ملخص تنفيذي
أدى الانهيار الأخير لسور مدرسة في بلدة مزونة التابعة لولاية سيدي بوزيد في تونس إلى وفاة ثلاثة تلاميذ بشكلٍ مأسوي وإصابة آخرين بجروح. وكشف هذا الحادث عن أوجه قصور عميقة الجذور في البنية التحتية للتعليم العام والحوكمة في البلاد التي تتجلى في الإهمال المنهجي ونقص التمويل وتدهور البنية التحتية، وكلها عوامل عرّضت سلامة الطلاب للخطر وقوّضت جودة التعليم العام، خصوصاً في المناطق الداخلية في تونس. تتطلب معالجة هذه التحديات إصلاحاً شاملاً لصيانة البنية التحتية وزيادة الاستثمار وإضفاء اللامركزية على عملية صنع القرار لاستعادة ثقة الجمهور وضمان سلامة وكرامة الطلاب التونسيين. وتدعو ورقة السياسات هذه إلى اتخاذ إجراءات فورية لمنع وقوع مآسٍ في المستقبل وإعادة بناء نظام تعليمي قادر على الصمود.
مقدمة
في 14 نيسان/أبريل 2025، انهار جدار آيل للسقوط في مدرسة مزونة الثانوية، ما أودى بحياة ثلاثة طلاب وأصاب العديد من الطلاب الآخرين. وقد أشعل هذا الحدث الغضب العام من جديد ولفت الانتباه إلى الصراعات المستمرة داخل المنطقة. تُظهر مأساة مزونة، الواقعة في سيدي بوزيد - مهد الربيع العربي – كيف لا يزال التخلف والتهميش المتجذران يُثقلان كاهل مناطق كانت في يومٍ من الأيام مصدر إلهام للدعوات إلى الإصلاح الاجتماعي والسياسي التقدمي في جميع أنحاء العالم العربي. هذه الحادثة بمثابة تذكير صارخ بالإهمال المنهجي الذي يهدد سلامة ومستقبل الشباب التونسي. وهي تؤكد الحاجة الملحة إلى إجراء إصلاحات شاملة - تركز على البنية التحتية والمساءلة والاستثمار العادل - لمنع وقوع مآسٍ في المستقبل. وبينما تواجه تونس هذه اللحظة المؤلمة، يجب أن يعطي الطريق إلى الأمام الأولوية لسلامة وكرامة وحقوق جميع طلابها. بالاعتماد على الملاحظات الميدانية والمقابلات مع أخصائيي التعليم والشباب ونشطاء المجتمع المدني. تكشف ورقة السياسات هذه الأسباب الجذرية لتدهور التعليم العام في تونس، وتحلل استجابة الحكومة لحادثة مزونة، وتقدم توصيات عملية للإصلاح الشامل.
تفكيك الأسباب الجذرية وراء تراجع التعليم العام في تونس
منذ حصولها على الاستقلال في العام 1956، تعاملت تونس مع التعليم كقطاع استراتيجي، إدراكاً منها لدوره التحويلي في تعزيز محو الأمية وتطوير قوة عاملة مؤهلة لقيادة جهود بناء الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار. وكان التعليم بالنسبة إلى العديد من التونسيين من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، وسيلتهم الأساسية للحراك الاجتماعي. ومع ذلك، وعلى الرغم من أهميته التاريخية، يواجه التعليم العام التونسي اليوم العديد من التحديات التي تعوق قدرته على أداء هذا الدور الاستراتيجي. ويتطلب فهم هذه التحديات دراسة دقيقة للعوامل الأساسية التي تساهم في تراجع قدرة القطاع على توفير التعليم الجيد والحماية للطلاب.
تقادم البنية التحتية والبيروقراطية
تعاني العديد من المباني المدرسية من تدهور الجدران وتقادم البناء بسبب عدم كفاية الصيانة والإنفاق العام، ما يشكل مخاطر جسيمة على سلامة الطلاب والموظفين. ويكشف التحليل الزمني لمخصصات الميزانية على مدى السنوات الماضية عن انكماشٍ مستمر في الإنفاق على التعليم في تونس كحصة من الإنفاق الحكومي، إذ انخفض من 24.85 في المئة إلى 18.11 في المئة بين عامي 2010 و2023 - أي بنسبة 27.12 في المئة. وكان هذا الانكماش مدفوعًا بضغوط الاقتصاد الكلي الشديدة، بما في ذلك ارتفاع الدين العام الذي بلغ نحو 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2024، بعد أن كان نحو 39 في المئة في العام 2010. وقد أجبر هذا العبء المرتفع للدين الحكومة على تخصيص حصة متزايدة من مواردها المالية المحدودة أصلاً لخدمة الدين - بلغت 15.9 في المئة من نفقات الميزانية في الربع الأول من عام 2025 - ما أدى إلى تقييد الأموال المتاحة. وما يزيد الأمر تعقيدًا أن أجور القطاع العام تستهلك نحو 53.2 في المئة من ميزانية الدولة، ما يحد بشكلٍ كبير من الحيز المالي للإنفاق الكافي على التعليم. وتحد هذه الحصة المخفضة من الميزانية من تمويل الإصلاحات الأساسية وبناء فصول دراسية جديدة، ما يؤدي إلى تفاقم الاكتظاظ وتسريع التدهور المادي للمرافق المدرسية، الأمر الذي يضعف بشكل مباشر ظروف تعلم الطلاب ويساهم في توسيع الفوارق الإقليمية في الوصول إلى التعليم.
