تحسين إطار عمل الطاقة المتجددة في لبنان: سياسات مبتكرة لنقل وعبور الطاقة، وأسواق الطاقة اللامركزية، وتعويض الكربون

لقراءة الورقة كاملة، يُرجى تنزيل ملف الـ PDF من الجهة اليمنى.

تحسين إطار عمل الطاقة المتجددة في لبنان: سياسات مبتكرة لنقل وعبور الطاقة، وأسواق الطاقة اللامركزية، وتعويض الكربون
قرطبا، لبنان – أيلول/سبتمبر 2022. (c) بول سعد / شترستوك

يعاني قطاع الطاقة في لبنان من الاعتماد على الوقود وعدم كفاءة الشبكة وتأخر الإصلاحات، على الرغم من التقدم القانوني الذي تحقق من خلال القوانين 462/2002 و318/2023. لمواجهة هذه التحديات وتمكين الانتقال المستدام، تقترح هذه الورقة تحديد تعريفات موحدة لنقل وعبور الطاقة والتداول بين الأقران باستخدام تقنية البلوك تشين، والتكامل مع أسواق الكربون. وتشمل الإجراءات ذات الأولوية تعرفات تعكس التكلفة وبيئات اختبار تنظيمية لجذب الاستثمار وتحسين المرونة، وتقليل الاعتماد على الديزل.

السياق وبيان المشكلة

يواجه قطاع الكهرباء في لبنان ضعفًا هيكليًا مزمنًا ، يتمثلّ في  الاعتماد الشديد على الوقود الأحفوري المستورَد، وقدرة توليد محدودة، وشبكة كهربائية قديمة وغير فعالة، إضافة إلى نقص مستمر في إمدادات الطاقة الكهربائية. على الرغم من اعتماد القوانين 462/2002 و318/2023 لتعزيز مشاركة القطاع الخاص والطاقة المتجددة، لا تزال هذه الأطر القانونية غير مكتملة، وتُنفّذ بشكلٍ سيئ. وتشمل التحديات الرئيسية غياب هيئة تنظيم مستقلة، والافتقار إلى تعرفات نقل وعبور شفافة، وغياب أنظمة تداول تشغيلية بين الأقران (P2P)، بالإضافة إلى الإخفاق  في الاستفادة من أسواق تعويض الكربون العالمية.

بالتوازي، ظهرت حلول الطاقة المتجددة اللامركزية بشكل مستقل وبطريقةٍ غير منسقة وغير منظمة إلى حدٍ كبير، ما أدى إلى انتقالٍ مجزأ يفاقم عدم المساواة ويستبعد المجتمعات الهشة. كما يواجه لبنان خطر فقدان فرص التمويل المناخي بسبب عدم دمج ائتمانات الكربون في استراتيجيات الطاقة.

تتناول الورقة هذه الثغرات عبر اقتراح إطار سياسي متكامل يركز على ثلاث ركائز تحويلية: آليات نقل وعبور موحدة، ومنصات تداول رقمية للطاقة بين الأقران، ودمج أسواق تعويض الكربون. كما تقدم هذه الورقة رؤى مقارنة، وسيناريوهات للتعرفة مبنية على النمذجة، وتوصيات قابلة للتنفيذ لتوجيه لبنان نحو مستقبلٍ للطاقة أكثر مرونةً وشموليةً وتوافقًا مع المناخ.

تعترض عملية التحول إلى الطاقة المتجددة في لبنان عقبات هيكلية وتنظيمية مستمرة، على الرغم من التحسينات الأخيرة في السياسات. وتسبب غياب هيئة تنظيم مستقلة لقطاع الكهرباء في تأخيراتٍ بيروقراطية ومشاركة محدودة للقطاع الخاص في مبادرات الطاقة المتجددة. وتُفاقم القيود المالية الوضع بسبب عدم وضوح آليات التسعير ونقص حوافز الاستثمار التي تثني الأطراف المحلية والأجنبية عن تمويل مشاريع الطاقة المتجددة.

