- "فرحانة أوي بهاشتاج #الولاية_حقي عشان كم القهر والقمع اللي الست بتتعرض ليه بسبب القوانين اللي لا تمت للشرع بصلة واللي بالتبعية ليها تأثير سلبي على ولادها. - الله يرحمك يا أمي ويجعل جريك ليا أنا ومحمد لمصالحنا في ميزان حسناتك يا روحي، ويعوضك عن اللي شوفتيه".
#الولاية_حقي أبويا وأمي انفصلوا وانا تقريبا عمرى 4 سنين، أبويا اختفى تماما من حياتنا وعاش بره مصر ومشوفتوش تاني إلا لما بقى عندي حوالى 18 سنة، وطول الوقت ده أمي هي الوحيدة المسؤولة عنى وعن إخواتى الاتنين. وأنا تقريبا 12 سنة جت لي فرصة سفر للمشاركة في معسكر كشافة بره مصر فكان لازم اطلع جواز سفر، وقتها اكتشفنا أن أمي - اللي هي ولية أمرى الوحيدة اللي اعرفها طول عمرى - متقدرش تطلع لي الباسبور وإنه لازم أبويا، بس أبويا بره مصر معرفش أصلا فين يبقي جدي لأبويا أو عمى".[2]
مقدمة
قدمت حملة "الولاية حقي" -والتي تم إطلاقها عقب صدور بيان احتجاجي من مؤسسة المرأة والذاكرة يرفض مسودة قانون الأحوال الشخصية الجديد- مثالا حيا لنجاح حشد نسوي جمعي ومطالبات قادتها مجموعة من المنظمات النسوية. خرجت حملة الولاية حقي والتي حملت نفس الوسم #الولاية حقي الذي ملأ فضاءات وسائل التواصل الاجتماعي لتكشف النقاب عن أنين وألم تراكم عبر السنوات، وتحملته نساء مصريات من قطاعات وشرائح اجتماعية مختلفة. ألمٌ تشاركت فيه ناشطات وحقوقيات وربات بيوت وسيدات عاملات من مختلف المهن، جمعهن شعورهن بالظلم من قانون جعلهن مواطنات من الدرجة الثانية.
فتحت الحملة باباً ومتنفساً لقطاع عريض من النساء المصريات العاديات، يعبّرن من خلال الوسم على وسائل التواصل الاجتماعي عن معاناتهن الطويلة مع قانون غير عادل يقيد حريات النساء في مجالهن الخاص. لا يمكن إنكار أن الحملة وما خلقته من زخم مجتمعيٍّ واسع قد عكست ألم المصريات وشعورهن بغبن تاريخي. سعت الحملة كفعل اجتماعي، ربما لم يكن على الأرض، بل كانت ساحاته وسائل التواصل الاجتماعي، إلى إزاحة الستار عن المسكوت عنه، والذي أضحي وضعا مألوفا يجب على النساء التأقلم معه. وضع خلقته ثقافة وسلطة أبوية جعلت من التفسيرات الدينية والموروثات الثقافية أسانيد داعمة لعقود من الغبن.
استطاعت قطاعات نسوية عريضة الولوج إلى فضاء وسائل التواصل الاجتماعي والتعبير عن رفضها لمزيد من الوصاية على النساء، ولمعاملتهن على أنهن مواطنات من الدرجة الثانية. وقد استطاعت الحملة انتزاع مساحة، بإمكاننا تسميتها مساحة للتنفيس أو للمشاركة أو للبوح، وصل من خلالها صوت النساء المصريات لصانع السياسة في مصر، صوت يعبّر عن رفضهن القاطع لمزيد من الظلم، ولقانون لا يساعد على حماية مصلحة الأسرة والأطفال، ولمنظومة قوانين تقوّض من قدرتهن على الحركة في مجالهن الخاص.