يوضح انهيار جدار متهالك في المدرسة الثانوية في مزونة بشكلٍ كارثي عواقب عدم كفاية التمويل وإهمال البنية التحتية. وتشير التقارير المحلية إلى أن أجزاء أخرى من المدرسة في مزونة، بما فيها المهاجع والفصول الدراسية، معرضة لخطر الانهيار بسبب تقادم المواد وعيوب البناء الذي يعود تاريخه إلى ثمانينيات القرن الماضي، من دون أن تتخذ السلطات المحلية أي إجراء يذكر على الرغم من التحذيرات المتكررة. هذا النمط من الإهمال شائع في جميع أنحاء تونس. واستنادًا إلى الملاحظات الميدانية والمناقشات مع السكان المحليين ونشطاء المجتمع المدني بين تشرين الثاني/نوفمبر 2023 وحزيران/يونيو 2024 في مختلف المناطق الداخلية في تونس، بدا أن عشرات المدارس الابتدائية والثانوية الحكومية تحتوي بالكاد على فصلين دراسيين صالحين للتدريس، فيما تعتبر المساحات المتبقية غير آمنة. وتتكرر عمليات نهب الأثاث المدرسي ما يُفاقم التحديات. كما أدى غياب الأسوار والحراس الأمنيين إلى تعريض ساحات المدارس للخطر، مع وجود حالات دخول الكلاب الضالة إلى المباني ومهاجمة المعلمين والطلاب من حينٍ إلى آخر. وبالنظر إلى هذه الظروف غير المواتية، أفاد العديد من السكان المحليين أنهم في بعض الأحيان لم يرسلوا أطفالهم إلى هذه المدارس - خصوصاً الفتيات - ومن يستطيعون تحمل تكاليفها ألحقوا أطفالهم بمؤسسات خاصة. تتفق هذه الملاحظات مع نتائج دراسة حديثة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي كشفت أن العديد من المدارس في القيروان والقصرين وسيدي بوزيد تفتقر إلى المرافق الأساسية، من ضمنها المياه الصالحة للشرب والمقاصف والصرف الصحي والنظافة الصحية الكافية. هذا الإهمال المستمر للبنية التحتية لم يساهم فقط في التغيب وضعف الأداء الأكاديمي، بل عرّض حياة الطلاب للخطر - طلاب مزونة مثال على ذلك!
كما أن البيروقراطية مسؤولة أيضًا عن هذا الحادث. فمنذ العام 2022، نبه المعلمون ومسؤولو المدارس مرارًا وتكرارًا المديرية الإقليمية للتعليم في سيدي بوزيد بشأن الجدار المتصدع بشكل خطير والذي انهار في نهاية المطاف في نيسان/أبريل 2025. ومع ذلك، قوبلت هذه التحذيرات العاجلة بصمتٍ محبط - ما يدل على بيروقراطية متقادمة تركز على الجمود أكثر من العمل - ما سمح لحادث كان يمكن تفاديه وتعود جذوره إلى سنوات من الإهمال والشلل الإداري، أن يودي بحياة ثلاثة شبان تونسيين. ولتفكيك الجمود البيروقراطي في تونس، من الضروري النظر في الاستمرارية التاريخية والسياسية التي تمتد من فترة ما قبل 2011 وما بعد 2011 وما بعد 2021. فقبل العام 2011، كانت البيروقراطية تتسم بالسيطرة المركزية الصارمة الموروثة من الإدارة الاستعمارية التي ترسخت في ظل نظام بن علي الاستبدادي، الذي أعطى الأولوية للسيطرة والامتثال الإجرائي للاستجابة والابتكار. وفتحت ثورة 2011 نافذة للإصلاح، مع التركيز على الشفافية ومشاركة المواطنين؛ إلا أن فترة ما بعد الثورة كشفت عن نقاط ضعف هيكلية مستمرة - عدم الاستقرار السياسي والمؤسسات المجزأة والمقاومة داخل البيروقراطية - حدّت من التحول الهادف. وعلى الرغم من جهود الإصلاح، ظلت البيروقراطية تركز على الشرعية الإجرائية وتجنب المخاطر، ما أدى إلى إدامة الجمود بدلاً من الحوكمة الاستباقية. في حقبة ما بعد العام 2021، أدت نزعات اللامركزية في عهد الرئيس قيس سعيد والتعديلات الإدارية المتكررة إلى تقويض جهود اللامركزية واستمرارية السياسات على المدى الطويل، ما عزز ثقافة قصر الأجل والحذر البيروقراطي. وأدى هذا النهج التشغيلي بالمسؤولين الحكوميين والمؤسسات الحكومية إلى إعطاء الأولوية للإدارة اليومية الفورية وتجنب المخاطر على التخطيط طويل الأجل والعمل الحاسم. وطوال هذه الفترات، كافحت البيروقراطية في تونس للتطور من نظام يركز على السيطرة والحفاظ على الوضع الراهن إلى نظام قادر على الحوكمة الديناميكية الموجهة نحو العمل، ما أدى إلى تقييد التنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأوسع نطاقاً في البلاد.
