أعلنت السلطات الانتقالية في سوريا عن إجراء انتخابات برلمانية غير مباشرة في وقت لاحق من هذا الشهر (على الأرجح بين 15 و20 سبتمبر/أيلول) لاختيار 140 عضواً من أصل 210 أعضاء في مجلس الشعب السوري. وعلى الورق، تُدخل العملية الانتخابية تحسينات متواضعة ولكن ذات مغزى على الجهود السابقة التي بذلتها السلطات الانتقالية لتوسيع التمثيل السياسي. فقد تعهدت بمراحل استشارية متعددة، وآليات للطعن، وخطوات لزيادة مشاركة المرأة.
لكن هذه الوعود يطغى عليها غموضٌ في آليات العمل ونقصٌ في الشفافية، مما يجعل عملية تشكيل المجلس عرضةً للتلاعب. يسلط هذا المقال الضوء على ست قضايا رئيسية يجب مراقبتها خلال الانتخابات، محاولا تجهيز المراقبين لتقييم أفضل لكيفية سير العملية وما إذا كانت ستعزز الشرعية، أم تخاطر بأن تصبح فرصة ضائعة أخرى تعمّق ضعف الثقة في الحكومة الانتقالية.
كيف وصلنا إلى هنا: الإطار التشريعي المؤقت والعملية البرلمانية
بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تم حل مجلس الشعب. ودعا دستور سوريا المؤقت الجديد لعام 2025، الذي تمت المصادقة عليه في 13 آذار/مارس 2025، إلى إنشاء مجلس شعب مؤقت. وبموجب هذا الميثاق الدستوري، يحق للمجلس التشريعي إصدار قوانين جديدة، وتعديل أو إلغاء التشريعات القائمة، والمصادقة على المعاهدات الدولية، والموافقة على ميزانية الدولة. ويجوز لها أيضًا منح العفو العام وإدارة شؤون أعضائه (عن طريق قبول الاستقالات أو رفع الحصانة). وتتخذ القرارات بأغلبية الأصوات.
وفيما يتعلق بالسلطة التنفيذية، يمارس المجلس رقابة محدودة، مثل استجواب الوزراء ومراجعة المراسيم. ومع ذلك، فإن هذه الصلاحيات مقيدة بإحكام: فالمراسيم الرئاسية لها قوة القانون ولا يمكن إلغاؤها إلا بأغلبية الثلثين، ما يضمن بقاء سلطة اتخاذ القرار النهائية بيد الرئاسة. أما فيما يتعلق بالسلطة القضائية، فيصادق المجلس على التعيينات في المحكمة الدستورية العليا، على الرغم من أن التعيينات تبقى من اختصاص الرئيس وحده.
وقد انطلقت عملية تشكيل البرلمان الجديد رسمياً في 13 حزيران/يونيو عندما أعلن الرئيس المؤقت أحمد الشرع عن إنشاء لجنة عليا لانتخابات مجلس الشعب ("اللجنة العليا") تتألف من 11 عضواً. وتضطلع اللجنة بمسؤولية تصميم نظام انتخابي غير مباشر، استناداً إلى هيئات ناخبة بدلاً من التصويت العام المباشر.
وقد تم تحديد عدد أعضاء المجلس في البداية بـ150 عضواً ولكن تم توسيعه لاحقاً إلى 210 أعضاء بناء على توصية من اللجنة العليا بعد مشاورات مع المجتمعات المحلية. ويتم اختيار ثلثي هؤلاء الأعضاء من خلال العملية التي تقودها اللجنة، بينما يتم تعيين الثلث المتبقي مباشرة من قبل الرئيس. ويعتمد توزيع المقاعد على عدد السكان في المحافظات السورية الأربعة عشر وفقاً لتعداد عام 2010. وتقسم كل محافظة إلى دوائر انتخابية تتماشى مع تقسيماتها الإدارية.