جاءت الحملة كرد فعل رافض لمسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي طرحته الحكومة المصرية في شباط/فبراير 2021، والذي فجّر العديد من ردود الأفعال الغاضبة بين قطاعات واسعة من المنظمات النسوية بشكل خاص وأفراد المجتمع بشكل عام. حدث هذا بعد أن وافق مجلس الوزراء بشكل نهائي على مشروع القانون، وأحاله إلى مجلس النواب لمناقشته دون طرحه للنقاش العام. لطالما مثّل إصلاح منظومة قوانين الأحوال الشخصية أولوية على أجندة الحركات النسوية في مصر. والتي حاولت التعامل مع طروحات عدة خلال عقود ممتدة انتهت بإدخال تعديلات جزئية على قانون صدر منذ أكثر من قرن. هذه التعديلات الجزئية لم تنجح في تحقيق إصلاح حقيقي يعدل من فلسفة القانون التي ترسخ لعلاقات قوي غير متكافئة داخل مؤسسة الزواج، وتكرّس لثقافة أبوية اتخذت من المبررات الدينية والثقافية دعماً للإبقاء على وضع أدنى للمرأة في مقابل الرجل. جاء مشروع القانون المطروح ببعض التعديلات المحدودة مثل تقديم الأب في ترتيب الحضانة على الأطفال من المستوي الثامن عشر للمستوى الرابع، وتقنين وضع الخطبة، والتأكيد على حق الاستضافة. إلا أن القانون بجملته لم يحمل في طياته فلسفة جديدة تقوم على إعمال مبادئ العدالة والمساوة بين النساء والرجال فيما يتعلق بمسائل الأحوال الشخصية، أو تستجيب لحراك نسوي طويل ما فتئ يطالب بتغيير حقيقي يعامل النساء على أنهن مواطنات كاملات الأهلية. فعلى سبيل المثال أتت المادة (6) من مشروع القانون لتعطي الحق لولي أمر المرأة في الدفع بفسخ عقد الزواج حال ارتأى عدم الكفاءة بين الطرفين. وعلي الرغم من تحقيق النساء في مصر العديد من المكتسبات منذ عشرينيات القرن العشرين كحصولهن على حق التصويت، والترشح لممارسة العمل السياسي، ووجودهنّ بشكل كبيرٍ في المجال العام، إلا أن المرأة فيما يتعلق بمجالها الخاص مازالت تعاني من سيطرة المجتمع الأبوي الذكوري. وقد حاولت الحملة أن تلقي الضوء على حجم التناقض بين ما انتزعته النساء والحركات النسوية من حقوق في المجال العام وبين حقوق ووجود يتقلصان في المجال الخاص. ولا يعتبر درباً من دروب المبالغة إذا اعتبرنا أن الحملة قد نجحت باقتدار في استدعاء أصحاب المصلحة محاولة إيصال صوت النساء للتأثير على صانع السياسة في مصر خاصة وإظهار أن المسودة لم تُطرح للنقاش المجتمعي قبل إرسالها إلى البرلمان.
تعتمد الورقة في التحليل بشكل رئيسي على منهاجية البناء الاجتماعي للمشكلات العامة التي طورها "إيريك نوڤو" لفهم كيف تتطور مشكلة مجتمعية ما لتصبح مشكلة عامة ثم تصل بعدها لأجندة السياسات، بداية بتتبع كيف يتم تعيين وتحديد مشكلة ما، ثم علميات التأطير وإنتاج السرديات، ثم التبرير، فالانتشار والتسويق، وأخيرا طرح بدائل قابلة للتطبيق. وفي إطار التحليل، اعتمدت هذه الورقة على متابعة الحملة ونشاطاتها وتفاعلاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، وما تلاها من تغطية مكثفة على وسائل الإعلام المختلفة.