بالإضافة إلى ذلك، تحد البنية التحتية القديمة لشبكة الكهرباء في لبنان من فعالية نقل وتداول الطاقة  عبر (P2P)، ما يجعلها غير مناسبة للدمج الفعال لمصادر الطاقة المتجددة اللامركزية. ونظراً لاستمرار اعتماد العديد من المجتمعات الريفية والفقيرة على مولدات الديزل باهظة الثمن والملوثة للغاية، يمثل التفاوت في الوصول إلى الطاقة مشكلة ملحة إضافية. علاوة على ذلك، يخسر لبنان فرص الحصول على تمويل عالمي لمكافحة تغير المناخ وجذب الاستثمارات في مشاريع الطاقة المتجددة التي تدعم الجهود العالمية للحد من الانبعاثات، لأنه لم يستغل بعد إمكانات أسواق تعويض الكربون بشكلٍ كامل.

ومع استمرار اعتماد المناطق الريفية والمحرومة على مولدات الديزل المكلفة والملوثة للغاية، يبرز تفاوت واضح في الوصول إلى الطاقة. إلى جانب ذلك، أدى الطابع اللامركزي والفردي لمبادرات الطاقة المتجددة الحالية إلى قدرٍ من عدم الكفاءة، ما يسلط الضوء على ضرورة اتباع نهج سياسي أكثر تنسيقًا. وأشارت لوري هايتايان خبيرة النفط والغاز إلى أن شبكة الكهرباء المركزية في لبنان أثبتت ضعفها في أوقات النزاع. ويمكن للمجتمعات المحلية الحفاظ على إمدادات طاقة موثوقة في حال تعطل النظام الوطني عن طريق لامركزية إنتاج الطاقة من خلال شبكات صغيرة محلية.

تتناول الأبحاث والمقالات الحالية مشاكل الانتقال المتقطع للطاقة، لكنها لا تقترح سوى القليل من الحلول العملية.

يوفر توحيد معايير نقل وعبور الكهرباء والتداول المباشر بين الأقران القائم على تقنية البلوك تشين وتكامل تعويضات الكربون، وجهات نظر جديدة في النقاش الحالي، ويزود صانعي السياسات بمجموعة أدوات أكثر شمولاً لمعالجة قضايا الطاقة في لبنان.

دعونا ندرس التغييرات التشريعية القادرة على تعزيز نظام الطاقة المتجددة في لبنان وزيادة استثمارات القطاع الخاص، ورفع كفاءة الشبكة. يمكن أن تسرّع قوانين النقل والتوزيع الأكثر صرامة وتمويل الكربون، وسوق الطاقة اللامركزية من انتقال لبنان إلى الطاقة النظيفة مع ضمان مكاسب مالية وبيئية طويلة الأمد.

في الواقع، إن توسيع نطاق تداول الطاقة (P2P) القائم على تقنية البلوك تشين وتوحيد معايير نقل وعبور الكهرباء، اللذان يشجع القانون 318/2023 على ممارستهما يساهمان في تعزيز شفافية السوق ومرونته في أوقات الأزمات. علاوة على ذلك، يمكن أن يحسّن  الدمج بين مشاريع الطاقة المتجددة وأسواق تعويض الكربون الدولية الوصول إلى التمويل المناخي مع دعم البنية التحتية والاقتصاد. وستؤدي هذه الجهود المنسقة إلى إرساء إطار عمل قوي في مجال الطاقة، قادر على تحمل الصدمات المستقبلية وضمان أمن واستدامة الطاقة في لبنان.

الحلول المقترحة والتحليل

إصلاحات تصميم التعرفة وخدمات عبور الطاقة

يعد تصميم التعرفة التي تعكس التكلفة مبدأ أساسيًا لضمان الاستدامة المالية لمشغلي النظام مع تعزيز الكفاءة والشفافية. ومن المهم التركيز على ضمان الوصول غير التمييزي، فيُعَامل جميع المستخدمين بشكل متكافئ في الوصول إلى شبكات النقل والتوزيع.