الجدول رقم 1: توزيع المقاعد البرلمانية لكل محافظة
| عدد المقاعد |
المحافظة |
| حلب |
32 |
| دمشق |
10 |
| ريف دمشق |
12 |
| حمص |
12 |
| حماة |
12 |
| إدلب |
12 |
| دير الزور |
10 |
| الحسكة |
10 |
| اللاذقية |
7 |
| طرطوس |
5 |
| الرقة |
6 |
| درعا |
6 |
| السويداء |
3 |
| القنيطرة |
3 |
| المجموع الكلي |
140 |
وتمثل تركيبة الهيئة العليا ونهجها التشاركي تحولاً عن الجهود الانتقالية السابقة. فالهيئة الحالية المكونة من 11 عضوًا أكثر تنوعًا من المبادرات الانتقالية السابقة ولا تهيمن عليها هيئة تحرير الشام، حيث لا يوجد سوى عضوين مرتبطين بحكومة الإنقاذ التي تقودها الهيئة. وفي حين أن إشراك امرأتين فقط لا يرقى إلى مستوى الإنصاف، إلا أنه يمثل خطوة متواضعة نحو مشاركة نسائية أكبر.
من الناحية الإجرائية، تبنت اللجنة نهجًا أكثر تشاركية مقارنةً ببعض اللجان الأخرى التي أنشأتها السلطات الانتقالية حتى الآن. فقد عقدت اللجنة منتديات عامة واجتماعات توعية على مستوى المحافظات لعرض إطارها الانتخابي المقترح والتماس الآراء والمقترحات. كما تم استحداث العديد من الضمانات الإجرائية، بما في ذلك تحديد فترة لتقديم الاعتراضات المتعلقة باختيار أعضاء الهيئات الناخبة وأسماء المرشحين لعضوية المجلس، فضلاً عن إنشاء لجان طعون قانونية لمراجعة هذه الاعتراضات.
شرح العملية الانتخابية
وفقاً للقانون الانتخابي المؤقت الذي صادق عليه الرئيس السوري في 20 آب/أغسطس، ستجري العملية الانتخابية على ثلاث مراحل. أولاً، تُنشئ اللجنة العليا لجاناً انتخابية فرعية على مستوى الدوائر، استناداً إلى توزيع المقاعد المبين أعلاه. ويجب أن تضم كل لجنة فرعية ثلاثة أعضاء على الأقل. غير أن معايير الأهلية للعضوية فضفاضة، وتشمل شروطاً مثل أن يكون المرشح مواطناً سورياً مقيماً في البلاد، وألا يقل عمره عن 25 عاماً، وألا يكون له سوابق جنائية، وألا يكون منتمياً للنظام السابق، وألا يكون قد خدم في قوات الأمن. وفي حين يشترط القانون التشاور مع المسؤولين والمجتمعات المحلية، فإن اللجنة العليا تمتلك السلطة النهائية في قرار تعيين أعضاء الهيئات الانتخابية.
وبمجرد إنشاء اللجان الفرعية، تُكلَّف هذه اللجان بتشكيل هيئات ناخبة في مناطقها. ويجب أن تضم كل هيئة ما بين 30 و50 عضوًا، يتم اختيارهم وفق معايير فضفاضة وإجراءات تشاورية غامضة، مماثلة لتلك المعتمدة في اختيار أعضاء اللجان الفرعية. ومع ذلك، يفرض القانون نسب لفئات معينة (كوتا): يجب أن تكون نسبة 20 في المئة من أعضاء الهيئات الناخبة من النساء، و3 في المئة من ذوي الاحتياجات الخاصة، ويجب أن تكون المقاعد المتبقية موزعة بنسبة 70/30 بين المثقفين والأعيان التقليديين. ثم يتم تقديم القائمة الأولية المؤلفة إلى اللجنة العليا، التي تحتفظ بسلطة تعديلها عن طريق استبدال المرشحين أو طلب قائمة بديلة من اللجنة الفرعية.