تعطل إصلاح التعليم
ويعود تراجع التعليم العام في تونس جزئياً إلى تعثر عملية الإصلاح منذ عام 2011، والناجم إلى حدٍ كبير عن التسييس المستمر. إن التحليل بأثر رجعي للتحولات السياسية المتكررة في تونس له تأثير خاص هنا. فمنذ العام 2011، واجهت الحكومات المتعاقبة صعوبات في تنفيذ إصلاحات متماسكة وطويلة الأجل. وخضعت المناصب الوزارية الرئيسية كثيراً للتعيينات السياسية والتعديلات الوزارية المتكررة، ما أدى إلى سياسات غير متسقة وتغييرات مفاجئة في الاتجاه. فعلى سبيل المثال، منذ العام 2011 وحتى اليوم، تعاقب على تونس عشرة وزراء للتعليم، وتراوحت فترة توليهم مناصبهم بين سنة واحدة وثلاث سنوات في أحسن الأحوال. ويعكس هذا التبدل المتكرر درجة عالية من عدم الاستقرار السياسي الذي أثر على إصلاح التعليم. بعبارة أخرى، جرت جهود الإصلاح في قطاع التعليم في تونس خلال فترة حساسة للغاية اتسمت بالتسويات بين النخب في أعقاب ثورة 2011. واتسمت المرحلة الانتقالية بمفاوضات سياسية مكثفة بين مختلف الفصائل، من ضمنها النقابات العمالية المؤثرة وحزب النهضة الإسلامي والعلمانيين والجماعات السياسية الأخرى، وكلها كانت تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين التأثيرات العلمانية والدينية في الحكم وصنع السياسات. وخلقت هذه الديناميكيات بيئة معقدة لم يكن فيها إصلاح التعليم تحدياً تقنياً فحسب، بل كان أيضاً ساحة معركة سياسية، إذ سعت النخب المتنافسة إلى تأكيد رؤاها وسيطرتها على القطاع.
في حين فتحت ثورة 2011 مساحات جديدة لحرية التعبير والنقاش داخل الأوساط الأكاديمية والتعليمية، إلا أنها أدخلت أيضاً فترة من التنافس السياسي الحاد حول توجهات قطاع التعليم. وادعى كل طرفٍ من الأطراف الفاعلة المختلفة شرعيةً أكبر في تحديد الأولويات وقيادة عملية إصلاح التعليم، ما جعل التقدم بطيئًا وصعبًا. فمن ناحية، كانت نقابات المعلمين المرتبطة بالاتحاد العام التونسي للشغل، أي النقابة العامة للتعليم الأساسي والنقابة العامة للتعليم الثانوي، في طليعة الإضرابات التي خاضها المعلمون في تونس. وعلى مدار العقد الماضي، كانت هذه الإضرابات مدفوعة بمطالب ملحة برفع الرواتب وتحسين ظروف العمل والمشاركة في صنع القرار وإضفاء الطابع الرسمي على المعلمين المتعاقدين والبدلاء وإجراء إصلاحات تعليمية شاملة. واستخدم المعلمون مجموعة واسعة من التكتيكات التي تراوحت بين إضرابات اليوم الواحد والإضرابات المفتوحة والاعتصامات، والإضرابات التناوبية وحجب درجات الطلاب في ما يعرف بـ"الإضراب الصامت"، والتجمعات واسعة النطاق التي استقطبت عشرات الآلاف من المشاركين. على الرغم من أن هذه الإضرابات حظيت بمشاركة قوية، إلا أنها قوبلت غالباً باستجابات حكومية بطيئة أو غير كافية، ما أدى إلى إجراءات لا ترقى إلى حل المشكلات الأساسية.
من ناحيةٍ أخرى، اتخذت وزارة التربية والتعليم موقفًا صارمًا وصداميًا في كثير من الأحيان في المفاوضات مع نقابات المعلمين وسط الإضرابات المستمرة، وبشكل متزايد منذ العام 2022. وكان هذا الموقف جزءًا من مواجهة أوسع نطاقًا بين الحكومة والنقابات، إذ تتهم الأخيرة الوزارة بالقمع ورفض الحوار وفرض إجراءات تقشفية، بينما تصر الحكومة على التحكم في التوظيف في القطاع العام والحفاظ على النفقات الاجتماعية من دون تضخم فواتير الأجور. على سبيل المثال، وردًا على مطالب النقابات المتكررة بتسوية العقود وزيادة الرواتب، فرضت الوزارة تخفيضات في الرواتب، وحجبت أجر شهر واحد عن أكثر من 17 ألف معلم في المدارس الابتدائية. بالإضافة إلى ذلك، فُصل نحو 350 مدير مدرسة بزعم دعمهم أو تنظيمهم للإضرابات، ما يشير إلى سياسة عدم التسامح مع النشاط الذي تقوده النقابات. وجاء هذا التصعيد في أعقاب انهيار الحوار، إذ اتخذت الوزارة تدابير أحادية الجانب وتراجعت عن الاتفاقات السابقة، ما أدى إلى احتجاجات واعتصامات وإضرابات واسعة النطاق عطلت البرامج الأكاديمية. وإلى جانب هذه الإجراءات، وجهت الوزارة اتهامات محددة لنقابات المعلمين. على سبيل المثال، انتقدت الوزارة بشدة ممارسة حجب درجات الطلاب أثناء الإضرابات ووصفتها بأنها "جريمة في حق الشعب التونسي" ، وقالت إن النقابات تحتجز الطلاب "رهينة" للضغط على الحكومة. و عبّر أحد أساتذة التربية المدنية عن ديناميكيات هذه المواجهة بإيجاز، فقال:
"فالتعليم، بوصفه وسيلة التونسيين للحراك الاجتماعي، معطل بسبب الحسابات والأجندات السياسية قصيرة النظر. وقد أدى عدم وجود توافق في الآراء بين نقابات المعلمين ووزارة التربية والتعليم حول كيفية تصور التعليم في مرحلة ما بعد 2011 إلى عرقلة أو تأخير عملية الإصلاح."
