نشهد اليوم موجة جديدة من الاعترافات بدولة فلسطين. فها نحن نرى الآن في نيويورك ولندن وباريس وأوتاوا وكانبيرا وأماكن أخرى موجة جديدة من الاعترافات بدولة فلسطين كتلك التي رأيناها في 2011-2012 (والتي تُوِّجت بتصويت 138 دولة على منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة). في ذلك الوقت، كانت الأجواء أكثر إيجابية وتفاؤلًا. لم تكن هناك إبادة جماعية ومجاعة وتجويع مفروض كسلاح حرب ومحو لقطاع كبير من الشعب الفلسطيني وتاريخه بالحجم الذي نشهده منذ أكتوبر 2023. بل كان هناك حينها "احتفاء عالمي" بالدولة الفلسطينية القائمة "في كل شيء ما عدا الاسم" كما أعلن بحزم آنذاك رئيس وزراء السلطة الفلسطينية، مضيفًا أن الفلسطينيين يقتربون "من موعدهم مع الحرية". وهكذا، بينما حصلت السلطة الفلسطينية على الاعتراف الذي كانت تسعى إليه قبل 15 عامًا تقريبًا، فإن واقع وجود دولة فلسطين اليوم أبعد من أي وقت مضى منذ تأسيس تلك السلطة في عام 1993.
ومن المثير للقلق أن الموجة الجديدة من الاعتراف الصوري بالدولة لا تعترف بالفلسطينيين أنفسهم: الشعب وحقوقه الفردية والجماعية. فالتعريف الأساسي للدولة يتعلق إلى حدٍ كبير بالأرض والشعب. ومع ذلك، فقد تم الاستيلاء على الأرض على مر السنين من قبل دولة إسرائيل الاستعمارية الاستيطانية – ودولة الإبادة الجماعية الآن – بينما تم قتل الشعب وتطهيره عرقياً بعشرات الآلاف على مدى العامين الماضيين، مما سرّع من عملية بدأت مع نكبة عام 1948. وهذا الأمر يطرح السؤال التالي: ما هي الدولة وأي معنى لها بدون شعب وبدون أرض؟
لنكن واضحين: موجة الاعترافات الجديدة بدولة فلسطين مدفوعة إلى حد كبير بالرغبة في معالجة الشعور بالذنب والعجز السياسي إزاء الصمت – وفي بعض الحالات التواطؤ – على الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، ولكنها حتى الآن لا تحمل في طياتها التزامًا حقيقيًا أو خطة حقيقية لجعل تلك الدولة واقعًا. وعلى الرغم من الخطاب الاحتفالي المتوهج من الجميع بأن هذا الاعتراف هو انتصار لفلسطين والفلسطينيين وحقوقهم غير القابلة للتصرف، إلا أن خواء هذه الشعارات مذهل عندما يقارن بالوقائع على الأرض من إنكار ممنهج للحقوق، وضم الضفة الغربية المحتلة، ومحو قطاع غزة، والإفلاس السياسي لمعظم الفصائل الفلسطينية وأشكال ونماذج القيادة السياسية الفلسطينية، والأجندة التوسعية الاستيطانية الفاشية لإسرائيل.
وبعد عامين من الفشل الدولي في وقف حرب الإبادة الجماعية على غزة، يبدو إعلان الدولة الفلسطينية حلاً سهلاً وصيغة سحرية للدول التي تحتاج إلى الظهور بمظهر من "يطهر" صمته أو عجزه، خاصة بالنسبة لأولئك الذين استثمروا لعقود في الإطار الأصلي لحل الدولتين.
ولكن الإعلان عن دولة – دون خطوات تعالج وتكترث لأرضها ولشعبها – هو استمرار لنهج "أفيون الدولة" الذي يبقي على إطار عمل عفا عليه الزمن، ويسمح للجهات الفاعلة المعنية بالتباهي بالتزامها بـ"السلام والعدالة" بينما الدولة الاسمية المحتفى بها تقصفها إسرائيل حتى تصبح مجرد سراب وهلوسة، أو حتى تمحو شرائح كبيرة من الشعب الفلسطيني. إذا كانت هذه الجهات الفاعلة لم تنجح في وقف إبادة جماعية مستمرة على مدار عامين، أو متواطئة في إدامتها، وإذا كانت هذه الجهات الفاعلة نفسها لم تنجح في بناء دولة فلسطينية على مدار 32 عامًا مضت، فلماذا يختلف الأمر الآن؟ هذا هو السؤال الذي يريد الشعب الفلسطيني إجابة عليه.