في أنظمة نقل وتوزيع الكهرباء الخاضعة للتنظيم، تعد منهجيات التعويض أدوات أساسية تستخدمها السلطات التنظيمية لمحاكاة ظروف السوق، وضمان عوائد عادلة للمشغلين، ومواءمة الحوافز الاقتصادية مع أهداف السياسة العامة. تجمع هذه المنهجيات عادةً بين النهج القائم على التكلفة التي تغطي النفقات الرأسمالية (CAPEX) والنفقات التشغيلية (OPEX)، والاستهلاك والضرائب والعائد العادل على الملكية، مع اعتبار آليات قائمة على الحوافز التي تعزز الكفاءة والابتكار وتحسين جودة الخدمات. فمن خلال تحديد "الإيرادات المسموح بها"، تُمكّن الهيئات التنظيمية الشركات من استرداد تكاليفها الفعالة، مع حماية المستهلكين من الأسعار المفرطة عبر عمليات تحديد التعرفات الشفافة والقابلة للتنبؤ.  بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن يأخذ إطار التعرفة في الاعتبار الطلب الأقصى واستخدام الشبكة بوصفهما من أبرز محركات التكاليف، كما يجب أن يضمن الشفافية وقابلية التنبؤ في تحديد التعرفة لتمكين التخطيط الاستثماري طويل الأمد وتحقيق استرداد عادل للتكاليف في سياق أسواق الكهرباء المتطورة، بما في ذلك خدمات العبور (Wheeling). يوازن إطار التعويض المصمم بشكل جيد بين أهداف متعددة: فهو يشجع على الاستثمار في البنية التحتية في الوقت المناسب، ويضمن استرداد التكاليف، ويجذب رأس المال الخاص، ويدعم استدامة القطاع على المدى الطويل. ويُعدّ احتساب متوسط تكلفة رأس المال المرجح (WACC)، بما يشمله من متغيرات نسبة المديونية، ومعدلات العائد الخالية من المخاطر، وعلاوات المخاطر السوقية، ومعدلات الضرائب، عنصرًا أساسيًا لتحديد العوائد العادلة. وفي الممارسة العملية، تطبق دول مثل البرتغال هذه المبادئ مع تعديلات تشمل آليات الفهرسة المرتبطة بمؤشرات الأسواق المالية للحفاظ على الاستقرار التنظيمي، مع الاستجابة للظروف الاقتصادية المتغيرة. ويضمن هذا النهج المنظم أن تدعم أنظمة التعويض ليس فقط الكفاءة الاقتصادية، بل أيضًا الأهداف الأوسع، مثل إزالة الكربون والتحول في قطاع الطاقة. وفي حالة خدمات العبور (Wheeling)، يجب أن تعكس التكاليف المرتبطة باستخدام شبكات  النقل والتوزيع هذه المكونات المنظمة لضمان العدالة وعدم التمييز. كما يساعد التخصيص السليم لرسوم العبور على أساس الاستخدام الفعلي للشبكة، في الحفاظ على تعرفات تعكس التكلفة وتدعم الاستدامة المالية لمشغلي الشبكات.

في سوق الكهرباء في تركيا، تُحدد التعرفات المنظمة ضمن إطار قانوني وتنظيمي مُحكم يستند إلى قانون سوق الكهرباء رقم 6446 والتشريعات الثانوية الداعمة له. تُصنّف التعرفات وفق فئات تشمل خدمات النقل والتوزيع والبيع بالتجزئة والتزويد كملاذ أخير (Last Resort Supply)، والربط وتشغيل السوق. كما صُممت  هذه التعرفات لتعكس التكلفة بما يضمن استرداد النفقات المبررة، بما فيها النفقات التشغيلية، والخسائر الهدر / المستهدفة في الطاقة، وهوامش الربح المنظمة. تستند تعرفات النقل والتوزيع إلى على مبادئ عدم التمييز، ويتم تشكيلها وفقًا لطوبولوجيا الشبكة وتوقعات ذروة الطلب وهياكل التكلفة، مع فرض رسوم متباينة بحسب مستويات الجهد الكهربائي وفئات المستخدمين. وأما تعرفات البيع بالتجزئة فتختلف بحسب مستويات الاستهلاك، حيث تشجع كبار المستهلكين على الانتقال إلى أسواق تنافسية من خلال تطبيق أسعار أعلى للتعرفة كملاذ أخير، مما يعزز من تحرير السوق.

