مقدمة
شكّل العام 2025 لحظة فاصلة في القيادة السياسية في سوريا ولبنان. ففي سوريا، أدى انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى إنهاء أكثر من خمسة عقود من الحكم الاستبدادي البعثي. ووضعت الحكومة الموقتة التي انبثقت - بقيادة أحمد الشرع من هيئة تحرير الشام - نفسها في موقع الطليعة لسوريا الجديدة، وتعهدت بتحقيق العدالة وسيادة القانون والحكم التشاركي بعد سنواتٍ من الحرب والقمع والإفلات من العقاب. وعلى الجانب الآخر من الحدود، انتهى الشلل السياسي الذي طال أمده في لبنان في كانون الثاني/يناير 2025 بانتخاب جوزيف عون رئيسًا للجمهورية، وتكليف نواف سلام رئيسًا للوزراء. ووعدت القيادة الجديدة في بيروت بالابتعاد عن الطائفية المتجذرة في المجتمع اللبناني وإنهاء الشلل في مؤسسات الدولة، داعيةً إلى أجندة إصلاحية شاملة لاستعادة سيادة الدولة على كل أراضيها واستقلالية القضاء ومكافحة الفساد.
وترافقت هذه التحولات السياسية في كلا البلدين مع تحول ملحوظ في الخطاب العام. فأصبحت لغة "الإدماج" و"العدالة" و"التنوع" و"الديمقراطية" محورية في كيفية صياغة النخب لبرامجها والتفاعل مع الجمهور الوطني والمجتمع الدولي. ودعا القادة في بيروت ودمشق إلى المساواة والتعايش والمساءلة - واضعين أنفسهم في مصافّ الإصلاحيين الذين يسترشدون بدروس النزاع وضرورات التعافي الوطني. في سوريا، كان التركيز على الحوار والسلم الأهلي؛ وفي لبنان، على إحياء المؤسسات والوحدة الوطنية. ويمثل هذا التحول الخطابي ابتعاداً كبيراً عن السرديات الاستبدادية والطائفية والزبائنية التي طالما ميّزت النظامين. لكنه يثير أيضًا سؤالًا نقديًا: من هو المقصود بالضبط بهذا الخطاب؟
يستكشف هذا المقال ما إذا كان هذا الخطاب الإصلاحي المعتمد حديثًا يشمل حقًا الفئات السكانية الأكثر ضعفًا من الناحية السياسية، أي اللاجئين السوريين والفلسطينيين في لبنان، والنازحين داخليًا والعائدين في سوريا. وفي حين أن لغة الحقوق وإدماج هذه الفئات تظهر الآن بشكلٍ جليّ في الخطابات والبرامج الحكومية والتصريحات عن المرحلة الانتقالية، إلا أن قضية النازحين تبقى غالباً هامشيّة في خطابات المسؤولين، فيُدرجون بشكل ضيق في خانة المخاطر الأمنية أو الأعباء الديموغرافية أو التحديات اللوجستية. وبدلاً من إشراكهم كفاعلين سياسيين أو أصحاب حقوق كاملة، يُغيَّبون غالباً من المخيلة الإصلاحية.
يوفر النزوح عدسة قوية يمكن عبرها تقييم مدى صدق التحول السياسي وجوهره. فالطريقة التي تعالج بها الحكومة حقوق واحتياجات ومستقبل من اقتُلعوا قسراً من ديارهم - خصوصاً عندما يكون النزوح نتيجة لعنف الدولة أو انهيار المؤسسات أو الصراع الذي طال أمده - تقدم نظرة ثاقبة على ما إذا كانت وعود العدالة والإدماج آلية للتنفيذ أم تبقى مجرد شعارات للاستهلاك. وبينما تدخل سوريا ولبنان فصلاً سياسياً جديداً، ستكون معاملة النازحين مؤشراً واضحاً على إمكانية أن يمثل الخطاب الإصلاحي بدايةً لسياسة أكثر شمولاً، أو مجرد إعادة صياغة للإقصاء تحت مصطلحات أكثر مقبولية.
