مقدمة
لم تتغير السياسة المصرية تجاه القضية الفلسطينية حتى اندلاع طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وقد جاء قرار تأسيس اتحاد القبائل العربية في أيار/مايو 2024 ليطرح مجموعة من القراءات المتضاربة حول الدوافع الأمنية والاقتصادية لتأسيس هذا الاتحاد، فضلًا عن مخاطره وأشكال تأثيراته المحتملة على دور مصر في الوساطة بين أطراف الصراع. ومن ثم ستعرض الورقة أولًا لموقف الإدارة المصرية ومحدداته من أحداث طوفان الأقصى، وثانيًا ستناقش أبعاد (قرار تأسيس اتحاد القبائل العربية) أو التغير في السياسة المصرية من واقع نموذج التوازن الهش، وثالثًا ستعرض للدوافع الأمنية والاقتصادية لقرار التأسيس، ورابعًا ستعرض لأخطار تأسيس الاتحاد وأشكاله تأثيراته على علاقة مصر بأطراف الصراع.
اتسمت محددات الموقف المصري من القضية الفلسطينية بالثبات والاستقرار، وقد شكلت مجموعةٌ من المحددات سياستها لسنوات عديدة، من أهمها: الدعم التاريخي من الدولة للقضية مصحوبًا بالتعاطف الشعبي، وتأكيد الإدارة المصرية على أحقية الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ورفض الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة ورفض التهجير القسري والتأكيد على أهمية استقرار المنطقة الواقعة على الحدود الشرقية لمصر في حماية أمنها القومي، فضلا عن الوساطة المصرية الدائمة وأهمية مصر كدولة إستراتيجية في المنطقة ...إلخ. ومن واقع هذه المحددات جاء تناول أحداث طوفان الأقصى في الرواية الرسمية لصانعي القرار مركِّزًا على أن الرد الإسرائيلي بالحرب على غزة لا يتناسب مع ما حدث في 7 تشرين الأول/ أكتوبر2023. وقد حشدت مصر إقليميًّا ودوليًّا للتعامل مع المشكلة مؤكدةً على أن سياسة العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني والإبادة وتهديد أمن المنطقة والأمن القومي هو أمر مرفوض. كما بدأت مؤسسات الدولة المعنية بالقضية (وزارة الخارجية والمخابرات العامة وغيرها) برسم خطة متوافقةً مع محددات الرؤية المصرية للصراع منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، خطةٌ رُسِمت عبر الخطوات التالية: إجراء اتصالات مستمرة للتفاوض بشأن وقف إطلاق النار والدعوة لضبط النفس والدعوة لعقد قمة دولية في القاهرة في 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لبحث تطورات الموقف في غزة، لكنّها خرجت بدون اتفاق أو بيان ختامي.
لقد شاركت مصر كطرف أساسي في المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وقطر وفى مفاوضات باريس الأولى والثانية. وحذر المسؤولون في أكثر من مناسبة من خطورة الوضع الإنساني في غزة، كما أدانوا استهداف المدنيين. ورغم الاتهامات الإسرائيلية لمصر بأنها سبب تأخر وصول المساعدات إلى غزّة أو عدم وصولها أصلا، إلا أنه منذ اندلاع الحرب وحتى شهر أيار/ مايو 2024، وجاء في تصريحات رئيس الهيئة العامة للاستعلامات(ضياء رشوان) أن مصر أدخلت ما يزيد عن 20 ألف شاحنة مساعدات حملت عشرات الآلاف من أطنان المواد الغذائية والطبية والوقود. ولم تكتف بذلك بل قامت أيضا بجهود الوساطة في المصالحة الوطنية الفلسطينية، وقامت المخابرات المصرية أكثر من مرة بدعوة قادة الفصائل الفلسطينية للقاءات عدة لمناقشة القضايا محل الخلاف ـ وأكدت القيادة رفضها للتهجير القسري والطوعي وأهمية حماية الأمن القومي والحدود في سيناء، وشددت على هذا الموقف مرارًا في مجمل التصريحات (تصريحات المخابرات العامة، القوات المسلحة، اتحاد القبائل العربية).