يعتمد تحديد متطلبات الإيرادات لجميع الجهات الفاعلة في السوق، ومن ضمنها مشغلو الشبكات والسوق، على منهجيات محددة مسبقًا، تشمل التكاليف المسموح بها ومعايير الكفاءة. وتجدر الإشارة إلى أن تعرفة تشغيل السوق توزع متطلبات الإيرادات على قطاعات سوق الكهرباء استنادًا إلى حجم العمل والمشاركة. كما هو الحال في الأطر التنظيمية الأخرى، فإن خدمات العبور (Wheeling)  في تركيا تتضمّن رسومًا مدمجة ضمن تعرفات النقل والتوزيع. وتعد هذه التكاليف أساسية لاسترداد الاستثمارات في الشبكة ونفقات التشغيل المرتبطة باستخدام البنية التحتية لعبور الكهرباء بين المناطق أو بين أطرافٍ ثالثة.

مثلاً، يجيز القانون 318/2023 خدمات العبور ؛ غير أنّ المستثمرين ما زالوا متخوفين بسبب غياب معايير التنفيذ أو وجود تكاليف محدّدة مسبقًا. فمن الضروري اعتماد هيكل تعرفة نقل على الصعيد الوطني، وهو جزء من دور هيئة تنظيم قطاع الكهرباء ضمن مهامها الأخرى، بحيث يشمل مراقبة تدفّق الطاقة في الوقت الفعلي، ونماذج تسعير على أساس المسافة تختلف وفقًا لمستويات الجهد الكهربائي. ونتيجة لذلك، تُحدد رسوم استخدام الشبكة بطريقة شفافة. كما تُعد  الرقابة التنظيمية ضرورية لمنع الممارسات الاحتكارية والحفاظ على أسعار عادلة وتعكس التكلفة. إن نظام العبور المفتوح والمتّسق من شأنه أن يوفر اليقين التنظيمي الضروري لتعزيز مشاركة القطاع الخاص وتسهيل دمج واسع النطاق للطاقة المتجددة . ولضمان مراقبة تدفقات الطاقة وتحديد رسوم استخدام الشبكة بطريقة شفافة، ينبغي اعتماد نظام مراقبة لحظي (Real-Time Monitoring System).

يتطلب تنفيذ خدمات عبور الكهرباء في لبنان استخدام هيكل تعرفة شفاف وقابل للتطبيق اقتصادياً، يضمن استرداد التكاليف بشكلٍ عادل ويُشجع مشاركة القطاع الخاص في مشاريع الطاقة المتجددة. في الأسواق الأوروبية مثل ألمانيا وفرنسا وإسبانيا، تتراوح تكاليف العبور بين 3 و8 سنتات أميركية/كيلوواط ساعة، ما يمثل 15-30 في المئة من أسعار الطاقة المتجددة، و15-25 في المئة من أسعار الطاقة التقليدية. في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تميل تكاليف عبور الكهرباء إلى الانخفاض نسبياً، فسجلت الأردن ومصر والمغرب قيمًا تتراوح بين 0.6 و1.4 سنت أميركي/كيلوواط ساعة، ما يمثل 10-28 في المئة من أسعار الطاقة المتجددة و5-10 في المئة من الأسعار التقليدية.

تتحدد رسوم العبور، المعبر عنها بالدولار الأميركي لكل كيلوواط ساعة (kWh)، وفق متغيرات عدة مترابطة، لا سيما تكلفة الخسائر الفنية ومسافة النقل والرسوم التنظيمية، وحجم الطاقة المنقولة. ويوفر تحليل الحساسية المتعمق لهذه المؤشرات نظرة ثاقبة على تأثيراتها على مستويات التعرفة الإجمالية ويسلط الضوء على الاعتبارات الحاسمة لتحديدها. يعرض القسم التالي النتائج الرئيسية لتحليل الحساسية الذي أُجري لتقييم مكونات التكلفة التي تؤثر على رسوم العبور .