التهجير في الخطاب السياسي: أنماط الإدماج والإقصاء
يعتمد هذا القسم على تحليل الخطابات العامة الرئيسية والخطابات الرئاسية والمناقشات البرلمانية والبيانات الحكومية الرسمية في لبنان وسوريا بين أواخر العام 2024 وأوائل العام 2025. كما يتضمن هذا القسم مراجعة للتغطية الإعلامية والبيانات الصحفية الصادرة عن السلطات الانتقالية والحوارات الوطنية. وعلى الرغم من أنه ليس تحليلًا منهجيًا للمحتوى، إلا أن الرؤى المقدمة هنا ترتكز على النمطية المتكررة واستخدام اللغة في العمل السياسي. وتسلط هذه الأنماط الضوء على كيفية إدراج السكان النازحين أو استبعادهم بشكل انتقائي من سرديات ما بعد النزاع، ما يكشف الدور الرمزي الذي يلعبونه في تشكيل المخيلة الوطنية وإضفاء الشرعية على أجندات الدولة.
لبنان
في لبنان ما بعد العام 2025، تبنّى الخطاب السياسي لغة إصلاحية علنية، مع التشديد على الوحدة الوطنية وإحياء المؤسسات واستعادة سيادة الدولة على جميع الأراضي اللبنانية. لكن في هذا الخطاب، بقي اللاجئون السوريون والفلسطينيون مهمشين بشكلٍ واضح - ليس من خلال العداء الصريح، بل من خلال الإدماج الانتقائي الذي يعزز تغييبهم السياسي. وفي حين تذرّعت القيادة الجديدة بمصطلحات "العدالة" و"المساواة" و"المواطنة" كركائز للتجديد، اقتصرت هذه المصطلحات في الغالب على المواطنين اللبنانيين. في المقابل، يجري تصوير اللاجئين باستمرار على أنهم عبء ديموغرافي أو تهديد اقتصادي أو أمني - وليسوا أفراداً لهم حقوق، أو هم أصحاب مصلحة في مستقبل البلاد السياسي أو الاقتصادي.
في الخطاب الرسمي، يشار كثيراً إلى اللاجئين السوريين على أنهم تهديد وجودي للبنان، ويختزل وجودهم في أزمة موقتة يجب حلها من خلال العودة. وفي حين أشار الرئيس جوزيف عون في خطاب القسم إلى رفض "الطروحات العنصرية" وتأكيد الحاجة إلى "آلية عودة واضحة وإنسانية"، إلا أن الرسالة الأساسية بقيت واضحة: ينبغي إنهاء وجود اللاجئين السوريين. ويتردد صدى هذه المقاربة في البيانات الوزارية والنقاشات البرلمانية، فيُناقش النزوح السوري بشكلٍ حصري تقريباً من منظور الأمن القومي والضغوط الاقتصادية وتقديم الخدمات. ولا يُتذرّع بالكرامة الإنسانية إلا بقدر ما تسهّل العودة إلى الوطن؛ ولا يُنظر إلى اللاجئين كجزء من الدولة التي يتوخى لبنان إصلاحها، بل كجماعة سكانية يجب إدارتها والتخلص منها في نهاية المطاف.
إن قضية اللاجئين الفلسطينيين شبيهة بالقدر نفسه لقضية اللاجئين السوريين. فقد أعاد الرئيس عون تأكيد رفض لبنان للتوطين (التجنيس)، مشددًا على ضرورة الحفاظ على حق العودة وحماية التوازن الديموغرافي في لبنان. ويبدو وعده بحماية "الكرامة الإنسانية" للفلسطينيين في المخيمات رمزيًا إلى حدٍ كبير، وهو بمثابة تنازل أخلاقي في إطار يرفض بحزم الاندماج طويل الأمد أو توسيع الحقوق. في الحالتين السورية والفلسطينية على حد سواء، لا تقدم الأجندة الإصلاحية للدولة اللبنانية أي نقاش حول الحلول الدائمة، ولا أي جهد لإدراج اللاجئين في رؤى أوسع للعدالة أو التماسك الاجتماعي. ويُعامل اللاجئون كمستفيدين سلبيين من المساعدات الدولية وتسامح الدولة.