ومن ثم تمحورت السياسة المصرية في الحفاظ على حضورها الإقليمي والدولي الداعم للقضية الفلسطينية، وعلى ما جاء في معاهدة كامب ديفيد، فضلا عن التأكيد على أهمية استقرار الأوضاع، خشية حدوث تداعيات سياسية وأمنية خطيرة تزيد من عمليات تهجير قسري واسعة محتملة للفلسطينيين داخل الحدود المصرية. وعلاوةً على ما سبق، ففي رأيي لعب المحدد الأيديولوجي المرتبط بتحفظات الجانب الرسمي المصري على التوجه الإسلامي للمقاومة الفلسطينية وعلاقته السابقة بجماعة الإخوان المسلمين (حزب الحرية والعدالة) دورًا هامًا في تشكيل مضمون السياسة المصرية الحالية. وبقول آخر فقد ظلت الحكومة المصرية ولفترة طويلة تعتمد على أذرعها المتعددة (وزارة الخارجية، المخابرات العامة، الأمن الوطني، وسائل الإعلام، وغير ذلك من الفاعلين) لإدارة ملف القضية والحفاظ على خطوط التوازن والتواصل مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. وكانت قادرة على ذلك إلى حد كبير رغم عدم تجانس هذه الأذرع، فصنعت سياسات عامة مستقرة لفترة طويلة حتى اندلاع أحداث طوفان الأقصى. وهنا أدركت الحكومة المصريّة بعد فترة من الوقت أن الأمر لن يستقيم بهذا الشكل وأن هناك حاجة لإجراء تغيير جذري فيما يخص قراراتها. ومن ثم استمرت البيانات والتصريحات والمؤتمرات دون ترجمة واقعية إلى قرارات حتى أتى شهر أيار/ مايو 2024 ليُعلَنَ رسميًا عن تأسيس اتحاد القبائل العربية برئاسة إبراهيم العرجاني، وفى هذا الإطار يبدو نموذج التوازن الهش مناسب تماما لشرح التغير المفاجئ في عملية صنع السياسة المصرية تجاه الحرب الدائرة على حدودها الشرقية.
أولاً - نموذج التوازن الهش (Punctuated Equilibrium) وفهم قرار التأسيس
يفترض نموذج التوازن الهش المعروف في أدبيات السياسات العامة أن ثبات السياسات العامة يمثل القاعدة وأن التغيير لا يحدث إلا في مواجهة تغيرات جذرية مفاجئة. ) وذلك ما حدث مع أحداث طوفان الأقصى التي مثلت حدثًا هامًا ومختلفًا أجبر الحكومة على تغيير السياسات السابقة، فبدلا من الاعتماد أصلا على مؤسسات حكومية وطنية صارت تعتمد على كيان جديد ليس غير حكومي فحسب ولكنه موازٍ لأحد الكيانات الرئيسة وهو القوات النظامية، وأنها باتخاذها هذا القرار، ورغم صعوبته، كانت تجد فيه رشادة محددة بأهداف أمنية لوجستية واقتصادية. وفى تفسير قرار التأسيس يبرز تشكيل فاعل جديد غير معتاد وهو اتحاد القبائل العربية الذي يتضمن كل عرب سيناء المقيمين على الحدود المصرية الإسرائيلية التي سبق وأن ساعد النظام السياسي في القضاء المسلح على الجماعات الإسلامية الموجودة فيها. وجاء القرار الحكومي بتكوين اتحاد القبائل العربية (تكوينات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة) لتأمين حدودها ولصد أي هجوم أو نزوح قسري محتمل، وهي مسألة غاية في الأهمية، وكذلك كان توقيت تدشين اتحاد القبائل العربية بمثابة إعلان لتحالف القبائل مع النظام لتشكيل حاجزٍ مسلحٍ غير رسمي على الحدود يتجاوز الأدوار التقليدية التي لعبتها كل من مؤسسات الخارجية والاستعلامات أو القوات المسلحة وحتى البرلمان المصري. ومن ثمَّ فقد قررت القيادة السياسية الاعتماد على وكيل غير حكومي لإنجاز بعض المهام التي تعجز بعض المؤسسات الرسمية عن التعامل معها لأسباب مختلفة.