وأبدى أحد مفتشي المدارس المتقاعدين ملاحظات مماثلة حول المواجهة بين نقابات المعلمين ووزارة التربية والتعليم، فذكر:
"خلال الاجتماعات بين نقابة المعلمين ووزارة التربية والتعليم، تحولت المناقشات إلى لعبة صفرية، وكانت تتعثر غالباً حول قضايا متنافسة مثل الإصلاح التربوي والتعويضات المالية وإدارة المدارس وصنع القرار. و أدى هذا التباين في الأولويات إلى صعوبة تحقيق نتائج ملموسة أو اتفاقات دائمة."
في هذا السياق المتقلب سياسياً، كافح نظام التعليم العام لمواجهة تحدياته الأساسية، ما أدى إلى تآكل ثقة الجمهور في قدرة القطاع على تقديم نتائج عالية الجودة. يمكن العثور على مزيد من الأدلة على هذا الاتجاه في بيانات استطلاع الباروميتر العربي لعام 2024 الذي يُظهر أن نسبة الرضا عن التعليم كانت منخفضة، فبلغت 30 في المئة فقط. يشير هذا المعدل المنخفض إلى وجود إدراك واسع النطاق لأوجه القصور المنهجي داخل المؤسسات التعليمية. ويؤكد التحليل المقارن مع بيانات استطلاع عام 2022 هذا الاتجاه بشكلٍ أكبر، إذ أوضح جزء كبير من المستجيبين أولويات محددة للإصلاح: حدد 25 في المئة منهم تحسين تدريب المعلمين كحاجة ماسة، ودعا 23 في المئة إلى إعادة بناء البنية التحتية للمدارس، وأكد 17 في المئة على دمج التكنولوجيا وتحديث المناهج الدراسية. تسلط هذه النتائج مجتمعة الضوء على إجماع عام قوي على الحاجة الملحة إلى الإصلاح الشامل، ما يعكس عدم الرضا واسع النطاق عن الوضع الحالي لنظام التعليم العام.
وبدأت أحدث الجهود المبذولة للنهوض بإصلاح التعليم العام بإطلاق مشاورات وطنية حول إصلاح التعليم في أيلول/سبتمبر 2023، تلتها خطة إنشاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم، ما يمثل خطوات مهمة نحو معالجة التحديات التعليمية التي تواجهها تونس منذ فترةٍ طويلة. شارك أكثر من 580,000 شخص في الاستشارة، وكان 65 في المئة من المشاركين من الشباب الذين تقل أعمارهم عن 20 عامًا. وتسلط المشاركة القوية للشباب الضوء على اهتمامهم العميق بصياغة مستقبل النظام التعليمي في تونس وتضمن أن تكون وجهات نظرهم محورية في عملية الإصلاح. وركزت المشاورات على مواضيع رئيسية مثل جودة التعليم والمساواة، والتسرب المدرسي، والعنف في المدارس، وإدماج الفئات المهمشة، وتحديث المناهج الدراسية، ودعم المعلمين، والتفاوتات الإقليمية في الحصول على التعليم. ومع ذلك، ساهم غياب النشر الشفاف لنتائج المشاورات الوطنية في محدودية الوضوح العام في ما يتعلق بالنتائج والتوجه المستقبلي لإصلاح التعليم في تونس. ويزداد هذا النقص في التواصل تعقيدًا بسبب حقيقة أن النتائج لم تُعرض رسميًا على الرئيس إلا في شباط/فبراير 2024 من قبل وزير التربية والتعليم آنذاك، محمد البوغديري، من دون أن تتم مشاركتها على نطاق أوسع. هذا النهج التنازلي لتدفق المعلومات من أعلى إلى أسفل الذي يحصر النتائج الرئيسية داخل الدوائر السياسية بدلًا من إيصالها إلى المعلمين وأصحاب المصلحة والمواطنين، يحد بشكلٍ كبير من فرص التدقيق العام والنقاش والتغذية الراجعة - وهي مكونات أساسية لصنع السياسات الديمقراطية والإصلاح. ونتيجة لذلك، تخاطر العملية بأن يُنظر إليها على أنها غير شفافة ومنفصلة عن الجمهور الذي تهدف إلى خدمته. فمن دون التواصل الواضح والشفافية، قد يظل الناس غير متأكدين من التغييرات التي يُنظر فيها أو يُخطط لها، الأمر الذي يمكن أن يضعف الثقة في جهود الإصلاح ويعوق نجاحها في نهاية المطاف.