إن خطة السلام المزعومة التي عرضها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 22 أيلول/سبتمبر من على منصة الأمم المتحدة ليست خطة سلام في الحقيقة، إلا إذا كان معنى السلام قد تغير أو استمر تشويهه. فهي في أحسن الأحوال خارطة طريق لتحرير الرهائن الإسرائيليين الـ48 كأولوية قصوى (دون ذكر ما يقرب من 10 آلاف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية)، ونزع سلاح حماس، وتمكين السلطة الفلسطينية وإحيائها، ووضع قائمة طويلة من الشروط على الفلسطينيين وحاضرهم ومستقبلهم (وهو ما قبلته قيادة السلطة الفلسطينية بكل سرور وأقرته). هذه ليست وصفة للسلام. إنها شكل آخر من أشكال الهيمنة.
فالدبلوماسية أمرٌ بالغ الأهمية والمفاوضات ضرورية، ولكن لا يمكن أن تتفوق على قضايا أخرى لا تقل أهميةً والتي يتم تجاهلها في الإطار العام الذي تعمل فيه الدبلوماسية، مثل قضايا وأسئلة الكرامة والمقاومة والشرعية والمساءلة والملكية المحلية والتمثيل السياسي والتعددية والوكالة السياسية الفلسطينية، على سبيل المثال لا الحصر. إن الدعوة إلى الدبلوماسية والمفاوضات يجب أن تنبع من هذه القضايا وأن تكون متجذرة فيها بدلًا من إخفائها وتهميشها. وهذا هو الدرس الذي ينبغي استخلاصه من اتفاقات أوسلو وما تلاها من تشويه السلام على مدى 30 عامًا. وإلا فإننا نسير بإرادتنا على طريق لن يقدم لنا أكثر من "إطار سلام" زائف آخر يحافظ على الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري الإسرائيلي ويطبعه.
في الواقع، تجادل الدول التي تعترف بدولة فلسطين اليوم بأن التوقيت جوهري، وأن الإعلان في هذه المرحلة الحرجة هو الحل الشافي لبناء السلام، وأنها ملتزمة باتخاذ إجراءات متابعة في المستقبل القريب لتنفيذ إعلان نيويورك، وتحقيق إطار حل الدولتين أخيرًا. ولكن، بعد ثلاثة عقود من الإخفاقات، والفشل الذريع في العامين الماضيين، لماذا يثق الشعب الفلسطيني، وليس قيادته غير الشرعية، بمن يحتفلون الآن، بينما الشعب يعاني ويتعرض للمحو والتطهير العرقي؟ هناك تناقض سريالي غير قابل للتوفيق. إذا كانت تلك الجهات الفاعلة المهتمة بالسلام مهتمة حقًا برؤية التغيير، فعليها أن تبدأ بفهم ومعالجة واقع الدولة الواحدة القائم بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط: الفصل العنصري والإبادة الجماعية والاستعمار الاستيطاني.
وبالإضافة إلى ذلك، يمكن القول بأن السلطة الفلسطينية في العام 2011 – من حيث المؤسسات والوضع المالي والتزام المانحين وحتى الشرعية – كانت أقدر وأنضج لتولي دور الدولة وكان السياق أكثر ملاءمة من اليوم. آنذاك اعترفت نحو 140 دولة بذلك، وشهدت المنظمات الدولية الرئيسية وأعلنت جاهزية الدولة الفلسطينية مؤسساتيًا. ومنذ ذلك الحين، لا تتجاوز فكرة الدولة الفلسطينية مجرد التصريحات الطنانة والإعلانات العاطفية والكلمات المنمقة. وهذه "الأفعال" لا يمكنها تغيير الحقائق والواقع المدمر على أرض الواقع. بعد ثلاثة عقود، لا يشعر أو يتصور الشعب الفلسطيني أن حقوقه الإنسانية والمدنية والسياسية والوطنية تُؤخذ بعين الاعتبار بشكل حقيقي وجدي. وهذا أمر مهم وجوهري بالنسبة لبناء للسلام، كما يعلم جيدًا المهتمون ببناء السلام، لكنهم قرروا في هذه المناسبة مرة أخرى أن يتجاهلوا الشعب أو يكتفوا بالتعبير شكلياً وبشكل سطحي عن معاناته وتطلعاته.