تمثل الخسائر الفنية أحد العوامل الرئيسية التي تؤثر على تكلفة العبور. وتقع هذه الخسائر بشكلٍ طبيعي أثناء نقل وتوزيع الكهرباء، وتُقيّم على أساس التكلفة الحدية لإنتاج الطاقة. في النمذجة، يختلف معدل الخسارة المفترض بحسب مستوى الجهد الكهربائي: 9 في المئة عند 11 كيلو فولت، 6 في المئة عند 33 كيلو فولت، 4 في المئة عند 66 كيلو فولت، و2 في المئة للجهود الأعلى (≥220 كيلو فولت). وعند افتراض معدل خسارة بنسبة 6 في المئة عند 33 كيلو فولت، ومسافة نقل 50 كيلومترًا، وطاقة منقولة سنوياً قدرها 1 جيغاواط ساعة، ترتفع رسوم العبور من نحو 0.1 إلى أكثر من 2.5 سنت أميركي/كيلوواط ساعة، فترتفع تكلفة كل كيلوواط ساعة مفقود من 0 إلى 39 سنتاً أميركيًا. وعليه، عندما ترتفع التكلفة الحدية للتوليد بسبب شحّ الوقود أو عوامل سوقية أخرى، يمكن أن تستهلك رسوم العبور جزءًا كبيرًا من تعرفة شراء منخفضة (مثلاً، 5.7 سنتات أميركية/كيلوواط ساعة)، ما يهدّد الجدوى الاقتصادية لمنتجي الطاقة المتجددة.

المسافة المقطوعة (Wheeling distance) تؤثر أيضًا بشكلٍ خطي على التعرفة، وبشكلٍ أساسي عبر تأثيرها على تكاليف التشغيل والصيانة والخسائر الفنية المرتبطة بها. عند مستوى جهد 11 كيلو فولت وتكلفة خسارة ثابتة تبلغ 3 سنتات أميركية/كيلوواط ساعة (مع معدل خسارة 9 في المئة)، ترتفع رسوم النقل من 0.32 إلى 0.57 سنت أميركي/كيلوواط ساعة مع ازدياد المسافة من 0 إلى 145 كيلومتراً. وهذا يعادل زيادة تقارب 0.1 سنت أميركي/كيلوواط ساعة لكل 10 كيلومترات إضافية. عند مستويات الجهد العالي، مثل 220 كيلو فولت، يتراجع  تأثير المسافة بسبب انخفاض الخسائر. في ظل ظروف مماثلة، ترتفع الرسوم من 0.09 إلى 0.329 سنت أميركي/كيلوواط ساعة فقط على نطاق المسافة نفسها، ما يشير إلى مسار تكلفة أكثر قابلية للتنبؤ والإدارة لنقل الكهرباء لمسافات طويلة عند التشغيل عند جهود أعلى.

وفقًا للقانون رقم 462/2002، تتمتع هيئة تنظيم الكهرباء (ERA) بصلاحية قانونية لاسترداد التكاليف التنظيمية من خلال رسوم ثابتة تُفرض على فواتير الكهرباء للمستخدمين النهائيين، شرط ألا تزيد عن 1 في المئة من إجمالي الفاتورة. في سياق نقل الطاقة عبر الشبكة (wheeling)، يمكن نمذجة رسوم ERA كمبلغ سنوي ثابت  يُوزع بالتناسب على إجمالي الطاقة المنقولة. عندما ترتفع رسوم ERA من 13 إلى 200 دولار أميركي في السنة مع بقاء حجم النقل ثابتًا عند 1 جيغاواط ساعة في السنة، تزداد رسوم العبور بشكلٍ طفيفٍ فقط من 0.307 إلى 0.372 سنت  أميركي لكل كيلوواط ساعة. على الرغم من أن قيمتها المطلقة صغيرة نسبيًا ، إلا أنها قد تمثل ما يصل إلى 6.5 في المئة من إجمالي تكلفة النقل حين  تنخفض أحجام الطاقة. ويُظهر ذلك الحاجة إلى تحديد رسوم ERA بشكلٍ متناسب وشفاف، خصوصاً خلال مرحلة التطوير المبكر للسوق، لتجنب تثبيط المشاركة.