كيف تم تحديد/تعيين المشكلة؟
سعت الحملة بشكل ذكي إلى استخدام أكثر من مستوى لتحديد المشكلة وتعيينها مبتعدة بمطالب الحملة عما هو سياسي بشكل رئيسي؛ تجنبا لأية ملاحقات لشخصيات أو لمنظمات بعينها. المستوي الأول هو المستوى القانوني المتعلق بفلسفة المشروع المطروح، وهي الإشكالية ذاتها التي تحملها منظومة قوانين الأحوال الشخصية وغيرها من اللوائح القانونية التي تعامل المرأة كإنسان ناقص الأهلية القانونية، تحتاج إلى الرجل (سواء أكان أبا، أو زوجا، أو أخا، أو جدا، أو عما، أو خالا) من عائلتها أو عائلة زوجها كولي أو وصي على شئونها الخاصة أو شئون أبنائها، والوصاية على ما يتعلق بمصالحهم وشئونهم المالية والتعليمية. وأن تبعات هذا القانون لا تضر بمصالح المرأة فقط إنما ستضر لاحقا بمصالح الأطفال والأسرة بشكل عام أخذا في الاعتبار طول الإجراءات والترتيبات القانونية، وإجراءات التقاضي حال طلاق المرأة أو وفاة الزوج أو غيابه. وهذا ما أشارت له الدكتورة هدى الصدة أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة وإحدى مؤسسي مؤسسة المرأة والذاكرة التي أطلقت وسم الولاية حقي اعتراضا على مسودة القانون قائلة إن "مشروع القانون الجديد يكرس لمعاناة النساء من المواطنة المنقوصة ليستمر التناقض ما بين حقوق حصلت عليها في المجال العام وغياب للحقوق في المجال الخاص". وأكملت الصدة أن "الوزيرة التي تمثل الدولة في المحافل الدولية ليست لها الولاية على أولادها ولا تستطيع سحب أوراقهم من المدرسة بدون حضور الأب، ومديرة البنك التي تتعامل مع أموال واتفاقيات بالملايين لا تستطيع إيداع أموال ادخار لأولادها القصر في البنك؛ إذ إن الأب هو الولي قانونا ويتحكم في حساباتهم حتى يبلغوا سن الرشد". والمقصود من إشارة الصدة في هذا الشأن هو أن المعاناة واحدة بين المرأة العادية والمرأة المُمكَّنة سياسيا واقتصاديا، كلاهما أمام القانون منقوص الأهلية في هذا الشأن. يمثل مشروع القانون انتقاصا واضحا لحقوق النساء في مصر، في تناقضٍ مع الخطاب السياسي الرسمي، الحريص على التأكيد على تمكين المرأة المصرية سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا، واجتماعيا. كما أنه منافٍ لالتزامات مصر الدولية والوطنية، وهذا ما جسدته الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية.
المستوى الثاني لتعيين المشكلة، والذي حاولت الحملة التأكيد عليه لاحقا بعد انتشار الوسم وتلقف وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة له، هو مستوى السياسات أي القرارات والقوانين التي تهم النساء وكيف تتم صياغتها، ولذلك أكدت الحملة على كون مشروع القانون لم يطرح للنقاش المجتمعي، بالإضافة إلى غياب أصحاب المصلحة وممثليهم عن مرحلة إعداد المسودة.
كيف تم إنتاج السرديات وتأطير المشكلة؟
اعتراضا على مسودة القانون التي تم تسريبها في شباط/فبراير 2021، أبدت العديد من المنظمات النسوية اعتراضها واحتجاجها على هذا المشروع غير العادل والمخيب لآمال الحركات النسوية المصرية التي طالما طالبت بتغييرات حقيقية تُعلي من قيم العدالة والإنصاف. أهم هذه الاحتجاجات والذي ربما يمكن وصفه بالبيان التأسيسي للحملة كان تغريدة احتجاج مؤسسة المرأة والذاكرة وبيانها، والتي حملت وسم #الولاية حقي والتي أطلقت العنان بذكاء شديد للعديد من النساء المصريات من قطاعات وشرائح مجتمعية مختلقة للتعبير عن معاناتهن بسبب قانون الأحوال الشخصية الحالي الحاكم لأمور الولاية على الأطفال، وأمور الزواج، والطلاق، والتقاضي. والذي يحرم النساء من الولاية على شئون أبنائهن المالية والتعليمية ومن ثم عدم قدرتهن على تسيير شئون أبنائهن حال غياب الزوج نتيجة للوفاة، أو الانفصال، أو غيابه، أو رفضه القيام بواجباته. لا يمكن إغفال أن الحملة بدأت في ظل زخم مجتمعي وإعلامي مدفوعٍ بحملات ومبادرات أخرى مثل حملة "لا للتحرش" ) التي تم إطلاقها في مصر عقب تكرار حوادث تحرش متكررة، وحملة "مي تو" (أنا أيضا).
وفي هذا الإطار، اختارت الحملة أن تعتمد على سردية قوة الحكي استغلالا للمساحة التي استخدمتها العديد من النساء للتعبير عن مأساتهن مع قضية الولاية وقضايا أخرى تحرم النساء من ممارسة حقوقهن في مجالهن الخاص. اعتماد سردية قوة الحكي لم تفتح الباب فقط أمام مناقشة مسائل الولاية، وإنما العديد من المسائل الأخرى التي لا تستطيع النساء اتخاذ قرار فيها دون موافقة الأب أو الزوج، كإجراء عملية جراحية مثل إزالة الرحم لأي سبب، أو عملية ولادة قيصرية. مشاركة النساء لحكاياتهن المختلفة مستخدمين الوسم سمح لهن بكسر ما اعتقدن أنه مألوف واستقر عليه المجتمع، ووضع المجتمع من ناحية أخرى في مواجهة مع صمت طويل اعتقد هو الآخر أنه المألوف والعادي. استطاعت الحملة والوسم استدعاء أصحاب المصلحة من النساء من كافة الشرائح والخلفيات المجتمعية ليشاركن حكاياتهن.