علاوة على ذلك، فالخطاب الجديد في لبنان حول "التنوع" و"المساواة" مقيد بشكلٍ ملحوظ بالمواطنة. إذ يُقدّم احتفاء عون بالتعددية الطائفية والتعايش المدني في لبنان على أنه انتصار للانسجام الداخلي، وليس كأساس لاندماج أوسع. وتُستحضر عبارة "كل اللبنانيين" مرارًا وتكرارًا كوحدة للإصلاح، ما يؤكد مجددًا الخيال المدني الذي يستبعد السكان عديمي الجنسية وغير المواطنين بشكلٍ افتراضي. ويعني ذلك عمليًا أن الدعوات إلى العدالة والإصلاح لا تشمل الوضع القانوني للاجئين أو حقوق العمل أو الحماية من الترحيل. هذا المفهوم المحدود للإدماج يسمح للدولة بتبني لغة تقدمية من دون مواجهة المنطق الإقصائي المتضمن في الهياكل القانونية والسياسية في لبنان.
والنتيجة هي خطاب يظهر فيه اللاجئون كمشكلة إنسانية ذات حل تقني وليس كمواضيع سياسية. إن إغفالهم من سرديات التعافي الوطني ليس من قبيل الصدفة، بل يعكس إجماعاً على أن الإصلاح يجب ألا يُخِل بالوضع الطائفي أو الديموغرافي القائم. وحتى في الوقت الذي يسعى فيه القادة اللبنانيون إلى الحصول على الشرعية من خلال التماشي مع المعايير الدولية، فإنهم يتجنبون استراتيجياً تطبيق تلك المعايير على اللاجئين. ففائدتهم السياسية لا تكمن في إدماجهم بل في إقصائهم، كرموز للعبء أو سوء الحكم أو التخلي الدولي.
ويؤدي هذا التهميش الاستراتيجي أيضًا وظيفة تأسيسية: فمن خلال إسقاط النزوح على "الآخر" الموسوم، تعيد دولة ما بعد الحرب تأكيد صورة مطهِّرة لـ"الذات" اللبنانية. لقد عبّأت الحكومات المتعاقبة مرارًا وتكرارًا اللاجئين الخارجيين - وحتى في لحظات الأزمات، الطوائف اللبنانية المهمشة أو الدوائر الريفية - كمرايا سلبية يمكن من خلالها ضبط حدود المواطنة والقيمة الأخلاقية. فتصوير السوريين والفلسطينيين كضيوف دائمين يهددون التوازن الاقتصادي، وتصوير الطوائف اللبنانية المحرومة على أنها غير مسؤولة أو متخلفة، يسمح للنخب بتقديم نفسها كحارس للحداثة والنظام والإصلاح. بهذا المعنى، يُستغل اللاجئون مرتين: أولاً كدليل على هشاشة الدولة، وثانياً كـ"خارج" لا غنى عنه يمكن للبنان السيادي الذي يُفترض أنه تقدمي أن يتخيل نفسه في مواجهته – من دون مواجهة الأسس الإقصائية التي تقوم عليها تلك الرؤية.
سوريا
في سوريا ما بعد الأسد، تحوّل النزوح من أحد أعراض عنف الدولة إلى رمز للمصالحة الوطنية والتجديد. ورددت الحكومة التي يقودها أحمد الشرع مراراً وتكراراً أن النازحين واللاجئين العائدين مساهمون أساسيون في إعادة إعمار سوريا. وتطرقت الخطابات التي ألقيت في الحوارات الوطنية والتجمعات الانتقالية إلى العودة باعتبارها واجباً وطنياً ومقياساً لتعافي البلاد. وجرى تصوير العائدين على أنهم أبطال في نهضة وطنية جماعية، ويُحتفى بعودتهم إلى الوطن كدليل على أن البلاد طوت صفحةً من صفحات الماضي.