وعلاوة على ذلك، وبعد مرور ما يقرب من عامين، لا تزال العملية برمتها في مرحلة التشاور والتخطيط إلى حد كبير، من دون تنفيذ أي تغييرات ملموسة كبيرة في السياسات. ويعكس هذا التأخير التعقيدات الإجرائية المتأصلة في البيروقراطية التونسية، فتساهم المتطلبات الرسمية والروتين الإداري في إطالة الأطر الزمنية. أحد الأسباب الرئيسية في هذا التأخير هو عدم اكتمال إنشاء الآليات المؤسسية الهامة، وأبرزها المجلس الأعلى للتعليم. هذا المجلس مكلف بقيادة جهود الإصلاح والتنسيق بين مختلف أصحاب المصلحة؛ إلا أن تفعيله الكامل لم يكتمل بعد، ما يعوق الشروع في إصلاحات ملموسة. ويكمن التحدي الآخر في كيفية قيام هذا المجلس بدمج واستخدام ثروة المعلومات الناتجة عن المبادرات السابقة، مثل الكتاب الأبيض حول إصلاح التعليم لعام 2016، والاستفادة منها بشكل فعال. وقد أنتجت هذه المبادرة بالفعل بيانات كمية واسعة النطاق ورؤى نوعية ذات أهمية حاسمة في تشكيل سياسات التعليم في تونس. ومن دون تكامل وتنسيق دقيقين، هناك خطر تداخل الجهود وتشتت إدارة البيانات، ما قد يقوض اتساق وكفاءة الإصلاحات الجارية. ولم يتم الحصول على الموافقة السياسية من مجلس نواب الشعب حتى الآن، ما يؤدي إلى تأخير إضافي في تنفيذ أهداف المشاورات. على الرغم من أن هذه المبادرة الوطنية تُظهر الإرادة السياسية والالتزام بالإصلاح التشاركي، إلا أن فعاليتها ستظل محدودة إلى أن تتحقق تحسينات ملموسة في نظام التعليم في تونس.
أخيرًا، يمثل انخفاض معدل المواليد في تونس تحديًا حاسمًا لقطاع التعليم والمجلس الأعلى للتعليم، الذي يجب أن يكيّف استراتيجياته وسياساته للاستجابة بفعالية لهذا التحول الديموغرافي. فوفقًا لأحدث البيانات الديموغرافية، شهد معدل المواليد انخفاضًا ملحوظًا في العام 2023 (13.75 مولودًا لكل 1000 نسمة، أي بانخفاض 2.66 في المئة عن عام 2022)، ثم انتعاشًا في العام 2024 (14.98، بزيادة 8.96 في المئة)، وانخفاض متوقع مرة أخرى في العام 2025 (14.58، بانخفاض 2.65 في المئة). انخفضت نسبة الأطفال دون سن الخامسة من 19 في المئة في العام 1966 إلى 5.9 في المئة في العام 2024، ما يعكس الانخفاض الحاد في معدل الخصوبة في تونس. ويلاحظ اتجاه مماثل أيضًا بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 أعوام و14 عامًا، إذ انخفضت نسبتهم من 28 في المئة في العام 1966 إلى 17 في المئة في العام 2024.
ومع تقلص عدد السكان في سن الدراسة، هناك ميل إلى ركود ميزانيات التعليم أو حتى انخفاضها، ما يؤدي إلى نقص في الاستثمار الرأسمالي الذي يعوق قدرة القطاع على تحديث البنية التحتية واعتماد تكنولوجيات جديدة وتنفيذ الإصلاحات الضرورية. ويؤدي هذا النقص في الاستثمار إلى إبطاء وتيرة تحديث المناهج الدراسية وتدريب المعلمين، وهما أمران حاسمان لمواءمة نظام التعليم مع الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة. وتُفاقم هذه التحديات عدم التوافق المستمر بين مهارات الخريجين ومتطلبات سوق العمل. في الوقت نفسه، مع تقدم السكان التونسيين في العمر - إذ يُتوقع أن ترتفع نسبة من تزيد أعمارهم عن 60 عاماً من 5.6 في المئة في العام 1966 إلى نحو 17 في المئة في العام 2024 - قد يتزايد الضغط لتحويل موارد عامة كبيرة نحو الخدمات الصحية وصناديق الضمان الاجتماعي التي تعاني بالفعل من نقص في الموارد، ما يزيد الضغط على قدرة الدولة على تمويل وإصلاح قطاع التعليم بشكل كافٍ. ستضع هذه التحديات التقنية والسياسية والإدارية - التي تفاقمها الحقائق الديموغرافية التي تتسم بشيخوخة السكان وانخفاض معدلات المواليد - ضغوطاً كبيرة على المجلس الأعلى للتعليم في سعيه للقيام بمهامه المعقدة.
اتساع الفوارق: المدارس الحضرية والساحلية مقابل المدارس الريفية والعامة مقابل المدارس الخاصة
لا تزال الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والجهوية طويلة الأمد بين المناطق الحضرية والريفية، تقوض جودة التعليم وإمكانية الوصول إليه في المناطق الداخلية في تونس. تستفيد المدارس الحضرية، خصوصاً الموجودة في المناطق الساحلية وتونس الكبرى، من بنية تحتية "أفضل إلى حد ما"، ووصول أفضل إلى الأدوات الرقمية، وتركيز أعلى من المعلمين المؤهلين. في المقابل، تواجه المدارس الريفية في المناطق الداخلية نقصًا مزمنًا في الاستثمار، مع ضعف المرافق، ومحدودية الموارد التعليمية، ونقص في المعلمين المدربين. وتنعكس هذه التفاوتات على أداء الطلاب؛ فعلى سبيل المثال، أثناء امتحانات البكالوريا لعامي 2023 و2024، سجلت مناطق تونس الكبرى والمحافظات الساحلية مثل صفاقس والمهدية وسوسة معدلات نجاح تفوق الـ65 في المئة، بينما سجلت المناطق الداخلية مثل القصرين وقفصة وسيدي بوزيد وجندوبة معدلات نجاح متأخرة جداً، لم تتجاوز بالكاد الـ30 في المئة في كلا العامين.