ويساعد نموذج التوازن الهش في التفرقة بين مفهومين رئيسيين، هما صور السياسات (policy images) وأماكن السياسات (policy venues). فيما يخص صور السياسات، وهي الصورة الذهنية التي تصل للرأي العام عن السياسة، فإنّها تشير إلى الطريقة التي تُناقش بها السياسات العامة أمام الجمهور وفي وسائل الإعلام، وتستند إلى مجموعة من الحقائق تُفَسَّر من خلال منظور المعتقدات والقيم. وفى هذا الإطار فالصورة الذهنية عن اتحاد القبائل العربية أو إبراهيم العرجاني [رئيسه] هي صورة سلبية؛ إذ تصدرت وسائل التواصل الاجتماعي منشورات وصور تُبرِز هذه الصورة وتسأل عن مصادر ثروته. كما جاء في بيان لـ"مشايخ القبائل العربية في الصعيد والغرب"، رفض "اتحاد القبائل العربية" بل والدعوة لحل هذا الاتحاد لما يشكله من خطر على وحدة المصريين وتهديد باندلاع نزاع عشائري، رافضا زعامة العرجاني متهما إياه بالمتاجرة بمعاناة الفلسطينيين في قطاع غزة. أما فيما يتعلق بمفهوم أماكن السياسات، والمقصود هنا المؤسسات التي يتم من خلالها اتخاذ قرارات بشأن قضية معينة، كانت هناك موافقة ضمنية من الأجهزة الأمنية على إنشاء هذا الاتحاد فضلا عن مشاركة عدد من كيانات وجمعيات أهلية في تشكيل الاتحاد والتي زادت عن 25 كيان في البداية ثم انضم إليها لاحقًا في حزيران/ يونيو 2024 ما يقرب من 17 جمعية مشهرة، وذلك فضلًا عن اتحاد قبائل سيناء، الذي يرأسه أيضا العرجاني ويمزج بين الجانبين الأمني والتنموي أكثر من الكيان الجديد(اتحاد القبائل العربية).
ثانيًا - دوافع التأسيس الأمنية والاقتصادية لاتحاد القبائل العربية: رشادة مدفوعة بأهداف
لقد جاء نصًا في بيان تأسيس الاتحاد أن الهدف منه هو أن يشكل إطارًا تنظيميًّا واسعًا معبرًا عن مئات القبائل في إطار وطني خاصة في ظل المخاطر التي تحيط بالحدود الشرقية لمصر، وتستهدف العصف بالكيان الوطني وإلحاقه بالمخططات الرامية والهادفة إلى نشر الفوضى. وأنه يهدف للمشاركة في حماية الأمن القومي والتواصل مع كافة القبائل العربية للوصول إلى قواسم مشتركةً في إطار الدولة وخدمةً لأهدافها. وفى الوقت نفسه، دعم القوات المسلحة في مواجهة مخطط التهجير لتصفية القضية الفلسطينية، والتأكيد على موقف مصر الثابت في رفض العدوان وإنهاء الأزمة بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. وفى السياق ذاته، وقع الاختيار على العرجاني رئيس اتحاد قبائل سيناء ليكون رئيسًا لاتحاد القبائل العربية تقديرًا لدوره الوطني والاجتماعي. وبحثا في دوافع تأسيس هذا الاتحاد وهل هو كيان مواز لمؤسسات الدولة - أي تكوين عسكري غير رسمي أو ظهير للدولة – أم أنّه فصيل تابع للقوات المسلحة، أو يعمل لصالحها أم أنه يمثل ميلشيا وكيان مسلح مساند للجيش؟ أو يجب اعتباره أو حليف وشريك للدولة في إدارة معبر رفح والتجارة الرسمية وغير الرسمية على الحدود، وذلك إذ إنه يعمل منذ مدة بالشراكة مع الحكومة في إطار تنفيذ مشروعات عمرانية ومشروعات للبنية التحتية، ومحاولة جمع القبائل وجعلها تعمل لصالح النظام وتدعم تنفيذ سياساته الأمنية أو اعتباره كيان قبلي يعمل كظهير شعبي خلف القيادة والجيش المصري، أو وكيل الحكومة لإنجاز ما تعجز هي عن القيام به علنا؟ أم يجدر التعامل معه باعتباره مجرد جمعية أهلية تعمل في إطار القانون؟ ولقد استفاد العرجاني تماما من كونه من أبناء المنطقة وشريك في إدارة المعابر من واقع استثماراته فضلًا عن تعقد الأمر وعدم نجاح الأجهزة المختلفة للدولة في تحقيق تقدم يذكر في هذا الملف، وتعثر المفاوضات مع طول الفترة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 فضلًا عن نجاحه السابق مع الحكومة في مواجهة داعش في سيناء وقدرته الحالية على إدارة الموقف. وقد استغلّ علاقاته الوثيقة بالمسئولين الحكوميين ليستخدم كل هذه الظروف والأدوات للتأثير على السياسة الحكومية، واتخاذ القرار لصالحه وإنشاء الاتحاد برئاسته رسميا ليكون بمثابة حاجز بشري على الحدود ضد أي نزوح أو اشتباكات محتملة مع أي من الجانبين الفلسطيني أو الإسرائيلي.