وفي نهاية المطاف، فإن الاعتراف المدفوع بالذنب السياسي لا يكفي بالتأكيد لتحقيق سلام دائم أو عدالة دائمة إذا لم يكن مصحوبًا بأفعال تضع الشعب الفلسطيني المستعمَر وحقوقه في الكرامة وتقرير المصير والحرية في مركز اهتمامه. وكلما ارتفع صوت الاحتفالات، سواء من قبل الجهات الدولية الفاعلة أو من قبل الفصائل والقيادات الفلسطينية المفلسة سياسيًا، كلما كانت هذه الاحتفالات أكثر سريالية وخطورة. وكما جادلتُ سابقاً، فإن الاحتفال بمظاهر الدولة لم يجعل مجرد فكرة الدولة – كوسيلة لإعمال وتحقيق الحقوق – غير قابلة للتطبيق وغير قابلة للتحقيق على مدى العقود الماضية وحسب، بل ساهم أيضًا في إنكار الحقوق الفلسطينية، بما فيها الحق في الحرية وفي إقامة دولة ذات سيادة.
هذا ليس منظوراً "رافضاً" أو "متشائماً" كما قد يجادل البعض. فأنا لست مهتماً بأن أكون "معكراً للصفو" أو "مفسداً للحفلات"، وانتقادي بالطبع ليس موجهاً ضد المواقف المبدئية لدول مثل جنوب أفريقيا وإسبانيا والنرويج وأيرلندا وغيرها من الدول التي تجاوزت مجرد التصريحات. ولكن محاجتي ونقدي متجذرة في ملاحظة وعيش الإخفاقات متعددة الطبقات لعملية "السلام" المزعومة. فالعودة إلى "الوضع الطبيعي القديم" ليس خبراً جيداً للسلام ولا للعدالة، ناهيك عن الحرية والمساواة للفلسطينيين. إنّ دورة الأخبار المضخمة على مدار 24 ساعة التي تحتفل بدولة فلسطين لن تعيد عشرات الآلاف الذين استشهدوا في غزة خلال العامين الماضيين، ولن تُطعم الجائعين، ولن تمنع المزيد من القتل على يد إسرائيل، ولن تحاسب من قتلهم، ما لم يتم اتخاذ إجراءات ملموسة، وليس تصريحات.
قد تشير الإعلانات كإعلان نيويورك إلى بداية جديدة. ولكن هذه الإعلانات سيكون لها صدى حقيقي عندما نرى عقوبات جادة على إسرائيل، وعندما تؤخذ أحكام المحاكم الدولية واستنتاجات تقارير الأمم المتحدة على محمل الجد، وعندما تدفع إسرائيل ثمن أفعالها، وعندما تُحترم الخيارات الفلسطينية، وعندما لا يتم إنكار الديمقراطية الفلسطينية الهادفة، وعندما يتمكن الفلسطينيون من ممارسة الوكالة السياسية ورسم ملامح مستقبلهم.
فالاستدلال على وجود صلة مباشرة بين الاعتراف بالدولة ووقف الإبادة الجماعية هو مجرد خيال. وأظن أن من هم في السلطة يعلمون أن بادرة رمزية مدفوعة بالذنب السياسي، وليس بالتزام حقيقي بالمساءلة والنظام العالمي القائم على القواعد وإزالة الاستعمار، لن توقف آلة الإبادة الجماعية. بل إنهم في الواقع يصرفون الانتباه بإقامة حفلة في الوقت الذي يتم فيه إبادة الأمة المعنية نفسها، وهم بذلك يصرفون الانتباه مرة أخرى عن جوهر الموضوع: كيفية وقف الإبادة الجماعية، وكيفية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وكيفية تفكيك نظام وهياكل الفصل العنصري، وكيفية إنهاء الاستعمار. إن طرق وسبل محاسبة إسرائيل وحلفائها أولاً، واضحة ومباشرة. وبامتناعهم عن القيام بذلك، فإن هذه الحكومات، التي تحرك وتدفع أفعالها مشاعر الذنب السياسي، تضاعف من تواطؤها أو فشلها بشكل مباشر أو غير مباشر. وفي كلتا الحالتين، فإنهم يلحقون الأذى والضرر، ليس فقط بالفلسطينيين وسعيهم إلى الحرية، بل بمعنى السلام ذاته. وقبل أن يعترفوا بفلسطين، عليهم أن يعترفوا بالفلسطينيين.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.