ومع ذلك، يكمن خلف هذا الموقف الترحيبي تناقض بين الإدماج الأدائي وغياب الضمانات القائمة على الحقوق. فترحيب السلطات الموقتة بعودة اللاجئين لا يترافق مع التزامات جوهرية بإعادة الممتلكات أو الأمن القانوني أو العدالة الانتقالية للنازحين. وتكون الإشارات إلى العودة مغلفة غالباً بلغة الوحدة والتضحية، ولكن مع القليل من التفاصيل حول الآليات التي من خلالها سيستعيد العائدون ممتلكاتهم، أو يحصلون على الخدمات الأساسية، أو يشاركون سياسيًا. فيُعترف بالنزوح، لكن يُقلل من أهمية الظروف التي أدت إليه -– ومن ضمنها العنف الذي تقوده الدولة وعمليات الإخلاء القسري والانتقام الطائفي - أو يجري إغفالها تماماً.
وتكشف هذه الفجوة بين الترحيب الرمزي والإهمال المادي المنفعة السياسية للسكان النازحين في نظام ما بعد النزاع. فالعائدون يعملون بشكلٍ خطابي كدليل على الشرعية: إذ يُستشهد بوجودهم كدليل على نجاح النظام الموقت في تحقيق الاستقرار في سوريا والتغلب على إرث الحرب الأهلية. وفي هذا السياق، يصبح فعل العودة أداة اعتماد، أي أداة لإثبات الثقة، حتى لو كانت البنية التحتية لدعم العودة هشة أو غير موجودة. علاوة على ذلك، فإن النازحين في سوريا غير ملحوظين إلى حدٍ كبير في الخطاب السياسي، إلا حين تُقدم عودتهم إلى ديارهم الأصلية على أنها انتصار للمصالحة الوطنية. ونادراً ما تُعالج التحديات التي يواجهونها - استمرار النزوح وانعدام الأمن ونقص التعويضات - ومثل نظرائهم من اللاجئين، يبقى إدماجهم رمزياً وليس هيكلياً. إذ تُستغل محنتهم لتعزيز سرديات الاستقرار، لكن نادراً ما تكون حقوقهم ودورهم مدرجة في صلب مقترحات السياسات أو إصلاحات الحوكمة.
سياسات الإدماج الانتقائي
على الرغم من أن لغة العدالة والإدماج والإصلاح تهيمن الآن على الخطاب السياسي لما بعد العام 2025 في سوريا ولبنان، إلا أن تطبيقها لا يزال محدوداً. وتُنفذ هذه المصطلحات بشكل انتقائي - إلى حد كبير على المواطنين والمجموعات المعترف بها سياسياً - بهدف تعزيز الشرعية والإشارة إلى التوافق مع المعايير الدولية. وفي الوقت نفسه، يبقى النازحون خارج هذه الرؤى الإصلاحية، مستبعدين من المجتمع السياسي الذي يُفترض بهم إعادة بنائه.
في لبنان، ترتبط لغة الإصلاح ارتباطاً وثيقاً باستعادة سلطة الدولة على مؤسساتها المفككة ونظامها الطائفي المجزأ. وتُقدَّم العدالة كوسيلة لكبح الفساد، والإدماج كطريق نحو التعايش بين الطوائف، والإصلاح كعملية إعادة بناء جمهورية مفككة. لكن رؤية الإدماج هذه تنتهي عند حدود المواطنة. فاللاجئون الفلسطينيون والسوريون - الذين يقيمون في لبنان منذ عقود في بعض الحالات - غائبون عن النقاشات حول التجديد الوطني. ولا يُعترف بوجودهم إلا في سياق لوجستيات العودة أو القلق الديموغرافي أو تقاسم الأعباء الإنسانية. وعندما يُستخدم الإدماج كذريعة، يُوجّه إلى الداخل: نحو "جميع اللبنانيين"، ونحو إعادة التوازن في التمثيل الطائفي، وإعادة تفعيل القضاء للمواطنين.