أ-دوافع أمنية
تتمثل تلك الدوافع في أنه منذ عام 2014 واعتبار تأمين الحدود وحماية الأمن القومي المصري هي أحد أهم أولويات النظام الجديد الذي من أجلها قام بإزالة الأنفاق التي قدرت في هذا الوقت بحوالي 2000 نفق بين مصر وغزة. وأُزِيلَت مدينة رفح المصرية بالكامل ونُقِلَ سكان رفح المصرية إلى مكان آخر، ودُمِّرَت الأنفاق المؤدّية إلى رفح الفلسطينية، حتى وإن حدث ذلك من الجانب المصري فقط، ومن ثم تستطيع حماس إذا أرادت أن تقوم بتغيير تلك المسارات وعمل فتحات جديدة، وهو ما تعلمه السلطات المصرية جيدًا. وقد ازدادت الأوضاع الأمنية سوءًا في سيناء وفقدت القوات المسلحة سيطرتها على عدد من المناطق في سيناء لصالح داعش، وغيرها من الجماعات التكفيرية. وقد ساعد النظامُ في مواجهة تلك الجماعات واستعادة الاستقرار والسيطرة على الأوضاع ما قام به اتحاد قبائل سيناء والعرجاني كأحد أهم أعضائه ثم رئيسه في مواجهة الإرهاب في سيناء منذ تكوينه في عام 2016. وكان الجيش قد استعان بقبائل سيناء منذ عام 2013 في العديد من الأعمال الاستخباراتية ضد "الجماعات الإرهابية"، وذلك كجزءٍ من مساعيه في توحيد جهود القبائل والتنسيق مع الأجهزة الأمنية لمواجهة التهديدات الإرهابية وتأمين المنطقة.
ولقد لعب الاتحاد دورًا هام في جمع المعلومات عن الجماعات التكفيرية ومواقعها السرية، كما شاركوا الجيش في الحملات ضد الإرهابيين ومراقبة المناطق الحدودية والأنفاق غير الشرعية المتجهة إلى خارج الحدود. وكان هدف الاتحاد دعم الجيش في الحرب ضد الجماعات التكفيرية، بما تملكه من تسليح حديث، وقام الجيش بتدريب شباب من الاتحاد بداخل معسكرات تابعة له بشكل منتظم، وكُوِّنَت مجموعات مسلحة من عشائر القبائل بتمويل من رجال أعمال تابعين لهذه القبائل، وجرى تدريب تلك المجموعات داخل مقرات تابعة للجيش في مدينتي "العريش" و"بئر العبد" بمحافظة شمال سيناء، فيما أُطلِق عليها مقاتلو "معركة التطهير". وقد اشترك، حسب تقارير عدد من منظمات حقوق الإنسان العاملة في سيناء، أطفالٌ لا تتجاوز أعمارهم 16 عامًا في مواجهة عناصر تنظيم تكفيرية في سيناء بعد أن سمحت قوات الجيش لميليشيات "اتحاد القبائل" المتحالفة معها القيام بذلك.
ومن ثم كان لاتحاد القبائل تجربة مميزة في مساعدة النظام الحالي في مواجهة التحديات الأمنية بسيناء بحكم معرفته الجيدة بالطبيعة الجغرافية للمنطقة التي انتهت باستقرار الأوضاع الأمنية والقضاء على نفوذ الجماعات التكفيرية، وقطعوا الدعم اللوجستي والإستراتيجي عن تنظيم داعش، وأغلقوا الأنفاق أمام العناصر الإرهابية. ومن ثم كان وراء رشادة قرار تشكيل اتحاد القبائل العربية بهدف استثمار نجاح اتحاد قبائل سيناء في السيطرة على الأوضاع الأمنية وتوقيت هذا القرار إنما يرتبط برغبة مصر في التصدي للتحركات الإسرائيلية في استقطاب بدو النقب، وقيامها بالتحالف مع القبائل والعشائر العربية بصحراء النقب التي لها حدود متلاصقة ومباشرة وامتداد طبيعي لسيناء وكذا أن الأمر مرتبط بالأهداف الاقتصادية والتحالف الاقتصادي المشترك بين أجهزة الدولة والعرجاني. ولقد انعكست علاقته بالأجهزة الأمنية في تشكيل اتحاد القبائل العربية إذ إنَّ نائبه في رئاسة مجموعة "العرجاني جروب" هو اللواء لؤي زمزم مدير المخابرات الحربية السابق في شمال سيناء، ونائبيه في رئاسة الاتحاد هما اللواء أحمد صقر جهينة محافظ الغربية السابق وضابط أمن الدولة، بينما نائبه الثاني هو أحمد رسلان رئيس لجنة الشؤون العربية بمجلس النواب سابقًا.