تنعكس التفاوتات أيضًا في مخاطر التسرب من التعليم. ويكشف التحليل المكاني أن خطر التسرب يتركز في المناطق الداخلية لتونس، لا سيما الشمال الغربي والوسط الغربي، حيث سجلت المندوبيات مثل غار الدماء أعلى نسبة تسرب في البلاد. واستناداً إلى الملاحظات الميدانية، لا سيما في المجتمعات القريبة أو المتاخمة للجزائر أو ليبيا مثل جندوبة والكاف وسليانة وسيدي بوزيد والقيروان والقصرين وقفصة ومدنين وتطاوين، فإن العديد من هؤلاء المتسربين من المدارس لجأوا إلى شبكات التهريب المحلية أو قرروا عبور البحر الأبيض المتوسط سعياً وراء "حياة أفضل". على سبيل المثال، خلال محادثة مع أحد المتسربين من المدارس من مدينة الكاف، لم يبلغ بعد 18 عامًا، قال: "قبل بضعة أشهر، أعادني حرس السواحل عندما حاولت عبور البحر باتجاه إيطاليا. لكنني أحاول مرة أخرى". تُظهر هذه الملاحظات أن الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية وانعدام الآفاق التعليمية والاقتصادية المجدية في المناطق الحدودية توجه بشكل مباشر المتسربين من المدارس إلى التهريب أو الهجرة كمسارات متصورة لحياة أفضل.
كما كشف تعداد 2024 في تونس عن تفاوتات مقلقة للغاية في مجال محو الأمية، ما يسلط الضوء على الانقسامات الإقليمية والجنسانية الحادة. ففي المحافظات الداخلية، مثل جندوبة والقيروان وسيدي بوزيد والقصرين وسليانة، تتجاوز معدلات الأمية في المحافظات الداخلية نسبة 25 في المئة، وتتحمل النساء العبء الأكبر، إذ تبلغ نسبة الأمية بينهن ضعف النسبة بين الرجال في هذه المناطق. ففي جندوبة، على سبيل المثال، تبلغ نسبة الأمية بين النساء 36,5 في المئة، أي ما يقارب ضعف معدل الأمية بين الرجال البالغ 20 في المئة. يعكس هذا الفرق الصارخ العوائق المنهجية التي تحد بشكل غير متناسب من وصول المرأة إلى التعليم، والتي من المحتمل أن تكون متجذرة في عوامل اجتماعية وثقافية أعمق مثل الأدوار التقليدية للجنسين والقيود الاقتصادية التي تعوق تحصيل الإناث التعليمي. وتؤثر هذه العوامل على المرأة الريفية وتعزز تركُّزها في العمل الزراعي غير الرسمي منخفض الأجر، فتشكل نحو 70 في المئة من القوى العاملة. ولا يحد هذا الانسحاب المبكر من التعليم من تطورهن الشخصي فحسب، بل يديم أيضاً دورات الفقر وعدم المساواة بين الجنسين في المجتمعات الريفية. وأفضل ما يعبّر عن هذه النقطة قول أحد نشطاء المجتمع المدني:
"وقد أدى التفاوت الاجتماعي والاقتصادي والشعور السائد بالحرمان بين الشباب - خصوصاً في المناطق ذات التاريخ الطويل من التخلف ومحدودية الموارد التعليمية وندرة فرص العمل - إلى نشوء حلقة ضارة من الضعف والتسرب المدرسي والعنف والإدمان والهجرة."
ومن الاتجاهات الناشئة الأخرى اتساع الفجوة بين المدارس الحكومية والمدارس الخاصة. فهذه الأخيرة، سواء في المناطق الريفية أو الحضرية، متخلفة بشكل كبير عن نظيراتها الخاصة في البنية التحتية وجودة الخدمات التعليمية المقدمة. فالمدارس الخاصة، لا سيما الدولية منها مثل المؤسسات الأميركية أو الفرنسية أو البريطانية أو الكندية، لا تقدم معايير أكاديمية أعلى فحسب، بل توفر أيضًا وسائل نقل آمنة ودعمًا للرفاهية ومجموعة من الأنشطة اللامنهجية المصممة خصيصًا، من ضمنها فعاليات التواصل ونوادي تكنولوجيا المعلومات المجهزة جيدًا وبرامج ريادة الأعمال. كما جرى التأكيد على هذا التفاوت بين البنية التحتية للتعليم الخاص والعام في 15 نيسان/أبريل 2025 - بعد يوم واحد فقط من الحادث المأسوي الذي وقع في مزونة - عندما توفي طالب في بلدة حاسي الفريد، وهي بلدة في ولاية القصرين، وأصيب عدد آخر بجروح بعد سقوطه من شاحنة خفيفة تستخدم في النقل المدرسي. وتسلط مثل هذه الحوادث الضوء على خيارات النقل غير الآمنة وغير الكافية التي يتعين على العديد من طلاب المدارس الحكومية في المناطق الداخلية الاعتماد عليها، في تناقض حاد مع خدمات النقل المنظمة والأكثر أمانًا التي توفرها عادةً المدارس الخاصة. إن هذه التفاوتات الهيكلية لا تقوض الحق في التعليم الجيد لجميع الشباب التونسي فحسب، بل تعزز أيضًا أنماطًا أوسع من الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي، ما يعوق التنمية الوطنية ويعمق الانقسامات الجهوية.