خلقت سردية الحكي واستدعاء أصحاب المصلحة زخمًا دفع العديد من وسائل الإعلام المحلية والإقليمية من صحافة وتليفزيون لتغطية الحملة، ولاستضافة خبراء قانونيين ونشطاء وناشطات وسيدات عاديات وبرلمانيين/يات. العديد من اللقاءات التليفزيونية مثلا على التليفزيون المصري الرسمي والقنوات المصرية الفضائية استضافت نساء مررن بأزمات ومشكلات مع مسألة الولاية. أو نساء شاركن مشكلاتهن مع إيجاد سكن دون ولي الأمر، أو رفض فندق استضافة فتاة، أو فتاة احتاجت لعملية جراحية ولم توافق المستشفى دون موافقة ولي الأمر.
على سبيل المثال قامت قنوات مثل BBC عربية، وسكاي نيوز عربية، وفرانس24 بتغطية الحملة وإلقاء الضوء على تغريدات نساء مصريات شاركن قصصهن من خلال وسم الولاية حقي وأظهرن عدم عدالة القانون الحالي الحاكم لمسائل الأحوال الشخصية. كما شاركن فيه تفاصيل ما تعرضن له من مشكلات نتيجة ترتيبات الولاية الحالية. "إحنا في هذا المجتمع ناقصات تابعات"، بهذه الكلمات علقت المذيعة لميس الحديدي في برنامجها كلمة أخيرة والذي يذاع على قناة OnTV يوم 16مارس/آذار 2021.
هنا يمكن القول إن الحملة قد فتحت الباب أمام قطاع من النساء العاديات لم تكن أصواتهن مسموعة، ليست المرأة الوزيرة أو السفيرة أو عضوة البرلمان، بل ربة المنزل البسيطة أو المرأة العاملة أي كان عملها ومستوى تعليمها، طبيبة أو مهندسة أو أستاذة جامعية يجمعهن جميعا ما يمكن وصفه بمواطنة منقوصة. وفرت الحملة مساحة غير مسبوقة للعديد من النساء كي يبحن بشهاداتهن من واقع حياتي موجع للعديد منهن، يعشنه بسبب القانون الحالي المنظم للأحوال الشخصية، بالإضافة إلى لوائح قانونية أخرى.
السردية الثانية التي أنتجتها الحملة اعتمادا على كيفية تعيين المشكلة هي سردية الأرضية الحقوقية وفكرة المواطنة المنقوصة للنساء بشكل عام. فقد سمحت الحملة، بدءًا من وسائل التواصل الاجتماعي وانتقالها لدوائر وسائل الإعلام الرسمي وغير الرسمي، العام والخاص، المحلي منها والإقليمي، لحشد نسوي من منظمات نسوية ودوائر أكاديمية لتظهر حجم التناقض بين مكتسبات حققتها المرأة المصرية في مجالها العام، وحقوق تتآكل في المجال الخاص. ومن ثم يمكن القول إن الحملة بشكل شديد الذكاء جعلت من أرضية عدالة الحقوق للنساء ومنطق المساواة في المواطنة هي نقطة ارتكاز الحملة للتفاوض مع الدولة. خلقت الحملة مساحة جديدة للتفاوض، وهي مساحة أبعد من الخلاف حول قضايا الأحوال الشخصية وما تصدره أصوات رافضة من أن وضع النساء بخير ولا حاجة لمراجعته. هذه الخلفية الحقوقية مكنت العديد من المنظمات النسوية والناشطات من تطوير خطاب يؤكد على أن هذه المسودة هي تراجع لمكانة مصر، وتراجع عن التزام الدولة المصرية بدعم حقوق المرأة، بل إن ذلك يشكل تراجعا لمكانة المرأة المصرية دوليا.