ب- دوافع اقتصادية
وصفت بعض وسائل الإعلام الغربية مثل التايمز وغيرها العرجاني بأنه تايكون (إمبراطور) اقتصادي وأنه لا يمكن لأي شخص أو شيء أنّ يمر عبر معبر رفح أو عبر العرجاني وشركاته – بما في ذلك المصريين أنفسهم من حاملي جوازات السفر المصرية – دون دفع رسوم بالدولار لشركة هلا المملوكة للعرجاني. وتقوم الشركة بالتنسيق مع الأمن المصري بشكل غير رسمي. وقد كشف تقرير للتايمز أن تلك الشركة قد حققت أرباحا تخطت المئة مليون دولار نظير فرضها رسومًا على سكان غزة الراغبين في الدخول إلى مصر قُدرت بحوالي 5000 دولار للشخص الواحد. والعرجاني تربطه صلات قوية بشخصيات لها نفوذ سياسي وأمني واقتصادي. وهو ما يتيح لشركته "تقليل أوقات الإجراءات والمرور من نقاط التفتيش أثناء الرحلة"، وهذا أمرٌ خطيرٌ جدًا لأن احتكار القوة يجب أن يكون من جانب الدولة فقط ولا يجب توكيل أي ميلشيا أو كيانات أخري خشية سوء استغلالها".
للعرجاني شبكة نفوذ واسعة تعمل في كل شيء منذ ثورة 25 يناير. حيث يمتلك مجموعة شركات تعمل في مختلف المجالات، بما في ذلك التجارة الخارجية والتعاون الدولي، وتغطي مجموعة واسعة من الخدمات داخل وخارج سيناء، كما تُعدّ من أهم المجموعات الاقتصادية المصرية التي تخدم خطة تنمية الحكومة المصرية جزءٍ من رؤية 2030. كما كان لتلك الشركات دور هام في إعادة إعمار غزة عام 2014 ثم عام 2021؛ ما جعل العرجاني بشبكات علاقاته الأمنية والاقتصادية قادرًا على لعب دور قيادي في تلك الأثناء، ومن المتوقع أيضًا أن يُكمِل هذا الدور بعد انتهاء الحرب على غزة. لقد طرح العرجاني بنفسه في أكثر من مناسبة سردية فحواها أنه لا يمكن مواجهة الإرهاب إلا من خلال المسارين التنموي عبر مشروعات التعمير والتنمية التي يقودها في سيناء، والأمني عبر مساعدته الجيش في القضاء على الإرهابيين من خلال القبائل التي تملك جغرافيا المكان وتستطيع الوصول إليهم في أي مكان.
إن مجموعة العرجاني (Organi Group) وهي الشركة القابضة التي يقع ضمن ملكيتها عدد كبير من الشركات في قطاعات عدة، تعمل بشكل أساسي في مجال المقاولات وتأسيس شركات تابعة عادة ما يكون الهدف منه تصعيب تتبعها، وعدم تكرار أسماء الشركات عند الفوز بالعقود الحكومية. فمثلا أحد هذه الشركات تعمل في استصلاح الأراضي الزراعية، ولديها مشروعات زراعية في وادي النطرون ضمن مشروع المليون ونصف فدان التابع للجيش. وتعمل أخري في مجال التسويق وتنظيم الحفلات والمؤتمرات، إذ قامت على تنظيم مهرجان العلمين ومؤتمرات شباب العالم، كما اضطلعت بتسويق مشروعات حكومية مثل مشروعات حياة كريمة وغيرها. وفى السياق نفسه، فقد أنشأ شركة للخدمات الأمنية تقدم خدمات التأمين للأحداث الرياضية والترفيهية، وأصبح لديها مثلا عقد تأمين مع النادي الأهلي، فضلا عن قيامها بتأمين مباريات المنتخب والنوادي المصرية، وما فازت به من عقودٍ عبر تشغيلها لعدد واسع من القيادات الأمنية السابقة، مثل اللواء توفيق بدير مدير أمن نادي الزمالك السابق، وقيامها بتأمين إستاد القاهرة وحفلات دار الأوبرا ... إلخ، كما أنشأت مجموعة العرجاني شركة للخرسانة الجاهزة تعمل في مشروعات تابعة للدولة، وتضاعف القطاع عدة مرات بسبب مشروعات البنية التحتية.