من بين جميع المتغيرات، يعتبر حجم الطاقة المنقولة العامل الأكثر تأثيرًا على تكلفة وحدة النقل عبر الشبكة. فتُخفَف الرسوم الثابتة، مثل الرسوم التنظيمية وتكاليف القياس والمراقبة، بشكلٍ كبير عند زيادة حجم الطاقة المنقولة. عند مستويات منخفضة جدًا من الطاقة المنقولة سنويًا (مثل، 1000 كيلوواط ساعة/سنة)، قد تتجاوز رسوم النقل 1 دولار أميركي/كيلوواط ساعة، ما يجعل الخدمة غير مجدية اقتصاديًا. وبافتراض أن سعر الطاقة المتجددة يبلغ 5.7 سنتات أميركية/كيلوواط ساعة، تنخفض تكلفة النقل إلى أقل من 10 في المئة من هذا السعر عندما تتجاوز الطاقة المنقولة 200 ميغاواط ساعة. عند أحجام تبلغ 85 جيغاواط ساعة/سنة، تنخفض الرسوم إلى 1 في المئة من سعر بيع الطاقة المتجددة لشبكة 220 بجهد كيلو فولت. ويؤكد هذا الانخفاض الحاد وجود وفورات حجم كبيرة، ويبرز أهمية استهداف المستهلكين الكبار أو الطلب المجمع في المراحل المبكرة من تطور السوق.

في ضوء هذه النتائج، يُوصى باعتماد هيكل تعرفة متعدد المكونات لعبور الطاقة. ويشمل التصميم المقترح رسومًا متغيرة لكل كيلومتر لتعكس استخدام الشبكة المرتبط بالمسافة، ورسومًا ثابتة تنظيمية وقياسية تتماشى التفويض القانوني لهيئة تنظيم قطاع الكهرباء، وعامل تعديل الخسارة بناءً على مستوى الجهد والمسافة المقطوعة في النقل. يعزز هذا الإطار العدالة واسترداد التكاليف وكفاءة السوق، بينما يتيح دمجا أوسع لمصادر الطاقة المتجددة ويشجع استثمارات القطاع الخاص في مسار تحول الطاقة في لبنان .

التداول بين الأقران

إن الرقابة التنظيمية ضرورية لمنع ممارسات التسعير الاحتكارية، وضمان بقاء التعرفات عادلة ومجدية اقتصاديًا. قد يشجع لبنان القطاع الخاص على زيادة مساهمته في إنتاج الطاقة المتجددة، والاستخدام الواسع لتقنيات الطاقة النظيفة عبر توحيد أسعار النقل وتنظيمها بشكلٍ علني. على وجه التحديد، يتطلب اعتماد منهجية موحدة للنقل عبر الشبكة وجود هيكل تعرفات نقل واضح ومتسق يمكن تتبعه في الوقت الفعلي.

ينصّ القانون رقم 318/2023 بشكل صريح على تداول الطاقة بين الأقران  (P2P)باعتباره آلية لامركزية لتبادل الكهرباء تسمح للمنتجين والمستهلكين المستقلين بالانخراط في الأعمال التجارية ضمن بيئة منظمة.  ومع ذلك، لا توجد حتى الآن توصيات تنفيذية شاملة متاحة. يعد إنشاء منصة رقمية تستخدم العقود الذكية وتقنية البلوك تشين لتمكين المعاملات الآمنة والشفافة أمر ضروري لنجاح تداول الطاقة بين الأقران (P2P). ستُتيح هذه المنصة البيع المباشر  للطاقة، وتضمن أيضًا حصول مشغلي الشبكات على تعويضٍ عادل وتقليل تكاليف المعاملات. ولتوفير إرشاداتٍ دقيقة بشأن التسعير ورسوم المعاملات ودعم مشغلي الشبكات في تبادلات (P2P)، يجب تحسين اللوائح التنظيمية. وينبغي  على لبنان تعزيز إمكانات تداول الطاقة اللامركزية عبر دمج هذه الإجراءات ضمن الإطار القانوني للقانون 318/2023، ما يشجع الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة الصغيرة ويمنح العملاء إمكانية الوصول التنافسي إلى الكهرباء النظيفة.