ولا يحق إلا لأعضاء هذه الهيئات الناخبة ترشيح أنفسهم لمقعد دائرتهم الانتخابية، ويُسمح لهم وحدهم بالتصويت. وتقتصر الحملات الانتخابية على مستوى الهيئات الناخبة ولا تمتد إلى عامة الناس. في يوم الانتخابات، يجب أن يتم التصويت شخصيًا من قبل أعضاء الهيئات الناخبة، وتُعلن النتائج في اليوم نفسه. ثم يتم تقديم أسماء المرشحين الفائزين إلى الرئيس، الذي يضع اللمسات الأخيرة على القائمة ويضيف الأعضاء السبعين المعينين مباشرة من قبله.
وعلى الرغم من أنه كان من المفترض أن تجري العملية في جميع أنحاء البلاد في وقت واحد، إلا أن اللجنة العليا أعلنت في 23 آب/أغسطس أن الانتخابات لن تُجرى في السويداء أو في معظم مناطق الحسكة والرقة، مبرِّرة ذلك بانعدام الأمن والتوتر السياسي. وقالت اللجنة إنه سيتم تأجيل التصويت في هذه المناطق إلى أن تسمح الظروف بذلك.
ستة تطورات يجب رصدها
مع الإعلان عن أسماء أعضاء اللجان الفرعية للدوائر الانتخابية في 3 أيلول/سبتمبر، تمضي العملية الانتخابية الآن على قدم وساق نحو تشكيل الكليات الانتخابية. وعلى الرغم من عدم تحديد موعد دقيق للتصويت، إلا أن اللجنة العليا اقترحت أن يتم ذلك في الفترة ما بين 15 و20 أيلول/سبتمبر. ومع تبقي أسابيع أو ربما أيام فقط على انتهاء العملية الانتخابية، فيما يلي بعض القضايا الرئيسية التي يجب مراقبتها خلال المرحلة الأخيرة من العملية.
1- تشكيل الهيئات الناخبة
نظراً للتأثير الهائل الذي ستتمتع به اللجان الفرعية في اختيار الهيئات الناخبة، فإن تشكيل أعضائها سيكون أمراً بالغ الأهمية. فصغر حجمها يزيد من سلطة أعضائها ويجعلها عرضة للتلاعب السياسي بشكل كبير. ولا يقلّ أهميةً عن ذلك طريقةُ اختيار أعضاء الهيئات الناخبة أنفسهم. من هم هؤلاء الأفراد؟ ما مدى شعبيتهم؟ ما هي ولاءاتهم السياسية؟ هل تم اختيارهم بطريقة متوازنة، أم أنهم يمنحون أفضلية لجهات أو جماعات معينة؟
2- المراقبة والإشراف
من المتوقع أن يلعب المراقبون دوراً في العملية الانتخابية، غير أن التفاصيل لا تزال غامضة. من سيعينهم؟ ما مدى خبرتهم؟ ما هي المراحل التي سيراقبونها؟ في هذا الإطار، من المهم التنويه إلى أنه إذا اقتصرت المراقبة على عملية التصويت المباشر، فستكون رقابة رمزية إلى حدٍّ كبير إذ تكمن أكبر مخاطر التلاعب في المراحل المبكرة، أثناء تشكيل اللجان الفرعية والكليات الانتخابية. ومن دون رقابة مستقلة في كل مرحلة، ستظل نتائج عملية تشكيل المجلس التشريعي موضع تشكيك.
3- تمثيل مناطق خارج دمشق
لعل المسألة الأكثر حساسية هي كيفية تمثيل المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق، بما في ذلك السويداء والحسكة والرقة. فقد يعيّن الرئيس ممثلين لتجنّب إقصائهم، لكن من دون موافقة السكان المحليين وإشراك الأطراف الفاعلة، قد يؤدي ذلك إلى تأجيج انعدام الثقة وترسيخ الانقسام. لذلك، سيكون من المهم معرفة كيفية تمثيل هذه المناطق، وتأثير ذلك على شرعية البرلمان وعلاقته بسلطات الأمر الواقع الفاعلة فيها.
4- ضمان تطبيق نظام الحصص (الكوتا)
يحدد مشروع القانون حصصًا لتشكيلة الهيئات الناخبة بنسبة 20 في المئة للنساء، و3 في المئة لذوي الاحتياجات الخاصة، و70/30 بين المثقفين والأعيان التقليديين. ومع ذلك، يبدو أن هذه الحصص تنطبق فقط على تركيبة الهيئات الناخبة، كناخبين في المقام الأول، لأن الترشح للمقاعد اختياري. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيتم تطبيق نسب مماثلة على تركيبة الهيئة التشريعية نفسها.
