مقدمة
كانت الثورة التونسية عام 2011 نتيجة عقود من عدم المساواة الاقتصادية والظلم الاجتماعي. ففاقم التوزيع غير المتكافئ للثروة - إلى جانب السياسات النيوليبرالية وبرامج التقشف التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية - عدم الاستقرار، وأدى إلى اضطرابات اجتماعية. كان إفقار الفلاحين والطبقة العاملة، إلى جانب الإصلاحات الزراعية الخاطئة التي رفعت أسعار العديد من المواد الغذائية، وتهميش المناطق الداخلية من البلاد، من الأسباب الرئيسية لعدم رضا جزء كبير من المجتمع عن نظام زين العابدين بن علي. ، كان السبب الكامن وراء هذه الأزمة هو سياسات النظام الزراعية التي فضلت الزراعة واسعة النطاق على الزراعة الصغيرة، وانخرطت في ممارسات مصادرة الأراضي. في الواقع، كان إحباط الفقراء الريفيين في تونس هو ما أشعل فتيل الانتفاضات التي بدأت أولاً في محافظة سيدي بوزيد الزراعية المهيمنة على المنطقة، ثم انتشرت عبر المحافظات الريفية قبل أن تصل إلى المدن وأخيراً العاصمة. يُبرز هذا المسار أن المطالب بالحريات السياسية كانت عاملاً مهماً، لكن القضايا الاجتماعية والاقتصادية، خصوصاً المتعلقة بالمناطق الريفية، كانت السبب الرئيسي وراء الاضطرابات.
مع ذلك، في فترة ما بعد الثورة، هيمنت المخاوف السياسية وقضايا الهوية على الخطاب والسياسات، ما طغى على الأبعاد الزراعية والريفية التي أدت إلى اندلاع الثورة الأولى. ولم تتناول أي سياسة حكومية أو برامج أي حزب سياسي القضايا الزراعية والريفية بشكلٍ شامل، كما يتضح من استمرار تطبيق نماذج مستوردة للتنمية الزراعية. في المقابل، يزداد إدراك منظمات المجتمع المدني والباحثين التقدميين والنقابيين أهمية الزراعة في تنفيذ سياسات التنمية؛ فهم يميلون بشكلٍ متزايد نحو الحركة الدولية حول حقوق سكان المناطق الريفية، والقضايا المناخية والتحول البيئي المستدام.
يساهم هذا التقرير في هذا المجال عبر تعميق النقاش حول كيفية تحقيق السيادة الغذائية في السياق التونسي. وتطرح الدراسة السؤال الآتي: كيف يمكن لتونس مواجهة التحديات المترابطة لتغير المناخ والعولمة والحكم الوطني لتحويل نظامها الزراعي الغذائي إلى نظام أكثر استدامة وعدالة؟ ويقدم التقرير دراسة أصلية للنظم الغذائية التونسية وتحليلات شاملة لأطر الحوكمة والسياسات الحالية. كما يسلط الضوء بشكلٍ عام على المساهمات الحاسمة للنقابات والنشطاء والمجتمع المدني التي لم تُستكشف حتى الآن. يكشف هذا النهج عن فرص وتحديات فريدة لتنفيذ السيادة الغذائية في تونس، ويُبرز المجالات المبتكرة لتغيير السياسات التي يمكن أن تساهم في بناء نظام غذائي زراعي مستدام وشامل لتونس، خصوصاً في ظل تفاقم أزمة المناخ.
المفاهيم والمنهجية
عند تطبيقه على النظام الزراعي الغذائي، يشير مفهوم الانتقال العادل إلى التحول نحو نظام غذائي أكثر استدامة، وعدالةً، ومشاركة، ومرونة. وجرى تصوره للمرة الأولى في سياق أزمات المناخ العالمية. ويشير الانتقال العادل في سياق الغذاء إلى التحول نحو ممارسات لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، والحفاظ على الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي، وضمان توزيع الفوائد بين الفئات المهمشة، والعدالة الاجتماعية والاقتصادية. ومن منظور الانتقال العادل، يجب أن يتبنى النظام الزراعي الغذائي ما يأتي: أشكال مستدامة من الزراعة تقلل من البصمة البيئية لإنتاج الغذاء؛ ونموذج حوكمة يضمن المشاركة عبر مساحات وآليات صنع قرار شاملة؛ وإنشاء تبادل تجاري مستدام وعادل.