وقد دفع تراجع جودة التعليم العام العديد من الأسر من الطبقة المتوسطة - حيثما أمكن ذلك من الناحية المالية - إلى تسجيل أطفالها في هذه المؤسسات الخاصة على أمل الحصول على نتائج تعليمية وتنموية أفضل. في الواقع، كان هناك اتجاه تصاعدي في الالتحاق بالمدارس الابتدائية الخاصة في تونس. في العام 2015، كان 4.3 في المئة من طلاب المدارس الابتدائية في المدارس الخاصة، وارتفعت النسبة إلى 5.3 في المئة في العام 2016، لتصل إلى 9.1 في المئة بحلول العام 2023، ما يشير إلى تحول كبير ومستمر من التعليم العام إلى التعليم الخاص. إن الاختيار المتعمد للمدارس الخاصة من قبل أولياء الأمور من الطبقة المتوسطة ليس فقط وسيلة للتغلب على التحديات والقيود التي يواجهها التعليم العام، بل هو أيضًا استثمار طويل الأجل يهدف إلى تزويد أطفالهم بالمهارات والمؤهلات التي تعزز فرصهم في عالم معولم. يؤكد هذا التحول المستمر أن خيارات التعليم تتشابك بعمق مع تطلعات الهجرة والرغبة في التنقل والاستفادة من الفرص العابرة للحدود الوطنية وتأمين الحراك الاجتماعي والأمن الاقتصادي.
تقييم استجابة الحكومة لمأساة مزونة
كان رد فعل الحكومة على مأساة مزونة حتى الآن متسماً بانعدام المساءلة. ويبدو أن الاعتقال السريع لمدير مدرسة مزونة لم يكن عملاً من أعمال العدالة بقدر ما كان محاولة مريحة للعثور على كبش فداء. وعلى الرغم من أنه اعتُقل للاشتباه في إهماله في إدارة وصيانة البنية التحتية للمدرسة، إلا أن السياق الأوسع يشير إلى وجود مشكلات منهجية خارجة عن سيطرته. ويبدو أن الهدف من هذا الاعتقال هو تحويل الانتباه عن إخفاقات هيكلية أعمق من ذلك وإبعاد مسؤولية الحكومة. كما أن الإفراج عنه لاحقًا يسلط الضوء على أنه استُهدف بشكل غير عادل - واستُخدم لحماية المسؤولين الأعلى من المساءلة. تجسّد هذه القضية نموذجًا لكبش الفداء التقليدي: إدارة الغضب الشعبي من دون معالجة الأسباب الجذرية.
كما يتجلى نهج الحكومة القائم على رد الفعل في التعامل مع الاضطرابات الاجتماعية المتعلقة بتراجع التعليم والمظالم الاجتماعية والاقتصادية الأوسع نطاقاً. ففي مزونة وغيرها من المناطق المهمشة، تظاهر مئات الأشخاص في اليوم الأول من الاحتجاجات وأشعلوا النيران في الإطارات وأغلقوا الطرقات. واستمرت الاحتجاجات في الأيام التالية بمسيرات واجتماعات ودعوات ضد إهمال الحكومة وتحميل مدير المدرسة مسؤولية إهمالها. كما امتدت التظاهرات إلى العاصمة تونس حيث تظاهر الطلاب تضامناً مع الطلاب. ولكن بدلاً من تعزيز الحوار الهادف أو تنفيذ تغييرات في السياسات، قوبلت هذه الدعوات للمساءلة والعدالة بعنف الشرطة، بما في ذلك استخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، والاعتقالات، والمداهمات، وقطع الاتصالات، والاعتداء على الصحافيين.
وقد تغيرت استجابة الحكومة ظاهريًا بعد زيارة الرئيس سعيد في 18 نيسان/أبريل 2025. فبينما انسحبت قوات الأمن موقتًا من أدوار المواجهة وشاركت في حملات التنظيف التي يقودها المجتمع المحلي، فإن هذه الإجراءات قد لا تعدو كونها مجرد لفتات رمزية أكثر من كونها محاولات حقيقية لمعالجة الأسباب الجذرية للمظالم. ويبدو أن التعاون المزعوم بين قوات الأمن والمواطنين يبدو سطحيًا إلى حد كبير، ما يُثير شكوكًا كبيرة حول إمكانية أن يؤدي هذا التخفيف الموقت للقمع إلى أي إصلاحات ذات مغزى أو دائمة. بالإضافة إلى ذلك، فإن وعود سعيد بتلبية مطالب المواطنين واستعادة كرامة المدينة لم تقابلها حتى الآن تدابير سياسية ملموسة أو مساءلة حقيقية. فمن دون التزام مستدام بالتغيير الهيكلي، قد تؤدي هذه اللفتات في المقام الأول إلى نزع فتيل التوترات الآنية من دون حل المشكلات الأعمق التي تغذي الغضب الشعبي وانعدام الثقة.