على صعيد آخر وتعليقا على الحملة صرح الشيخ أحمد الترك أحد علماء الأزهر الشريف بأن الولاية الطبيعية هي ولاية الزوج وهي تكليف وليس تمييز. مضيفا أنه كما للزوج حقوق مثل الولایة، فعليه أولا واجبات لا بد من القیام بها. كما أشار الترك في تصريحات صحفية مختلفة إلى "الحاجة إلى تعديل تطبيق قانون الولاية بما يتناسب مع كل حالة، وذلك دون المساس بقواعد الشريعة الإسلامية" وأوضح أن كل سيدة متضررة من ولاية الرجل لأسباب ودوافع حقيقة عليها اللجوء إلى لقضاء وإقامة دعوة حقيقية لإسقاط ولاية زوجها.
على جانب آخر لعبت الدراما دورا هاما في حشد الرأي العام والتعبير عن حالة الرفض العام الذي عبرت عنه النساء عبر وسائل التواصل الاجتماعي ولاحقا عبر وسائل الإعلام. فخروج عملين دراميين تم عرضهم أثناء شهر رمضان خلال عاميين متتاليين 2022 و2023 "فاتن أمل حربي"، "تحت الوصاية" ساهم في دعم الحشد والزخم على المستوى الشعبي العادي الذي جسد وصور بشكل صارخ وقوي جزءًا من معاناة النساء العاديات فيما يتعلق بالولاية التعليمية والمالية حال طلاق المرأة أو وفاة الزوج.
كيف بررت الحملة مطالبها؟
هذا وقد أشارت العديد من المؤسسات النسوية إلى أن معاملة النساء كمواطنات منقوصات الأهلية القانونية يعرض العديد من النساء المواطنات العاديات وأبنائهن للضرر الشديد وأن القانون ليس عادلا في حق النساء فقط، بل يشكل خطورة على استقرار الأسرة المصرية بشكل عام. بل وذهبت العديد من الناشطات والحقوقيات والمحاميات في إطار تناولهن لأسباب الرفض والشجب لهذا القانون أنه على الرغم من تحقيق المرأة المصرية للعديد من الإنجازات والمكاسب في المجال العام إلا أنه فيما يتعلق بالمرأة وحقوقها في المجال الخاص فمازالت المرأة المصرية في معاناة، حتى مقارنة بوضع النساء في بلدان عربية أخري، معتمدات في هذا على تفسيرات مستنيرة للفقه والشريعة الإسلامية في المغرب مثلا. كما أكدت العديد منهن في مقالات صحفية ومقابلات تليفزيونية مختلفة أن منطق الاعتراض ليس فقط المرأة وحقوقها في المجال الخاص وإنما حق الأسرة والأطفال. وأن المشكلة الأساسية تكمن في فلسفة القانون الحالي والمسودة المعروضة وكلاهما غير منصف ولا عادل للنساء المصريات.
وللتدليل على ذلك يمكن النظر لبعض البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الخاصة بنسب الطلاق والخلع في مصر. فقد وصل عدد حالات الطلاق إلى 222,000، مقابل 800,000 حالة زواج، و8000 حالة ذهبت للمحكمة منها 7000 حالة خلع. مع الأخذ في الاعتبار أن مدة التقديم على الخلع هي 18 شهرا ومدة الطلاق 32 شهرا حتى تحصل السيدة على الطلاق وتحصل على نفقة لأبنائها مثلا. كل ذلك يدلل على عمق المشكلة التي تمتد إلى أبعد من الولاية التعليمية والمالية.
كما أكدت الحملة أن المحاولات السابقة لطرح مسودات قانون دائما ما حملت العوار نفسه والفلسفة المنقوصة نفسها والتي تضع المرأة في مكانة تلي الرجل أو أن مواطنتها منقوصة. على سبيل المثال، فقد سبق وأن تقدم المستشار عبد الله باجا رئيس محكمة استئناف الأسرة عام 2011 بمرسوم لتعديل لمشروع قانون للأحوال الشخصية والأسرة (رقم 25 كانون الثاني/يناير لسنة 2011) إلى رئيس مجلس الوزراء، عصام شرف. وقد اشتمل المشروع على سبع مواد، حيث طالب الباجا في المادة الأولى منه بإلغاء الخلع، وفي المادة الثالثة بانتهاء حضانة الأم ببلوغ الولد سن السابعة وبلوغ البنت سن العاشرة. كما طالب في المادة الرابعة بانفراد الأب بالولاية التعليمية وفي حالة تضرر الحاضنة عليها اللجوء إلى القضاء. كما نصت المادة الخامسة على تنفيذ الطاعة بالقوة الجبرية إذا لم تقم الزوجة بالاعتراض على الإنذار في الميعاد، أو صدور حكم نهائي بوجوب الطاعة. هذا بالإضافة إلى وقف نفقتها لحين دخولها في الطاعة. وردا على هذا المشروع غير العادل الذي لم يعرض لحوار مجتمعي تقدمت مجموعة من المنظمات النسوية ببيان رفض واحتجاج للدكتور عصام شرف، رئيس مجلس الوزراء حينها، رافضين أي مشروع قانون بشكل عام، وأي مشروع قانون للأحوال الشخصية بشكل خاص في ظل الفراغ الأمني. وأن المشروع غير عادل لنساء مصر كما أنه يصبّ في غير مصلحة الأطفال. إضافة إلى أن مشروع القانون لا يعبر عن المناخ الديمقراطي الذي تحاول ثورة يناير أن تبنيه في مصر.
