالفعل بتقديم 250 مليون دولار أمريكي، مع توقعات بأن يصل هذا الرقم إلى أكثر من مليار دولار أمريكي.
7 M. Fawaz, “Aid, reconstruction, and the persistence of clientelism in Lebanon after the 2006 war”, Middle East Report, Vol. 251, pp. 24-29, 2009.
8 The New Arab, “Lebanon ceasefire: What dangers do Dahiyeh’s residents face?”, 2 October 2024.
9 Ebla Research Collective, “‘I am, as you can see, the local government, the electricity company and much more’: Building committees as space of social organizing in Beirut”, Research report, 2024 (Ebla Research Collective, “‘I am, as you can see’”).

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.