وعموماً، تعكس استجابات الحكومة أزمة حوكمة أوسع نطاقاً، فنادراً ما يتحمل المسؤولون المسؤولية عن الإخفاقات أو الانتهاكات، وتتسم إدارة الأزمات بتدابير مخصصة وسطحية بدلاً من التخطيط الاستراتيجي والمساءلة. على سبيل المثال، واستجابةً للمخاوف المتزايدة بشأن المباني المدرسية غير الآمنة، أمرت الحكومة بتعزيز أو هدم البنية التحتية المتداعية في جميع أنحاء البلاد على وجه السرعة، ومع ذلك نُفذت هذه الإجراءات على عجل، من دون خطط واضحة لإعادة البناء بشكل أفضل أو ضمان استمرار وصول الطلاب إلى بيئات تعليمية آمنة. وتثير مثل هذه الإجراءات تساؤلات جدية حول الاستعداد للأزمات وقدرة الحكومة على الإصلاح المستدام، لأنها لا تعالج الأسباب الجذرية لتدهور التعليم، وتترك المجتمعات المتضررة غالباً في حالة من النسيان. عندما يشهد المواطنون تدابير رد الفعل التي تعطي الأولوية للإصلاحات الفورية على الحلول المستدامة، يعزز ذلك الشعور بالإهمال والتخلي عنهم، ما يشير إلى أن الحكومة تركز على المظاهر قصيرة الأجل أكثر من تركيزها على الرفاهية طويلة الأجل. ويمكن أن يؤثر هذا الشعور بعدم اليقين على نظرة المجتمعات المحلية إلى فعالية وموثوقية المؤسسات العامة، لا سيما في سياق لطالما واجهت فيه تحديات تتعلق بالحوكمة وتقديم الخدمات. وبالتالي، تُترك المجتمعات المحلية المتضررة من هذه الإجراءات المفاجئة في حالة من التشكُّك، ما يؤدي إلى تآكل ثقتها بالمؤسسات العامة وإضعاف العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها. ويمكن أن يكون لهذا التآكل في الثقة عواقب بعيدة المدى، من ضمنها انخفاض تعاون الجمهور مع الإصلاحات المستقبلية، وزيادة الاضطرابات الاجتماعية، والشعور العام بالحرمان من الحقوق.
الخلاصة والتوصيات
تعكس الوفاة المأسوية للتلاميذ في مزونة وحاسي الفريد، إلى جانب ارتفاع مخاطر التسرب المدرسي ومعدلات الأمية في العديد من المناطق الداخلية، الفشل المنهجي للتعليم العام في تحقيق نتائج جيدة والوفاء بدوره الأساسي كوسيلة للحراك الاجتماعي. وتكمن في صميم هذه المآسي مشكل طويلة الأمد، بما فيها البنية التحتية المتقادمة التي يعود تاريخها إلى ثمانينيات القرن الماضي، وانعدام الاستجابة والمساءلة بين المسؤولين، والرؤى السياسية المتباينة لإصلاح التعليم، والتفاوتات الإقليمية المستمرة في التنمية. وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن هدم الجدران المتهالكة في العديد من البلدات يعد إجراءً وقائيًا مهمًا، إلا أنه يظل غير كافٍ، إذ يسعى المواطنون إلى بنية تحتية أكثر استدامة، وتنمية طويلة الأجل تضمن سلامة الطلاب وأمنهم. تقترح هذه الورقة السياساتية التوصيات العملية الآتية لمعالجة أوجه القصور في التعليم العام في تونس:
- برنامج التدقيق والصيانة العاجلة للبنية التحتية: إطلاق عملية تدقيق على مستوى الدولة لجميع البنى التحتية للمدارس لتحديد المخاطر العاجلة المتعلقة بالسلامة، يليها إجراء إصلاحات فورية وبرنامج صيانة مجدولة. وينبغي أن يشمل ذلك إجراءات واضحة ومبسطة للإبلاغ عن المخاطر ومعالجتها، والحد من التأخيرات البيروقراطية التي تعوق حالياً التدخلات في الوقت المناسب.
- تبسيط الإجراءات الإدارية وتطبيق اللامركزية في اتخاذ القرار: تعوق عمليات الصيانة والإصلاح الحالية البيروقراطية المفرطة والمسؤوليات غير الواضحة، ما يؤدي إلى تأخيرات خطيرة. تبسيط الإجراءات الإدارية وإضفاء اللامركزية عليها، ومنح المزيد من الاستقلالية والرقابة على الميزانية لمديري المدارس في ما يتعلق بالإصلاحات الروتينية والتدخلات العاجلة. يجب أن ترافق اللامركزية مبادئ توجيهية وآليات مساءلة واضحة لمنع سوء الإدارة وضمان اتخاذ الإجراءات في الوقت المناسب.
- النهج الشامل للنظام بأكمله: الحوكمة الشاملة وإشراك أصحاب المصلحة: اعتماد استراتيجية إصلاح شاملة للنظام بأكمله تُشرك الآباء ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص كشركاء مسؤولين. ويعزز هذا النهج التعاوني المسؤولية المشتركة، ويستفيد من موارد المجتمع، ويضمن أن تكون الإصلاحات ذات صلة بالسياق ومدعومة على نطاق واسع.
- الانتقال بإصلاح التعليم العام من مرحلة التشاور إلى العمل الملموس: وضع خارطة طريق واضحة للانتقال ببرنامج إصلاح التعليم في تونس - الذي أُطلق في العام 2023 - إلى ما بعد مرحلة التشاور من خلال وضع معالم محددة وتعيين مسؤوليات التنفيذ، وإجراء تحديثات عامة منتظمة للتقدم المحرز. سيؤدي هذا النهج المنظم إلى تحويل نتائج المشاورات إلى إجراءات ملموسة، ما يؤدي إلى تحسينات مجدية في التعليم العام، وفي الوقت المناسب.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.