أما عن غزة فقد كان لشركات العرجاني نصيبٌ كبيرٌ في التعامل معها من خلال شركته للسياحة التي تتحكم في حركة العبور من غزة وإليها وتعمل في بيزنس التنسيقات الأمنية الذي جنت من ورائه ملايين الدولارات ولم يكتف بهذا، بل إنه قد أنشأ شركة مقاولات تتعاون مع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة في كل مشروعات سيناء ومشروعات إعادة إعمار غزة. وشركة للتجارة والتعمير لها حضور واسع آخر في مشروع إعادة إعمار غزة وتتحكم بشكل مباشر في مرور البضائع والشاحنات من غزة وإليها عبر معبر رفح، كما تنشط في مجال إدارة المحاجر بالشراكة مع شركات الجيش حيث تدير عددٌ من المحاجر مثل محجر جبل عتاقة بمحافظة السويس والمغارة بجبل الحلال بشمال سيناء، وشركة أخرى للصرافة تعمل في مجال تحويل الأموال. ومن ثَمَّ تُنفِّذ مجموعة العرجاني ما يزيد عن 450 مشروعا ولها العديد من الشراكات الإستراتيجية في مجالات الصناعة والزراعة والتجارة داخل مصر، فضلا عن قيامها بضخِّ استثمارات أجنبية مباشرة لتحقيق الأهداف التنموية للدولة، وتعظيم الاستفادة من جهود الدولة المنفذة لتعزيز التنمية الاقتصادية وتحسين البنية التحتية وخاصة في مدينة السيسي في سيناء.
كما يعمل العرجاني وشركاته في تأمين الحدود، وذلك من خلال استكمال البنية التحتية الخاصة بتعمير سيناء لوقف مخططات التهجير نظريًا عبر الاعتماد على القبائل العربيّة، وعمليا بدعم خطط التنمية في سيناء والعمل على إنشاء مدينة السيسي برفح المصرية شديدة القُرب من مدينة رفح الفلسطينية، وذلك على مساحة نحو 15 كيلومترًا مربعًا. والهدف أن تكون المدينة من مدن الجيل الرابع مِن حيث الخدمات والرقمنة والتقدم، وذلك كجزءٍ من خطة وطنية لتنمية سيناء وربطها بالمدن الواقعة على الضفة الغربية لقناة السويس التي تفصلها عن الوادي.
ثالثًا - أخطار تأسيس الاتحاد وتأثيراته على علاقة مصر بأطراف الصراع
من وجهة نظري، اتحاد القبائل العربية كان أمر واقع في سيناء يمتلك نفوذ وقوة اقتصادية وعسكرية ولوجستية لافتة. ولقد اختبرته الحكومة المصريّة في حربها ضد الإرهاب واستطاع أن يحقق الخطط الحكومية في السيطرة على الموقف بالتعاون مع الأجهزة الأمنية. ومن ثَمَّ وجد مسئولي القرار فيه ضالتهم وأردوا الاستثمار من وجوده الفعلي في سيناء ومثل لهم هذا الاتحاد الأيدي الخفيّة [السلاح الخفي] التي وإن أطلقت يده فإنها في الوقت نفسه تفرض عليه سيطرة شبه كاملة سواء أمنيا أو اقتصاديا. بل والأهمّ أنها تعمل معه في الظل؛ وذلك إذ تعده لتقوم باستخدامه وتوجيهه بشكل غير رسمي وغير معلن لتحقيق مصالحها من وراء ستار. يعود هذا إلى القيود المفروضة عليها لأسباب عدة أبرزها دور كامب ديفيد والعلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة. ومن ثَمّ فقد قامت الدولة بالإعلان عنه ليعمل بالوكالة عنها، ويتدخل في الوقت المناسب -حتى لا تتورط أجهزة الدولة الرسمية- أو إذا تطلب الأمر لحماية الأمن القومي خاصة فيما يتعلق بمخططات التهجير لسيناء ومنطقة فيلادلفيا الحدودية بين قطاع غزة ومصر.
ومن ثم يعمل اتحاد القبائل العربية كميليشيا لتأمين الحدود المصرية ووقف أي محاولات للتهجير القسري أو الطوعي بمعزل عن القوات المسلحة المقيدة الحركة في بعض أجزاء من سيناء. ففي حال حدوث أي مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو حماس لأي سبب كان، ستنأى الدولة بقواتها بعيدًا عن هذا الصراع وتدفع بميليشيا العرجاني لتأمَّن قواتها وتحفظ صورتها وموقفها أمام المجتمع الدولي. يرتبط الأمر كذلك بالموقف الشعبي من القضية الفلسطينية والخوف، حال حدوث أي تصعيد على الحدود، ألا تشتبك القوات المسلحة المصرية مع أي من الفصائل أو العناصر الفلسطينية، فتتصاعد الأمور ويقال إن الجيش المصري شريكٌ في قتل الفلسطينيين وهو أمر مرفوض شعبيًا وسياسيًا بحكم القيم والثقافة المصرية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، وهو ما لا تريد القيادة المخاطرة باحتمالية حدوثه حتى ولو بنسبةٍ ضئيلةٍ جدًا. والأهم من هذا من وجهة نظري أنه يمكن للسلطة السياسية في أي وقت حال حدوث أي مشاكل أو تلقيها أية اتهامات أو لوم من جانب إسرائيل أو الولايات المتحدة أن تتنصل من المسئولية بكل سهولة.