وتبرز الحاجة إلى مزيد من التوضيح التنظيمي لوضع قواعد واضحة بشأن التسعير ورسوم المعاملات، ومشاركة مشغلي الشبكات في تسهيل التبادلات بين الأقران. لذا يجب أن تضع الهيئة التنظيمية أولاً بروتوكولات للقياس الذكي ومعايير مشاركة البيانات، لمراقبة تدفقات الطاقة بين الأقران بهدف تسهيل اعتمادها بنجاح. وتتمثل الخطوة التالية في وضع إجراءات للترخيص والتسجيل التي تشمل آليات التسعير ورسوم المعاملات، وتسوية النزاعات بين أنظمة (P2P) والمستخدمين. كما ينبغي أن يُطلب من مشغلي الشبكات تقديم المساعدة المالية والتقنية للمعاملات بين الأقران (P2P)، مع وضع خطط تعويض تعكس مساهمتهم في استقرار النظام. ومن شأن هذه الإجراءات أن تمهد الطريق لإنشاء سوق طاقة (P2P) شفاف وآمن وقابل للتوسع.

من خلال دمج هذه الإجراءات بشكل كامل ضمن الإطار القانوني للقانون 318/2023، يمكن للبنان تحقيق وعد تداول الطاقة اللامركزية. بالإضافة إلى تزويد العملاء بالكهرباء النظيفة بأسعار معقولة، ما سيعزز الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة صغيرة الحجم.

ومع ذلك، إذا لم يتم تنسيقها بشكل صحيح، فإن المبادرات التي تستخدم الطاقة المتجددة قد تؤدي إلى إقصاء الفئات المهمشة، واستفادة قلة مختارة. ولضمان حلول طاقة محلية عادلة ومستدامة، يمكن للبلديات التعاقد مع شركات خاصة لتقديم خدمات الطاقة المتجددة باستخدام نموذج اتفاقية شراء الطاقة الموحدة (PPA). كما يمكن تقييم حلول الطاقة اللامركزية والتحقق من فعاليتها ضمن بيئة تنظيمية تجريبية (Regulatory Sandbox)  قبل اعتمادها على نطاقٍ واسع، ما يضمن لهذه الإنجازات أن تعالج المشاكل التكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية.

دمج تعويضات الكربون

أخيراً وليس آخراً، يتمتع لبنان بفرصة مهمة لدمج توسعه في مجال الطاقة المتجددة مع أسواق الكربون العالمية، مما يتيح للمشاريع المحلية بتوليد ائتمانات كربون معتمدة يمكن بيعها لمشترين في أماكن أخرى. ويمكن للبنان خلق مصادر إيرادات جديدة لمشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية الصغيرة، من خلال تطبيق معايير دولية مثل معيار الذهب (Gold Standard) أو معيار الكربون المعتمد (Verified Carbon Standard – VCS). كما يمكن دمج شبكات تداول الطاقة بين الأقران (P2P) في أسواق الائتمانات الكربونية، ما يسمح لمنتجي الطاقة المتجددة اللامركزية بالاستفادة من تخفيض الانبعاثات.

من خلال ربط مشاريع النقل عبر الشبكة (wheeling) والشبكات الصغيرة(microgrid)  بهدف خفض الانبعاثات عبر مبادرات مثل مبادرة "البنك الدولي" لتسعير الكربون و"صندوق المناخ الأخضر" (GCF)، يستطيع لبنان جذب الاستثمارات الدولية في مجال المناخ وإنتاج أرصدة الكربون بشكلٍ مباشر. ويمكن تشجيع الشركات المحلية في القطاع الخاص التي تسعى إلى تحقيق أهداف الاستدامة، على شراء أرصدة الكربون من مشاريع الطاقة المتجددة اللبنانية لتعزيز سوق الكربون المحلي الذي يحفز الاستثمارات الإضافية في حلول الطاقة النظيفة.

التوصيات والاستنتاجات

سيكون اعتماد هذه التغييرات في السياسة العامة مفيداً جداً للمجتمعات اللبنانية. فإذا توفرت مصادر الطاقة المتجددة اللامركزية على نطاق أوسع، ستقلل بشكلٍ كبير من تكلفة الكهرباء للأفراد والشركات. ويمكن لمنصات التداول (P2P) والشبكات الصغيرة أن تخفف اعتماد البلاد على مولدات الديزل، ما سيخفض تكلفة استيراد الوقود ويحد من تقلب الأسعار.