في سوريا، تتكشف ديناميكية موازية. فأكدت قيادة ما بعد الأسد على الوحدة والمصالحة والسلم الأهلي. لكن في الممارسة العملية، تمتد هذه القيم في المقام الأول إلى المواطنين الذين يُنظر إليهم على أنهم منحازون إلى النظام الجديد أو قادرون على إعادة الاندماج وفق شروط الدولة. ويُحتفى بالعائدين باعتبارهم وطنيين، لكن شروط عودتهم مصاغة بشكلٍ حصري تقريباً في مصطلحات تقنية: المعابر الحدودية، المساعدات لإعادة الإعمار، وتسوية وضعهم القانوني والإداري. ولا يشارك النازحون في إعادة الإعمار السياسي ولا يُستشارون في تشكيل العملية الانتقالية. بدلاً من ذلك، تُستخدم عودتهم كأداة للإشارة إلى الاستقرار والانغلاق. فكلما زاد عدد النازحين السوريين العائدين إلى ديارهم، كلما استطاع النظام الجديد أن يدّعي الشرعية - سواء على الصعيد المحلي أو في نظر الجهات الفاعلة الأجنبية التي تتوق إلى إنهاء النزاع. وهكذا تتشابك الضرورة الإنسانية للعودة مع استراتيجية سياسية للتطبيع.
ما يظهر في كلتا الحالتين في لبنان وسوريا، هو غموض استراتيجي في قلب الخطاب الإصلاحي. فمن خلال تبنّي مفردات الإدماج مع تحديد نطاقه بهدوء، تعزز الحكومتان مصداقيتهما من دون القيام بحسابات سياسية أعمق تتطلبها الشمولية الحقيقية. ويخدم السكان النازحون غرضاً مزدوجاً: فعلى الصعيد المحلي، يصوّرون على أنهم عبء أو شهادة على التعافي؛ وعلى الصعيد الدولي، تُستخدم معاملتهم للإشارة إلى الامتثال للمعايير الإنسانية. ومع ذلك، تبقى الظروف الهيكلية لإقصائهم من دون معالجة. ويكشف هذا التطبيق الانتقائي للعدالة والإدماج عن حدود أجندات الإصلاح الحالية - ويؤكد الحاجة إلى مساءلة ليس فقط ما يقال باسم الإصلاح، بل أيضاً من هم المستبعدون بصمت من وعوده.
التهجير كاختبار حقيقي للإصلاح
لا يُستخدم التهجير كمؤشر على فشل الدولة في الماضي فحسب، بل كمؤشر على النوايا السياسية الحالية. وفي أعقاب التحولات في القيادة في سوريا ولبنان، فإن كيفية التعامل مع السكان النازحين لا تقدم نظرة ثاقبة على الأولويات الإنسانية فحسب، بل على إعادة تقويم - أو إعادة تقليم - شرعية الدولة. يتذرع الخطاب الإصلاحي في كلا البلدين بالإدماج والعدالة، إلا أن النزوح يشكل تحدياً لا يمكن حله من خلال الخطاب وحده. فهو يتطلب إعادة توزيع الحقوق، إعادة تعريف الانتماء، وإعادة هيكلة السلطة، وهو بالضبط ما تتجنبه أجندات الإصلاح في مرحلة ما بعد العام 2025.
في لبنان، يرتكز الخطاب الإصلاحي للقيادة الجديدة على استعادة النزاهة في المؤسسات وثقة الشعب، لكنه يتعامل مع النزوح على أنه حالة شاذة يجب حلها وليس جزءًا مكونًا من النسيج الوطني. لطالما وضع نموذج الحكم في الدولة، المتجذر في النسبية الطائفية، اللاجئين خارج العقد الاجتماعي. وهكذا، حتى عندما تستهدف الإصلاحات الفساد أو إحياء المؤسسات المدنية، فإنها تفعل ذلك في إطار يفترض عدم الوجود السياسي لأكثر من مليون ونصف لاجئ، أي أكثر من 35 في المئة من سكان البلاد المفترضين البالغ عددهم 4 ملايين نسمة. هنا، يختبر النزوح حدود الإصلاح من خلال كشف تناقض: لا يمكن للمرء أن يدّعي إعادة بناء دولة ديمقراطية تعددية، بينما يستبعد هيكلياً شرائح واسعة من سكانها من الحقوق والمشاركة.
على النقيض من ذلك، لا يُنكر التهجير في سوريا، بل يُستولى عليه. فقد أدرج النظام الموقت سردية العودة ضمن ادعائه للشرعية، مصورًا عودة اللاجئين والنازحين على أنها دليل على التعافي الوطني. ومع ذلك، يبقى أداء المصالحة هذا أجوف في ظل غياب آليات لرد الحقوق والتعويض القانوني أو المشاركة السياسية الحقيقية. وخلافاً للبنان، حيث يُشطب النازحون من الرؤى الإصلاحية، فإن سوريا تقدمهم كدليل على نجاحها - بينما تحجب الإصلاحات المؤسسية التي من شأنها أن تعيد لهم فاعليتهم. فتصبح العودة مشهدًا من مظاهر الحياة الطبيعية، وليس طريقًا إلى العدالة.