إلى جانب المحاولة السابقة خرج مشروع قانون آخر في آذار/مارس 2019 قدمه الأزهر الشريف- المؤسسة الدينية الرسمية في مصر- والذي أعدته هيئة كبار العلماء واستعانت فيه بذوي الاختصاص من المهتمين بقضايا الطفل والمرأة والأسرة، مشروع قانون مستمد من الشريعة الإسلامية. وبالنظر إلى مواد المشروع المقدم نستطيع أن نرى نظرة المؤسسة الدينية الرسمية للمرأة وموقفها من مسألة ولاية المرأة. فقد نصت المادة رقم (6) من مشروع القانون على أنه لا يحق لولي المرأة منع تزويجها برجل كفئ ترضاه إذا لم يكن سبب المنع مقبولا، وللقاضي أن يزوجها في حالة رفع الأمر إليه. كذلك نصت المادة على أنه لولي المرأة الحق في اللجوء للقضاء لفسخ النكاح قبل الدخول إذا زوجت المرأة نفسها من غير كفء، أو من دون مهر المثل وقت العقد، أو فور العلم به. أما فيما يتعلق بحق الولاية التعليمية، فقد نصت المادة رقم (103) من مشروع القانون على أن الولاية التعليمية في اختيار نوعية التعليم للأب والأم بالتراضي، أما في حالة النزاع فإنها تكون للأب بشرط ألا تقل نوعية مستوى التعليم عن مستوى تعليم نظائر المحضون، وعلى الأب أداء تكاليفه، وما يلزم ذلك من نفقات انتقال وأدوات مدرسية ونحوها، بما يُعين على تلقى المحضون تعليمه بصورته المناسبة، وتكون الولاية للحاضن فيما عدا ذلك، فإن رَغب الحاضن في نوعية تعليم تزيد تكاليفه عما اختاره الأب، تحمَّل الحاضنُ فرق التكاليف. وقد نصت المادة رقم (105) من مشروع القانون على أن الولاية المالية حق للأب ثم للجد إذا لم يكن الأب قد اختار وصيًا وعلى كل من تثبت له القيام بها ولا يجوز له أن يتنحى عنها إلا بإذن المحكمة. ويمكن ملاحظة أن مشروع القانون يحرم النساء من استقلال قراراتهن بشأن حياتهن الشخصية، كما أنه يحرمهن من تولي إدارة أمور أبنائهن التعليمية والمالية، ويحصر الولاية المالية على الأب والجد. كما يحرم الأم من أي دور في اتخاذ قرارات متعلقة بحماية أموال أولادها القصر -في مجتمع تصل الأسر التي تعيلها المرأة إلى ما يقرب الثلث-. ولم يكتف المقترح بذلك، بل ألغى الولاية التعليمية للأم، وهو الأمر الذي انُتزع بعد نضال طويل لإنقاذ الأطفال من أن تكون حياتهم الدراسية أداة تنكيل، فكان كثير من الآباء إما أن يسحب الملف الدراسي ولا يرسل الطفل للمدرسة، أو يغير نظام التعليم، أو ينزل بالمستوى، أو يغير عنوان المدرسة من محافظة إلى أخرى. لم يعرض هذا المشروع على مجلس النواب نتيجة للمعارضة.