كما أن إجراء الانتخابات غير المباشرة على مستوى الدوائر الانتخابية وليس على مستوى المحافظات يقلل من احتمال الوصول إلى هذه النسب المرجوة. فمعظم الدوائر ستحتوي على مقعد واحد فقط، مما يزيد من فرص هيمنة النخب التقليدية على العملية على حساب المثقفين، مع ترك النساء أقل بكثير من عتبة ال20 في المئة. ومن دون ضمان تطبيق هذه الحصص على تركيبة الهيئة التشريعية، ستبقى هذه الإجراءات مجرد إيماءات رمزية.
5- خلفية من يعينهم الرئيس
مع تعيين ثلث أعضاء البرلمان مباشرة من قبل الرئيس، فإن فهم خلفية هؤلاء المعينين واستقلاليتهم عن الرئيس والأهداف الكامنة وراء اختيارهم سيكون أمرًا بالغ الأهمية. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة، نظرًا إلى أن المراسيم الرئاسية، بموجب الدستور المؤقت، تتمتع بقوة القانون ولا يمكن إلغاؤها إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي. وهذا ما يجعل ملف المعيَّنين من قبل الرئيس أكثر حساسية؛ فإذا اختار الرئيس أفرادًا خاضعين لنفوذه، فسيتمكّن من إصدار قوانين عبر مراسيم رئاسية من دون أن يكون للمجلس صلاحية الطعن فيها أو تعديلها. ويُعدّ ذلك مثيرًا للقلق بشكل خاص في هذه المرحلة الانتقالية، حيث يُعاد صياغة الإطار القانوني للبلاد. وهناك اعتبار آخر يجب الانتباه إليه، وهو ما إذا كان المعيَّنون من قبل الرئيس سيُختارون لضمان التمثيل الديموغرافي أو الجندري أو الديني، أو لرفد المجلس بخبرات ضرورية. إذ ستؤثر هذه الأمور بشكل مباشر في شرعية البرلمان وفعاليته على حدٍّ سواء.
6- الانطباعات المحلية
إن شكل العملية – بتركيزها على عملية غير مباشرة – يجعل من الصعب قياس شعبية الانتخابات وشرعية نتائجها بسبب غياب المشاركة الشعبية المباشرة. وفي غياب ذلك، يمكن استخدام العديد من المقاييس غير المباشرة لتكوين انطباع في هذا الخصوص. وتشمل هذه المقاييس عدد الطعون المقدمة للاعتراض على المرشحين، ومستوى المنافسة بين أعضاء الهيئة الناخبة، ومشاركة النخب المحلية، وأي إعلانات مقاطعة أو انسحابات من العملية.
ويمكن أن تشمل المؤشرات الأخرى شعبية أعضاء الهيئات الناخبة ومدى تمثيلهم لمجتمعاتهم المحلية. وفي غياب استطلاعات الرأي الرسمية أو المقابلات الواسعة لجمع الرأي العام حول هذه القضايا، يمكن أن توفر مراقبة منصات التواصل الاجتماعي أحد البدائل المتاحة لتقييم الانطباعات وردود الفعل. شريطة أن يتم ذلك بحذر، نظرًا للتلاعب الواسع بوسائل التواصل الاجتماعي في سوريا.
إن تشكيل المجلس التشريعي في سوريا يشكّل اختبارًا ليس فقط لعملية اختيار الأعضاء وآلياتها، بل أيضًا للإرادة السياسية للحكومة الانتقالية. وسيتوقف نجاح هذه العملية أو فشلها على مدى شفافية إجراءاتها، ونزاهة القائمين عليها، وشمولية نتائجها. ويمكن لهذه العملية أن تضفي الشرعية على المرحلة الانتقالية الهشّة، أو أن تعمّق الشكوك فيها وتقلّل من فرص نجاحها.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.