ويكشف هذا التباين كيف يعكس النزوح مسارات بناء الدولة ويشكلها على حد سواء. فتُظهر استراتيجية التجنّب اللبنانية خوفاً راسخاً من اختلال التوازن الديموغرافي وتآكل الإجماع الطائفي. ويعكس الاحتضان الرمزي في سوريا جهداً مدفوعاً من النظام لإعادة تأكيد السيطرة وتحييد المعارضة من خلال إعادة السكان إلى الوطن وفقاً لشروطه. لكن في كلتا الحالتين السورية واللبنانية، يُستغل النزوح كأداة: إما تجاهله للحفاظ على الوضع الراهن، أو استلحاقه لإثبات صحة الوضع الجديد.
إن التعامل مع التهجير كاختبار حقيقي يعني طرح أسئلة أصعب على الإصلاح نفسه. هل الإصلاح هو إعادة هندسة المؤسسات أم توسيع العضوية السياسية؟ هل يمكن للدولة أن تدعي التحول إذا كانت تعيد تأكيد التسلسل الهرمي القديم للانتماء؟ حين يُنظر إلى النازحين على أنهم مجرد إحصاءات يجب إدارتها، أو رموز ينبغي استعراضها، فإن وعود الإدماج تبدو جوفاء.
ملاحظات ختامية
من أجل أن يتجاوز الإصلاح في سوريا ولبنان الأداء، يجب أن يتصدى للإقصاء الاستراتيجي الذي كشف عنه النزوح ومكّنه في آنٍ واحد. فلا يمكن تحقيق الوعود بالعدالة والتنوع والتجديد الوطني في الوقت الذي يبقى فيه ملايين النازحين - اللاجئون السوريون والفلسطينيون في لبنان، والنازحون والعائدون في سوريا - خارج حدود الاعتراف السياسي والإصلاح. فهذه المجتمعات ليست مجرد حالات إنسانية أو اعتبارات لوجستية، بل هي جهات سياسية فاعلة يعكس نزوحها ملامح سلطة الدولة ويعيد تشكيلها في آن واحد.
وحتى الآن، لم تدمج دمشق ولا بيروت السكان النازحين بشكلٍ جوهري في رؤيتهما للتحول الوطني. وفي كلا السياقين، لا يُواجه النزوح باعتباره تمزقاً في النظام السياسي، بل يُدار كأداة لتوطيد هذا النظام.
إن التحول السياسي الشامل الحقيقي من شأنه أن يحقق أكثر من مجرد استدعاء السكان النازحين في الخطاب، بل إشراكهم في بناء المستقبل: المشاركة في الإصلاحات والعمليات الانتقالية وإعادة صياغة العقود الاجتماعية. ما يؤدي إلى تفكيك الأنظمة التي تديم تهميشهم - سواء من خلال القلق الديموغرافي في لبنان أو استراتيجيات التعافي السلطوية في سوريا – كما يؤدي إلى رفض ثنائية التغييب أو الاستغلال، ويصرّ بدلاً من ذلك على الحقوق والفاعلية والصوت السياسي.
فالنزوح إذن ليس تحدياً هامشياً، بل هو الاختبار المركزي لصدق الإصلاح، ويكشف مدى استعداد الأنظمة الجديدة لمواجهة الاستثناءات التي بنيت عليها الأنظمة السابقة، أو أنها ببساطة تعيد صياغتها بعبارات أكثر مقبولية. إذا لم يبدأ الإصلاح بأولئك الأكثر استبعادًا من الناحية الهيكلية، فإنه يخاطر بأن يصبح أكثر من مجرد إعادة ترتيب انتقائي للخيال السياسي. فتجاهلهم يعني إعادة تغليف الإقصاء بلغة التجديد. وإدراجهم يعني البدء، في النهاية، في أعمال الإصلاح.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.