كيف انتشرت الحملة واستراتيجيات التسويق والتغطية؟
نجحت الحملة في تحقيق جذب واسع لأطياف مختلفة من النساء والرجال معا. فمتابعة الشهادات التي تمت مشاركتها عبر الوسم توضح مشاركة رجال أيضا، رجالٌ شاركوا قصصهم وقصص أمهاتهم اللاتي عانين بسبب الطلاق وما تلاه من إجراءات تقاضي طويلة، أو بسبب الولاية التعليمية والمالية. فمما لا شك فيه أن استخدام الحملة للوسم نفسه على وسائل التواصل الاجتماعي فتح مساحة للانتشار العضوي والتفاعل بشكل آمن دون الخوف من البوح، أو القلق من عواقب مشاركة الخبرات خاصة للنساء، سواء فيما يتعلق بأمور الولاية والوصاية على الأطفال أو بأمور حياتية مختلفة متعلقة بالنساء كالسفر أو تأجير مسكن أو الإقامة في فندق أو إجراء عملية جراحية دون وجود ولي شرعي. الانتشار العضوي للحملة انتقل إلى وسائل الإعلام المختلفة والتي طرحت أسئلة مفادها ماذا هنالك؟ ما السبب وراء غضب المصريات؟ ما المطالب التي تطرحها حملة الولاية حقي؟ كما واصلت العديد من الناشطات النسويات ظهورهن على منصات مختلفة أو وسائل الإعلام للحديث وتوثيق حكي النساء عن معاناتهن والمطالبة بإصلاح حقيقي وجذري. كما تم تنظيم فعاليات وحلقات نقاشية أونلاين دعت لها بعض المنظمات النسوية.
على الجانب السياساتي جعلت بعض بيوت الخبرة والمراكز المتخصصة مسودة القانون المطروحة ومناقشة حقوق النساء في المجالين الخاص والعام موضوعًا لمناقشاتها ولأوراق بحثية تهدف إلى فهم كيفية صنع السياسات المؤثرة على حياة النساء، ومن هم أهم الفاعلين المؤثرين؟ ولماذا تأتي دائما معظم السياسات المؤثرة على حياة النساء بشكل فوقي، يعني سياسات تتبناها السلطة السياسية فقط؟ ولماذا لا توجد حركة نسوية قاعدية من شأنها خلق حشد مجتمعي يغير من الوعي الجمعي المصري ويؤثر على صانع القرار. ساهمت مثل هذه اللقاءات والدراسات في نشر الحملة ومطالبها بين دوائر ناشطية وإعلامية وأكاديمية مختلفة.
صياغة المطالب والبدائل
بشكل عام اجتمعت مطالبات العديد من المنظمات النسوية على الحاجة إلى قانون مدني جديد للأحوال الشخصية وليس مجرد إدخال تحسينات أو تعديلات طفيفة على القانون الحالي. فالحاجة ملحة لقانون أكثر عدلا يعامل النساء في مصر على أنهن مواطنات كاملات الأهلية القانونية يستطعن من خلاله السيطرة على أنفسهن وعلـى أمورهن ، وشئون أبنائهن لاحقا سواء حال الطلاق أو الانفصال عن الزوج أو غياب الزوج لأي سبب. بل وأكدت الحملة على أهمية مراجعة قوانين أخرى من شانها التأثير سلبا على ممارسة النساء لحقوقهن في المجالين العام والخاص. وقد أشارت العديد من مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات النسوية إلى أن هناك العديد من المقترحات والمسودات المطروحة والتي تحتاج إلى مناقشة جادة وحوار مجتمعي حقيقي يضم جميع الأطراف المجتمعية والرسمية.
وفي هذا السياق قدمت مؤسسة "قضايا المرأة" مجموعة من التوصيات والمقترحات لوزارة العدل وللجنة التي تم تشكيلها من عشرة قضاة لإعادة النظر في مشروع قانون الأحوال الشخصية، بعد أن دشنت المؤسسة حملة مساندة لحملة الولاية حقي حملت وسم #قانون أسرة عادل. وقد اشتملت هذه المقترحات على عدة تعديلات منها السماح باستضافة الأطفال لدى الطرف غير الحاضن مع ضمان عودته للطرف الحاكم، وتعديل ترتيب الأب في مستحقي الحضانة ليكون التالي للأم، وعدم توثيق الطلاق إلا بعد حصول النساء على حقوقهن المكفولة بالقانون عند الطلاق، وحق المرأة المُغتصَبة في نسب طفلها إلى المُغتصِب، وإمكانية تضمن عقد الزواج شروط مثل اقتسام الثروة المكتسبة أثناء الزواج عند الطلاق، وتحديد كيفية ذلك من حيث النسبة المخصصة لكل طرف. وفضلًا عن ذلك فقد اشتملت المقترحات التي تقدمت بها مؤسسة قضايا المرأة المصرية إلى لجنة صياغة مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد اقتراحا بتشكيل لجان استماع لضمان مشاركة أوسع في صياغة المشروع الجديد. وفي محاولة للبناء على المساحة المكتسبة التي حققتها الحملة دفعت كل من مؤسسة قضايا المرأة المصرية ومؤسسة المرأة والذاكرة بحملة جديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي حملت اسم "نحو قانون أسرة عادل" والتي اختتمت أنشطتها في آذار/مارس 2022 ببيان عرضت فيه المؤسستان عبر لقاءات متعددة ضمت خبراء وقانونيين ونشطاء خلاصة ما تم من أنشطة خلال الحملة. كما فيه تسليط الضوء على أهم نقاط التمييز ضد المرأة والتي يحرمها من تمتعها بأهلية قانونية كاملة على نفسها وجسدها ويمكنها من تيسير شئون أولادها. وقد دعا البيان الختامي للحملة إلى التوقيع على بيان يطالب بقانون أسرة متوازن يراعي مصالح الأسرة والطفل أولا، ولا ينتقص من حقوق النساء نهاية. وقد وقع على البيان 60عضوًا وعضوة بالبرلمان على رأسهم العضوة نشوى الديب التي تبنت بيان حملة قانون أسرة عادل.