يمثل نمو فرص العمل في قطاعات التكنولوجيا وخدمات الطاقة والطاقة المتجددة فائدة مهمة أخرى للانتقال إلى سوق طاقة أكثر ديناميكية ولامركزية. كما أن الحد من استخدام وقود الديزل سيقلل بشكلٍ كبير من تلوث الهواء، ما يعزز الصحة العامة ويقلل من أمراض الجهاز التنفسي، خصوصاً في المناطق الحضرية. وستستفيد المجتمعات الريفية والفقيرة التي عانت لفترة طويلة من عدم موثوقية وتكلفة الوصول إلى الكهرباء، بشكلٍ خاص من توفير الكهرباء بانتظام وبأسعار معقولة من خلال حلول الطاقة المتجددة المحلية.

ستساعد التغييرات التشريعية المقترحة لبنان على الانتقال إلى نظام طاقة أكثر مرونة ولامركزية وقائم على السوق. وسيُسهّل اعتماد نظام موحد لخدمات العبور دمج كميات كبيرة من الطاقة المتجددة في الشبكة، ويُساهم في جذب المزيد من الاستثمارات. وستشجع شبكات تداول الطاقة (P2P) المنافسة والابتكار عبر تمكين صغار المنتجين من المشاركة في سوق الطاقة. وسيساهم السماح للبلديات ببناء شبكات صغيرة في تعزيز أمن الطاقة وتوفير وصول طويل الأمد إلى الكهرباء للمجتمعات المحرومة.

من الناحية البيئية، ستؤدي هذه التدابير إلى انخفاضٍ كبير في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري،  وستحل مصادر الطاقة المتجددة محل توليد الكهرباء القائم على الوقود الأحفوري. كما أن إدراج مشاريع الطاقة المتجددة في لبنان ضمن أسواق الكربون، سيُوفر فرص تمويل جديدة ويضمن استفادة البلاد القصوى من تحولها في مجال الطاقة على الصعيدين الاقتصادي والبيئي. ومن خلال مساعدة لبنان على الوفاء بالتزاماته بموجب اتفاقية باريس، ستعزز هذه الإجراءات دوره في الجهود العالمية الرامية إلى إبطاء وتيرة تغير المناخ.

لتنفيذ هذه الإصلاحات، ينبغي إنشاء مجموعة عمل متعددة الأطراف تضم ممثلين عن وزارة الطاقة والمياه والقطاع الخاص والسلطات البلدية. ويجب أن تستكشف المشاريع التجريبية الأولية تجارة الطاقة بين الأقران، ونماذج الشبكات الصغيرة اللامركزية، وآليات النقل. كما يتعين إجراء التعديلات التشريعية اللازمة لمواءمة هذه التطورات مع بيئة الطاقة المتطورة في لبنان. وأخيراً، لمساعدة لبنان على تأمين التمويل الأجنبي ورفع مكانته في التحول العالمي إلى مصادر الطاقة المستدامة، يجب اتخاذ خطوات جريئة لدمج مشاريع الطاقة المتجددة في أسواق الكربون.

باختصار، تشمل التوصيات الرئيسية ما يأتي:

  • إنشاء آليات موحدة لنقل وعبور الطاقة، مع تعرفات شفافة ومستندة إلى المسافة والهدر الفني لتشجيع الاستثمار الخاص والوصول العادل إلى الشبكة.
  • تمكين تداول الطاقة بين الأقران (P2P) من خلال منصات قائمة على تقنية البلوك تشين لتسهيل تبادل الكهرباء اللامركزي، وفقاً لما يسمح به القانون 318/2023.
  • دمج الطاقة المتجددة مع أسواق تعويض الكربون العالمية، ما يسمح للبنان بتحويل تخفيضات الانبعاثات إلى أموال والحصول على تمويل لمكافحة تغير المناخ.
  • اقتراح هياكل تعرفة لضمان تحديد الأسعار بما يعكس التكلفة الفعلية وتحفيز الكفاءة وتوفير عوائد يمكن التنبؤ بها للمستثمرين، على غرار أفضل الممارسات في دول مثل تركيا وألمانيا.
  • توسيع الشبكات الصغيرة اللامركزية لتحسين المرونة في المجتمعات الريفية والهشة، مع تقليل الاعتماد على مولدات الديزل.
  • إنشاء بيئات اختبار تنظيمية واتفاقيات شراء طاقة موحدة (PPA) لتجربة تقنيات جديدة وضمان الوصول الشامل إلى الطاقة.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.