وتبرُز مخاطر هذا الاتحاد في بيان تأسيسه الذى لم يفصح عن الأدوات التي ستمكنه من مواجهة التحديات التي تواجه الدولة في سيناء، وكيف سيساهم الاتحاد كذلك في مواجهة مخطط التهجير الذي يستهدف تصفية القضية الفلسطينية –وخاصة بعد فوز دونالد ترامب في الانتخابات وطلبه صراحة أكثر من مرة من الحكومة استقبال الفلسطينيين– عبر استخدام الذراع الأمني للاتحاد الذي سبق وأن ساعد كثيرًا في مواجهة الإرهاب في سيناء، أو عبر الذراع الاقتصادي التنموي عن طريق تحويل مدن سيناء إلى مدن الجيل الرابع مِنْ حيث تطوير الخدمات وتطبيق الرقمنة. ومن ثم فهناك حالة كبيرة من عدم التأكد تحيط بقرار تشكيل اتحاد القبائل العربية.
ومن أهم المخاطر كذلك أن هذا الاتحاد قائمٌ أساسا على أساس عرقي [قبائل سيناء] وأنه قد يؤثر سلبًا على الأمن القومي والتماسك المجتمعي في مصر؛ لأنه بالأساس يغذى النعرات القبلية على حساب مبادئ المواطنة والمساواة، خاصة مع تطور تسليحها وارتكازها على شبكة مصالح لا تعبر عن تمثيل حقيقي لهذه المجتمعات وأنه ينذر باحتمالية تكراره من قِبَلِ عناصر أخرى قد تسعى لإنشاء تكوينات خاصة بها قد تكون إنسانية أو اجتماعية أو سياسية ليتصارع مع غيره، ويضطر لحماية نفسه مما يمثل خطورة شديدة على تماسك المجتمع خاصة أن ذلك يسير ضد توجه الدولة الرافض الاعتراف بالكيانات الموازية.
وكذا صار هذا الاتحاد يخاطب الكيانات الدولية متجاوزًا المؤسسات الرسمية فصار يخاطب مجلس الأمن الدولي يطالبه بوقف العدوان الإسرائيلي، وجامعة الدول العربية يطالبها بعقد لقاء لبحث الأوضاع. ومن ثَمَّ فمن المحتمل أن يؤثر ذلك على دور الوساطة التي تقوم به مصر عبر أجهزتها الرسمية لتتراجع لصالح الكيان الجديد (الاتّحاد). كما أن حجم القوى والنفوذ الاستثنائي الذي صار للعرجاني كفردٍ فاعل أمني وسياسي واقتصادي، وكونه أيضا رمزا لعدد من التقاطعات والمصالح بفعل ما يمتلكه من شركات ومشروعات تجعله منه شخصيا خطرًا محتملا. وعلى سبيل المثال فقد استُقبِلَ العرجاني بشكل رسمي داخل قاعدة الجورة العسكرية في تقليد لم يحدث من قبل إلا بشروط محددة مثل وصول ملحق عسكري لدولة أجنبية، فضلًا عن هبوطه بطائرة مدنية في مطار عسكري لأول مرة منذ عام 1982.
إن إحدى هذه المخاطر ترتبط بتعارض المصالح؛ لأن شركات المقاولات التي يمتلكها العرجاني هي التي تعمل على إنجاز عملية الإعمار والتنمية في سيناء، فضلًا عن علاقته المباشرة بالسلطات المصرية، وكذلك بحكومات دول عربية لها مصالح مباشرة في تسوية القضية. والأخطر بالتأكيد أن تتحول ميلشيا العرجاني أو تنقلب على الحكومة بما تملكه من أموال وأسلحة، فتُصبِحُ خطرًا على استقرار النظام وسلامة أراضيه. ومن ثم يتردد تشبيه اتحاد القبائل العربية بتجربة قوات الدعم السريع بالسودان- برئاسة حمداتي الذى انقلب على النظام بعد أن كان حليفه - مما دفع المتحدث الرسمي باسم الاتحاد إلى نفى ذلك والتأكيد على "أن مصر أكبر من أن يظهر بها ميليشيات أو كيانات موازية للدولة.. وأن اتحاد القبائل العربية كيان وطني مساند وداعم للدولة" .