وفي إطار تسجيل نجاح المساحات المنتزعة قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بمداخلة تليفزيونية مع المذيعة عزة مصطفي في برنامجها صالة التحرير على قناة صدي البلد مؤكدا على أنه لن يقوم بالموافقة على قانون غير متوازن أو قانون ينتقص من حقوق المرأة المصرية بشكل عام، وأن الأسرة المصرية هي الأهم، وأن الحاجة إلى قانون عادل ومتوازن يحافظ على الأسرة واستقرارها ويقلل من نسب الطلاق ويعدل شروط عقد الزواج هو مبتغى أي قانون. وفي لقاء آخر علق رئيس الجمهورية بأن الدولة حريصة على عقد حوار مجتمعي حول القانون. كما قام المجلس القومي للمرأة في مصر بعمل دراسة مقارنة لبعض الدول الإسلامية والعربية، وتحليل البني القانونية الخاصة بالأحوال الشخصية، وإضافة إلى ذلك فقد تم إدراج مسائل الولاية التعليمية والمالية إلى جلسات الحوار الوطني عقب عرض مسلسل تحت الوصاية رمضان 2023.
الخاتمة
مثلت حملة الولاية حقي نموذجا لحشد نسوي جمعي حمل مطالب وهموم حركات نسوية مصرية عبر عقود طويلة نادت بالحاجة إلى إعادة النظر لملف منظومة الأحوال الشخصية في مصر. وقد استطاعت الحملة من خلال مستويات التعيين وبناء السرديات والتسويق لمطالبها أن تستدعي من لا صوت لهم من النساء لتكون أصواتهن حاضرة وبقوة؛ لرفض أي قانون أو سياسة تمثل تراجعًا لوضع النساء. ووضعت الحملة المجتمع وصانع القرار أمام تناقض السلطة وأبويتها بين ادعاء بتدعيم المرأة المصرية وحضورها في المجال العام من خلال تمثيل سياسي في الحكومة المصرية أو في البرلمان المصري، ومنظومة قوانين تقوض من حرية النساء في مجالهن الخاص، وتصر على معاملة المرأة كمواطن منقوص الأهلية. أخيرًا وعلى مستوى صناعة السياسات، فقد أكدت أدبيات السياسات العامة أنه لا يمكن فهم سياسة عامة دون تحليل وفهم السياقات السياسية والاجتماعية التي يتم إنتاج هذه السياسات فيها. ولا يمكن إنكار أن مساحة التعددية خلال العقد الأخير آخذة في الضيق، وعلى الرغم من ذلك فقد استطاعت الحملة، بمطالبها المبنية على أرضية الحقوق المطالبة بإعمال مبادئ العدالة والمساواة والإنصاف، خلق حالة غير مسبوقة من التضامن المجتمعي بعيدا عن أي حشد سياسي. وأثبتت الحملة أنه حتى في ظل نظم ومساحات تعددية محدودة وضيقة يمكن تطوير أدوات للحركة والتأثير على سياسة ما.
ساندرين لانجامبو. خمس سنوات من انطلاق حملة "مي تو". BBC العالمية. 13 تشرين الأول/أكتوبر 2021، https://www.bbc.com/arabic/world-63219189
تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.