تدافع الحركات الاجتماعية العابرة للحدود مثل La Via Campesina (LVC) عن هذا النوع من التغيير الجذري، مطالبةً بإعطاء النظم الغذائية الأولوية للشواغل الاجتماعية والثقافية والسياسية - بما فيها علاقات القوة والحكم الديمقراطي - على التعديلات التقنية البحتة مثل الزراعة عالية الإنتاجية المُعتمدة على الكائنات المعدلة وراثيًا والري على نطاقٍ واسع والآلات المتطورة والمدخلات الكيميائية. وفقًا لتعريف (LVC)، السيادة الغذائية هي إطار شامل يتجاوز مجرد إنتاج الغذاء ليشمل الأبعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والبيئية لتحقيق تحول جوهري في النظم الغذائية يضع حقوق واحتياجات الناس والمجتمعات فوق مصالح الشركات والأسواق العابرة للحدود. وتعد السيادة الغذائية، كما تحددها (LVC)، إطاراً تحليلياً مناسباً لفهم الصراعات الراهنة، مع اقتراح رؤية جديدة للتحول العادل للنظم الغذائية، لا سيما في المنطقة العربية.
تستند نتائج هذا التقرير إلى نهجٍ مختلط يجمع بين: مراجعة شاملة للأدبيات الأولية والثانوية حول النظام الغذائي الزراعي في تونس؛ وتحليل متعمق لنظام الحوكمة والسياسات الزراعية؛ وبيانات نوعية جُمعت من خلال مقابلات رسمية وغير رسمية مع أصحاب المصلحة، فضلاً عن حلقات النقاش.
أُجريت سبع مقابلات رسمية خلال شهري نيسان/أبريل وأيار/مايو 2025 عبر الإنترنت وحضورياً، بهدف التوصل إلى وجهات نظر حول السياسات الزراعية التونسية وتأثيراتها، خصوصاً على صغار المزارعين. وكان الهدف توثيق وجهات النظر المختلفة والسرديات والتفاعلات المختلفة بين الفاعلين الرئيسيين، لإجراء حوار أكثر شموليةًً حول إنشاء نظام غذائي زراعي مستدام.
لاستكمال المقابلات، عقد المؤلف وباحثون آخرون وموظفون من "مبادرة الإصلاح العربي" جلستين نقاشيتين للتحقق من صحة البيانات. جرت الجلسة الأولى ("مجموعة المزارعين") في 8 نيسان/أبريل 2025 في القيروان، وهي منطقة زراعية مهمة. واستهدفت هذه الجلسة بشكلٍ خاص صغار المزارعين والنقابات المحلية والجمعيات التعاونية للخدمات الزراعية المتبادلة (SMSAs) ومجموعات التنمية الزراعية (GDAs)، والفاعلين المحليين في المجتمع المدني ووسائل الإعلام المحلية. وعُقدت الجلسة الثانية ("مجموعة المجتمع المدني") في 18 نيسان/أبريل 2025 في تونس، بمشاركة المجتمع المدني على المستوى الوطني، والباحثين ووسائل الإعلام والنقابات. حضر كل جلسة نقاش نحو 20 شخصًا. وفي كلا الحدثين، عُرضت النتائج الأولية، ويُسرت نقاشات نقدية مع مجموعة متنوعة من أصحاب المصلحة. واستُخدمت تقنية أخذ العينات المتسلسلة لاختيار المشاركين، مستفيدين من شبكة المؤلف لضمان إدراج أصوات متنوعة من المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والنقابات والحكومة ووسائل الإعلام. ودُمجت الملاحظات والتوصيات والمحاور الرئيسية من كلا الجلستين والمقابلات بشكلٍ كامل في هذا التقرير.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.