ختاما لم تختلف السياسات المصرية بتأسيس اتحاد القبائل العربية [أي بخلق كيانات ما بعد عسكرية موازية للجيش] عن غيرها من سياسات دول المنطقة. حتى وإن سبق لها وأن انتقدتها ووصمت هذا النوع من السياسات بأنه وباء يتفشى إلا أنها لم تتمكن من تحصين نفسها من هذا الوباء. وكذا يواجه اتحاد القبائل العربية حالةً من الرفض من قِبَلِ قطاعٍ كبيرٍ من القوى السياسية والأحزاب باعتباره "كيانًا عرقيًّا و/أو مخالفًا للدستور" و "أنّ هناك خطورةً من توسع نفوذه وتسليحه"، كما أنّ هناك رفضًا لخلق أية كيانات موازية للدولة، بل لقد أعلنت الحركة المدنية أنها ستلجأ إلى القضاء لوقف خلق كيانات موازية وبديلة للدولة، ودعت إلى جمع التوقيعات ضده. بيد أنّ صمود القرار – أو التراجع عنه - يتوقّف في حقيقة الأمر على الأوضاع الأمنية في سيناء، ومدى التقدم المحرز في المفاوضات والأوضاع الأمنية والإنسانية في غزة. ومن وجهة نظري أن الأمور باتت أعقد مع إعلان العرجاني عن حزب سياسي بقيادته "الجبهة الوطنية " وفوز ترامب بانتخابات الرئاسة الأمريكية وموقفه وتصريحاته حول القضية الفلسطينية ودور مصر في هذا السياق، مما سينعكس على دور اتحاد القبائل العربية في إدارة الحدود وملفات أخرى.
شهد سكان منطقة أرض اللواء، في نهاية عام 2013، شروع الحكومة في أعمال إغلاق مزلقان أرض اللواء وإنشاء كوبريين علويين بدلاً منه: أحدهما للمشاة والآخر للسيارات. كان المزلقان يُعد المعبر السطحي الوحيد والأخير لخط السكك الحديدية الذي يفصل أرض اللواء عن منطقة المهندسين، وهو نقطة اتصال أساسية أسهمت في تأسيس علاقة ممتدة بين المنطقتين منذ نشأتهما، وتوطدت مع نموهما. جاء هذا المشروع ضمن خطة الدولة لإغلاق المزلقانات كحل جذري للقضاء على حوادث اصطدام القطارات بالمشاة أو السيارات، وقد تم تنفيذه من قبل الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بتمويل من دولة الإمارات العربية المتحدة.
أدى هذا التدخل العمراني المفاجئ إلى قيام مجموعة من السكان بتدشين حملة "متعزلناش" بهدف منع الإغلاق الكامل للمزلقان والإبقاء عليه مفتوحًا كممر ومخرج للمشاة، مع الاستمرار في تنفيذ الكوبري العلوي كبديل لحركة السيارات، مؤكدين أنهم "مع التطوير".
اعتمدت الحملة بشكل أساسي على جمع التوقيعات، حيث بلغت 16 ألف توقيع. تم نشر نموذج التوقيع مستلهمًا في تصميمه وصياغته من نظام جمع التوقيعات الذي تبنته حملة "تمرد"، كنموذج أثبت وقتها نجاحه في الحشد والتأثير العام. ساهمت هذه الحملة في لفت انتباه السلطة التنفيذية لمطالب السكان، حيث تم تنظيم العديد من اللقاءات للتشاور وفهم شكواهم، مما أدى إلى تحقيق مكاسب أهمها خلق مساحة مفقودة حاليًا تُسمع فيها شكواهم وتجد صدى بالاستجابة، التفاوض، أو حتى عرض الحلول والبدائل. بذلك، نجحت الحملة في انتزاع الحق في المشاركة المجتمعية في القضايا المتعلقة بالعمران. استطاعت الحملة صياغة مشكلة اجتماعية فاصلة ومحورية شائعة عند النظر إلى بنية المناطق اللارسمية وعلاقتها بالمناطق الرسمية. استندت في ذلك إلى خبرات السكان السابقة في التعامل مع الحدود الجغرافية الفاصلة بين المناطق، مثل السكك الحديدية، أو عبر تجربتهم مع محاور الحركة الأخرى مثل الطريق الدائري.
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.